استعرض النسخة الجديدة من الموقع
(1) من أول السورة إلى قوله تعالى" ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ " الآية 9
عدد الزوار : 6348
تاريخ الإضافة : 24 صفر 1435
MP3 : 41477 kb
PDF : 5614 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة محمد من الآية(1) إلى الآية(9)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ محمد:1-3.

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد الأمين، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، أما بعد:

فاللهم اغفر لنا ولشيخنا ولوالدينا وللحاضرين والمستمعين.

يقول ابن كثير -رحمه الله-: يقول تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ أي: أبطلها وأذهبها ولم يجعل لها ثوابًا ولا جزاء، كقوله تعالى: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا الفرقان:23.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذه السورة: سورة القتال، ويقال لها أيضًا: سورة الذين كفروا، وهي سورة محمد -صلى الله عليه وسلم-، فقد ذكر اسمه صريحًا -عليه الصلاة والسلام- في هذه السورة.

وهذه السورة كما قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: من السور المدنية.

ونقل عليه بعض أهل العلم الاتفاق، وهذا لا شك فيه.

وإن كان مِن قولٍ فهو في آية منها، فقد ورد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- وقتادة: استثناء قوله -تبارك وتعالى-: وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ محمد:13 قالوا: هذه مكية.

مع أنه جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن السورة مدنية، ومقصودهم بذلك -يعني أن هذه الآية مكية- أنها نزلت في حجة الوداع، لما أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يغادر مكة، هكذا جاء، وكما هو معلوم أنه على الاصطلاح المشهور في المكي والمدني: أن ما نزل بعد الهجرة فهو مدني، وإن كان نازلاً في مكة.

فعلى هذا: هذه الآية تكون من قبيل المدني، وإن نزلت في مكة، لو صحت الرواية، مع أنه أيضًا ورد في رواية ولكنها لا تصح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك حينما أراد الخروج من مكة مهاجرًا، فهذا لا يصح، يعني في أسباب النزول، وعليه فلا دليل على أن هذه الآية نازلة في مكة، -والله أعلم-.

أمّا الموضوع الذي تدور حوله آيات هذه السورة فهي تتحدث عن الطوائف الثلاث، تتحدث عن المؤمنين والكافرين والمنافقين، وأعمالهم وجزائهم، هذا في مجملها.

قوله -تبارك وتعالى-: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ هذه هي الطائفة الأولى، وكثير من المفسرين يقولون: المراد بـ الَّذِينَ كَفَرُوا هنا، هم: كفار قريش.

وبعضهم يقول: أهل الكتاب.

ولا شك أن الأول أقوى من الثاني، وإن كان ذلك عامًّا في جميع طوائف الكفار.

وهذا حكم عام في الكافرين: الَّذِينَ كَفَرُوا قال: أي: بآيات الله، كفروا بالله، كفروا برسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ "صدوا" بيّنا -سابقًا- أن مادة "صد" تأتي لازمة ومتعدية، وقد مضى الكلام على ذلك في مناسبات كما ذكر الله -تبارك وتعالى- عن المنافقين: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ المنافقون:2 وذكرنا هناك: أن الآية تحتمل معنيين: أنهم صدوا أي: في أنفسهم، فتكون لازمة، ويحتمل أن تكون صدوا غيرهم، صدوا عن الإسلام، والدخول فيه، صدوا المؤمنين عن الإنفاق في سبيل الله، صدوهم عن الجهاد، كل هذه المعاني مذكورة في تفسير تلك الآية.

وهنا: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ صدوا في أنفسهم، صدوا غيرهم عن سبيل الله، وهو الإسلام.

وبعض أهل العلم كالشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله- يفسرها في هذا الموضع بأنها متعدية، يعني صدوا غيرهم، صدوا الناس عن الدخول في الإسلام، وذلك أنه قال: الَّذِينَ كَفَرُوا فهو يقول: إن قوله: الَّذِينَ كَفَرُوا هذا صدودهم في أنفسهم، فلو فسر: وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أي: صدوا في أنفسهم لكان تكرارًا، فيكون: الَّذِينَ كَفَرُوا يدل على أنهم صدوا عن الحق في أنفسهم، ابتعدوا عنه، جانبوه، جافوه.

وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ صدوا غيرهم.

الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ صدوا في أنفسهم، وصدوا غيرهم.

ويمكن أن تتابع الأوصاف وزيادة، وهي أنهم صدوا الناس عن الدخول في الإسلام.

الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ بعضهم كالضحاك يقول: وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ يعني عن بيت الله: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ سورة الفتح:25 فهذا من صدهم عن سبيل الله، فصدهم عن سبيل الله أعم من هذا، فهم يصدون عن الدخول في الإسلام، ويصدون عن بيت الله الحرام.

أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ذكرنا في مناسبات متعددة معنى كلمة: "الضلال وضل" وأن أصلها بمعنى: الذهاب والاضمحلال، أو الذهاب عن حقيقة الشيء.

فهنا: أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ يقول ابن كثير: يعني أبطلها وأذهبها، ولم يجعل لها ثوابًا ولا جزاءً.

هذا هو المتبادر، وهذا الذي رجحه الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله.

ابن جرير -رحمه الله- يقول: جعلها على غير هدى، وغير رشاد.

والضحاك فسر ذلك: أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ يعني أبطل كيدهم، يعني الأعمال التي يكيدون بها دين الله -تبارك وتعالى- وأولياءه، كما قال الله -تبارك وتعالى-: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ الأنفال:36.

فالله -تبارك وتعالى- يبطل هذا الكيد، والأعمال والجهود التي يبذلونها للصد عن سبيل الله.

لكن المعنى المتبادر هو أن الله -تبارك وتعالى- أبطلها، كما قال: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا الفرقان:23 يعني لا يجدون عليها جزاءً وثوابًا.

ثم قال -جل وعلا-: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أي: آمنت قلوبهم وسرائرهم، وانقادت لشرع الله جوارحهم، وبواطنهم وظواهرهم.

وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ عطف خاص على عام، وهو دليل على أنه شرط في صحة الإيمان، بعد بعثته -صلوات الله وسلامه عليه.

هذا استنباط صحيح وجيد، فهنا لابد من ذلك: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ هنا الإيمان يدخل فيه الإيمان بمحمد -صلى الله عليه وسلم-، ولكن خصه بالذكر: وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وهذا الموضع الذي ذكر فيه اسمه -صلى الله عليه وسلم- يدل على أنه لا يكفي الإيمان بالله -تبارك وتعالى-، وبالرسل -عليهم الصلاة والسلام- دون الإيمان بمحمد -صلى الله عليه وسلم-.

هنا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار)([1]).

فكل هؤلاء من اليهود والنصارى ممن لم يؤمن بمحمد -صلى الله عليه وسلم- فهو كافر، لا يُقبل منه صرف، ولا عدل، وهو من حطب النار.

وقوله -تبارك تعالى-: وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ جملة معترضة حسنة، ولهذا قال -جل جلاله-: كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ.

قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: أي: أمْرهم.

وقال مجاهد: شأنهم.

وقال قتادة وابن زيد: حالهم.

