استعرض النسخة الجديدة من الموقع
(1) التعليق على آيات الباب
عدد الزوار : 1930
تاريخ الإضافة : 10 رجب 1428
MP3 : 3477 kb
PDF : 195 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

شرح رياض الصالحين

(1) التعليق على آيات الباب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا باب "علامات حب الله تعالى للعبد والحث على التخلق بها، والسعي في تحصيلها"، من عقيدة أهل السنة والجماعة التي هي مأخوذة من كتاب الله -عز وجل- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن الله -تبارك وتعالى- يتصف بصفات الكمال التي تليق بجلاله وعظمته، ومن هذه الصفات الكاملة صفة المحبة، فالله -تبارك وتعالى- كما أنه يُحَب فهو كذلك أيضاً يُحِبُ أهل الإيمان والتقوى والصلاح والنظافة والنزاهة والعفاف، يحبهم ويحبونه، فكما أن المؤمنين يحبون ربهم -جل جلاله-، فكذلك أيضاً الله -عز وجل- يُحِب أهل التقوى والإيمان، وإذا علم العبد أن الله -تبارك وتعالى- يحب بعض عباده كما أنه يحب بعض الأعمال الطيبة فإن ذلك يدفع العبد لمزيد من الجد والاجتهاد؛ لتحصيل محابِّ الله -عز وجل-؛ ليصل إلى هذه المراتب العالية أن الله يحبه وهذا لا شك شرف عظيم لا يدانيه شرف.

فإذا قيل للواحد من أهل الدنيا قال له رجل يقدره ويعظمه ويجله: أنا أحبك، فإن ذلك يؤثر فيه، لو قال للإنسان أو لكثير من الناس كبيرٌ من الكبراء، وعظيم من العظماء من أهل الدنيا بأنه يحبه لربما يذكر هذا للآخرين، وأن فلانًا قال له ذلك، أو لو نقل إليه أن فلانًا يتحدث عنه في المجالس، ويذكر من محبته له ونحو هذا، فإن ذلك لا شك أنه يؤثر في قلب العبد، فكيف إذا كان الذي يحبه هو الله -سبحانه وتعالى- الذي نواصي الخلق بيده والسموات مطويات بيمينه في القيامة، فالخلق خلقه والملك ملكه وهو العظيم الأعظم -جل جلاله.

فإذا اعتقدنا هذا المعنى وهو أن الله -عز وجل- يحب بعض الأعمال ويحب بعض العاملين فإن ذلك يدفعنا إلى التفتيش والبحث والنظر في الأمور التي من شأنها أن تحبب الله -عز وجل

 

فإذا اعتقدنا هذا المعنى وهو أن الله -عز وجل- يحب بعض الأعمال ويحب بعض العاملين فإن ذلك يدفعنا إلى التفتيش والبحث والنظر في الأمور التي من شأنها أن تحبب الله -عز وجل

 

- بنا، فما هذه الأمور؟

هذه الأمور يمكن أن تُتتبع في القرآن وفي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فالله أخبر أنه يحب كذا وكذا، ويحب من الأعمال كذا وكذا فننظر فيها، فهذا الباب عقد من أجل هذا المعنى، ومن ذلك قول الله -عز وجل-: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ آل عمران:31هذه الآية تضمنت جملة من الأمور العظيمة التي يحتاج إليها كل أحد من طالبي السعادة والفوز الأبدي، إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ برهان محبة العبد لربه اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فمحبة الله ليست دعوى باللسان، كثير من الناس يقول: أنا أحب الله، أحب ربي ولكنه في عمله لا يتبع النبي -صلى الله عليه وسلم- فهذا لم يأتِ ببرهان المحبة، ثم قال: فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ أيضاً فاتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- يكون سببًا لمحبة الله -عز وجل-، واتباعه -عليه الصلاة والسلام- يكون هنا في أعم معانيه؛ لأنه قال: فَاتَّبِعُونِي ما قال: فاتبعوني في الهدي الظاهر، وما قال: فاتبعوني في الهدي الباطن، وما قال: فاتبعوني فيما يتعلق بالأخلاق الاجتماعية، وإنما قال: فَاتَّبِعُونِي ولم يحدد بابًا من الأبواب أو جانبًا من الجوانب، ومثل هذا يحمله العلماء عادة على أعم معانيه، فَاتَّبِعُونِي في الهدي الباطن، في كمال توكله -عليه الصلاة والسلام-، وإخباته، وما كان يتحلى به -صلى الله عليه وسلم- من كريم الأوصاف القلبية، الرضا، الصبر، الشجاعة، التوكل على الله -عز وجل-، الخوف، الرجاء، وما أشبه هذا، وكذلك في الهدي الظاهر كيف كان هديه الظاهر -عليه الصلاة والسلام-، لا نبحث عن هدي هو أعظم من هديه، ولا يوجد هدي أفضل من هديه، يعني حتى من الناحية الإنسانية لو بحثت عن أعظم شخصية في التاريخ من هو؟ هو النبي -صلى الله عليه وسلم-، من هو أكمل شخصية في رجولته وفي قوته وفي ثباته وفي كمال هديه الظاهر؟ هو النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهديه الظاهر -عليه الصلاة والسلام- نوعان:

