استعرض النسخة الجديدة من الموقع
(2) من قوله تعالى " فأما من أوتي كتابه بيمينه " إلى آخر السورة
عدد الزوار : 6737
تاريخ الإضافة : 13 جمادى الأول 1435
MP3 : 54280 kb
PDF : 5993 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة الحاقة من الآية (1) إلى الآية (18)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وبعد.

قال المصنف -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: {الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ * وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً * إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} [سورة الحاقة:1-12].

الحاقة من أسماء يوم القيامة؛ لأن فيها يتحقق الوعد والوعيد؛ ولهذا عظم الله أمرها فقال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ}.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذه السورة "سورة الحاقة" تتحدث في مجملها عن موضوع واحد في الجملة وهو القيامة، وهي ثلاثة أجزاء منها ما يتحدث عن القيامة مباشرة، وأحوال الناس فيها، ومنها ما يتحدث عن حال المكذبين بها، وما فعل بهم من العقوبات، وما أنزل بهم من المَثُلات، وقسمها الثالث يتحدث عن أحقية ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- من هذا الوحي والقرآن، وأنه حق من عند الله -تبارك وتعالى-، هذه هي الأجزاء أو الأقسام الثلاثة التي اشتملت عليها هذه السورة، وهي ترجع إلى الموضوع الأساس -والله أعلم- القيامة؛ وذلك أنها افتتحت بذلك ثم ذكر ما فعل بالمكذبين بها، ثم ذكر أحوال الناس فيها، ثم ذكر صدق المُخبِر عنها "إنه لقول رسول كريم".

هذه السورة من السور النازلة في مكة بالاتفاق، كل آياتها، {الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ} يقول: والحاقة اسم من أسماء يوم القيامة، ثم ذكر لماذا سميت بذلك؛ قال: لأن فيها يتحقق الوعد والوعيد، هذا توجيه من الحافظ ابن كثير -رحمه الله- لهذه التسمية، الحاقة يتحقق فيها ما أخبر الله -عز وجل- به على ألسن رسله -عليهم الصلاة والسلام-، فيكون ذلك بمعنى وقوع وحصول ما أخبر عنه، وبعضهم يقول: لأن الأمر يحق فيها، وهي أيضًا تحق في نفسها، يعني تقع بلا شك، فهي واقعة، وما فيها حاصل وواقع ومتحقق، وبعض أهل العلم ذهب في هذا كصاحب تهذيب اللغة الأزهري -رحمه الله- إلى أن ذلك من حاققتُه -بمعنى غالبتُه- مُحاقّة وهي المغالبة، أو الخصومة أو نحو ذلك، فالقيامة حاقة؛ لأنها تحق كل مُحاقٍّ في دين الله -عز وجل- بالباطل، كل مجادل فهي تخصمه، تخصم هؤلاء المخاصمين، هكذا فسرها، أما كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير -رحمه الله- فذهب بذلك إلى نحو مما سبق، يعني بالقول الذي ذكرناه أولًا أي التي تحق فيها الأمور، ابن كثير يقول: يتحقق فيها الوعد والوعيد، وابن جرير يقول: تحق فيها الأمور، فهذا قريب من هذا، ومن أهل العلم مع اتفاقهم على أن الحاقة هي القيامة منهم من يقول سميت بذلك؛ لأنها من ذوات الحَواقّ، يعني الحواق من الأمور، أي أنها صادقة، يعني من الحق، حاقة صادقة واجبة وواقعة لا خُلف في وقوعها، وهذا المعنى قريب من بعض ما ذكر وإن اختلفت فيه العبارات، وهكذا أيضًا قول من قال: إنها سميت بذلك باعتبار أنها تكون في يوم الحق الذي هو يوم القيامة، تقع في يوم الحق، وهذا الذي قال به بعض أصحاب المعاني "معاني القرآن" مثل: الكسائي يقول: باعتبار أنها تكون في يوم الحق، ولو قيل ما هو يوم الحق؟ الحق هو الشيء الثابت في نفسه، والقيامة لا شك أنها حق، وبعضهم يقول: سميت بهذا لكون الإنسان فيها حقيقًا بأن يُجزى بعمله، وبعضهم يقول: لأنها أحقت لقوم الجنة ولآخرين النار، إلى غير ذلك مما قيل في توجيه هذه التسمية، وكأن المتبادر -والله تعالى أعلم- ما ذكره الحافظ ابن كثير وابن جرير: حاقة يتحقق فيها الوعد والوعيد، أو تحق فيها الأمور، وبعبارة أشمل من ذلك أنها واقعة وحاصلة وكائنة لا مرية في وقوعها، ولا خُلف فيه، وهذا يتضمن ما يكون فيها مما أخبر الله -عز وجل- عنه من وقوع الحساب والجزاء والأهوال والأوجال التي قص الله -تبارك وتعالى- علينا خبرها {الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ} قال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ} "الحاقة ما الحاقة" هنا "ما" إذا قلنا: إنها استفهامية يمكن أن تكون {الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ} الحاقة مبتدأ، وما مبتدأ ثانٍ، والحاقة خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر للمبتدأ الأول، يعني أي شيء حالها أو صفاتها؟ هذه الصيغة والجملة لفظها لفظ الاستفهام، ولكنها تدل على التعظيم والتفخيم؛ لأن مثل هذا الاستفهام مع الإبهام في مقامات الوعد والوعيد يدل على التفخيم والتهويل، {الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ} [سورة القارعة:1-2]، فهذا كله يفهم منه ذلك، كما تقول: الحرب ما الحرب؟، زيد ما زيد؟ تريد أن تعظم شأنه وتفخم حاله، {الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ} فهي تحق في نفسها من غير شك، وهي واقعة لا مرية في وقوعها، وكل ما أخبر الله -عز وجل- عنه فيها فهو حاصل لا محالة، وهي صادقة الوقوع، كل هذه العبارات التي يذكرونها صحيحة لا إشكال فيها، والله تعالى أعلم.

ثم ذكر تعالى إهلاكه الأمم المكذبين بها فقال تعالى: {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ} [سورة الحاقة:5] وهي الصيحة التي أسكتتهم والزلزلة التي أسكنتهم، هكذا قال قتادة: الطاغية الصيحة، وقال مجاهد: الطاغية الذنوب، وكذا قال الربيع بن أنس وابن زيد: إنها الطغيان، وقرأ ابن زيد {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا} [سورة الشمس:11].

قوله -تبارك وتعالى- في الجملة الثانية: {الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ} هذا زيادة في التفخيم لشأنها وأمرها، يعني الأول يدل على التفخيم، والثاني أيضًا زيادة فيه {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ}، يعني أي شيء أعلمك ما الحاقة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعاينها فكأنها خارجة عن دائرة علم المخلوقين، وبعض أهل العلم يقول: إن كل ما قيل فيه في القرآن "وما أدراك" فقد أدراه الله وأعلمه، وما قيل فيه: {وَمَا يُدْرِيكَ} [سورة الأحزاب:63]، فإن الله لم يعلمه، {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا}، وهذا قال به بعض أهل العلم، وهو منقول عن سفيان بن عيينة بنحوه، وبه قال يحيى بن سلام، صاحب التفسير المعروف، توفى سنة 200 للهجرة هكذا قال، والله تعالى أعلم، وقوله -تبارك وتعالى-: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ} ثمود قوم صالح -عليه الصلاة والسلام-، وعاد قوم هود -صلى الله عليه وسلم-، {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ} ثمود وعاد كذبوا بالقارعة، والقارعة اسم من أسماء القيامة، ولماذا قيل لها القارعة؟