والكل متقارب.

وقد جاء في حديث تشميت العاطس: (يهديكم الله، ويصلح بالكم)([2]).

قوله -تبارك وتعالى-: وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ هذه جملة معترضة، والقاعدة: أن المحترزات في القرآن تأتي بحسب الحاجة إليها، تارة لدفع توهم معنى غير مقصود، معنى غير صحيح، كما في قوله -تبارك وتعالى-: إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ المنافقون:1.

هنا جاء بجملة معترضة: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ثم قال: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ يعني لو أنه قال: إذا جاءك المنافقون قالوا: نشهد إنك لرسول الله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون، لأوهم أن ما قالوه باطل، وإنما المقصود أنهم لا يعتقدون ذلك، ولا يوقنون به، فقال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ فجاء بهذه الجملة هنا احترازًا من هذا الفهم لهذا المعنى غير المراد.

والأمثلة على هذا كثيرة.

وهذا من جملة هذه المحترزات: وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ محمد: 2، وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ما حال هذا المنزَّل على محمد -صلى الله عليه وسلم-؟

هو الحق من ربهم.

كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ هذا جزاء الإيمان أنه يكون مكفرًا للذنوب والسيئات.

وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ العبارات هنا متقاربة، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: أي أمرهم.

وقال مجاهد: شأنهم.

وقال قتادة وابن زيد: حالهم. وكذا قال المبرد.

وابن جرير -رحمه الله- يقول: وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ في الدنيا عند أوليائه، وفي الآخرة في الجنة، يعني أصلح حالهم مطلقًا، أصلح حالهم في الدنيا، وأصلح حالهم في الآخرة.

وعبارات السلف المذكورة هنا لا تنافي ذلك بحال من الأحوال: أصلح أمرهم، أصلح شأنهم، أصلح حالهم، كل ذلك بمعنى متقارب.

وبعضهم يقول: المراد هنا عصمهم من المعاصي، وأرشدهم إلى أعمال الخير.

وهذا من جملة المعاني الداخلة تحته، فإن الله -عز وجل- إذا أصلح حالهم -أصلح شأنهم، وأمرهم- صارت لهم الخيرات والبركات، وسخرهم للعمل بطاعته، وكان لهم الجزاء الأوفى في الآخرة.

ثم قال -عز وجل-: ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ أي: إنما أبطلنا أعمال الكفار، وتجاوزنا عن سيئات الأبرار، وأصلحنا شئونهم؛ لأن: الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ أي: اختاروا الباطل على الحق.

الإشارة هنا بقوله: ذَلِكَ تعود إلى ما ذكر مما أوعد الله به الكفار: أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ وما وعد به المؤمنين، أو ما يكون للكفار، ما فعله بالكافرين من إضلال أعمالهم، وما فعله بأهل الإيمان من إصلاح بالهم، ففعل بهم ذلك؛ لأن الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ، فبعضهم يقول: ذَلِكَ مبتدأ، والخبر ما بعده.

 

الإشارة هنا بقوله: ذَلِكَ تعود إلى ما ذكر مما أوعد الله به الكفار: أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ وما وعد به المؤمنين، أو ما يكون للكفار، ما فعله بالكافرين من إضلال أعمالهم، وما فعله بأهل الإيمان من إصلاح بالهم، ففعل بهم ذلك؛ لأن الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ، فبعضهم يقول: ذَلِكَ مبتدأ، والخبر ما بعده.

 

وبعضهم يقول: إنه خبر، والمبتدأ مقدر، يعني الأمر ذَلِكَ بسبب أن: الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ.

وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ أي: يبين لهم مآل أعمالهم، وما يصيرون إليه في معادهم، والله -سبحانه وتعالى أعلم-.

ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ يعني لماذا فعلنا بهم ذلك من إضلال الأعمال، وإذهابها وإبطالها؟ اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ.

وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ يبين لهم مآل أعمالهم، وما يصيرون إليه في معادهم.

فهنا ضرب المثل مضى الكلام عليه في الكلام على الأمثال، وفي مواضع من هذا التفسير كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ أي: مثل ذلك الضرب يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ ويبين لهم: أَمْثَالَهُمْ يعني أحوال الفريقين: فريق الإيمان، وفريق الكفر، هذه الأحوال الجارية في الغرابة -كما يقول بعض أهل العلم- مجرى الأمثال؛ لأنه كما سبق في الكلام على الأمثال أن المثل عند بعض أهل العلم يقال بالشأن والحال التي فيها غرابة.

ومن ثَمّ فسر هذا الموضع بهذا التفسير.

وبعضهم كالزجاج يقول: كذلك يبين للناس أمثال حسنات المؤمنين، وإضلال أعمال الكافرين.

وابن جرير يقول: كذلك نمثل للناس الأمثال، ونشبه لهم الأشباه، فنلحق بكل قوم من الأمثال أشكالاً.

كل هذا يرجع إلى تفسير المثل، هل هو يرجع إلى معنى الشبه، إلحاق النظير بالنظير مثلاً؟

صاحب الكشاف يقول: كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ في جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكفار، واتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين، أو في أن جعل الإضلال مثلاً لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلاً لفوز المؤمنين.

ويمكن أن يفسر ذلك بما هو أسهل من هذا، وأبعد عن التكلف إذا قلنا: إن المثل يأتي بمعنى: الصفة، وقد ذكرت في الكلام على الأمثال: أن حمل المثل في جميع المواضع على ما يتعلق بالشبه، أو ما يرجع إلى الشبه، أنه لا يخلو من إشكال، فتحتاج إلى تكلف في بعض المواضع كما سيأتي في قوله -تبارك وتعالى-: مَّثَلُ الْجَنَّةِمحمد:15 في بعض المواضع لو فسر بالصفة والنعت فإن ذلك يكون أوضح وأسهل، والعلم عند الله -عز وجل-.

كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ الأوصاف التي يكون عليها أهل الإيمان، والأوصاف التي يكون عليها أهل الكفر والضلال.

فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ محمد:4-9.

يقول تعالى مرشدًا للمؤمنين إلى ما يعتمدونه في حروبهم مع المشركين: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ أي: إذا واجهتموهم فاحصدوهم حصدًا بالسيوف.

حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ أي: أهلكتموهم قتلا: فَشُدُّوا الْوَثَاقَ الأسارى الذين تأسرونهم، ثم أنتم بعد انقضاء الحرب وانفصال المعركة مخيرون في أمرهم، إن شئتم مننتم عليهم، فأطلقتم أساراهم مجانًا، وإن شئتم فاديتموهم بمال تأخذونه منهم، وتشارطونهم عليه.

والظاهر: أن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، فإن الله -سبحانه وتعالى- عاتب المؤمنين على الاستكثار من الأسارى يومئذ، ليأخذوا منهم الفداء، والتقليل من القتل يومئذ، فقال: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ الأنفال:67-68.

