استعرض النسخة الجديدة من الموقع
(04) حديث أَبي هُبيْرةَ عائِذِ بن عمْرو المزَنِيِّ رضي اللَّه عنه أن أبا سفيان أتى ...
عدد الزوار : 5365
تاريخ الإضافة : 21 شوّال 1427
MP3 : 3313 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

شرح رياض الصالحين

(4) حديث أَبي هُبيْرةَ عائِذِ بن عمْرو المُزَنِيِّ -رضي اللَّه عنه- "أن أبا سفيان أتى على سلمان ..."

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب "ملاطفة اليتيم، والبنات، وسائر الضعفة والمساكين" أورد المصنف -رحمه الله- حديث أبي هُبيرة عائذ بن عمرو المُزنيِّ، وهو من أهل بيعة الرضوان -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-، أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: "ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها"([1])، أبو سفيان كان كبير قريش ومقدمهم، وكان أكبر بني عبد مناف، وهو الذي قاد حربهم يوم أحد، فلما كانت الهدنة التي وقعت بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين المشركين عام الحديبية أمن الناس وصاروا يتنقلون

 

أبو سفيان كان كبير قريش ومقدمهم، وكان أكبر بني عبد مناف، وهو الذي قاد حربهم يوم أحد، فلما كانت الهدنة التي وقعت بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين المشركين عام الحديبية أمن الناس وصاروا يتنقلون

 

، فجاء أبو سفيان إلى المدينة، وكانت ابنته أم حبيبة تحت النبي -صلى الله عليه وسلم-، فمر بسلمان وصهيب وبلال، سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي، وهؤلاء ليسوا من العرب، ليسوا من الأشراف، ليسوا من الكبراء، فلما رأوه قالوا: "ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها"، يعني ما عملت فيه سيوف المسلمين، ما لقي جزاءه وحتفه على يد أُسد الله، يحتمل أنهم قالوا هذا وهو يسمع، ويحتمل أنهم قالوه بينهم حينما مر بهم، فقال أبو بكر -رضي الله تعالى عنه-: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟، إن كانوا قالوه وهو يسمع -أعني أبا سفيان-، فيتوجه الجواب الذي ذكره بعض أهل العلم من أن أبا بكر -رضي الله تعالى عنه- قال ذلك تأليفاً لأبي سفيان، ليستميله إلى الإسلام، فلا يسمع ما يُنفره، أراد أن يكسب قبله ربما، وإذا كانوا قالوا ذلك وهو لا يسمعهم فلربما يكون أبوبكر -رضي الله تعالى عنه- قال ذلك؛ لأنه كره أن يقال ذلك في حق رجل يُعد من كبراء قريش التي هي قبيلة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهي قبيلة عريقة لها من الصفات والمنزلة والخلال ما ليس لغيرها، فلا شك أن أفضل العرب قريش، وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يدل على أن عقل الواحد منهم -أي من القرشيين- برجلين. 

وذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- أيضاً نساء قريش، وما فيهن من الأوصاف الجميلة، "أحنى على الولد"([2])، أضف إلى ذلك أنها قبيلة نزل القرآن بلغتها، فالقرآن نزل على لغة قريش في نزوله الأول حينما كان ينزل بمكة، واستمر على ذلك ثم نزلت الأحرف الستة، فكأنه كره أن يقال ذلك لرجل هو سيد هؤلاء، وإن كان جاهليًّا لكن لعل الله أن يهديه، فالحاصل أنه قال لهم هذا الكلام، تقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبره، هذا يدل على فضل أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه-، وأنه ما كان يسترسل مع الشيء الذي يفعله، ولربما يكون عليه فيه مؤاخذة، قال هذه الكلمة كأنه تحسس وتوجس منها، خشي أن يكون فيها شيء، ومباشرة: فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبره، هل هذا الكلام عليّ فيه حرج؟.  

فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يا أبا بكر، لعلك أغضبتَهم، لئن كنتَ أغضبتهم لقد أغضبت ربهم)([3])، إن كنت أغضبتهم، لماذا؟ لأن هؤلاء من أولياء الله، أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ *الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَيونس:62-63، والله -عز وجل- يقول: (من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب)([4])، فمن أغضب أولياء الله -عز وجل- فإنه يغضب الله، وهذا يدل على فضل هؤلاء، فقد شهد لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا، فيدل على صدق إيمانهم، وكمال يقينهم، ومنزلتهم عند الله وعند رسوله  -صلى الله عليه وسلم-، يغضب الله لهم، يغضب الله -عز وجل- لغضب من؟ لغضب أناس هم عند أهل الجاهلية، أو من لم يهذبهم الإسلام في عداد الأعبُد الذين لا قيمة لهم ولا شأن ولا اكتراث، (لئن كنتَ أغضبتهم لقد أغضبت ربهم)، من الذي يصل إلى هذا المستوى، هذه المنزلة، إذا أغضبه أحد غضب الله -عز وجل- لغضبه؟، فماذا فعل أبو بكر؟ ما قال: على كيفهم، ما قال: أنا ما فعلت غلطًا، على جلالته وقدره ومنزلته وشرفه، فأتاهم فقال: يا إخوتاه، أغضبتُكم؟، أأغضبتكم؟ هل الكلمة التي قلت سببت لكم حرجاً وغضباً وضيقاً؟، يريد أن يعتذر إن كان حصل ذلك، قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي، وهذا فيه ما يدل على كمال نفوسهم المهذبة التي هذبها الإسلام، من الناس من إذا سمع كلمة صحيحة حملها على أسوأ المحامل وهو من المسلمين، ويذهب إلى أودية في الأوهام، ويفسر ذلك بحسب ما يروق له، ويكبر ذلك في نفسه، ويأتي الشيطان وينفخ فيه، وأنت صباح مساء لا تدري هو غضبان أو راضٍ، وإن كان غضبان ما سبب الغضب، يوم يتوهم أنك مررت وما سلمت عليه، وأنت تقول: ما رأيته سائر اليوم، ويوم يقول: إنه اتصل وإنك ما رددت، مشغولون، مرضى، لا نعرف رقمك، لأي سبب من الأسباب، هؤلاء مباشرة قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي.

وهذا هو الواجب على الإنسان ألا يقف عند الكلمة التي يسمعها، ثم بعد ذلك يرتب على هذا مواقف من إخوانه المسلمين، لا، كلمة قيلت، وجهة نظر، اجتهاد

 

الواجب على الإنسان ألا يقف عند الكلمة التي يسمعها، ثم بعد ذلك يرتب على هذا مواقف من إخوانه المسلمين، لا، كلمة قيلت، وجهة نظر، اجتهاد

 

، ثم هاهو جاء أيضاً يتلمس العذر ورضاهم، فما قالوا: اذهب، لا نسامحك، نعم أغضبتنا، واستغلوا الفرصة، قالوا: هذا ممتاز، الآن جاء هو يريد أن ينظر هل أغضبنا أو لا؟ لا، أغضبتنا، ولا يمكن أن نعفو عنك، ولا نسامحك، وأبداً وبيننا وبينك الله -عز وجل- في الموقف، ما في شيء يحتاج إلى هذا، لا، يغفر الله لك يا أخي، رواه مسلم. 

فمثل هذه الأحاديث تدل على هذا المعنى الكبير، وهو أن الإنسان يتواضع لإخوانه المسلمين وإن كانوا من الضعفاء، فهؤلاء قد تكون لهم منزلة عند الله -عز وجل-، وكم سمعت كثيراً من أحوال أناس قد دعوا في حالة واجهوا فيها ظلماً وبهتاناً دعوا على من وقع منه ذلك، فأصابه في ليلته أو في صبيحة يومه الآخر، ولولا خشية أن يُعرف هذا أو يُركَّب على أحد لذكرت لكم أخباراً خلال أسبوع فقط من الدعاوى التي وقعت لأناس يستغفرون الله -عز وجل- منها، بأشياء عجيبة وأحوال في حال ظلم واضح، وقهر ومصادرة للحقوق وما أشبه ذلك، فيرفع يديه يدعو، فيقع كما دعا، ثم هو يتأسف ويتندم، ويقول: أنا سببت لهم مشكلة وحرجاً، وسببت لهذا الإنسان في حياته عاهة مستديمة، فالإنسان يتوقى مثل هذه الأمور ويُحسن، ولا يزدري أحداً ولا يحتقر أحداً، فهذا قد يكون له عند الله منزلة، قد يكون ذا أطمار مدفوعًا بالأبواب، لا يُكترث به لو أقسم على الله لأبره.

فأسأل الله -عز وجل- أن يلطف بنا، وأن يغفر لنا جميعاً، وأن يهدينا لأحسن الأخلاق، ويرزقنا وإياكم الإخلاص والتواضع.

وصلى الله على نبينا محمد،وعلى آله وصحبه.



[1]- أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، باب من فضائل سلمان، وصهيب، وبلال -رضي الله تعالى عنهم-، برقم (2504).

[2]- أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: إِذْ قَالَتِ المَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ آل عمران:45، برقم (3434)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، باب من فضائل نساء قريش، برقم (2527).

[3]- أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، باب من فضائل سلمان، وصهيب، وبلال -رضي الله تعالى عنهم-، برقم (2504).

[4]- أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع، برقم (6502).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about