بعض أهل العلم كابن جرير يقول: لأنها تقرع القلوب؛ لما فيها من الأهوال والأجوال، وحينما تقع -{وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} [سورة النحل:77]، يعني هي سريعة الوقوع- تفاجئهم، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر أن الرجل الذي قد حلب ناقته، والآخر الذي يصلح حوضه، أو الرجلان يتبايعان الثوب بينهما كل هذا تقع الساعة وهم لا يمضون ذلك، فهي كلمح البصر أو هي أقرب، ما الذي يكون أقرب من لمح البصر؟، ولهذا قال بعض أهل العلم: لأنها تقرع الناس بأهوالها، وهذا يمكن أن يرجع إلى ما ذكره ابن جرير، فهي حينما تقرع الناس بأهوالها تقرع قلوبهم؛ لأن القلوب هي محل الإدراك، لكن من البعد بمكان    -والله تعالى أعلم- أن يفسر ذلك بالقرآن، يعني أن المراد بالقارعة القرآن الذي يخوَّف به الناس، ويخوَّف به الكفار، ويكذبون بذلك، لكن هذا بعيد {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ}، يعني بالقرآن، يقصد القائل بالقرآن، يعني الكتب المنزلة على هؤلاء الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، كذبوا بذلك بالكتب التي أنزلها الله عليهم، فهذا بعيد وإن قال به مثل المبرد -رحمه الله-، والمشهور الذي عليه السواد الأعظم من المفسرين سلفًا وخلفًا لا يكاد يختلف قولهم في هذا هو أن القارعة من أسماء القيامة، وإن اختلفوا في تعليل ذلك، لماذا سميت بالقارعة؟ فإن بعضهم يقول: من القُرعة ترفع أقوامًا وتخفض آخرين، لكن هذا أيضًا بعيد، فهي تقرع القلوب، تقرع الناس بأهوالها، أي أنها تقرع قلوبهم.

يقول: ثم ذكر تعالى إهلاكه الأمم المكذبين بها فقال: {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ} قال: وهي الصيحة التي أسكتتهم والزلزلة التي أسكنتهم، هكذا قال قتادة، الصيحة والزلزلة يعني أن الله جمع لهم بين هذا وهذا، ويكون قد صاح بهم الملك صيحة شديدة قوية، وزلزلت بهم الأرض رجفت بهم فأهلكوا بهذين الأمرين، والطاغية الصيحة التي جاوزت الحد، وابن جرير فسره بهذا أن الطاغية هي الصيحة الموصوفة بهذه الصفة؛ لدلالة السياق، لأن القول الآخر وهو قول مجاهد: إن الطاغية هي الذنوب، وكذا قال الربيع بن أنس وابن زيد: إنها الطغيان، وهذا يرجع إلى قول مجاهد: إنها الذنوب، وقرأ ابن زيد {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا} [سورة الشمس:11] يعني فسره به؛ لأن ابن زيد يفسر القرآن بالقرآن، يعني فسر هذه الآية {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ} بقوله: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا}، إذاً الطاغية قالوا: يعني الطغيان أنهم جاوزا الحد في طغيانهم وكفرهم وعتوهم على الله -تبارك وتعالى- فهذا بمعنى قول مجاهد: الذنوب، وقول الربيع بن أنس وابن زيد: إنها الطغيان، فبعضهم فسره على اللفظ، وبعضهم فسره على المعنى، وكل ذلك يرجع إلى مجاوزة الحد وإلى الخروج عن طاعة الله -تبارك وتعالى- بالكفر، ومحادة الرسل -عليهم الصلاة والسلام-، هذا معناها، يعني حاصل ذلك يرجع إلى قولين:

 القول الأول: أن المقصود بالطاغية الصيحة القوية التي أسكتتهم، وابن كثير زاد عليها الزلزلة، وهذا هو الأقرب -والله تعالى أعلم-، والذي اختاره ابن جرير؛ لدلالة السياق ما هي دلالة السياق؟ هنا علله بدلالة سياق الآيات أنه لما ذكر عادًا قال: {فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} ذكر ما عاقبهم به، ولم يذكر ذنبهم، فهذه قرينة تدل على أن المذكور قبله فيما يتصل بثمود؛ لأنه ذكر ثمود وعاداً قال: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ} ثم ذكر عقوبة كل طائفة كل قوم من هؤلاء، {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ}، هل المقصود الطغيان بذنوبهم وبإجرامهم، أو المقصود العقوبة التي حلت بهم وهي الصيحة مثلًا؟، هذا يحتمل، ولما ذكر عادًا لم يذكر ذنبهم، وإنما ذكر نوع العقوبة {بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} فدل على أن الأول يقصد به نوع العقوبة أي الطاغية هي الصيحة، وابن كثير من أين جاء بالزيادة هذه التي ذكرها وهي الزلزلة؟ هل جاء به من اللفظ؟ جاء به مما ذكره الله في عقوبتهم، فالله ماذا قال عن ثمود في مواضع أخرى في نوع العقوبة التي حصلت بهم أخذهم بماذا؟ بالرجفة، وما هي الرجفة؟ الهزة، الزلزلة، فابن كثير لاحظ هذا، وكأنه جواب على سؤال مقدر أن هنا ذكَرَ الطاغية، فالله عاقبهم بعقوبتين معاً بالصيحة والرجفة؛ ولهذا قال العلماء: إن الملك صاح بهم، وهُزت بهم واهتزت واضطربت وتزلزلت الأرض من تحتهم، مثل قوم لوط -عليه السلام- {جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا} [سورة هود:82] فحصل لهم هذا وهذا.

هناك {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا} يعني بطغيانهم وكفرهم، فالطغيان هو مجاوزة الحد، {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء} يعني تجاوز الحد وارتفع فأغرق من على الأرض.

{وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} أي: باردة، قال قتادة والسدي والربيع بن أنس والثوري: عاتية أي شديدة الهبوب، قال قتادة: عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم، وقال الضحاك: صرصر: باردة، عاتية: عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة، وقال علي وغيره: عتت على الخزنة فخرجت بغير حساب.

هنا ذكر لهذه الريح صفتين صرصر وعاتية فهنا قال: {صَرْصَرٍ} أي باردة، ونقل ذلك عن الضحاك، وهذا قال به جماعة من المفسرين قالوا: إن ذلك مأخوذ من الصِّر وهو البرد، {رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} [سورة آل عمران:117] أي برد، فهي ريح باردة، وبعضهم فسر ذلك بالصوت من الصرصرة؛ لشدة هذا الصوت الناتج عن هبوب هذه الريح، وابن جرير -رحمه الله- ذكر أن هذه الريح شديدة العصوف، عاصفة مع شدة بردها، "بريح صرصر" فهنا أيضًا لفظ الصرصر يدل على الصوت، والريح إذا اشتدت كان لها صوت، فهي ريح بهذه المثابة شديدة العصوف لها صوت، وهي باردة شديدة البرد، مع أن مجاهد -رحمه الله- قال: شديدة السموم.

هنا في قوله -تبارك وتعالى-: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} لعله يطرق أسماعكم أن الريح إذا جاءت في القرآن فهي للعذاب بخلاف الرياح، لكن هذا ليس على هذا الإطلاق، هي التي يسمونها الكليات في القرآن، فهذا ليس على إطلاقه بدليل أن الله -عز وجل- لما ذكر {جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ} [سورة يونس:22] قال قبله: {وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} فوصفها بأنها طيبة، ثم قال بعده: {جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ} فهنا ذكر الريح بهذا اللفظ في الموضعين: الموضع الأول ريح طيبة تطيب بها نفوسهم ويطيب بها سيرهم، ثم جاءت بعد ذلك الريح الأخرى، فليس كل ريح في القرآن للعذاب.

في قوله: {عَاتِيَةٍ} هنا قال: أي شديدة الهبوب، فيكون "صرصر" يعني باردة إذاً على قول هؤلاء، شديدة البرد وعاتية شديدة الهبوب، قال قتادة: عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم، وقال الضحاك: {عَاتِيَةٍ} عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة، الشيء العاتي هو الخارج عن الطاعة، فبعضهم وجه ذلك إلى كونها قد عتت عليهم يعني لم يستطيعوا التحفظ منها، ولا الالتجاء إلى ما يتحصنون به، فهي عتت عليهم ما استطاعوا الاحتراز والنجاة منها، وبعضهم وجه ذلك إلى كونها قد عتت على الخزنة من الملائكة -خزنة الريح-، وهذا منقول عن جمع من السلف -رحمهم الله.