قوله -تبارك وتعالى-: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ يعني لما بين الله -عز وجل- أعمال الكافرين، وما فعل بها من إذهابها وإبطالها، وما فعل بأهل الإيمان من إصلاح البال أمر بجهاد هؤلاء الكفار الذين ذكر صفتهم: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ يعني هنا "الفاء" تربط ما بعدها بما قبلها، إذا كان هذا ما فعله الله -تبارك وتعالى- بهؤلاء الكفار، وهذه صفتهم، وهذا حالهم اتبعوا الباطل، فإذا لقيتموهم فأزهقوا أنفسهم، كما أبطل الله أعمالهم وثوابهم، فهؤلاء لا صلاح لهم بحال من الأحوال، لا في الدنيا ولا في الآخرة، بخلاف أهل الإيمان، فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ "ضرب الرقاب" هذا مصدر لفعل محذوف، يعني فاضربوا الرقاب ضربًا، كما يقول بعض المفسرين.

وبعضهم يقول: اقصدوا ضرب الرقاب، يعني أن العامل فيه فعل محذوف، اقصدوا ضرب الرقاب.

والشنقيطي -رحمه الله- يقول: هو مصدر نائب عن فعله، وهو بمعنى فعل الأمر.

ومعلوم أن صيغ الأمر في اللغة العربية أربع:

الأولى هي الأشهر: فعل الأمر، تقول: اضرب، كقوله -تبارك وتعالى-: فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ الأنفال: 12.

والصيغة الثانية: هي الفعل المضارع الذي دخلت عليه "لام الأمر" نحو لتضرب؛ كما في قوله -تبارك وتعالى-: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ آل عمران:104.

وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ فهذا أمر تقول: لتفعل كذا، يعني افعل.

والصيغة الثالثة هي: اسم فعل الأمر، تقول: صه، بمعنى: اسكت.

والصيغة الرابعة هي هذه أي المصدر النائب عن فعله: ضرب الرقاب.

فَضَرْبَ الرِّقَابِ يعني اضربوا الرقاب ضربًا، علمهم كيف يتعاملون مع الكفار إذا لقوهم، أنهم يضربون رقابهم، وخص الرقاب مع أن القتل قد يكون بالطعن، ونحو ذلك، لكنه خص الرقاب؛ لأن ذلك أبلغ في القتل، وأجلى صور القتل التي لا يمكن أن يكون للحياة معها بقاء، إذا ضرب عنقه معنى ذلك أنه لا طب فيه، لكنه قد يداوى من الطعن، أو نحو هذا، فذكر لهم أبلغ الصور، كما في آية الأنفال: فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وقد مضى الكلام على هذا، وأن بعضهم فسره: بحز الغلاصم، وقالوا: إن ذلك الموضع هو الذي يُبان منه العنق بأسهل طريق، وأيسر عمل، وقيل غير هذا كما سبق، لكنه علمهم كيف يباد هؤلاء الكفار، وتشل حركتهم أيضًا: فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ قطعوا أطرافهم، بحيث لا يستطيعون حمل السلاح، والعدوان على عباد الله -تبارك وتعالى.

وهنا يقول: إذا واجهتموهم فاحصدوهم حصدًا بالسيوف حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ الإثخان مأخوذ من الشيء الثخين وهو الغليظ.

أَثْخَنتُمُوهُمْ والمقصود الإكثار والمبالغة في القتل، مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ الأنفال:67.

حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ يعني يكثر القتل في أعداء الله -تبارك وتعالى-، فإن هؤلاء يستحقون ذلك، وهذا أمر الله -جل جلاله-، وهو أعدل وأحكم وأعلم، ومن ثم فلا حاجة لاجتهادات وفلسفات مع هذا النص الواضح البين، وأمثال هذا النص مما يتعامل به مع أعداء الله المحاربين للإسلام وأهله.

أما تصوير الإسلام بأنه دين لا سلام فيه فإن هذا باطل، وتصوير الإسلام على أنه دين ضعيف فإن ذلك بخلاف حقيقته، وبخلاف ما قرره القرآن، ولذلك فإن هؤلاء المنهزمين لا شك أن مشكلتهم الأولى والكبرى مع القرآن، هذه نصوص القرآن -كما نرى- وهم يحاولون أن يصوروا الإسلام بصورة أخرى تمامًا، فيحسنون إلى الكفار، ويعاملونهم معاملة لا يعاملون عشر معشارها للمسلمين، فهذا قلب للحقائق.

حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ يعني أكثرتم من القتل فيهم، بحيث لا تقوم لهم قائمة، إذا أنهكهم القتل: فَشُدُّوا الْوَثَاقَ الوَثاق، ويقال أيضًا: بالكسر.

الوثاق هو ما يوثق به، ما يربط به من جلد بعير، أو نحو ذلك، أو الحبل، فهذا يقال له: الوثاق، وهو اسم للشيء الذي يوثق به، يربط به، أي شُدوه لئلا يحصل لهم انفلات.

فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا يعني بعد ذلك أنتم مخيرون: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء أي: إما أن تمنوا عليهم بعد الأسر مَنًّا يعني أن تمنوا مَنًّا وَإِمَّا فِدَاء أن تفدوا: فِدَاء.

هنا جاء بالمصدر فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء يعني أنتم مخيرون بين الإطلاق مجانًا، أو أخذ العوض من المال، فيفتدي الأسير نفسه بما يدفعه من مال يطلب منه.

وهنا قدم المن على الفداء، بعض أهل العلم يقول: لأن ذلك -والله أعلم- مما كانت تتمدح به العرب، وهذا موجود في كلامهم وأشعارهم، يتمدحون بالمن على الأسارى، يعني من غير مقابل، وأن ذلك أكمل في مكارم الأخلاق، فقدمه: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء، يقول هنا: وإن شئتم فاديتموهم بمال تأخذونه منهم، وتشارطونهم عليه.

لماذا قال: نزلت بعد وقعة بدر؟

باعتبار أنها لو نزلت قبل وقعة بدر لما حصل ما عاتبهم الله -عز وجل- عليه: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى الأنفال:67 لو كانت هذه الآية عندهم نازلة قبل الوقعة لفعلوا بهم ما أمر الله به، والنبي -صلى الله عليه وسلم- هو أعظم الأمة امتثالاً، فلو كانت نازلة لم يحتج إلى مشاورة أحد، لكن لم تكن هذه الآية نازلة حينئذ، هذا وجه كلام ابن كثير -رحمه الله.

وقوله -عز وجل-: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا قال مجاهد: حتى ينزل عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام.

وكأنه أخذه من قوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، حتى يقاتل آخرهم الدجال)([3]).

وروى الإمام أحمد عن جبير بن نفير قال: إن سلمة بن نفيل أخبرهم: أنه أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني سيّبتُ الخيل، وألقيت السلاح، ووضعت الحرب أوزارها، وقلت: لا قتال، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الآن جاء القتال، لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس، يزيغ الله -تعالى- قلوب أقوام، فيقاتلونهم، ويرزقهم الله منهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، ألا إن عُقر دار المؤمنين بالشام، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة)([4]) وهكذا رواه النسائي.

هنا جعل الله -عز وجل- لذلك غاية: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا هل المقصود بذلك في الوقعة المعينة، افعلوا بهم هذا حتى تضع الحرب المعينة القائمة أوزارها؟ أو أن المقصود بذلك عموم المعاملة مع الكفار، أن يكون هذا هو المَهْيع والمنهج والطريق، هو الإكثار من القتل: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا؟.

