استعرض النسخة الجديدة من الموقع
الآية 13 من سورة إبراهيم
عدد الزوار : 2158
تاريخ الإضافة : 6 رمضان 1428
MP3 : 3903 kb
PDF : 169 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة كيف نفهم هذه الآية

الآية 13 من سورة إبراهيم

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فيقول الله -تبارك وتعالى- في سورة إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ إبراهيم:13، قوله -تبارك وتعالى- عن قيل هؤلاء المكذبين لرسلهم -عليهم الصلاة والسلام-: لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا إبراهيم:13، هل كان الرسل -عليهم الصلاة والسلام- على دين قومهم كما قد يُفهم من ظاهر هذه الآية؟

يعني كانوا على الإشراك ثم هداهم الله -عز وجل- إلى الإيمان والتوحيد، وأرسل إليهم رسوله الملائكي جبريل -عليه الصلاة والسلام- بما شاء من وحيه، هذه الآية مع قول الله -جل جلاله- عن قيل قوم شعيب لشعيب -عليه الصلاة والسلام- ومن معه من المؤمنين: لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا الأعراف:88، فهذه الآية أو هاتان الآيتان هل يُفهم من ظاهرهما كما فهمه بعضهم أن الرسل -عليهم الصلاة والسلام- كانوا على دين قومهم؟

الجواب: أن هذا الظاهر الذي قد يُفهم من الآية غير مراد، فالرسل -عليهم الصلاة والسلام- ما كانوا على دين قومهم قط، والله -تبارك وتعالى- أخبر في سورة الأنعام عن المناظرة التي جرت بين إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- وبين عبدة الكواكب، فهو -عليه الصلاة والسلام- حينما رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ الأنعام:76-78، فهل كان إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- في ذلك الحين ناظراً أو مناظرا؟، هل قال ذلك على سبيل التنزل مع الخصم مع المخالفين من أجل إلقامهم الحجة، أو كان يعتقد عبادة الكوكب في أول الأمر فلما تبين له بطلانه توجه إلى عبادة الله -عز وجل- وحده لا شريك له؟.

الراجح الذي عليه كثير من المحققين أن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- كان مناظراً لا ناظراً، ومعنى كان مناظراً أنه قاله على سبيل التنزل.

 

الراجح الذي عليه كثير من المحققين أن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- كان مناظراً لا ناظراً، ومعنى كان مناظراً أنه قاله على سبيل التنزل.

 

وبعض أهل العلم يقول: فيه استفهام مقدر، "هذا ربي" يعني أهذا ربي؟، على سبيل الاستنكار والاستبعاد، والله -عز وجل- نفى عن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- الشرك في الكون الماضي فقال: وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ النحل:120، ونفي الشرك في الكون الماضي ينفي ذلك عنه في الأزمنة الثلاثة، في الماضي، والحاضر، والمستقبل، وهنا لما قالوا لرسلهم -عليهم الصلاة والسلام-: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا إبراهيم:13، خيروهم بين الأمرين، أو على المعنى الآخر أن "أو" بمعنى "حتى"، أن العَود في لغة العرب وهذا من خصائصها كما ذكره الثعالبي في فقه اللغة، أن كلمة عاد تأتي لمعنيين:  

تأتي بمعنى العود إلى الشيء الذي كان عليه، تقول: عاد فلان إلى عادته، عاد فلان إلى خلقه، عاد فلان إلى عمله الأول، بمعنى رجع، وتأتي بمعنى الصيرورة المطلقة تقول: عاد الفتى كهلاً، هو لم يكن كهلاً، وإنما بمعنى صار، وعاد الطين خزفاً وهو لم يكن خزفاً، وعاد الماء ثلجاً، وعاد التراب طيناً، وعاد الخشب كرسيًّا بمعنى صار، والمعنيان يحتملهما قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المشهور: (لا تقوم الساعة حتى تعود جزيرة العرب مروجاً وأنهارا)([1])، والذين يتكلمون في الإعجاز العملي يقولون بأن هذا الحديث يدل على أنها كانت كذلك في الزمن الماضي كانت مروجاً وأنهاراً وستعود كذلك، نحن نقول: الحديث لا يدل على هذا بالضرورة، هذا على أحد المعنيين وكان ينبغي عليهم أن يُعبروا فيقولوا: هذا الحديث على أحد المعنيين اللذين يحتملهما، يُفهم منه أنها كانت كذلك، (حتى تعود جزيرة العرب)، يمكن أن تكون كانت كذلك ثم ترجع إلى حالتها السابقة.

ويمكن أن يكون المراد (حتى تعود جزيرة العرب)، أي: حتى تصير جزيرة العرب، كما تقول: عادت هذه الصحراء حُلة مُخضرة، وهي لم تكن كذلك، فهذا معنى، وهذا موضع في سورة إبراهيم -عليه الصلاة والسلام.

