استعرض النسخة الجديدة من الموقع
الآية 102 من سورة البقرة
عدد الزوار : 9154
تاريخ الإضافة : 6 رمضان 1425
MP3 : 12279 kb
PDF : 171 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة كيف نفهم هذه الآية

الآية 102 من سورة البقرة

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذه هي الآية الثالثة من الآيات التي قد تلتبس، أو تُشكل على القارئ لكتاب الله -عز وجل-، وهي أيضاً من سورة البقرة، وذلك قول الله -تبارك وتعالى- عن اليهود: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ البقرة:102، فهذه الآية تصف حال اليهود الذين تركوا ما جاء به أنبياؤهم -عليهم الصلاة والسلام- كما قال الله -عز وجل- قبلها تماماً: وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ البقرة:101-102، وذلك جَزَاءً وِفَاقًا النبأ:26، وقد تحدثت عن هذا المعنى بالذات مرات عديدة في مناسبات شتى وهو: أن من ترك ما طولب به وما هو بصدده عاقبه الله -عز وجل- بالاشتغال بضده مما يضره،

 

من ترك ما طولب به وما هو بصدده عاقبه الله -عز وجل- بالاشتغال بضده مما يضره،

 

هؤلاء تركوا الوحي وتركوا التوراة والعمل بها فكان جزاؤهم أن اشتغلوا بضد ذلك تماماً وهو غاية الكفر والباطل وهو السحر، ليس الحديث عن هذا إنما الحديث عن موطن الإشكال في الآية، فهذه الآية إذا نظرتم في كتب التفسير تجدون فيها عشرات الروايات، وتجدون أن كثيراً من المفسرين يملأ الصفحات الطويلة بمرويات إسرائيلية، وأحاديث ضعيفة لا يُبنى عليها حكم في مسائل يسيرة، فكيف بمسألة عظيمة كهذه؟!.

فالله -عز وجل- يقول عن اليهود: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ البقرة:102، أي: اتبع اليهود ما تتلو الشياطين، أي: ما تبثه وتقرؤه على ملك سليمان، أي: على عهد سليمان، وعلى زمان سليمان، فـ"ما تتلو" مضمن معنى ما تكذب وتفتري، والفعل يُضمن معنى الفعل، ويُعدى تعديته، فالمقصود: اتبع اليهود ما تتلوه وتقرؤه وتفتريه وتبثه الشياطين على زمن سليمان وعهد سليمان، إبان ملكه -صلى الله عليه وسلم.

ثم قال: وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا البقرة:102، سليمان -عليه الصلاة والسلام- كان نبيًّا من أنبياء الله، وقد أعطاه الله الملك مع ذلك، فلم يكفر، ولم يتعامل بالسحر، وإنما الذي كفر هم الشياطين، ماذا صنع الشياطين؟ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ البقرة:102، فهذا يدل على أن تعليم وتعلم السحر أمر محرم، يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَالبقرة:102.

ثم قال: وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ البقرة:102، هذا موضع الإشكال في الآية، ما هو المعنى؟ ما هو المراد وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ البقرة:102؟ هل "ما" هنا موصولة فيكون المعنى هكذا: اتبعوا ما تتلوه الشياطين وتقرؤه وتبثه على عهد سليمان -صلى الله عليه وسلم- وما كفر سليمان ولكن الذين كفروا هم الشياطين حيث كانوا يعلمون الناس السحر والذي أُنزل على الملكين ببابل؟، يعني: أن هذا السحر أُنزل على الملكين ببابل، من هما؟  

هاروت وماروت، وَمَا يُعَلِّمَانِ يعني: هذين الملكين هاروت وماروت، مِنْ أَحَدٍ، يعني: شيئًا من السحر، حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ البقرة:102، فعلى هذا المعنى الذي ذهب إليه جماعة كثيرة من السلف فمن بعدهم يكون المقصود أن هؤلاء اليهود اتبعوا السحر، اتبعوا ما تتلوه وتبثه الشياطين أيام سليمان -صلى الله عليه وسلم-، وسليمان -عليه الصلاة والسلام- بريء من ذلك، ولكن هؤلاء الذين كفروا هم الشياطين حيث كانوا يعلمون الناس السحر ويعلمونهم الذي أُنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت، هذا المعنى ذهب إليه كثير من المفسرين ومنهم كبير المفسرين ابن جرير الطبري -رحمه الله-، ومنهم الحافظ ابن كثير، وطائفة كبيرة جدًّا.

 لكنهم افترقوا في توجيه ذلك، فكبير المفسرين ومن نحا نحوه وهم كثير، قالوا: إن هؤلاء الملائكة الذين أُنزل عليهم السحر ببابل كان ذلك فتنة للناس كما قال الله -عز وجل-: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ البقرة:102، فإذا قيل لهؤلاء العلماء: كيف يقع هذا من ملائكة وهم لا يعصون الله ما أمرهم؟

قالوا: إن الله أنزلهم ابتلاء للخلق ليختبرهم، وبالتالي هم مطيعون لله -عز وجل- غير عاصين، هذا الذي قاله ابن جرير.

والفريق الآخر ممن قالوا هم ملائكة كابن كثير -رحمه الله-، قالوا: لا، إن هؤلاء من الملائكة وما نزلوا استجابة لأمر الله -عز وجل- ليفتتن من يفتتن، وإنما كان ذلك خروجاً عن طاعة الله ونكوصاً على الأعقاب، كما أن إبليس على القول الآخر بأنه من الملائكة، والصحيح أنه من الجن، على القول بأنه من الملائكة فكفر بالله -عز وجل- وأبى السجود لآدم، فأذله الله -عز وجل- ولعنه وطرده وأهبطه من الجنة، أو أخرجه من مجتمع الملائكة، فهؤلاء يقولون: إن هؤلاء الملائكة فُتنوا، ويذكرون روايات إسرائيلية كثيرة جدًّا لا يُبنى عليها حكم، هؤلاء هم الذين قالوا: إنهم ملائكة.