ومتى تضع الحرب أوزارها؟

لن تضع الحرب أوزارها إلا في آخر الدنيا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر عن الملاحم التي تكون مع الكفار، وأخبر أن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، وأخبر أنه لا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين قال: (حتى يقاتل آخرهم الدجال)([5]).

وأخبر عن الدجال ومن يخرج له.

وكذلك أيضًا الملاحم التي تكون ببلاد الشام في آخر الزمان، وغير ذلك مما ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم-، الفتوح فتح القسطنطينية، وفتح روما، وهذه الفتوح لم تأتِ بعد، فكل ذلك كائن وواقع، فتضع الحرب أوزارها في آخر الدنيا في آخر مدتها.

وأبو هريرة -رضي الله عنه- كان يقول: "أحب تميمًا لثلاث" وذكر منها: أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (أشد أمتي على الدجال)([6]).

فالمقصود: أن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، فبعض أهل العلم فسره بهذا، يعني: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا يعني إلى نهاية المطاف إلى أن تنتهي المواجهة بين المسلمين والكفار، وذلك في آخر عهد الدنيا، وهذا قال به كثيرون، ولهذا قال مجاهد هنا: حتى ينزل عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام.

حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ما معنى الأوزار هنا؟

تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا يعني حتى تضع الحرب أثقالها.

ما هذه الأثقال التي تضعها الحرب؟

هي التي لا تقوم الحرب إلا بها من السلاح والمراكب، ونحو ذلك.

تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا فأسند الوضع إليها، إلى الحرب.

والمقصود: أهل الحرب، يعني حتى يضعوا أثقال الحرب من السلاح، والعتاد، والمراكب التي يركبونها للقتال.

وابن جرير -رحمه الله- فسره بآثامها، حتى تضع الحرب آثامها، وأثقال أهلها المشركين بالله، بأن يتوبوا إلى الله من شركهم، فيؤمنوا به وبرسوله -صلى الله عليه وسلم-، فذلك وضع الحرب أوزارها.

وكأن الذي قبله أوضح وأقرب -والله أعلم-، فإن هذا الأسلوب مستعمل في كلام العرب: وضعت الحرب أوزارها، يعني حطت أثقالها من آلة الحرب من العتاد والعدة، ونحو ذلك مما يستعمل للحرب.

قول مجاهد هنا: حتى ينزل عيسى -عليه الصلاة والسلام-.

وجاء عنه أيضًا: حتى لا يكون دين غير دين الإسلام.

وهذا بمعنى ما ذكر قبله.

عيسى -صلى الله عليه وسلم- لا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فيُسقط الجزية.

بهذا المعنى قال الحسن والكلبي.

يعني بمعنى أنه في عهد عيسى -صلى الله عليه وسلم- يدخل الناس في دين الله -تبارك وتعالى-.

والله -عز وجل- يقول: وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ النساء:159 وذكرنا هناك أن الراجح في تفسير الآية: وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمن بعيسى -صلى الله عليه وسلم- قبل موته، لأن الضمير يرجع إلى عيسى -عليه الصلاة والسلام-، وأنه لا يرجع إلى الكافر قبل موت عيسى، يعني إذا نزل في آخر الزمان.

وقريب من هذا قول جماعة من المفسرين أصحاب كتب المعاني، مثل الكسائي والفراء، يقول: حتى يُسلم الخلق، يعني: "فَإذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ" فليكن هذا هو العمل تجاههم، حتى يدخل الناس في دين الله -تبارك وتعالى.

وبعضهم يقول: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا يعني حتى يضع الأعداء الكفار أوزارهم، وهو سلاحهم، بالهزيمة والموادعة، يعني يعلنون الاستسلام، اضربوا الرقاب، فلتكن هكذا سيرتكم معهم، حتى تنكسر شوكتهم، ويذعنوا لكم، وينقادوا.

وبعضهم يقول: الآية فيها تقديم وتأخير.

وهذا مقتضى قول بعض السلف، كالحسن البصري وعطاء، المعنى: إذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها، فإما منا بعد وإما فداء، يعني لا يكن ثمة أسر حتى تثخنوا قتلاً، عند ذلك إذا أسرتم فشدوا الوثاق، ثم بعد ذلك أنتم بالخيار.

والقاعدة والأصل هو: أن الكلام على وجهه من الترتيب دون دعوى تقديم أو تأخير، إذا أمكن حمل ذلك على وجه صحيح.

فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا يعني ليكن هكذا التعامل معهم، لا يكون ثمة أسر إلا بعد الإثخان في القتل في هؤلاء الكفار، حتى تُكسر شوكتهم، وتخضد قوتهم، وعند ذلك يمكن أسرهم، يعني لا تستبقوا هؤلاء الكفار للأسر، بل أبيدوا خضراءهم، ثم بعد ذلك إذا كسرت شوكتهم فتأسرون من بقي، -والله تعالى أعلم-.

وهذه الآية لم يتكلم في هذا المختصر على كلام أهل العلم فيها: هل هي منسوخة، وإنما تكلم عليها في الأصل؛ لأن هذه الآية: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا.

فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا هل يترك الكفار من غير أهل الكتاب ويقبل منهم الفدية إذا أسروا، أو يتركون مجانًا هكذا يذهبون؟

فبعض أهل العلم يقول: ليس لهم إلا الإسلام، أو السيف، هذا بالنسبة للعرب؛ لأنه لا مجال للخيار الثالث: أنه يدفع الجزية، ومن ثم فإن بعضهم يقول: إن هذه الآية منسوخة، وإن الآيات الواردة في سورة براءة وهي آخر ما نزل في القتال، كآية السيف، تأمر بالقتل دونما سواه: فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ولم يجعل لهم مخرجًا من ذلك، إلا: فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ التوبة:5 هذا هو المخرج الوحيد لهم، هكذا يقول بعض أهل العلم، فاستشكلوا هذا الموضع، وقالوا: إنها منسوخة، بهذا الاعتبار.

وبعضهم يقول: هذه ناسخة لتلك الآيات، فإنه يكون مخيرًا بين هذه الأمور، قالوا: وهكذا كانت سيرته -صلى الله عليه وسلم-، وسيرة أصحابه، ولم يزل الناس على هذا بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، في تعاملهم مع الكفار، وقتالهم لهم، هذا مجمل الكلام في هذه المسألة، ومنشأ الخلاف فيها، ومعلوم: أن النسخ لا يثبت بالاحتمال، الأصل عدم النسخ، ولا تصح دعوى النسخ لمجرد الاحتمال، وأن الجمع مطلوب ما أمكن، وهذه الآيات ليس بينها منافاة، والله -تبارك وتعالى- يعلم أهل الإيمان، ويبين لهم كيف يتعاملون مع هؤلاء الكفار، من أجل كسر شوكتهم، وكون العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف لا ينافي هذا، أعني قوله: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءومثل هذا عام في الكفار، يعني ليس ذلك في العرب خاصة، والسياق في بيان وجه التعامل مع هؤلاء بالقتل الذريع.

