استعرض النسخة الجديدة من الموقع
(1) حديث عمر بن الخطاب لا تلبسوا الحرير، فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة
عدد الزوار : 4600
تاريخ الإضافة : 26 ربيع الآخر 1431
MP3 : 1768 kb
PDF : 190 kb

بسم الله الرحمن الرحيم 

شرح رياض الصالحين

شرح حديث عمر بن الخطاب: لا تلبسوا الحرير فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقد ذكر المصنف باباً آخر يتعلق باللباس، وهو باب تحريم لباس الحرير على الرجال، وتحريم جلوسهم عليه، واستنادهم إليه.

تحريم لباس الحرير على الرجال: يعني أن النساء يباح لهن أن يلبسن الحرير، وتحريم جلوسهم عليه، واستنادهم عليه؛ لأن ذلك بحكم اللباس كما سبق، وهكذا اللحاف الذي يلتحف به الإنسان، الفراش لا يكون من حرير بالنسبة للرجال، أما النساء فلا بأس.

وذكر حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تلبسوا الحرير) فهذا نهي، والنهي للتحريم (فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)([1])متفق عليه.

وهذا أشد، وأدل على التحريم، بل دل على أنه من الكبائر؛ لأنه رتب عليه هذه العقوبة الخاصة.(من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)، من أهل العلم من فهم أن المراد أنه لا يدخل الجنة؛ لأن الله قال:وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [الحج: 23]، هذا لباس أهل الجنة، فإذا لم يلبس الحرير معناه لم يدخل الجنة، هذا قال به بعض أهل العلم، بل جاء مدرجًا في بعض روايات الحديث عند النسائي مثلاً([2]).

ومن أهل العلم من يقول -كالحافظ ابن حجر-: إن المراد بذلك أنه يُحرم هذا اللباس في الجنة، وهنا يرد سؤال: أن الجنة فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وليس فيها ممنوع، فيها غاية النعيم والرغد، وطيب العيش، فإذا حرم من لباس الحرير فهذا نقص في النعيم؟، قالوا: إن الله -عز وجل- يصيره إلى حال لا تطلب نفسه هذا اللباس، مثل ما ورد أن من شرب الخمر في الدنيا، ومات، ولم يتب فإنه لا يشرب من خمر الجنة([3]).

قالوا: هذه عقوبة، فبعضهم فهم منها أنه لا يدخل الجنة، وبعضهم قال: إنه يعاقب فإذا دخل الجنة فإنه يحرم من هذا الشراب، بحيث لا تطلبه نفسه، فيكون ذلك ولا شك من نقص النعيم؛ لأن النعيم يتفاوت في الجنة، فأهل الدرجات العلى ليسوا كمن دونهم، لكن كل أحد يشعر أنه في غاية اللذة والنعيم والمتعة.

وذكر أيضًا حديثًا آخر لعمر -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يقول: (إنما يلبس الحرير من لا خلاق له)([4]).

لا خلاق له: يعني لا نصيب له، وهذا يحتج به من يقول: إنه لا يدخل الجنة، لكن لا يدخل الجنة أبدًا؟، إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء النساء: 48.

الشرك هو الذي يمنع من دخول الجنة، يقولون: يُحبس عن الجنة، ويمنع من دخولها، حتى يعذب، وينقى ويصفى، ثم بعد ذلك يدخلها.

وفي رواية للبخاري: (من لا خلاق له في الآخرة)([5])، يعني: هنا يوضح إنما يلبس الحرير من لا خلاق له، لا نصيب في الدنيا أو في الآخرة؟ الرواية الأخرى تقول: في الآخرة.

وذكر حديث أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)([6]) متفق عليه.

وذكر حديث علي -رضي الله عنه- قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخذ حريرًا، فجعله في يمينه، وذهبًا فجعله في شماله، ثم قال: (إن هذين حرام على ذكور أمتي)([7])رواه أبو داود بإسناد حسن.

يعني: مفهوم المخالفة هو حلال لإناثها.

وأورد أيضاً حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (حُرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم)([8])وهذا يوضح المفهوم السابق.

منطوق هذا الحديث (أحل لإناثهم) يوضح المفهوم السابق من المسكوت عنه. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

الحديث الأخير: هو حديث حذيفة -رضي الله عنه- قال: (نهانا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها..) وهذا مضى الكلام عليه (وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه)([9]). رواه البخاري.

الحرير معروف، والديباج: فسر بأنه ما كان لُحمته وسَداه من الإبريسم، وهذا فيه تنصيص على الجلوس أيضًا على الحرير والديباج.

فهذا كله داخل في باب اللباس، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

 



([1]) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب لبس الحرير وافتراشه للرجال، وقدر ما يجوز منه (7/150)، رقم: (5833)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء، وخاتم الذهب والحرير على الرجل، وإباحته للنساء، وإباحة العَلَم ونحوه للرجل ما لم يزد على أربع أصابع، (3/1641)، (2069). 

([2]) السنن الكبرى للنسائي، كتاب الزينة، لبس الحرير (8/398)، رقم: (9512).

([3]) أخرجه البخاري، كتاب الأشربة (7/104)، رقم: (5575)، ومسلم، كتاب الأشربة، باب عقوبة من شرب الخمر إذا لم يتب منهابمنعه إياها في الآخرة (3/1587)، رقم: (2003).

([4]) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من تجمل للوفود (8/22)، رقم: (6081)، أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء، وخاتم الذهب والحرير على الرجل، وإباحته للنساء، وإباحة العلَم ونحوه للرجل ما لم يزد على أربع أصابع (3/1641)، رقم: (2069).

([5]) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب لبس الحرير وافتراشه للرجال، وقدر ما يجوز منه (7/150)، رقم: (5835)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء، وخاتم الذهب والحرير على الرجل، وإباحته للنساء، وإباحة العلَم ونحوه للرجل ما لم يزد على أربع أصابع (3/1639)، رقم: (2068)

([6]) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب لبس الحرير وافتراشه للرجال، وقدر ما يجوز منه (7/150)، رقم: (5832)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء، وخاتم الذهب والحرير على الرجل، وإباحته للنساء، وإباحة العلَم ونحوه للرجل ما لم يزد على أربع أصابع (3/1645)، رقم: (2073).

([7]) أخرجه أبو داود، كتاب اللباس، باب في الحرير للنساء (4/50)، رقم: (4057)، والنسائي، كتاب الزينة، تحريم الذهب على الرجال(8/160)، رقم: (5144).

([8]) أخرجه الترمذي، أبواب اللباس عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في الحرير والذهب (4/217)، رقم: (1720).

([9]) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب افتراش الحرير (7/150)، رقم: (5837).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about