يقول: {عَاتِيَةٍ} قال علي وغيره: عتت على الخزنة فخرجت بغير حساب، وهذا هو الذي اختاره ابن جرير  -رحمه الله- لكن مثل هذا يحتاج إلى دليل، هذا من الأمور الغيبية، عتت على الخزنة الملائكة الموكلين بالريح، لكنها عاتية قوية شديدة العصوف والهبوب لا يستطيعون ردها ولا الاحتراز عنها باعتبار أصل المعنى "عتا" إذا كان خرج عن الطاعة، يعني أنه خرجت هذه الريح كما يقال عن السيطرة وما أهون الخلق على الله، وما أضعف هؤلاء إذا عصوا أمره، فهؤلاء العتاة عاد الذين أعطاهم هذه القامات الممتدة، والأجسام القوية حتى صاروا بهذه المثابة لما أهلكهم الله -عز وجل- كأنهم أعجاز النخل، يعني أصول النخل التي ليس فيها العُسُب، أجسام ممتدة طويلة ضخمة هلكى صرعى، وقد قالوا قبل ذلك: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} [سورة فصلت:15]، والله -عز وجل- قد زادهم في الخلق بسطة، فكانوا بهذه المثابة، ما احتاجوا إلا هذا الهواء فلما صار عاصفًا أهلكهم الله -عز وجل- به، والذين قبلهم أهلكهم الله -عز وجل- بالصوت، صيحة صاح بها الملك فماتوا وهلكوا لم يحتملوا ذلك، وقوم نوح قبلهم أهلكهم الله -عز وجل- بهذا الماء، فهذه ثلاثة أشياء أهلك بها هؤلاء الأمم المكذبة: الصوت والماء والهواء، ما احتاجوا إلى أكثر من هذا، صوت قوي يكفي لإهلاكهم وإبادتهم، أو هذه الريح اللطيفة يشتد هبوبها ثم بعد ذلك يكونون خبرًا بعد عين، أو هذا الماء حينما يحصل له اندفاع قوي فيتفجر من كل ناحية فإنه يدمر كل شيء أمامه كما هو مشاهد، ففي هذا العصر أصبحت هذه الأشياء تُصور ويراها الناس، هذا الماء يحطم كل ما في طريقه من المدن وما فيها، والله المستعان.

{سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ} أي سلطها عليهم {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} أي كوامل متتابعات مشائيم، قال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة والثوري وغيرهم: حسومًا: متتابعات، وعن عكرمة والربيع بن خُثيم: مشائيم عليهم كقوله تعالى: {فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ} [سورة فصلت:16]، ويقال: إنها التي تسميها الناس الأعجاز، وكأن الناس أخذوا ذلك من قوله تعالى: {فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ}.

في قوله -تبارك وتعالى-: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ} قال: أي سلطها عليهم، هذا هو الذي أيضًا فسرها به بعض السلف كمقاتل، ولفظ التسخير هنا فسره بالتسليط، وبعضهم فسر ذلك بالإرسال، أرسلها عليهم، وبعض أصحاب المعاني الذين ينظرون إلى اللفظ مثل الزجاج قال: سخرها عليهم بمعنى أنه أقامها عليهم كما شاء، يعني نظر إلى لفظ التسخير أنه استعمال الشيء بالاقتدار، التصرف به، فهذا التسخير من الله -عز وجل-، هو الذي يملك هذه الريح، وهو الذي يرسلها عذابًا على من يشاء ويرسلها رحمة، فسلطها عليهم هذه المدة التي ذكرها، هذا معنى سخرها عليهم، وهذه الأقوال متقاربة يعني قول من قال: إنه أرسلها، أو هنا يعني أنه سلطها كل ذلك يرجع إلى شيء واحد، والله تعالى أعلم.

{سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} يقول: كوامل متتابعات مشائيم، لاحظ هنا ذكر في تفسير الحسوم ثلاثة أشياء: أنها كاملة لا نقص فيها، ومتتابعة، وأنها مشائيم، ثم ذكر قول هؤلاء من السلف: إنها متتابعات، وهذا الذي ذهب إليه ابن جرير، قال: لإجماع الحجة، والإجماع عند ابن جرير هو قول أكثر المفسرين، يعني يطلق الإجماع على قول الجمهور، يقول: لا نستجيز مخالفته لإجماع الحجة مع أنه ينقل الخلاف فيه، فهنا أكثر أهل العلم يقولون: متتابعات، لكن هنا عن عكرمة والربيع: مشائيم، كقوله: {فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ}، الآن ابن كثير لما عرض أقوال السلف انظروا إلى المعنى الذي فسرها هو به كوامل متتابعات مشائيم، فإن الحسوم يأتي بمعنى التتابع، الشيء الذي يتتابع أوله وآخره، أو آخره مع أوله بانتظام من غير انقطاع يقال له ذلك، هذا في أصل هذه المادة في كلام العرب، فهذا المعنى الذي هو التتابع صحيح، وهو الذي فسره به الجمهور، مع أن بعضهم يقول: إنها حسوم بمعنى تحسمهم أي تفنيهم، كما يقوله الزجاج: "حسومًا" أنها حاسمة لهم تفنيهم وتذهبهم وتهلكهم، وقريب من هذا قول من قال: إنها مأخوذة من قولك: حسمت الشيء، يعني إذا قطعته وفصلته عن غيره، وأن الحسم هو الاستئصال، وأن السيف قيل له: حُسام؛ لأنه يقطع الخصم ويحسمه وينهي العدو، يحسم عداوته وما يريد أن يصل إليه بهذه العداوة، يعني أنها حسمتهم أي أذهبتهم، هذا -مثل قول الزجاج- قال به المبرد من أصحاب المعاني، فذهبوا بها إلى هذا من المعنى، الأولون قالوا: متتابعات وهو قول عامة أهل العلم، وأصحاب المعاني قالوا: إنها تحسمهم، تقول: حسمت الجرح، يعني قطعت الدم بما يكون ذلك به من نوع معالجة بشيء يوضع عليه مما يحرق أو غير ذلك من خياطة ونحوها فينقطع الدم، جعلوها قاطعة لهؤلاء، ومُذهبة لهم، ومفنية، وهذا القول الذي ذهب إليه أصحاب المعاني قد سُبقوا إليه، يعني ابن زيد من التابعين فسر "حسومًا" بأنها حسمتهم لم تُبق منهم أحدًا، قطعت دابرهم، فهذا منقول عن السلف، مع أنه جاء عن ابن زيد -أيضا- أنها حَسمت الأيامَ والليالي حتى استوفتها، ولهم كلام كثير في هذا لكن مرجع ذلك إلى الإسرائيليات، متى بدأت؟ ومتى انتهت؟ لكن هنا حسمت الأيام والليالي: أنها بدأت من أول يوم من طلوع الشمس، وانتهت بغروب الشمس من آخر يوم.

وأما قول من قال: إن ذلك بمعنى الشؤم، أن "حسومًا" بمعنى مشئومة فهذا أيضًا قال به جماعة كالليث، لكن يمكن أن يُرجع هذا إلى ما ذُكر قبل من أنها قطعت الخير عنهم، يعني يرجع إلى معنى القطع لكنه قطع الخير، وقع بهم الشرّ، حَسمت الخيرَ عن هؤلاء كما قال الله -عز وجل-: {فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ} فسروا الحسوم بهذا، ولا بأس إذا كان ذلك على سبيل الإخبار لا سب الدهر، يعني وصف اليوم أو الليلة أو الساعة أو السنة بأن ذلك اليوم نحس أي أنه يوم عصيب وأنها ساعة عصيبة هذا لا إشكال فيه على سبيل الخبر، فالله هنا أخبر عن هذه الأيام والليالي بأنها نحسات، ولوط -صلى الله عليه وسلم- لما جاءه قومه يهرعون إليه قال: {هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [سورة هود:77] فلا بأس بهذا على سبيل الإخبار والوصف، أما إذا قيل ذلك على سبيل سب الدهر فهذا لا يجوز، هذا الفرق بين المقامين، الفرق بين الإخبار وبين سب الدهر.