والذين يقولون: إن هذه الآية منسوخة في أهل الأوثان خاصة، أما أهل الكتاب فيتعامل معهم بهذا، يعني المن أو الفداء، أو القتل، على خلاف في ذلك؛ لأنه هنا ما ذُكر، قال: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء هل يؤخر بين القتل والفداء؟ وبين الفداء والمن والقتل؟ أو الاسترقاق؟

فبعض أهل العلم نظر إلى كون القتل هنا لم يذكر، فقالوا: لا يجوز قتل الأسير، وهذا فيه نظر، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قتل عقبة بن أبي معيط، بعد بدر وهو أسير، ومنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- على بعض المشركين، كما هو معلوم، مثل ثمامة بن أثال، وكذلك أيضًا قبل الفداء من أسارى بدر، سوى من قتله منهم، وهو عقبة بن أبي معيط.

فالحاصل: أن بعض أهل العلم يقول: هذه نسخ منها أهل الأوثان: فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ التوبة:5.

فهنا يقولون: لا يجوز أن يُؤخذ منهم لا فدية، ولا يمن عليهم، والناسخ آية السيف، وقد مضى: أن بعض أهل العلم يقولون: إنها نسخت مائة وأربعًا وعشرين آية، كل آية فيها تسامح وعفو، وتجاوز وإعراض فهي منسوخة بآية السيف، حتى قال بعضهم: إن قوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ التين:8 منسوخ بآية السيف.

وذكرنا أن هذا الكلام غير صحيح.

والراجح: أنها لم تنسخ هذا القدر.

وهكذا قالوا: إن مما نسخ هذه الآيةَ آياتٌ كقوله: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ الأنفال:57 كيف يشرد بهم من خلفهم؟، إذا وقع لهم القتل الذريع، وليس بالمن أو الفداء، ونحو ذلك، هذا مما قالوا: إنه ناسخ لهذه الآية، وهذا قال به جماعة من السلف، كقتادة والضحاك وابن جريج والسدي، وآخرين، باعتبار أن سورة براءة هي آخر ما نزل في القتال في الواقع، قالوا: فكل مشرك يجب قتله، إلا من قام الدليل على تركه، كالنساء والأطفال، والشيوخ الكبار الذين لا مشاركة لهم في الحرب، أما إذا كان له رأي، ويستشار، ونحو ذلك فيقتل، كما قتل دريد بن الصمة، في هوازن، كان شيخًا كبيرًا، طاعنًا في السن، لكن كان مجربًا في الحرب، يرجع إلى رأيه، ويستشار.

ويستثنى من ذلك أيضًا: من تؤخذ منه الجزية.

هذا هو المشهور من مذهب أبي حنيفة.

والجمهور على خلافه.

بعضهم يقول: إنها هي هذه الآية هي التي نسخت آية براءة: فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ التوبة:5 وجاء هذا عن بعض السلف، كعطاء -رحمه الله-.

وذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذه الآية ليست منسوخة، وأيضًا ليست ناسخة، قالوا: الإمام مخير بين القتل والأسر والفداء، وكون القتل ما ذُكر في: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء فباعتبار أنه ذكر في آيات أخرى، كما يقول ابن جرير -رحمه الله-.

وكل ذلك فعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما سبق.

وهذا قول مالك والشافعي وسفيان الثوري والأوزاعي وأبي عبيد القاسم بن سلام، وأئمة كثير، هذا قول الجمهور من أهل العلم.

وسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه تدل على ذلك.

وأما ما جاء في قوله: فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فإن هذا لا يقتضي الحمل على قتل الأفراد الذين يؤسرون بالضرورة، فإنه يكون مخيرًا فيهم، وسعيد بن جبير يقول: لا يكون فداء ولا أسر إلا بعد الإثخان، والقتل بالسيف؛ لقوله: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ الأنفال:67 وهذا لا ينافي ما سبق، -والله أعلم-.

الأقرب أن هذه الآية ليست منسوخة، وأن الإمام مخير في هؤلاء الكفار، بحسب ما يراه من المصلحة، لكن المطلوب ابتداءً هو الإثخان في القتل، والإكثار من القتل.

هنا في الحديث الذي ذكره، جاء القتال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس يُزيغ الله -تعالى- قلوب أقوام، فيقاتلونهم)([7]) يعني لا يزال الكفر يتجدد في الناس جيلاً بعد جيل، فسبب الجهاد قائم.

وقوله -عز وجل-: ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ أي: هذا: ولو شاء الله لانتقم من الكافرين بعقوبة ونكال من عنده.

وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ أي: ولكن شرع لكم الجهاد، وقتال الأعداء، ليختبركم، ويبلو أخباركم، كما ذكر حكمته في شرعية الجهاد في سورتي آل عمران وبراءة في قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ آل عمران:142.

وقال -تبارك وتعالى- في سورة براءة: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌالتوبة:14-15.

ثم لما كان من شأن القتال أن يُقتل كثير من المؤمنين، قال: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ}أي: لن يذهبها، بل يكثرها وينميها ويضاعفها.

ومنهم من يجري عليه عمله في طول برزخه، كما ورد بذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده عن كثير بن مرة عن قيس الجذامي -رجل كانت له صحبة- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يعطى الشهيد ست خصال: عند أول قطرة من دمه تكفر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من الجنة، ويزوج من الحور العين، ويأمن من الفزع الأكبر، ومن عذاب القبر، ويحلى حلة الإيمان) تفرد به أحمد -رحمه الله([8]).

وقال أبو الدرداء -رضي الله عنه-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته) [ورواه أبو داود]([9]).

والأحاديث في فضل الشهيد كثيرة جدًّا.

قوله -تبارك وتعالى-: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ هذه قراءة أبي عمرو وحفص.

قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ بمعنى: أن الله -تبارك وتعالى- ينميها، ويجزيهم عليها، فلن يذهب سعيهم وعملهم وجهادهم، فإن ذلك يجدونه عند الله -تبارك وتعالى-، لا يضيع أعمال هؤلاء الذين قتلوا، لكن قوله -تبارك وتعالى-: سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ هنا يرد سؤال عن المراد بالهداية بعد القتل، هؤلاء قتلوا، فارقوا الدنيا، فيهديهم إلى ماذا؟.

مضى في سورة الفاتحة الكلام على الهدايات اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ الفاتحة:6 أن ابن القيم -رحمه الله- ذكر أنواعًا كثيرة للهداية، فبعض هذه الهدايات في الدنيا، وبعض هذه الهدايات في البرزخ، وبعض هذه الهدايات في القيامة، فالهدايات التي في الدنيا: أولها: الهداية إلى الإسلام، والهداية إلى العلم، والهداية إلى الصواب فيه، والهداية إلى العمل، والهداية إلى أفضل الأعمال؛ لأن الأعمال متفاوتة، والهداية إلى الثبات، هداية التوفيق، أن يثبت الإنسان على هذا، ما يتعلم مدة ثم ينقطع، أو يعمل مدة ثم ينقطع، بل يسدد ويستمر إلى أن يلقى الله -تبارك وتعالى-، وكذلك أيضًا من الهدايات: أن يهدى الإنسان عند الموت، فيختم له بالسعادة، الإنسان قد يفتن عند موته.

