استعرض النسخة الجديدة من الموقع
شرح حديث ابن عباس البركة تنزل وسط الطعام ، وحديث عبد الله بن بسر كان للنبي قصعة يقال لها الغراء
عدد الزوار : 3804
تاريخ الإضافة : 16 ربيع الأول 1431
MP3 : 1966 kb
PDF : 223 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

شرح رياض الصالحين

شرح حديث ابن عباس: البركة تنزل وسط الطعام، وحديث عبد الله بن بسر: كان للنبي قصعة يقال لها الغراء

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فيقول: باب الأمر بالأكل من جانب القصعة، والنهي عن الأكل من وسطها.

الأكل من جانب القصعة يعني: من حوافها، والنهي عن الأكل من وسطها يعني سواء كان الطعام الموضوع مائعاً أو كان جافًّا، فإذا كان خبزًا مثلًا فإنه لا يأخذ من وسطه، لا يأكل وسطه، وإذا كان الطعام كالمرق مثلًا فإنه لا يغترف من وسطه، وهكذا.

وذكر حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (البركة تنزل وسط الطعام، فكلوا من حافتيه)، يعني: من ناحيتيْه (ولا تأكلوا من وسطه)[1]رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

(البركة تنزل وسط الطعام) ومن هنا يكون من يأخذ من وسطه قد فوت هذا المعنى على نفسه، أو على آكليه، إذا اجتمع الناس على طعام، وصار كل واحد منهم يغترف، فبدأ أحدهم وأخذ من وسطه، اغترف من وسطه، فإنه يفوت على غيره هذه البركة، ليس له ذلك، فإذا أخذوا من نواحيه بورك لهم فيه، فيكفي الطعام للكثيرين، يكفي لجميع هؤلاء، لكن لو أن أحداً بدأ وتعدى، وأخذ من وسطه، فلربما لا يفي بحاجتهم، ولربما أكلوا وما شبعوا.

قال: فيه: قوله -صلى الله عليه وسلم-: (وكل مما يليك)[2]حديث عمر بن أبي سلمة السابق.

قال: وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (البركة تنزل وسط الطعام، فكلوا من حافتيه، ولا تأكلوا من وسطه).

وذكر حديث عبد الله بن بسر -رضي الله عنه- قال: كان للنبي -صلى الله عليه وسلم- قصعة يقال لها الغراء، كبيرة، قيل يحملها أربعة، ويقال لها الغراء إما لبياضها، أو لنفاستها، فإن الأشياء النفسية عند أهلها يقال لها ذلك.

البياض الذي يكون في ناصية الفرس يقال له غُرة، والشيء النفيس يقال له غرة أيضاً.

يقول: يقال لها الغراء يحملها أربعة رجال، فلما أضحوا، يعني: دخلوا في وقت الضحى، وسجدوا الضحى، يعني: صلوا صلاة الضحى، أُتي بتلك القصعة، يعني: وقد ثُرد فيها، أي: وضع فيها الثريد، والثريد هو خبزٌ رقاقٌ قد ثُرد، يعني: خلط وبلل بالمرق مع اللحم، فهذا الثريد، وهذا المعروف اليوم في وقتنا هذا عند الناس، وإن اختلفت أسماؤه.

يقول: وقد ثُرد فيها، فالتفوا عليها، فلما كثروا جثا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يعني ليوسع لغيره -عليه الصلاة والسلام-، وهذا من تواضعه ومراعاته لأحوال الناس، جثا بمعنى أنه نزل على ركبتيه، وجلس على عقبيه، الجثو النزول على الركب والجلوس على العقبين، كالجلسة التي تكون بين السجدتين في بعض صورها المشروعة.

فهذه يجلسها المتواضع، فقال أعرابي: ما هذه الجِلسة ؟ يعني: كأنه تعجب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يجلس بهذه الطريقة البسيطة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله جعلني عبداً كريماً، ولم يجعلني جباراً عنيداً).

بمعنى: أن الجبابرة الواحد منهم إذا جلس يتكئ على الطعام، ويجلس بطريقة، يعني: يتوسع فيها ويسترخي، أما النبي -صلى الله عليه وسلم- فكان يجلس جلسة متواضعة، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (كلوا من حواليها، ودعوا ذِروتها، يُبارَك فيه)[3]رواه أبو داود بإسناد جيد.

(دعوا ذِروتها) يعني: أعلاها (يبارك فيه) فهذا العدد الكثير يمكن أن تكفيهم هذه القصعة إذا روعي فيها ما ذكر وهو التسمية والأكل من جوانبها دون التعرض لوسطها، ولكن لو أنهم أخذوا من وسطها، أو بدءوا بوسطها لربما لا يكفيهم ذلك الطعام، ولربما أكلوا ولكنهم لا يشبعون، ولهذا يجد بعض الناس أنه أكل، والطعام كثير وبقي أكثره، أكل حتى ظن أنه اكتفى، ثم ما يلبث وقتاً يسيراً إلا ويجد الجوع، من الناس من يتعجب من هذا، والسبب -والله تعالى أعلم- هو ما ذُكر، إما أنه لم يسمِّ، وإما أنهم يتفرقون على الطعام، أو أنهم يأخذون من وسطه.

أحياناً يُوكَل ذلك لإنسان لا يعلم، لأحد الأبناء أو الصغار، يغترف لهم من الطعام، أو لخادم أو نحو ذلك، يعني: رجل يخدمهم، أو امرأة تخدم النساء، أو نحو ذلك، فتبدأ بوسط الإناء، وتغترف من هذا الطعام من الرز، أو من غيره، من الوسط، وهذا خطأ. 

والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

 



[1] أخرجه أبو داود، كتاب الأطعمة، باب ما جاء في الأكل من أعلى الصحفة (3/348)، رقم: (3772)، والترمذي، أبواب الأطعمة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في كراهية الأكل من وسط الطعام (4/260)، رقم: (1805).

[2] أخرجه البخاري، كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام والأكل باليمين (7/68)، رقم: (5376)، ومسلم، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما (3/1599)، رقم: (2022).

[3] أخرجه أبو داود، كتاب الأطعمة، باب ما جاء في الأكل من أعلى الصحفة (3/348)، رقم: (3773)، وابن ماجه، كتاب الأطعمة، باب الأكل متكئا (2/1086)، رقم: (3263).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about