وفي سورة الحجر يقول الله -تبارك وتعالى-: وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ الحجر:14-15، في قوله -تبارك وتعالى- هنا وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ الحجر:14، أكثر المفسرين من السلف فمن بعدهم قالوا: "ولو فتحنا عليهم"، أي: على الكفار والمشركين، بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ الحجر:14، أي: الملائكة تعرج، والناس هؤلاء من الكفار يرونهم، يرون الملائكة تصعد، والسموات لها أبواب، لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا الحجر:15، وهذه قراءة الجمهور.

والقراءة الأخرى المتواترة: لقالوا إنما سُكِرت أبصارنا بالتخفيف، بمعنى سُدت، والمعنى أنهم يقولون ذلك على سبيل المكابرة بإجماع المفسرين، يقولونه على سبيل المكابرة كما قال الله -عز وجل-: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً الإسراء:59، أي: آية مبصرة، فَظَلَمُوا بِهَا الإسراء:59، يعني: كذبوا بها، فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا الأعراف:77، والله -تبارك وتعالى- يقول عن هؤلاء المكذبين كما قال عن الفراعنة لما قالوا لموسى -عليه الصلاة والسلام-: مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ الأعراف:132، في غاية المكابرة، فهؤلاء يقترحون الآيات -يعني المعجزات-، حوِّل لنا الصفا ذهباً، لماذا لا يكون لك قصر من ذهب؟، لماذا لا يأتي الملائكة معك؟، لماذا لا تكون لك جنة من وصفها كذا وكذا؟، لماذا لا تزيح عنا جبال مكة؟.

 

هؤلاء يقترحون الآيات -يعني المعجزات-، حوِّل لنا الصفا ذهباً، لماذا لا يكون لك قصر من ذهب؟، لماذا لا يأتي الملائكة معك؟، لماذا لا تكون لك جنة من وصفها كذا وكذا؟، لماذا لا تزيح عنا جبال مكة؟.

 

كل هذا من باب التعنت، فالله -عز وجل- يقول: هؤلاء لا يؤمنون، يقول: وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ الحجر:14، ورأوا الملائكة تعرج لقالوا: سَحرنا، لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا الحجر:15، سَحرنا محمد، أُخذت أبصارنا، بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ الحجر:15، سُدت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون، هذا هو المعنى الذي عليه عامة أهل العلم.

ومن أهل العلم من قال وهو اختيار الحافظ ابن كثير: إن قوله -تبارك وتعالى-: فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ الحجر:14، أي: الكفار يعرجون وليس المقصود الملائكة، لو صعدوا لكابروا غاية المكابرة وقالوا: سحرنا محمد، والذين يتكلمون عن الإعجاز يقولون: إن هذه الآية ليس هذا هو المراد منها، ما هو المراد؟

قالوا: المراد لو أنهم صعدوا فعلاً وتجاوزوا الغلاف الجوي لصاروا إلى ظلمة تامة، فإذا صاروا إلى الظلمة التامة سيقولون: أين ذهبت أبصارنا؟، سُكرت أبصارنا، أُخذت، بل نحن قوم مسحورون، فيقولون: فمن أدرى محمدًا -صلى الله عليه وسلم- أن ما فوق الغلاف الجوي أنه ظلمة تامة؟، هكذا يزعمون، والآية لا تدل على هذا أبداً، نحن لا ننكر أن ما فوق الغلاف الجوي أنه ظلمة، لا نتكلم عن هذا، لكن هل الآية تدل عليه؟  

بإجماع المفسرين، بالإجماع قالوا: إنهم يقولون ذلك على سبيل المكابرة لو رأوا الملائكة تصعد أو هم صعدوا لكابروا، ليس أنهم يصيرون إلى ظلمة ويستغربون ويقولون: أين ذهبت أبصارنا، والله تعالى أعلم.

وليس معنى ذلك أننا ننكر الإعجاز العلمي، نحن لا ننكر الإعجاز العلمي، يوجد من ينكر الإعجاز العلمي، وأظن أن هذا شطط، والتوسط في الأمور والاعتدال والروية وعدم التسرع في تحميل كلام الله -عز وجل- ما لا يحتمل هذا هو الواجب، هناك أشياء صحيحة ومقبولة، وهناك أشياء ما يدل عليها القرآن، تخالف إجماع السلف فهذه تُرد، فلا يفهم أحد أن المقصود هو إبطال الإعجاز العلمي، أنا لا أقول بهذا إطلاقاً.

وأسأل الله -عز وجل- أن ينفعنا وإياكم بالقرآن العظيم، ويجعلنا وإياكم هداة مهتدين، ويتقبل منا ومنكم.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.



[1]- أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها، برقم (157).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about