هنا "حسومًا" جاءت منصوبة باعتبار أنها نصبت على الحال أي ذات حسوم، مع أنه يحتمل أن تكون منصوبة على المصدر بفعل مقدر: "سبع ليال وثمانية أيام حسومًا" يعني تحسمهم حسومًا، والله أعلم.

وابن كثير -رحمه الله- حاول أن يجمع بعض هذه المعاني التي قيلت في تفسير "حسومًا"، قال: ويقال: إنها التي تسميها الناس الأعجاز، وكأن الناس أخذوا ذلك من قوله تعالى: {فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} هذا احتمال، وليس بشيء ثابت أن الأيام التي يقال لها: الأعجاز بناء على ما ذكره الله  -عز وجل- "كأنهم أعجاز نخل خاوية".

{فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى} الخطاب هنا "ترى" لكل من يصلح له على تقدير لو أنه كان موجودًا وحاضرًا حينها لرأى ذلك، {فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى} -نسأل الله العافية- صرعى يعني موتى، {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} أعجاز النخل يعني أصول النخل، هل رأيتم أصول النخل الجذوع حينما تكون ملقاة هكذا من غير عُسُب؟ أعني الجذع نفسه، هؤلاء في طولهم وضخامتهم بهذه المثابة، وصفهم الله بهذا {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} لضخامتهم، فما أغنت عنهم تلك القوة، وما دفعت عنهم بأس الله -تبارك وتعالى.

قال ابن عباس: {خَاوِيَةٍ} خربة، وقال غيره: بالية أي: جعلت الريح تضرب بأحدهم الأرض فيخر ميتًا على أم رأسه، فينشدخ رأسه وتبقى جثته هامدة، كأنها قائمة النخلة إذا خرت بلا أغصان، وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((نُصرت بالصَّبا، وأُهلكت عاد بالدَّبور))([1]).

هنا قوله: {خَاوِيَةٍ} عن ابن عباس: خربة، وقال غيره: بالية المعنى واحد، خربة وبالية كل ذلك يرجع إلى معنى واحد، {خَاوِيَةٍ} يعني أنها يابسة ميتة، فهؤلاء قد فارقت أرواحهم أجسادهم فصاروا بمثابة النخل التي قد صارت بالية، ويقول هنا: النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((نصرت بالصَّبا وأهلكت عاد بالدَّبور))، الصبا هي الريح التي تهب من المشرق، والدبور هي الريح التي تهب من الغرب، والتي نُصر بها النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الأحزاب –الصبا-، وأهلكت عاد بالدبور، فهذه رياح يصرفها الله -عز وجل-، سخرها عليهم فتكون نصرًا لأهل الإيمان، تهب من جهة وناحية كالمشرق، وتكون عذابًا على أقوام، يصرفها الله كما شاء في العذاب والرحمة، وتكون لهؤلاء رحمة وعلى هؤلاء عذابًا.

{فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ} أي: هل تحس منهم من أحد من بقاياهم، أو ممن ينتسب إليهم؟ بل بادوا عن آخرهم، ولم يجعل الله لهم خلفًا.

هل ترى لهم من باقية، أي هل تحس منهم من أحد من بقاياهم، أو ممن ينتسب إليهم؟، بعضهم يقول: باقية، كأنه نظر إلى تأنيث اللفظ، قال: أي فرقة باقية، أو نفس باقية، أو بقية باقية، كل هؤلاء حاولوا أن يأتوا بشيء مؤنث ليتطابق معه لفظ هذا المؤنث الذي ذكره الله -عز وجل-، وابن جرير قال: {فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ} أي بقاء، وهذا قريب مما ذكره ابن كثير هل تحس منهم من أحد من بقاياهم، يعني لم تُبق منهم أحدًا، لم تُبق منهم باقية، لم تبق منهم باقياً وإنما أهلكتهم عن آخرهم.

ثم قال تعالى: {وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ} قرئ بكسر القاف، أي ومن عنده ممن في زمانه من أتباعه من كفار القبط.

لاحظ على هذه القراءة -وهي قراءة متواترة- قراءة أبي عمرو والكسائي {وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قِبَلَهُ} قال: يعني ومن عنده ممن في زمانه من أتباعه، يعني جاء بمن معه من الأتباع والجند، يشهد لهذه القراءة ما جاء من قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب {وجاء فرعون ومن معه}، وقراءة أبي موسى {ومن يلقاه} يعني من معه ومن يلقاه من مكانه في زمانه جاء بهم، جاء بمن استطاع، أي يحشد ويجمع من الجموع، فهذه القراءة تدل على هذا المعنى "ومن قِبَله".

القراءة الثانية التي نقرأ بها قراءة الجمهور {وَمَن قَبْلَهُ} -بفتح القاف- يعني من الأمم، لاحظ هذا معنى، وهذا معنى مختلف تمامًا، "ومن قِبَله" يعني من أهل زمانه من أتباعه وجنده، والمعنى الثاني "ومن قَبْله" من الأمم المكذبة كل هؤلاء جاءوا بالخاطئة، والقراءتان إذا كان لكل قراءة معنى فهما بمنزلة الآيتين، يعني كأنه عندنا الآن آية دلت على أن فرعون جاء بمن استطاع من جنده وأتباعه، حشد الحشود بمن يقدر عليه، والثانية أنه جاء فرعون ومن قبله من الأمم المكذبة بجرمهم وكفرهم ومحادتهم لله -تبارك وتعالى-، فالقراءتان إذا كان لكل قراءة معنى فهما بمنزلة الآيتين.

وقرأ آخرون بفتحها أي: ومن قَبله من الأمم المشبهين له، وقوله تعالى: {وَالْمُؤْتَفِكَاتُ} وهم الأمم المكذبون بالرسل.

ابن كثير حمله على هذا المؤتفكات: الأمم المكذبون، ذهب به إلى معنى الإفك الذي هو أبين الكذب وأوضح الكذب، "ومن قَبله والمؤتفكات" قال: الأمم المكذبون بالرسل، وأحسن منه -والله تعالى أعلم- ما قاله عامة أهل العلم -الجمهور-، ومنهم ابن جرير -رحمه الله- من أن المقصود قرى قوم لوط، فإن الله -تبارك وتعالى- ذكر ذلك في مواضع من كتابه تارة بالإفراد "المؤتفكة"، وتارة بالجمع "المؤتفكات"، فبالإفراد باعتبار الجنس، هي مجموعة من القرى لقوم لوط، جنس هذه القرى يقال له: المؤتفكة، وبالجمع يقال: المؤتفكات، فتفسر بذلك أولى وهذا هو الاستعمال المعروف في القرآن {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} [سورة النجم:53].

{بِالْخَاطِئَةِ} وهي التكذيب بما أنزل الله، قال الربيع: بالخاطئة أي بالمعصية، وقال مجاهد: بالخطايا، ولهذا قال تعالى: {فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ} وهذا جنس أي كلٌّ كذب رسول الله إليهم.

هنا الخاطئة هذه الأقوال التي نقلها عن هؤلاء السلف -رحمهم الله-: المعصية والخطايا كل هذا بمعنى واحد، الخاطئة يعني الفعلة الخاطئة، والفرق بين المخطئ والخاطئ أن المخطئ هو الذي يقع على الخطأ من غير قصد، والخاطئ من يقع بقصد، يقع في المعصية بقصد، هنا جاءوا بالخاطئة، يعني بالخطايا، المعاصي، بالفعلة الخاطئة.

