استعرض النسخة الجديدة من الموقع
الآية 199 من سورة آل عمران
عدد الزوار : 3202
تاريخ الإضافة : 8 رمضان 1426
MP3 : 10973 kb
PDF : 178 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة كيف نفهم هذه الآية

الآية 199 من سورة آل عمران

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد،وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

الآية الأخيرة التي قد تُفهم على غير مراد الله -عز وجل- منها، ولربما تعلق بها بعض الملبِّسين، وأبانوا معنى لا يريده الله -عز وجل-، وهذه الآية لها نظائر في كتاب الله -جل جلاله-.

وأعني بذلك تلك الآيات التي لربما يُفهم من ظاهرها الثناء على أهل الكتاب، أو الشهادة لهم بالإيمان، أو حسن العاقبة والجنة، والقبول عند الله -عز وجل-.

فمن ذلك قول الله -تبارك وتعالى- في سورة آل عمران: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ آل عمران:199، وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ، فهذه الآية ذكر الله -عز وجل- فيها في هذا السياق الثناء عليهم، والشهادة بالإيمان، وأثبت لهم الأجر لَهُمْ أَجْرُهُمْ، وحسن العاقبة، فهل هذه لعموم أهل الكتاب؟

الجواب: لا؛ لأن هذه الآية صريحة في المؤمنين منهم لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ آل عمران:199، فالذين يؤمنون بما أُنزل إلينا يؤمنون بالقرآن، وبالوحي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأنه رسول من عند الله حقًّا، طوائف أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يتابعوه هم كفار قطعاً

 

الذين يؤمنون بما أُنزل إلينا يؤمنون بالقرآن، وبالوحي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأنه رسول من عند الله حقًّا، طوائف أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يتابعوه هم كفار قطعاً

 

، لا يدخلون في هذه الآية بل هم حطب النار، ولا يجوز لأحد أن يشك في هذه الحقيقة، ومن شك فيها فهو كافر، يُحشر محشرهم، ويكون له حكمهم،خارجٌ من دين الله -عز وجل-؛ لأنه مكذب بالقرآن، وقد ظهر بعض من يُلبس في عصر الهزيمة، في عصر الخذلان والخور، ويقول: هؤلاء من المؤمنين يؤمنون بكتاب ويؤمنون بالله، ومثل هؤلاء يدخلون الجنة، والجنة ليست فقط للمسلمين.

نقول: لا، الجنة فقط للمسلمين، وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار)([1]).

وصح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه أخبر أن كل مسلم في اليوم الآخر يُعطَى يهوديًّا أو نصرانيًّا، ويقال: هذا فكاكك من النار([2])، يعني: كأنه عتق له من النار، أو يكون فداء له من النار، فيقُحم فيها ذلك اليهودي أو النصراني.

ومن هذه الآيات التي لربما يُفهم منها معنى لا يريده الله -عز وجل- قوله في الآية الثانية والستين من سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ البقرة:62، فهذه في أتباع الأنبياء قبل بعث النبي -صلى الله عليه وسلم-، كل من تابع نبيًّا وكان على الدين الذي لم يُحرف فهم يدخلون الجنة، أتباع موسى -صلى الله عليه وسلم-، أتباع عيسى، أتباع نوح -عليه الصلاة والسلام-، أتباع هود، أتباع صالح، جميع أتباع الأنبياء،كل الذين اتبعوهم، أمّا الصابئون ففُسر بأنها طائفة من الموحدين على الفطرة لم يُبعث لهم نبي، وفُسر بأنهم طائفة من النصارى كانوا على التوحيد.

فالمقصود أن كل تابع لنبي قبل أن يُنسخ ذلك الدين فإنه إن كان على دين النبي من غير تحريف فإنه موعود بدخول الجنة، تعرفون الحديث: لما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- سواداً عظيماً فظن أنهم أمته، فأُخبر أنهم أمة موسى -عليه الصلاة والسلام-([3])، يعني: يدخلون الجنة، فالحاصل أن هذه الآية، وكذلك في آية آل عمران لما قال الله -عز وجل- لما ذكر أهل الكتاب قال: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ آل عمران:113-115، فهذه الآيات كلها في الذين كانوا على دين نبي قبل مبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