ومن الهدايات التي تكون بعد الموت: الهداية عند سؤال الملكين، فيسدد ويثبت.

ومن الهدايات التي تكون له بعد ذلك في القيامة: أنه يهدى عند الحساب، وكذلك أيضًا: يهدى إلى الصراط، ويهدى على الصراط، ثم يهدى إلى باب الجنة، ثم يهدى إلى منزله في الجنة، وهذا الأخير هو الذي يذكره أكثر المفسرين، يقولون: سَيَهْدِيهِمْ يعني إلى منازلهم في الجنة، يهتدون إليها، يعرفونها أعظم مما يعرفون منازلهم في الدنيا، هكذا قال أكثر المفسرين، مع أن الحافظ ابن القيم -رحمه الله- ذكر هذا المعنى، وذكر فيه معنى آخر على سبيل الاحتمال: هؤلاء الذين قتلوا ما هذه الهداية التي تحصل لهم؟

المعنى الثاني الذي ذكره: أن من علم أن هذا هو مصيرهم، أنهم سيصيرون إلى القتل في سبيله، فإن الله يسددهم قبل ذلك، قبل القتل، ويهديهم إلى أحسن الأعمال، وإلى ما يكون به سعادتهم، وحسن خاتمتهم، هكذا ذكره احتمالاً، وما عزاه لأحد، يعني يقول: لا يستبعد أن يكون هذا هو المراد.

لكن على قراءة الجمهور: "والذين قاتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم * سيهديهم ويصلح بالهم" هذا واضح، لا يرد عليه السؤال السابق؛ لأن المجاهدين المقاتلين في سبيل الله لن يضيع الله أعمالهم، قال: سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ يهديهم إلى الحق، يهديهم إلى الصواب، يهديهم إلى أحسن الأعمال.

وتأمل هنا: "والذين قاتلوا في سبيل الله" فما كل من قاتل يكون قتاله في سبيل الله، ومن ثم لا تحصل له هذه الهداية، فقد يقاتل الإنسان رياءً، وقد يقاتل حمية لقومه، وقد يقاتل شجاعة، وقد يقاتل عصبية، وقد يقاتل لزيد أو عمرو من الناس، من أجل أن يحصل له سلطان وظهور، ونحو ذلك، وقد يقاتل من أجل حزب، أو نحو ذلك، أو قومية، أو وطنية، أو ما أشبه هذا.

القتال في سبيل الله: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.

إذًا، من قاتل متجردًا لله وفي الله فهو في سبيل الله، يريد أن يظهر الحق، تعلو كلمة الله، المقاتل قد لا يستحضر هذا المعنى، قد يكون قتال بعض الناس ظاهره أنه في سبيل الله، والواقع أنه يقاتل رياءً، أو يقاتل حمية، وعصبية لطائفة من الناس، وهذا أشد ما يكون على أعمال المجاهدين ونياتهم، أن يدخل الدخيل، فينسى نفسه، فيكون الصراع ليس لإعلاء كلمة الله، وإنما لهذه الشعارات، كل مجموعة لها شعار تدور حوله، وتريد أن تنتصر له، وتنتصر لهذه الطائفة، وأن تكون هي الأقوى، والأكثر والأوفى والأوفر، وكل النقاشات وكل الجدال، وكل الحديث مع الآخرين، وكيف أستطيع أن أقنعهم بأن هذه الطائفة التي أقاتل معها أنها أولى وأكمل وأحسن وأصلح، وأن البقية يجب أن ينقادوا لهم، ويذعنوا، وأن يدخلوا تحت رايتهم، فأصبحت أحزابًا متصارعة، ليُنسى معها الهدف الأسمى والأكبر، وهو: أن تكون كلمة الله هي العليا، هذا يحصل في ساحة القتال وميدانه، ويحصل أيضًا في ساحة الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى-، وهذا من أشد الأمور إيلامًا، فهو أمر في غاية الإزراء، إذا تذكره المرء أورثه مرارة، كيف يتحول الناس الذين ينتسبون إلى الدعوة إلى الله -عز وجل- في أصقاع المعمورة إلى مثل مشجعي الرياضة والكرة، وما أشبه ذلك، كل واحد يقول: طائفتي، ويدور حولها، وقد يكون هذا باسم جمعية، أو باسم غير ذلك، تجد جمعيات وأسماء الدعاة يدورون حولها، في بلاد مختلفة، فكيف تكون هذه الجمعية هي الجمعية الأولى في ذلك الإقليم أو البقعة أو البلد، فينسى الهدف الكبير: أن تكون كلمة الله هي العليا، يكفي أن الإنسان يقصد هذا الهدف، ولا يلتفت إلى شيء بعد ذلك، يقرب الناس ويحبهم ويؤثرهم، وما إلى ذلك بقدر ما فيهم من تحقيق الاتباع للكتاب والسنة، دون أي اعتبار آخر، وما عداه فهو لعب صبيان، لا يجوز الالتفات إليه بحال من الأحوال.

ومثل هذا أيضًا -وهو أشد- مواجهة الكفار، أن تتحول كتائب الإيمان إلى عصابات متناحرة، كل عصابة ترفع شعارًا، وهم لا يختلفون على المبدأ، وإنما لو حصل التجرد من حظوظ النفس والطائفة لكانوا مجتمعين، كانوا يدًا واحدة على هؤلاء الأعداء، ولكنه الشيطان لا يترك أحدًا، حتى هؤلاء الذين يبذلون أرواحهم في سبيل الله، فقدموا أغلى الأشياء، قدموا النفس والمال، ولكن الشيطان لا يتركهم، فيورثهم هذا الصراع والاختلاف فيما بينهم، ثم بعد ذلك تتحول النيات وتتغير، وهذا بلاء كبير على مستوى الأفراد، حينما تتحول نيته ويقتل، فقد لا يكون ذلك في سبيل الله، الإنسان ليس له إلا نفس واحدة، وهكذا أيضًا حينما يؤثّر ذلك على أهل الإيمان، وعلى أمة الإسلام عمومًا، التي لا يمكن لطائفة أن تستقل بمصالح الأمة، وأن تدعي أنها تملك جهاد الأعداء، أو أنها تأخذ وتملك زمام الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى-، فهذا كله ينبغي الترفع عنه، والتجافي عن مثل هذا، وأن يكون أمر الإنسان دائمًا إلى الله -عز وجل- لا يلتفت إلى شيء آخر، ولا يجوز أن يتعصب، وأن يتحزب لطائفة، ولكن سبحان الله حينما يعيش الإنسان في بيئة منتنة فإنه قد لا يدرك مثل هذا البلاء ولا يشعر أنه منغمس فيه، مثل ذاك الذي -أعزكم الله- يعيش في مدبغة، محل لدباغة الجلود، فالروائح تقتل، لكنه لا يشعر، أضرب لكم أمثلة، يعني الناس حينما يكونون في مكان محصور، في غرفة مغلقة النوافذ والأبواب وهم كثير فإن الهواء يتغير، فمن يرِد عليهم من خارج هذا المكان يدرك ما هم فيه، ولكنهم لا يشعرون، جميعًا لا يشعرون، فحينما يكون الإنسان في بيئة معتمة هو لا يشعر، لكن من فتح الله بصيرته يدرك الخلل والعوار والانحراف، وينبغي أن ينصح الناس بعضهم بعضًا، ويسدد بعضهم بعضًا، ويأخذ بعضهم بيد بعض، والمؤمنون نَصَحة، ولا يُترك الناس هكذا، كلٌّ يفعل ما شاء ثم بعد ذلك تضيع جهودهم ومصالحهم، وتضيع مصالح الأمة، والأعداء يكيدون، ولن يجدوا أعظم مما يفعله المسلمون بأنفسهم في تفرقهم واختلافهم هذا، والله المستعان.