كما قال تعالى: {كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ} [سورة ق:14] ومن كذب برسول فقد كذب بالجميع.

هذا بالإضافة: {فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ} يعني عصوا رسله، عصوا رسول ربهم يعني يجاب عن إفراد الرسول هنا بجوابين:

أولًا: أن الرسول مفرد مضاف وهذا يفيد العموم، يعني عصوا رسل ربهم.

ثانياً: أن من كذب برسول فهو مكذب بجميع الرسل، ويكون ذلك في كل قوم مع رسولهم، فمعني "فعصوا رسول ربهم" أن قوم نوح عصوا رسول ربهم، وهكذا ثمود، وقوم لوط، كل هؤلاء عصوا الرسول الذي أرسل إليهم.

كما قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [سورة الشعراء:105].

مع أن نوحاً -عليه الصلاة والسلام- هو أول رسول أرسل إلى أهل الأرض، فقال: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ}؛ لأن من كذب رسولًا فهو مكذب لجميع الرسل.

{كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ} [سورة الشعراء:123]، {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ} [سورة الشعراء:141] وإنما جاء إلى كل أمة رسول واحد، ولهذا قال هاهنا: {فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً} أي: عظيمة شديدة أليمة، قال مجاهد: رابية: شديدة، وقال السدي: مهلكة.

هنا هذا التفسير أن رابية: شديدة، أو أنها عظيمة شديدة أليمة، أو أنها مهلكة كل هذا تفسير على المعنى؛ لأن أصل هذه المادة رَبَا والرِّبا كل ذلك يدل على الزيادة، ولذلك تجد من يدققون في مثل هذه الأشياء، ومن ينظرون إلى الألفاظ مثل أصحاب معاني القرآن يفسرون ذلك بما يتفق مع اللفظ، أو يراعون فيه اللفظ، ولهذا نجد أن الزجاج مثلًا يقول: {أَخْذَةً رَّابِيَةً} تزيد بمعنى أنها تزيد على الأخذات، زائدة، وابن جرير قال: زائدة شديدة نامية، ذكر زائدة ونامية رَبا يربو ربْوة، هذا يربو على كذا أي يزيد، والرِّبا؛ لأنه زيادة من غير وجه مشروع، فالذين فسروها أنها عظيمة أو أنها شديدة أو مهلكة كل هذا صحيح، لكن هو ليس من قبيل التفسير على اللفظ، لكن رابية يعني أنها أخذة زائدة، هذه الزائدة هي العظيمة، هي الشديدة، هي المهلكة.

ثم قال تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء} أي: زاد على الحد بإذن الله وارتفع على الوجود، وقال ابن عباس وغيره: {طَغَى الْمَاء} كثر، وذلك بسبب دعوة نوح -عليه السلام- على قومه حين كذبوه وخالفوه وعبدوا غير الله، فاستجاب الله له، وعمّ أهل الأرض بالطوفان إلا من كان مع نوح في السفينة، فالناس كلهم من سلالة نوح وذريته.

يعني هنا {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء} قال: زاد على الحد، هنا الطغيان هو مجاوزة الحد، وقول ابن عباس -رضي الله عنهما-: {طَغَى الْمَاء} كثر وهكذا أيضًا من فسره بما يرجع إلى هذا فإن ذلك من قبيل التفسير على المعنى، كثر، هو حينما يتجاوز الحد فهذا يعني أنه كثر.

ولهذا قال تعالى ممتنًا على الناس: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} وهي السفينة الجارية على وجه الماء، {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً} عاد الضمير على الجنس؛ لدلالة المعنى عليه، أي: وأبقينا لكم من جنسها ما تركبون على تيار المياه في البحار كما قال: {وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [سورة الزخرف:12-13].

هنا قوله -تبارك وتعالى-: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} الذين حُملوا هم الأجداد الذين كانوا في زمن نوح -عليه الصلاة والسلام-، فكيف جاء الخطاب إلى من بعدهم، من نزل عليهم القرآن؟، باعتبار أنهم الذرية ففي ذلك حمل لهم ضمنًا وهم في أصلاب آبائهم، {حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ}، وفيه أيضًا ما هو معروف من أن المنة التي تكون على الآباء تلحق الأبناء، {حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ}؛ ولهذا تجد الخطاب كثيراً في القرآن لبني إسرائيل {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} [سورة البقرة:49]، {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} [سورة البقرة:57] وما إلى ذلك مع أن ذلك وقع لأجدادهم، لكن هذه المنة التي تكون لاحقة للآباء تلحق الأبناء، كما أن المذمة التي تكون للآباء تلحق الأبناء إذا كانوا على طريقتهم، {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [سورة البقرة:55]، الذين قالوا هم الأجداد لا هؤلاء، {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} [سورة البقرة:72]، فلما كان هؤلاء الذين في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- على هذه الحال القبيحة كان ذلك الذم متصلًا بهم.

هنا في قوله: {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً} "لنجعلها" الضمير يرجع إلى ماذا؟ لنجعلها لكم تذكرة أي السفينة، ابن كثير يقول: عاد الضمير على الجنس لدلالة المعنى عليه، أي وأبقينا لكم من جنسها، يعني أن السفينة التي كانت في زمن نوح -صلى الله عليه وسلم- وركبوها لم يعد لها وجود، ما شاهدها الناس في زمن نزول القرآن، وما جاء عن بعضهم من أن ذلك كان موجودًا يعني بقية من بقاياها هذا الكلام لا صحة له، وهكذا ما يذكر اليوم من كلام لا قيمة له في هذا الموضوع من أنهم وجدوا بقايا في مكان كذا في تركيا إلخ هو كلام غير صحيح، وعجبًا لقوم يبحثون عن بقايا سفينة ويتركون الأصل الكبير الذي من أجله صنعت هذه السفينة، ونجّى الله -عز وجل- راكبيها وأغرق أهل الأرض، وهو الكفر والإيمان، يعرضون عن هذا كله ويبحثون عن أخشاب وبقايا السفينة، وهنا ابن كثير حمله على هذا المعنى أي أبقى جنس السفينة، يعني السفن التي نشاهدها هي تذكِّر بتلك السفينة {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً}، وابن جرير -رحمه الله- حمل ذلك على تلك السفينة لا على أنها كانت موجودة في زمن نزول القرآن، أو يوجد بقية منها فإن الناس لا عهد لهم بذلك إطلاقًا، ولكنه حمل ذلك على سفينة نوح، أي لنجعل السفينة الجارية التي حملناكم فيها تذكرة، فالله ذكر خبرها صنْع نوح       -صلى الله عليه وسلم- وركوب من معه فيها، ونجاتهم، كل هذا؛ ليكون ذلك تذكرة لهم، يتذكرون فيها بأس الله -تبارك وتعالى- وعقوبته لأهل الكفر والطغيان، ويذكرون فضله ونعمته ومنته على أهل الإيمان حيث نجاهم، فهذه عبرة كبيرة، والعجيب أنه لم يطل بالناس زمان حتى رجعوا إلى الكفر والمحادة والإصرار على ذلك غاية الإصرار، وانظروا ما قص -تبارك وتعالى- مفصلًا في خبر صالح -عليه الصلاة والسلام- وهود، هؤلاء العهد بينهم وبين قوم نوح لم يكن طويلًا، يعني المؤرخون يذكرون مددًا ليست بتلك في الطول نسبيًا، لا أقصد أنها عشر سنين، لكن أثر ابن عباس أن الناس بقوا على التوحيد عشرة قرون ثم بعد ذلك وقع الشرك في زمن نوح -صلى الله عليه وسلم-، لكن بعد نوح حتى جاء الشرك مرة أخرى المدة لم تكن طويلة نسبيًا، إذا أردت أن تحصي من خلق آدم -عليه الصلاة والسلام- إلى يومنا هذا في ما ذكره المؤرخون من المدد -على اختلاف كثير فيما بينهم- وأخذت أعلى ما قيل فتجد أن ذلك لا يتجاوز 12000 سنة على أقصى تقدير، والله أعلم، لكن نحن نقول في المدد التي ذكرها المؤرخون ذكروا مددًا متفاوتة ليست محل اتفاق أصلًا، ولكن إذا أخذت بالأعلى دائمًا وجبرت الكسر المدد هذه كلها من آدم إلى يومنا هذا لا تتجاوز 12000 سنة، أنا لا أقول: إنها 12000 سنة الله يعلم، لكن أقول: فيما يذكره المؤرخون لا تتجاوز هذا القدر، فأين الذين يقولون: من ملايين السنين، والعصر البرونزي والعصر الحجري، والكذب الكثير الذي يلفقونه ويرجمون بالغيب من مكان بعيد، يأتي بقطعة خزف ويقول: هذه قبل أربعة ملايين سنة وستمائة وخمسة وعشرين يوماً، قطعة خزف! هذا كذب.