 النوع الأول: لا نطالب باتباعه فيه مثل العمامة ولبس الإزار ونحو هذا مما كان العرب يفعلونه، ففعله النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يتميز عنهم فيه؛ لئلا يكون ذلك من ثوب الشهرة ولباس الشهرة.

النوع الثاني من الهدي الظاهر: وهذا نحن لا شك مطالبون به مثل إعفائه -صلى الله عليه وسلم- للحيته، مثل ألا يتجاوز ثوب الإنسان ولباسه الأدنى ألا يتجاوز الكعبين، فهذا من الهدي الظاهر ونحن مطالبون به من الناحية الشرعية، وكذلك من ناحية الكمال مَن طلب الكمال هل سيجد أن أحدًا أكمل من نبينا -صلى الله عليه وسلم-؟ أبداً، فهذا بالنسبة للهدي الظاهر، كذلك أيضًا فيما يتعلق بعبادته -صلى الله عليه وسلم- وعلاقته بربه، قيامه لليل، محافظته على صلاة الفريضة، على النوافل، على السنن الرواتب، الصيام وما أشبه هذا من ألوان العبادة، وهكذا ما يتعلق بولائه وبرائه وجهاده لأعدائه وأحواله في السلم والحرب وجميع الأحوال، ووفائه بالعهود والعقود، وكذلك أيضاً هديه -صلى الله عليه وسلم- في التعامل مع زوجاته، في التعامل مع أصحابه، في تواضعه، لم يكن -عليه الصلاة والسلام- متعاظمًا متعاليًا متكبرًا، لم يكن يظلم أصحابه، لم يكن يظلم زوجاته، لا يأخذ حقوق الناس، لا يأخذ أموالهم ويضيعها، حاشاه من ذلك -عليه الصلاة والسلام-، فمهما استطاع الإنسان أن يتصف بأوصافه -عليه الصلاة والسلام- الكاملة فإنه يكون مطالبًا بذلك، وعلى قدر هذه المتابعة يكون كماله، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ الأحزاب:21قدوة صالحة، لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ الأحزاب:21.

فالله -عز وجل- يحبنا ويقربنا على قدر اتباعنا لنبيه -عليه الصلاة والسلام-، هذه قضية معادلة، لاحظ الآية: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ القاعدة: "كل حكم معلق على وصف فإنه يزيد بزيادته، وينقص بنقصانه"، "اتبعوني" هذا وصف الاتباع، "يحببكم الله" هذا الحكم المرتب على هذا الوصف، ما الذي ينتج عن اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم-؟، محبة الله، على قدر ما يكون عندنا من الاتباع للنبي -صلى الله عليه وسلم- على قدر ما يكون لنا من النتيجة وهي محبة الله لنا، الحكم المعلق على وصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه وأيضًا زيادة على ذلك فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فاتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- يكون سببًا لغفران الذنوب، على كل حال لا أريد أن أطيل عليكم، بقي آية أخرى، ثم ذكْرُ الأحاديث أتركها في الغد -إن شاء الله.

نسأل الله -عز وجل- أن ينفعني وإياكم بما سمعنا، ويجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about