وقوله -تبارك وتعالى-: سَيَهْدِيهِمْ أي: إلى الجنة، كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ يونس:9.

سَيَهْدِيهِمْ هنا إلى الجنة، هؤلاء الذين قُتلوا، على قراءة أبي عمرو وحفص، ولكن على قراءة الجمهور سَيَهْدِيهِمْ إلى الرشد في الدنيا والثواب في الآخرة، والجنة في آخرتهم.

وقوله -عز وجل-: وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ أي: أمرهم وحالهم.

وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ أي: عرفهم بها، وهداهم إليها.

قال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، وحيث قسم الله لهم منها، لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خُلقوا، لا يستدلون عليها أحدًا.

"لا يستدلون عليها أحدًا" يعني ما يأتي يسأل أحدًا، يقول: أين الجنة؟ وأين بيتي في الجنة؟ وأين منزلي في الجنة؟ كمن يرد إلى مكان لا يعرفه، فهو يحتاج أن يسأل ويذهب، وربما يستعين بخريطة، أو نحو هذا، الجنة لا يحتاجون فيها إلى مثل هذا.

روى البخاري عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، يتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، والذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان في الدنيا)([10]).

هذا الحديث يدل على هذا المعنى: (إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان في الدنيا) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ وهذا الذي رجحه ابن جرير -رحمه الله-، فيكون ذلك من قبيل تفسير القرآن بالسنة، مع أن الحديث لم يذكر فيه الآية، ولكنه مرتبط بها غاية الارتباط من جهة المعنى.

ويقول الحسن -رحمه الله-: وصف لهم الجنة في الدنيا، فلما دخلوها عرفوها بصفتها، يعني: أن قوله: عَرَّفَهَا لَهُمْ يعني في الدنيا بذكر صفتها، فلما دخلوها وجدوا الصفة المذكورة مطابقة لما ذكر، هذا معنى آخر.

وبعضهم يقول: عَرَّفَهَا يعني: طيبها.

مأخوذ من العَرف الذي هو الطيب، الرائحة الطيبة، يقولون: طيبها بأنواع الملاذ.

ولكن هذا دون ما قبله.

فالمشهور: عَرَّفَهَا لَهُمْ ما يدل عليه الحديث، يعني أنهم يهتدون إلى منازلهم فيها، يهتدون إلى الجنة ابتداء، ثم إلى منازلهم فيها.

ثم قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ كقوله -عز وجل-: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ الحج:40 فإن الجزاء من جنس العمل، ولهذا قال تعالى: وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ كما جاء في الحديث: (من بلّغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله -تعالى- قدميه على الصراط يوم القيامة)([11]).

هذا الحديث فيه ضعف، لكن قوله -تبارك وتعالى-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يعني إن تنصروا دينه وشرعه ينصركم، وهذا -كما ذكرنا مرارًا- حكم المعلق على وصف يزيد بزيادته، وينقص بنقصانه، بقدر نصرنا لدين الله -تبارك وتعالى- يكون نصر الله لنا، فإذا ضعف ذلك، وصار الناس يلتفتون إلى الانتصار لأنفسهم، أو تغيرت نياتهم أو تحولت أو قلت أعمالهم وضعفت فإنه يقل النصر الحاصل لهم، وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ يثبت أقدامكم على ماذا؟

إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ هذا في ميدان نصر، في ميدان جهاد، فالمتبادر أن تثبت الأقدام في ميدان المعركة، هم لا يفرون، لا ينهزمون، "فلا تولوهم الأدبار".

أما قوله -تبارك وتعالى-: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ الأنفال:11.

فالمقصود هناك: كانت الأقدام تسوخ في أرض المعركة؛ لأنها دهسة، فنزل المطر فلبّدها، وصارت الأقدام تثبت عليها، وليس المقصود عدم الفرار بكونه ربط على القلوب، فثبتت الأقدام في الميدان، ليس هذا هو المراد في آية الأنفال، لكن هنا: تثبت الأقدام عند القتال.

وبعضهم يقول: على الإسلام.

وبعضهم يقول: على الصراط.

ثم قال -تبارك وتعالى-: وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ عكس تثبيت الأقدام للمؤمنين الناصرين لله -تعالى- ولرسوله -صلى الله عليه وسلم.

وقد ثبت في الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)([12]) أي: فلا شفاه الله -عز وجل-.

وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًالَّهُمْ "الذين كفروا" مبتدأ، والخبر بعض أهل العلم يقول: مقدر محذوف، يدل عليه ما بعده أي الذين كفروا فتعسوا تعسًا، ويكون الخبر بهذا الاعتبار جملة فعلية، وهنا: "تعسًا" جاء منتصبًا على المصدر للفعل المقدر: "تعسوا تعسًا".

وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًالَّهُمْ تعسوا تعسًا، مثل سقيًا لهم، يعني أصل التَّعْس: فلان تعيس، فلان في تعاسة، ونحو ذلك، هذا بمعنى الشقاء، الانحطاط، التعثر.

وبعضهم كابن السكيت يقول: التعْس هو الجر على الوجه، والنكس أن يجر على رأسه، مع أنه يقرر أن التعْس بمعنى الهلاك: "تعسًا لهم" هلاكًا لهم، فكأنهم نظروا إلى أصل المعنى، كما يقول بعض أهل اللغة في تفسيره، مثل الجوهري صاحب الصحاح: إن أصله الكب، وهنا قالوا: الجر على الوجه، هذا في أصله، لكنه صار يستعمل في الشقاء، ولهذا قالوا: هو ضد الانتعاش، وعبارات أصحاب المعاني والمفسرين في هذا: بعضهم كابن جريج يقول: بعدًا لهم.

والمبرد يقول: فمكروهًا لهم.

هذان متقاربان.

وكذلك قول السدي: خزيًا لهم.

وقول ابن زيد: شقاء لهم.

وقول الحسن: شتمًا لهم.

وقول ثعلب: هلاكًا لهم.

وقول الضحاك: خيبة.

وقول من قال: قبحًا لهم، أو شرًّا لهم، أو شقوة.