ومن أهل العلم من قال: إنهم ملائكة، والمعصية تتصور من الملائكة، ولكنها بتكلف، وإنما سجيتهم الطاعة، كما أن البشر يأتون الطاعة تكلفاً، فالملائكة عكس ذلك، وهذا قول قال به بعض الناس، ولكنه قول باطل.

وبعض العلماء قال: إن هؤلاء ملائكة ولكن الله أنزلهم ليفصل الأمر ويحصل الفرقان، أي فرقان؟

قالوا: انتشر السحر في ذلك الوقت انتشاراً كبيراً، وصار السحرة والكهنة يُلبسون على الناس ويقولون: هذا الذي يأتي به الأنبياء من خبر السماء نحن عندنا منه طرف، فيأتون لهم بالأمور الغيبية عن طريق استراق السمع، فجاء هؤلاء الملائكة وصاروا يعلمون الناس السحر ليعرف الناس الفرق بين السحر وبين الوحي، ولكن هذا القول فيه نظر، إذ إن الله قال: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ البقرة:102، فهذه الأقوال الثلاثة كلها ترجع إلى شيء واحد، وهو أن هؤلاء من الملائكة.

القول الآخر: أن هذين الملكَيْن هما قبيلان من الجن كما جاء ذلك عن ابن عباس، وهنا لا إشكال الجن يقع منهم الكفر.

ومنهم من قال: إن هؤلاء من البشر، وهؤلاء طائفة منهم قالوا: المقصود بالملَكيْن هي لغة بالملِكيْن، الملوك يقال: ملِكيْن وملَكيْن، ملِك وملَك، الملِك من ملوك الدنيا، وقالوا: المقصود بهما سليمان وداود -صلى الله عليه وسلم-، ما المعنى؟

المعنى أن اليهود اتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان، يعني: على عهد سليمان من السحر، وما كفر سليمان، سليمان بريء من هذا كله، ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر، ثم وماذا؟ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ البقرة:102، إذا قلنا: إنهما داود وسليمان تكون "ما" نافية، الشياطين يعلمون الناس السحر، من هم الشياطين؟ هاروت وماروت، متأخر، يكون المعنى هكذا: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ البقرة:102، ثم تقف، وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ البقرة:102، ما أُنزل السحر، "ما" نافية لم يُنزل السحر على الملَكين، يعني: الملِكين اللذيْن هم داود وسليمان أو ملِكين من ملوك الدنيا، أو حتى على القول بأنهم من الملائكة نفى عنهم هذا لم يُنزل السحر عليهم،

 

ما أُنزل السحر، "ما" نافية لم يُنزل السحر على الملَكين، يعني: الملِكين اللذيْن هم داود وسليمان أو ملِكين من ملوك الدنيا، أو حتى على القول بأنهم من الملائكة نفى عنهم هذا لم يُنزل السحر عليهم،

 

وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ ثم قال: هَارُوتَ وَمَارُوتَ البقرة:102، يرجع إلى الشياطين، ولكن الشياطين هاروت وماروت كفروا، يعلمون الناس السحر الذي لم يُنزل على الملكين ببابل، هكذا المعنى، وهذا القول بأن "ما" نافية وأنه لم يُنزل على الملكين سواء كان الملائكة، أو المقصود بهم من ملوك الدنيا كما جاء في قراءة شاذة: وما أُنزل على الملِكين هذا الذي رجحه القرطبي، قال: "ولا يصح سواه، ولا يُلتفت إلى قول غيره"([1]).

وهذا القول هو الأقرب إلى ما جاء في النصوص من عصمة الملائكة، وإن كان السياق لا يساعد عليه كثيراً، لكن وجهه يصح في العربية؛ لأن التأخير وارد وموجود كما قال الله -عز وجل-: يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا آل عمران:55، فإذا قلنا: إن الوفاة هنا بمعنى الموت فهي من المقدم الذي حقه التأخير، يكون معناه هكذا: يا عيسى إني رافعك إليّ ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك، فعلى كل حال هذا قول في الآية، والأصل في الكلام الترتيب ولا يُلجأ إلى القول بأن فيه تقديماً وتأخيراً إلا بدليل يجب الرجوع إليه، فهذا تبسيط وتقريب لأقوال أهل العلم في هذه الآية التي لربما تُشكل كثيراً على من قرأها أو سمعها من كتاب الله -عز وجل-، والعلم عند الله -تبارك وتعالى.

ولكن الروايات الواردة في هذا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كلها لا تصح، وما ورد فيها من الإسرائيليات وهي كثير لا يُبنى عليها حُكم، والقرآن لا يُفسر بالإسرائيليات، إذاً نقتصر على بعض ما جاء من الروايات الصحيحة وبعض الآثار عن الصحابة والتابعين، وبعضه مبني على الإسرائيليات لكننا إذا اقتصرنا عليه فإننا عندئذ نرجح بين أقوالهم؛ لأنهم لم يتفقوا على قول.

هذا، وأسأل الله أن ينفعنا وإياكم بالقرآن العظيم، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين.



[1]- انظر: تفسير القرطبي (2/ 50).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about