استعرض النسخة الجديدة من الموقع
(7) الحديث الثامن والأخير حديث أبي هريرة رضي الله عنه لأعطين هذه الراية
عدد الزوار : 2587
تاريخ الإضافة : 23 شعبان 1426
MP3 : 2550 kb
PDF : 782 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

شرح رياض الصالحين

(7) الحديث الثامن والأخير حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: "لأعطين هذه الراية.."

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا هو الحديث الثامن والأخير في "باب المبادرة إلى الخيرات" عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال يوم خيبر: (لأعطين هذه الراية رجلاً يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه)([1]).

"قال يوم خيبر" أي: يوم فتح خيبر، وذلك في السنة السابعة من الهجرة، وذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان قد أعطى الراية، ولم يفتح للمسلمين، ثم بعد ذلك قال: (لأعطين هذه الراية رجلاً يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه)، فذكر أمرين:

الأول: أنه يحب الله ورسوله، وهذه شهادة له من النبي -صلى الله عليه وسلم.

والأمر الآخر: أن الله يفتح على يديه، فمن الذي يكون بهذه المثابة يشهد له النبي -صلى الله عليه وسلم- بمثل هذا؟

قال عمر -رضي الله عنه-: "ما أحببت الإمارة إلا يومئذ"([2])؛ وذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يزهدهم في الإمارة، ويذكر لهم من تبعاتها ما يجعلهم يتطامنون ويتراجعون ويتأخرون عن طلبها، فلم تكن نفوسهم تتطلب الرئاسات، وتحب الرفعة على إخوانهم المسلمين، وما كان الواحد منهم يحب الشرف الذي هو بمعنى الرئاسة والعلو، وإنما كانوا يريدون ما عند الله -تبارك وتعالى-، ويدركون جيدًا أنه ربما كان الإنسان لا يُعبأ به، ولا يعرفه الناس وإذا شفع لم يشفع، وإذ حضر لم يعرف، وإذا غاب لم يذكر، ومع ذلك يكون بمنزلة عند الله -جل جلاله-؛ ولهذا قال أيوب السختياني -رحمه الله-: "ما صدق اللهَ عبدٌ إلا سره ألا يُشعر بمكانه"، فالحاصل أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: "ما أحببت الإمارة إلا يومئذ"، ليس من أجل الإمارة، وإنما من أجل هذه الشهادة التي ذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإلا فإنه كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما من رجل يلي عشرة فما فوق إلا وجاء يوم القيامة يداه مغلولتان إلى عنقه، فيطلقه عمله أو يوبقه)([3]).

يقول: "فتساورتُ لها"، يعني ترفعت وتطاولت؛ ليراه النبي -صلى الله عليه وسلم- بين الناس، "رجاء أن أُدعى لها، فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فأعطاه إياها، وقال: (امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك)، فسار علي شيئًا ثم وقف ولم يلتفت فصرخ -يعني صاح بصوته- يا رسول الله، على ماذا أقاتل؟" وهذه منقبة لعلي -رضي الله عنه- من الناحيتين الناحية الأولى الدقة في الامتثال فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: (امش ولا تلتفت) فهو مع أنه احتاج إلى أن يكلم النبي       -صلى الله عليه وسلم- إلا أنه كلمه ووجهه صوب الوجهة التي يريدها ولم يلتفت للنبي -عليه الصلاة والسلام-، وهذا يدل على شدة انضباط الصحابة وتحريهم، ودقتهم في امتثال أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذا هو الذي بلغ بهم وأوصلهم إلى تلك المنازل الرفيعة عند الله -عز وجل-، وفتحوا العالم في مدد يسيرة جدًّا يقول: "فسار علي شيئًا ثم وقف ولم يلتفت فصرخ يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟"، وهذه أيضاً منقبة أخرى وهي أنه كان يتحرى في مثل هذه الأمور، فهو حينما يتجه ليقاتل لابدّ أن يكون له هدف محدد، ومقصود واضح بين، فمثل هذه الأمور ليست من القضايا السهلة التي يتقحّمها الإنسان دون أن يعرف المقاتل هدفه الذي يقاتل من أجله، فسأل على ماذا أقاتل الناس؟، قال: (قاتلهم حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله -يعني قاتلهم حتى يدخلوا في الإسلام- فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)، أي: أنهم إذا أظهروا الإسلام فإنهم لا يقاتَلون، يكف عنهم وعن دمائهم وأموالهم إلا بحقها، وذلك كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ألا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)([4])، فهذا من حقها، وكذلك ما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن صاحبه يقتل مثل: الساحر، وكذلك أيضاً ما ثبت عنه -عليه الصلاة والسلام- من أن مَن عمل عمل قوم لوط أنه يقتل، وهكذا، فمثل هذه الأشياء التي وردت فيها النصوص فإن ذلك من حقها، وما عدا ذلك فإنه يكون معصوم الدم والمال، وحسابهم على الله؛ لأنه قد يُظهر ما لا يبطن، قد يخفي سريرة سيئة، فهذا أمره إلى الله -عز وجل-؛ لأنا غير مطالبين بأن نشق عن قلوب الناس، وإنما نعاملهم بحسب ما ظهر، والحكم إنما هو للظواهر، وأما البواطن فأمرها إلى الله -عز وجل- فمن أظهر سوءًا أُخذ به، وقد تكون سريرته حسنة ومقصوده طيبًا لكن الله -عز وجل- هو الذي يتولاه، ومن أظهر أمرًا حسنًا فإنه يقبل منه، وقد تكون سريرته سيئة، وقد يريد التوصل به إلى مطلوب سيئ، فالله -عز وجل- علّام بما في الصدور، هذا، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.



([1]) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- الناس إلى الإسلام والنبوة، وأن لا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، برقم (2942)، وبرقم (4209)، في كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، باب من فضائل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، برقم (2404).

([2]) رواه مسلم، كتاب فضائل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، باب من فضائل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، برقم (2405).

([3]) رواه أحمد في المسند، برقم (22781)، وقال محققوه: "صحيح لغيره دون قوله: "ومن تعلم القرآن ... إلخ" وهذا إسناد ضعيف، يزيد بن أبي زياد -وهو الهاشمي الكوفي- ضعيف، وعيسى -وهو ابن فائد- مجهول، وروايته عن الصحابة مرسلة. أبو عوانة: هو الوضاح اليشكري".

([4]) رواه البخاري، كتاب الديات، باب قول الله تعالى: أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالعَيْنَ بِالعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ المائدة:45، برقم (6878)، ومسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب ما يباح به دم المسلم، برقم (1676).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about