نوح -عليه الصلاة والسلام- إلى يومنا هذا لا يتجاوز 12000 سنة بأعلى ما قاله المؤرخون في المدد التي بين الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، حتى ما ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- لما ذكر الأمم، وما يمثل ذلك من النهار بأجزائه، وما تمثله بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- فكأن الدنيا كلها يوم واحد، فإذا قست ما بقي منها بما تمثله بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى ما قبله تجد أنها قليلة، والله أعلم، لأنا لا نعلم متى تكون الساعة، وكم يكون بين النبي -صلى الله عليه وسلم- والساعة، لكنه يقول: ((بعثت أنا والساعة كهاتين))([2])، فلا شك أنها قريبة، وأن بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- من أشراطها، وهذه المدة لآخر النهار فيما بين بعثته والساعة يدل على أن ذلك قريب.

قبل هذا لا زال الكلام في قوله: {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً} إما جنس السفن كما يقول ابن كثير، أو تلك السفينة كما يقول ابن جرير، وهذا ليس محل اتفاق بين أهل العلم في عود الضمير، بعضهم يقول: لا يعود إلى السفينة، وإنما {لِنَجْعَلَهَا} يعني نجعل هذه الأمور المذكورة عبرة وعظة للمعتبرين، لنجعلها لكم عبرة وعظة تعتبرون بها، وتستدلون بها على عظيم قدرة الله -تبارك وتعالى.

هذا السياق {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ} الأصل أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، والجارية مؤنث، والضمير جاء مؤنثًا، فرجوعه إلى الجارية سواء قلنا: جنس السفن أو السفينة التي ركبوا فيها هذا أقرب من هذا القول وهو حمل ذلك على هذه الأمور، وبعضهم يقول: {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ} يعني هذه الفعلة التي حصلت وهي إنجاء نوح -صلى الله عليه وسلم- ومن معه من المؤمنين، وإغراق هؤلاء المجرمين، وهذا أقرب ممن جعل ذلك عائدًا إلى الأمور المذكورة قبله، يعني هنا {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً} يعني هذا الإنجاء والإهلاك تذكرة، هذا له وجه، لكن رجوع ذلك إلى السفينة باعتبار أنها أقرب مذكور هو أقرب الأقوال، والله تعالى أعلم.

وقال قتادة: أبقى الله السفينة حتى أدركها أوائل هذه الأمة.

هذا الكلام غير صحيح، لا يوجد لها أثر ولم يدركها أحد، وكل ما ينقل في هذا غير صحيح، هذا لا أساس له.

ولهذا قال تعالى: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} أي: وتفهم هذه النعمة وتذكرها أذن واعية، قال ابن عباس: حافظة، سامعة، وقال قتادة: {أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} عقلت عن الله فانتفعت بما سمعت من كتاب الله، وقال الضحاك: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} سمعتها أذن ووعت، أي من له سمع صحيح، وعقل رجيح، وهذا عام في كل من فهم ووعى.

هذه المعاني كلها متقاربة وترجع إلى شيء واحد، وأصل ذلك يرجع إلى حفظ الشيء، ومنه قيل: الوعاء؛ لأنه يحوي ما في داخله، وما يوضع فيه، وهكذا قال: {وَجَمَعَ فَأَوْعَى} [سورة المعارج:18]، يعني حفظ هذا الذي جمعه وأمسكه من المال؛ ولهذا أصحاب المعاني كالزجاج والفراء يفسرونه بالحفظ، فهذا الذي حفظه وعاه، لكن مجرد الحفظ لا يغني عنه فلابدّ من استيعاب ذلك، لابدّ من تعقله؛ ولهذا فسروه هنا قال قتادة: عقلت عن الله فانتفعت، فحفظه وسيلة -لأن الحفظ يقابله النسيان فإذا نسيه لم يعقل ذلك- فيبقى ذلك حاضرًا في الأذهان قد عقلته القلوب.

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: " قوله تعالى: {إِنَّا لما طَغى المَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَة * لنجعلها لكم تذكرة وَتَعيهَا أذن وَاعِيَة} قَالَ قَتادَة: أذن سَمِعت وعقلت عَن الله مَا سَمِعت، وَقَالَ الْفراء: لتحفظها كل أذن فَتكون عظة لمن يَأْتِي بعدُ، فالوعي تُوصَف بِهِ الأذن كَمَا يُوصف بِهِ الْقلب، يُقَال: قلب واعٍ، وَأذن وَاعِيَة لما بَين الأذن وَالْقلب من الارتباط، فالعلم يدْخل من الأذن الى الْقلب، فَهِيَ بَابه وَالرَّسُول الْموصل إليه الْعلمَ، كَمَا أن اللِّسَان رَسُوله الْمُؤَدى عَنهُ، وَمن عرف ارتباط الْجَوَارِح بِالْقَلْبِ علم أن الأذن أحقها أن تُوصَف بالوعي، وأنها إِذا وعت وعي الْقلب"([3]).

قال -رحمه الله-: قال تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} [سورة الحاقة:13-18].

يقول تعالى مخبرًا عن أهوال يوم القيامة وأول ذلك نفخة الفزع، ثم يعقبها نفخة الصعق حين يصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم بعدها نفخة القيام لرب العالمين والبعث والنشور وهي هذه النفخة، وقد أكدها هاهنا بأنها واحدة؛ لأن أمر الله لا يُخالَف ولا يُمانَع ولا يحتاج إلى تكرار ولا تأكيد.

هنا قوله -تبارك وتعالى-: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} كما ترون الحافظ ابن كثير كما مضى في بعض المناسبات أنه يرى أن النفخ في الصور ثلاث مرات، ذكرها هنا: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة البعث، يعني نفخة الصعق هي النفخة الأولى عند الجمهور التي يصعق فيها الخلق يعني يموتون جميعًا -أي الأحياء- إذا نفخ في الصور، والنفخة الثانية عندهم هي التي يقومون فيها أحياء من قبورهم، فهما نفختان عند الجمهور، وبعضهم كابن كثير يرى أنها ثلاث، وبعضهم يرى أنها أربع، وقد مضى الكلام على هذا جميعًا، وكل ذلك إنما فهموه من آيات من القرآن -والآيات تحتمل- على اختلاف بينهم في بعض ذلك، يعني نفخة الفزع متى تكون؟ هل تكون قبل النفخة الأولى كما يقول ابن كثير، أو أنها تكون بعد ذلك فتكون بعد الثانية بعدما يقومون من قبورهم؟ هذا خلاف بين أهل العلم، كذلك الصعق متى يكون؟