والقسم الآخر من الآيات هي في أولئك الذين اتبعوا رسول الله وآمنوا به كآية آل عمران التي ذكرتها آنفاً، أعني: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا آل عمران:199، وكذلك يقول الله -عز وجل-: لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ النساء:162، فهذه الآية في المؤمنين،"يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك"،فهم تابعوا النبي   -صلى الله عليه وسلم-، فهل أهل الكتاب الآن يؤمنون بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم-؟،يؤمنون أنه رسول يتبعونه؟ أبداً، هم أكفر الخلق، والنصارى هؤلاء الذين في عصرنا جمعوا بين الضلال والغضب في قوله -تبارك وتعالى-: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ الفاتحة:7، فسرها النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن غير المغضوب عليهم هم اليهود عرفوا الحق فأنكروه، والضُلال هم النصارى ضلوا بجهلهم، أما اليوم فهم جمعوا بين الضلال والغضب، وفي سورة المائدة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ المائدة:69، هذا في الذين كانوا من أتباع الأنبياء قبل مبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكذلك في قوله: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى المائدة:82، لماذا ليس هم النصارى الموجودين الآن؟، هؤلاء يذبحون المسلمين يفرونهم فرياً -نسأل الله العافية-،هل هناك شيء تركوه وما فعلوه إلى الآن؟.

رأيتم في سجن أبي غريب كيف يفعلون، وكيف الحقد، كما قال الله -عز وجل-: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ الممتحنة:2، فالحاصل هم أعداء لكن إن يظفروا بكم تتحول العداوة إلى عمل بسط اليد واللسان -نسأل الله العافية- كما رأينا.

 

هم أعداء لكن إن يظفروا بكم تتحول العداوة إلى عمل بسط اليد واللسان -نسأل الله العافية- كما رأينا.

 

والمقصود أن قول الله -عز وجل-: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى المائدة:82، لماذا؟ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ المائدة:82-85، فهؤلاء الآن الموجودون من اليهود والنصارى إذا سمعوا القرآن ترى أعينهم تفيض من الدمع! فمثل هؤلاء لا تفيض أعينهم ولا يقولون: ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين، فلا بد أن نُكمل الآية، فلا يصح أن نقول: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الماعون:4، ونسكت، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الماعون:5، وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى المائدة:82-83، فهؤلاء المؤمنون بمحمد -صلى الله عليه وسلم- من أهل الكتاب، النجاشي ومن كان معه من القسس والرهبان الذين بكوا لما قرأ عليهم عبد الله بن رواحة -رضي الله عنه- القرآن،  وخبرهم في ذلك معروف، ويُبين ذلك آية الأعراف الآية الخامسة والخمسون بعد المائة وهي قوله: وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا الأعراف:155، إلى أن قال الله -عز وجل- عنه: وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ الأعراف:156، إلى أن قال: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ الأعراف:157، لما قال الله -عز وجل- بعدها: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ الأعراف:157، إلى آخر الآية، فهي في المؤمنين قطعاً من أهل الكتاب، وليست في الكفار الذين لا يزيدهم سماع الآيات أو سماع القرآن إلا كفراً وعتوًّا وإعراضاً، والقرآن مليء بالآيات التي تذكر كفر أهل الكتاب ونكولهم، وتتوعد هؤلاء بالنار والعذاب،ولعنهم الله -عز وجل- في مواضع من هذا القرآن وبين مخازيهم في آيات كثيرة، لعلي أتعرض لشيء من ذلك في مجلس آخر.

وصلى الله على نبينا محمد.



[1]- أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته، برقم (153).

[2]- أخرجه أحمد في المسند، برقم (19650)، بلفظ: (ما من مؤمن يوم القيامة إلا يأتي بيهودي أو نصراني يقول: هذا فداي من النار)، وقال محققوه: "صحيح بغير هذه السياقة، وهذا إسناد ضعيف لضعف أبي معشر -وهو نجيح بن عبد الرحمن السندي المدني مولى بني هاشم- ومصعب بن ثابت، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين، غير خلف بن الوليد، فمن رجال "التعجيل"، وهو ثقة".

[3]- أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب وفاة موسى وذِكره بعدُ، برقم (3410)، بلفظ: (عُرضت عليّ الأمم، ورأيت سوادا كثيرا سد الأفق، فقيل: هذا موسى في قومه)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، برقم (220).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about