كل هذا تفسير للتعْس والتعاسة ببعض معناه، فهي بمعنى الشقاء الذي يحمل في طياته هذه المعاني، التعاسة لهم، الشقاء، هذا الشقاء في الدنيا والآخرة، من شقائهم: أنهم يسحبون في النار على وجوههم، من شقائهم: التعثر في الدنيا، من شقائهم: قلة التوفيق، وانعدام التوفيق، إلى غير ذلك، ولهذا يقول ابن جرير -رحمه   الله-: فخزيًا لهم وشقاء وبلاء.

فكل هذا داخل في التعاسة: "تعسًا لهم" التعاسة هي النصيب الأوفى والأوفر للكفار، هؤلاء لا فلاح لهم، وإن حصل لهم شيء من التمتع في هذه الحياة الدنيا، لكن هؤلاء يعيشون في ضيق ونكد لا يقادر قدره، ولذلك قارن بين المصحات النفسية في بلاد الغرب، هؤلاء الذين مُتعوا بالملاذ، ولا يوجد عندهم محرمات وممنوعات، وهم في حال من التمكن، ذللت لهم سبل العيش تذليلاً، ومع ذلك هم أتعس الناس، وأشقى الناس، وهؤلاء يكفي أنهم لا يعرفون الله -تبارك وتعالى-، ولا يذكرونه، فأسباب الفلاح والسعادة منعدمة في حقهم تمامًا، ولذلك تجد المقاتلين منهم مع أنهم في الظاهر في حال تمكن وانتصار، ويقتلون المسلمين قتلاً ذريعًا، ويخربون البلاد على رءوس أهلها، ومع ذلك تقرءون في التقارير أنهم يتراوحون بين حالات جنون، وحالات اكتئاب شديد، وإحصاءات تذكر لهؤلاء العائدين من ميادين القتال، إحصاءات بالاكتئاب، والأمراض العقلية، والأمراض النفسية، مع أنهم في الظاهر في انتصار.

لو كان هؤلاء يُمزَّقون كما تمزق أشلاء المسلمين، ويفعل بهم ما يفعل بالمسلمين كيف يكون حالهم؟!

سيموتون، موت -نسأل الله العافية- الفراش، الذي يتهافت على النار، يموتون يعني من غير قتل.

لو كان هذا البلاء الذي يصب على بلاد المسلمين في بلد من بلدانهم، لهلكوا، لا يحتملون إطلاقًا، ولا يطيقون؛ لأنهم لا يحتسبون، ولا يعرفون الله، ولا يرجون ما عنده، غاية ما عندهم هي هذه الحياة الدنيا، فبأدنى مكدر تتحول حياتهم إلى جحيم، والله المستعان.

 

لو كان هذا البلاء الذي يصب على بلاد المسلمين في بلد من بلدانهم، لهلكوا، لا يحتملون إطلاقًا، ولا يطيقون؛ لأنهم لا يحتسبون، ولا يعرفون الله، ولا يرجون ما عنده، غاية ما عندهم هي هذه الحياة الدنيا، فبأدنى مكدر تتحول حياتهم إلى جحيم، والله المستعان.

 

وقوله -سبحانه وتعالى-: وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ أي: أحبطها وأبطلها، ولهذا قال: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ أي: لا يريدونه ولا يحبونه، فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ.

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ، ذَلِكَ هنا إشارة إلى ما تقدم من التعْس والإضلال: لماذا فعل بهم ذلك؟ أي الأمر ذلك، أو ذلك الأمر لأنهم: كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فعل بهم ذلك لكونهم: كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ.

وهنا هذا الموضع يبين خطورة هذا العمل القلبي، بالكراهية، يعني مجرد الكراهية، كراهية ما أنزل الله، فالذي يكره دين الله -تبارك وتعالى- وشرعه، يرى أن هذا التشريع ثقيل، أن هذا التشريع لا يتناسب مع العصر، أنه لا يمثل ما ينبغي أن يكون عليه الناس في حضارتهم، وما وصلوا إليه من الأسباب في هذه العصور بتعاملاتهم وقوانينهم ونظمهم، وما أشبه ذلك، كل هذا يدخل في هذه الآية.

يبغض الدين، يكره الدين، يكره ما أنزل الله -عز وجل- على رسوله -صلى الله عليه وسلم-، يكره الشرع، هو دائمًا محارب لله ولرسوله ولأوليائه ولدينه وشرعه، ليس له شغل إلا هذا، في عموده الذي يكتب فيه دائمًا ليس له شأن إلا الوقيعة في أهل الإيمان، ويفرح وينتشي لكل ما يحصل ويحدث مما يكون فيه الحط، أو الخفض للدين وأهله، يعلن فرحه بذلك، ويضيق ذرعًا حينما يرى الظهور لأولياء الله -تبارك وتعالى-، ولشرعه وكتابه، فمثل هذا المبغض لدين الله -عز وجل- داخل في ذلك: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فيعلل هذا لماذا كانت لهم التعاسة والشقاء؟ لكراهيتهم، هذا الذي يكره الشريعة، ويكره التحاكم إليها، ويكره تحكيمها، ويرى أن ذلك من العار والشنار، وأن من الجرم أن ينادى بتحكيم شرع الله -عز وجل- في رقاب الخلق، مثل هذا لا شك أنه داخل في هذه الآية: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ ويكون ذلك سببًا لحبوط الأعمال: فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ولا يمكن أن يحصل هذا -حبوط الأعمال- إلا لمن خرج من دائرة الإسلام، إلا لمن كان كافرًا، فإن الله -تبارك وتعالى- يقول: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ الزمر:65 فلا يوجد شيء يحبط جميع الأعمال إلا الإشراك بالله -عز وجل-.

فيحذر المؤمن من الوقوع في مثل هذا.

ومن أراد الله -عز وجل- شقاءه فإن ارتكاسته تكون بهذا وأمثاله، والله المستعان.



[1]- رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته، رقم (153) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.

[2]- جزء من حديث رواه البخاري، كتاب الأدب، باب إذا عطس كيف يشمت، رقم (6224) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.

[3]- أخرجه اللالكائي، في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، رقم (168) وأصله في البخاري، كتابالاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون) وهم أهل العلم، رقم (7311)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم) رقم (1920).

[4]- رواه أحمد (16965) وقال محققو المسند: "إسناده حسن".

[5]- أخرجه اللالكائي، في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، رقم (168) وأصله في البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون) وهم أهل العلم، رقم (7311)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم)، رقم (1920).

[6]- رواه البخاري، كتاب العتق، باب من ملك من العرب رقيقًا فوهب وباع وجامع وفدى وسبى الذرية، رقم (2543)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، باب من فضائل غفار، وأسلم، وجهينة، وأشجع، ومزينة، وتميم، ودوس، وطيّئ، رقم (2525).

[7]- رواه أحمد (16965)، وقال محققو المسند: "إسناده حسن".

[8]- رواه أحمد، رقم (17783)، وقال محققو المسند: "حديث حسن".

[9]- رواه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في الشهيد يشفع، رقم (2522)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، رقم (2277)، وفي صحيح الجامع الصغير وزياداته، رقم (8093).

[10]- رواه البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب قصاص المظالم، رقم (2440).

[11]- جزء من حديث طويل رواه الطبراني في الكبير، رقم (414)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته، رقم (48).

[12]- رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله، رقم (2886).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about