هنا يقول: وهي هذه النفخة، يعني أن ابن كثير -رحمه الله- يرى أن قوله: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} أن هذه هي نفخة البعث والنشور، يعني عنده أنها النفخة الثالثة، وعند الجمهور أنها النفخة الثانية التي يقومون بها من قبورهم، فالآيات تحتمل {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ} متى يكون هذا العرض؟ ومتى تنزل الملائكة؟ ومتى ينزلون وتشقق السماء بالغمام؟، وينزل ربنا -تبارك وتعالى- لفصل القضاء بين الخلائق؟، هذا يكون بعد النفخة الثانية، العرض لا شك أنه لا يكون إلا بعد النفخة الثانية، فهذه الأمور المذكورة مجتمعة كلها ذُكرت بعد هذه النفخة على أنها واقعة بعدها ومن جملة ذلك العرض الذي لا شك أنه بعد النفخة الثانية، فدلّ على أنها النفخة الثانية التي اعتبرها ابن كثير النفخة الثالثة، المقصود أنها نفخة القيام من القبور، أو أن هذه هي النفخة الثانية عند ابن كثير والأولى عند غيره التي يموت فيها الخلائق، هذا خلاف بين أهل العلم، هذه الأمور التي تحصل في العالم العلوي والسفلي في القيامة هل تحصل بعد النفخة الأولى؟ تشقق السماء، و{تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [سورة إبراهيم:48] هذا بعد النفخة الثانية، فهل هذا التشقق وانكدار النجوم إلى آخره يحصل بعد الثانية أو بعد الأولى؟ {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا} [سورة الزلزلة:1-2] متى تكون الزلزلة؟

بعضهم يقول: في النفخة الأولى، وبعضهم يقول: في النفخة الثانية ويدل عليه {وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا} أي ما فيها، وقلنا: هناك من الأموات مما حوته مما أراد الله أن تخرجه، فهذا يحتمل، فابن كثير نظر إلى هذه المذكورات جميعًا أنها كلها بعد هذه النفخة فاعتبرها النفخة الأخيرة، هو يسميها الثالثة، والجمهور أنها الثانية، بصرف النظر عن هذا فهذا احتمال، وبعض السلف ذهب إلى أنها الأولى، لاحظ: {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً}، هل هذا يقع بعد الأولى أو بعد الثانية؟ بعضهم يقول: بعد الأولى وهذا ذهب إليه عطاء، وهو اختيار ابن جرير -رحمه الله-، أن هذا بعد النفخة الأولى.

والقول الآخر الذي ذهب إليه ابن كثير -بصرف النظر عن تسميتها بالثالثة أو الثانية- ذهب إليه جماعة من السلف أيضًا كمقاتل والكلبي، أنها النفخة الثانية، فإذا نظرت إلى هذه المذكورات تجد أنها مما يقع قطعًا بعد النفخة الثانية، مثل العرض، ومنها ما فيه الخلاف، يعني العرض بلا خلاف، ومنها ما فيه الخلاف ومنشأ هذا الاختلاف أن هذه الأمور المذكورات من أهل العلم من يرى أنها أصلًا تقع بعد النفخة الأولى، تَغيَّر حالُ هذا العالم، ومنهم من يرى أن ذلك بعد النفخة الثانية، لاحظ هنا: {فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} وقعت الواقعة يعني القيامة، فهل القيامة تكون بالنفخة الأولى؟ هنا يموت الناس، أو أن المقصود أن القيامة هي أن يقوم الناس من قبورهم، {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة المطففين:6] سميت بالقيامة لهذا؛ فهي بعد النفخة الأخيرة، بعد النفخة الثانية، فهذا يوجد له ما يؤيده من أن المقصود النفخة الثانية وهي التي تحصل بها هذه الأمور والأهوال والأوجال؛ ولهذا قيل لها: القارعة؛ لأنها تقرع القلوب كما سبق، وهي التي عليها مدار الجزاء والحساب والنعيم والعذاب وما إلى ذلك التي كذب بها الكفار، فهم كذبوا بالبعث والنشور وما بعده من الحساب والجزاء والجنة والنار، استبعدوا وقوع ذلك، لن تكون هناك حياة بعد هذه الحياة، فهذه القيامة، وما يذكره الله من دلائلها كل هذا يرجع إلى التي تكون بعد النفخة الأخيرة، يقومون من قبورهم، هذه التي كان فيها الجدال الكثير وهي التي تنوعت أدلة القرآن على تقريرها، في سورة البقرة فقط خمسة أنواع أو خمسة مواضع من الأدلة، في سورة البقرة وحدها فضلًا عن غيرها.

ولهذا قال هاهنا: {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} أي فمُدت مد الأديم العكاظي، وتبدلت الأرض غير الأرض.

"وحملت الأرض والجبال" قال: فمُدت مد الأديم العكاظي، نسبة إلى عكاظ السوق المعروفة بين نخلة والطائف، وهنا {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ} هنا فسره بأنها مُدت، وبعضهم فسرها بأنها قُلعت ورفعت من أماكنها، أزيلت عن مقارها، {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} هنا لم يفسر الدَّك -مضى الكلام عليه- وفسره بعضهم بالكسر، {فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} كُسرتا أو ضربتا، الدك بمعنى أنها ضربت حتى صارت كثيبًا مهيلًا، وذكرنا أحوال الجبال في مناسبات سابقة من دكها حتى تتحول وتصير كالكثيب المهيل إلى أن تصير كالهباء المنبث هذا الذي يتطاير في شعاع الشمس، ثم تسير، فلها أطوار وأحوال ذكرها الله -عز وجل- في كتابه، وبعضهم فسر ذلك بالبسط، {فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} وهل هذا من قبيل التفسير باللازم، يعني أنها إذا دكت وضربت إلى آخره صارت منبسطة؟، نعم تكون منبسطة، يقولون: هذا من قولهم: اندك سنام البعير إذا استوى، اندك يعني استوى، إذا وضع عليه الرحل وطال ذلك عليه مع الركوب فإن هذا يؤثر فيه فيكون منبسطًا مستويًا {فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً}، بينما ابن جرير -رحمه الله- يفسر ذلك بالزلزلة، أي فزلزلتا زلزلة واحدة، وهذا الدك ليس معناه الزلزلة، لكن كأنه نظر إلى المعنى باعتبار أن ذلك قيل في حق الجبال والأرض، فالأرض ما الذي يحصل لها؟ الجبال تدك بمعنى أنها تكسر، بمعنى أنها تقلع من أماكنها وتتحول إلى هباء إلى كثيب، كل هذا يحصل لهذه الجبال لكن الأرض تُبسط تُسوى {لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} [سورة طه:107] هذا الذي مشى عليه ابن كثير -رحمه الله-، ابن جرير كأنه نظر إلى الأرض من كونها يحصل لها زلزلة {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} {فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} زلزلتا زلزلة واحدة، وهو لا يقصد أن الزلزلة تحصل حركة واحدة؛ لأن كلمة زلزل فيها تكرر في الحروف، وهذا يدل على تكرر في حركتها مثل أي لفظة، هذا التكرار مثل يتجلجل يدل على تردد في الشيء، الجلجلة، الصلصلة، والله أعلم.

{فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ} أي: قامت القيامة، {وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ}، وقال ابن جريج: هي كقوله: {وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَابًا} [سورة النبأ:19]، وقال ابن عباس: متخرِّقة، والعرش بحذائها، {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} الملك اسم جنس أي الملائكة على أرجاء السماء.

هو هذا، الجنس حينما يأتي منفردًا فإنه يكون بمعنى الجمع مثل: {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء} [سورة النور:30]، يعني الأطفال، سواء كان مفردًا هكذا من غير إضافة أو بالإضافة مثل: {أَوْ صَدِيقِكُمْ} [سورة النور:61]، أي أصدقائكم، و"لا تتخذوا عدوي وعدوكم" هنا مضاف "عدوي" يعني أعدائي، وقوله -تبارك وتعالى- هنا: {فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ} قال ابن عباس: متخرِّقة، وابن جريج فسرها بقوله: {وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَابًا}، وهذان القولان متقاربان، يعني حينما تشققت وفتحت أبوابًا لم تعد على حالها التي كانت عليها من القوة والإحكام، والوَهاء يدل على الضعف، {فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ}؛ ولهذا فُسرت بالضعيفة المسترخية، وفسرها بعضهم بالمتشققة، والمتشققة واهية، وهكذا ابن جرير -رحمه الله- فسرها بالمتصدعة المتشققة، فهذا كله يرجع إلى معنى الوَهاء الذي هو الضعف، ومن فسرها بأنها ضعيفة، أو متشققة فإن هذا يرجع إلى معنى واحد، وإلا فإنه ليس الواهي بمعني المتشقق من حيث مطابقة اللفظ، ولكن ذلك يعرف لزومًا، والله تعالى أعلم.

وقال الربيع بن أنس في قوله: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} يقول: على ما استَدقّ من السماء ينظرون إلى أهل الأرض.

هذا أحد الأقوال فيه، لكن المشهور {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} يعني على أطرافها ونواحيها وجوانبها كما يقول ابن جرير -رحمه الله.

وبعضهم يقول كالضحاك: تكون الملائكة على حافتها حتى يأمرهم الله -عز وجل- بالنزول فيحيطون بأهل الأرض، وبعضهم كسعيد بن جبير أعاد الضمير إلى الأرض مع أن المذكور قبله السماء فهو يقول: الملك على حافات الدنيا، يعني ينزلون إلى الأرض.

وقوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} أي: يوم القيامة يحمل العرشَ ثمانيةٌ من الملائكة، وقد رواه أبو دواد في كتاب السنة من سننه عن جابر بن عبد الله أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: ((أُذِن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام))([4])، هذا لفظ أبي داود

"ثمانية" بعضهم يقول: ثمانية من الملائكة، وهذا هو المتبادر، وهؤلاء في خلقهم وقوتهم لا يقادر ذلك إلا الله  -تبارك وتعالى-، وإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر صفة هذا ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام في لفظ: ((تَخْفق الطير))، سرعة طيران الطائر فإذا حُسب فقط هذا الجزء من خلقه فما طول هذا الملك إذاً؟

وبعضهم يقول: ليس المراد ثمانية من الملائكة، وإنما ثمانية صفوف من الملائكة تحمل العرش، وبعضهم يقول: إن الملائكة تسعة أجزاء يعني تسع مجموعات، يحمل العرش يوم القيامة ثمانية يعني ثماني مجموعات من تسع، يعني أكثر الملائكة، لكن هذا القول لا دليل عليه، والمتبادر أنهم ثمانية من الملائكة لا يقدر خلقهم إلا الله -تبارك وتعالى.

وقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ} أي: تعرضون على عالِم السر والنجوى الذي لا يخفى عليه شيء من أموركم، بل هو عالم بالظواهر والسرائر والضمائر، ولهذا قال تعالى: {لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ}.

هنا {يَوْمَئِذٍ} يعني في ذلك اليوم الذي وصفه الله -عز وجل- بقوله: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ} فهذا قرينة على أن المراد النفخة الثانية {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ} وكما قلت: إن هذا الموضع محل اتفاق، يعني أن هذا العرض يكون بعد النفخة الثانية، لكن الذين قالوا: النفخة الأولى ماذا يمكن أن يجيبوا عن مثل هذا؟ يقولون: إن الله أجمل هذه الأمور التي تقع، فمنها ما يكون عند النفخة الأولى، ومنها ما يكون عند النفخة الثانية، فذكرها مجملة هنا، لكن ظاهر السياق -والله تعالى أعلم- سرْدُها هكذا، ثم بعد ذلك قال: {يَوْمَئِذٍ} يعني {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ} يومئذ تعرضون، فدل على أنها النفخة الثانية، فهذا الذي يحصل من هذا التبديل وهذا التغيير لأحوال هذا العالم يكون بعد النفخة الثانية –القيامة-، {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ} يعني لا يخفى منكم حال ولا عمل ولا نفس، كل ذلك يكون باديًا ظاهرًا لله -تبارك وتعالى-، يعلم ما تكنه الصدور، وما يخفيه العبد من أعماله، وما يظهره، كل ذلك قد أحصاه وعلمه وسيحاسبهم عليه، {لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ}، {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [سورة الكهف:48]، {تُعْرَضُونَ} يعرض الجميع على الله -تبارك وتعالى- هذا العرض الذي فيه لا تخفى عليه حال من أحوالهم، وهذا الذي ينبغي أن يعمل الإنسان ويستعد لمثله، وأن يجتهد في قطع هذه الأنفاس والاشتغال بما يقربه وينفعه عند العرض، ويُعد لكل حركة من حركاته أو سكناته يُعد لذلك جوابًا بين يدي الله -تبارك وتعالى-، فإذا أراد أن يتكلم بكلام أو يتصرف بلون من التصرفات فينبغي عليه أن يكون قد هيّأ الجواب حينما يسأله ربه -تبارك وتعالى- عن هذا، سواء كان ذلك في مزاولته وأعماله في الطاعات والعبادات، أو كان ذلك في أموره الدنيوية مما يتصل بالمعاش، أو كان ذلك ما يتعلق بشهواته وذنوبه ومعاصيه، أو كان ذلك فيما يقوله عن ربه -تبارك وتعالى- من الفتيا والعلم والكلام بمعاني القرآن وما أشبه ذلك، كل هذا حينما يتفوه به الإنسان الجواب ينبغي أن يكون حاضرًا في ذهنه فيزن الحرف، ويكون له مخرج عندما يسأل عن هذا، يقول: أنا قلت كذا، ومن ثَمّ فإنه لا يتجرأ على الله فيقطع بأمور لا يستطيع القطع فيها ليس عنده فيها من الله برهان، أو يقول: الله أحل كذا، أو حرم كذا وليس عنده فيه من الله برهان، أو كذلك فيما يقدم عليه مما يترخص به من أمور اللهو وهَوَى فيها وهو سيُسأل عنها، كذلك في مكاسبه من أين جمع هذا المال، وفيم أنفقه، وعن العمر فيم أبلاه إلى آخره، وهذه الكتابات التي يكتبها هل أراد وجه الله فيها، أو أنه أراد الناس الرياء والسمعة؟، وهذه المؤلفات التي ألفها، وهذه المقالات التي سطرها، وهذه التغريدات التي كتبها وما في مضامينها من حق وباطل وبهتان وكذب وسباب وفحش وقبح وأخلاق ذميمة وإن كان ذلك بأسماء مستعارة {لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ}، فالتعامل مع مَن هذه صفتُه لا ينفع عنده لا اسم مستعار ولا ينفع عنده احترازات، ولا تشفير ولا غير ذلك {لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ} نكرة في سياق النفي فهي للعموم، لا يخفى شيء.

وروى الإمام أحمد عن أبي موسى قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله))([5]) ورواه ابن ماجه، ورواه الترمذي.

هذا الحديث جاء من حديث أبي موسى الأشعري، وأبي هريرة -رضي الله عنهما-، والذي يرويه عنهما هو الحسن البصري ولم يلق أبا موسى الأشعري، ولم يلق أبا هريرة -رضي الله عنهما-، أو لم يسمع منهما، ومن ثَمّ ضعفه بعض أهل العلم؛ لكونه لم يسمع منهما، ضعفوا هذا الحديث مع أن محقق المسند حسنه، ولا أدري لماذا حسنه، والشيخ ناصر الدين الألباني ضعفه.

 

 


 

[1] - رواه البخاري، أبواب الاستسقاء، باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((نصرت بالصبا))، برقم (1035)، ومسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب في ريح الصبا والدبور، برقم (900).

[2] - رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((بعثت أنا والساعة كهاتين))، برقم (6504)، ومسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قرب الساعة، برقم (2951).

[3] - مفتاح دار السعادة (1/ 125).

[4] - رواه أبو داود، كتاب السنة، باب في الجهمية والمعتزلة، برقم (4727)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (151)، وفي صحيح الجامع برقم (854).

[5] - رواه ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر البعث، برقم (4277)، وأحمد في المسند، برقم (19715)، وقال محققوه: "إسناده ضعيف لانقطاعه، الحسن البصري لم يسمع من أبي موسى".

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about