استعرض النسخة الجديدة من الموقع
(4) من قوله تعالى" فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى " الآية 34 إلى آخر السورة
عدد الزوار : 30603
تاريخ الإضافة : 7 رمضان 1434
MP3 : 24507 kb
PDF : 98 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة النازعات من الآية (33) إلى الآية (46)

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى- عن فرعون لما جاءه موسى -صلى الله عليه وسلم- بأمر الله ودعاه إلى الإيمان بألطف عبارة، وأراه المعجزة الباهرة فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى* فَحَشَرَ فَنَادَى النازعات: 21-23، بدلاً من أن يذعن ويؤمن وينقاد انقلب يجمع أتباعه وقومه وجنده لتقرير باطله وكفره، ونادى بهم بهذه العبارة الفجّة، التي هي في غاية النكارة، فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى النازعات: 24، فعاقبه الله -عز وجل- على ذلك فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى النازعات: 25، ونكّل به في الدنيا بالغرق، وفي الآخرة بعذاب النار.

ويحتمل أن يكون ذلك يرجع إلى كلمتيه، يعني أن الله -تبارك وتعالى- عاقبه بمقالتيه: بقوله: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى، وبقوله: مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي القصص: 38.

ثم قال الله -تبارك وتعالى-: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىالنازعات: 26 في خبر موسى مع فرعون وما جرى له، وما عاقبه الله -عز وجل- به، أو فيما ذكر في صدر هذه السورة مع خبر موسى وفرعون لَعِبْرَةً عظة لِّمَن يَخْشَى، ينتفع بها ويعتبر من كان يخشى الله والدار الآخرة.

ثم قال الله -تبارك وتعالى- مخاطباً هؤلاء المكذبين: أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَاالنازعات: 27، يا من تنكرون البعث خلْقُ السماوات أعظم وأكبر من خلقكم، والله -تبارك وتعالى- قد خلقها، بناها، رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا النازعات: 28 أعلى بناء السماء، وسوى خلقها فصار في غاية الاعتدال، وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا النازعات: 29 فجعله مظلماً، وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا النازعات: 29 يعني: صار ضحاها منيراً بطلوع الشمس، وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا ليل السماء؛ لأن الليل إنما يكون بغروب الشمس، والشمس في السماء، والنهار بطلوعها، وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا النازعات: 29، فأضاف ذلك إليها، وذكر الضحى؛ لأنه أجلّ وأشرف أوقات اليوم.

قال: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَاالنازعات: 30 يعني: بعد خلق السماء دحا الأرض، وفسره بما بعده، أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا النازعات: 31.

قال: وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَاالنازعات: 32 يعني: أثبتها، فصارت راسية، وأرسى الأرض بها أيضاً وثبتها، فلا تميد بأهلها، كل ذلك فعله مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْالنازعات: 33، من أجل أن تتمتعوا بهذه الأرض، وما بث فيها من الأرزاق والأقوات، أنتم وأنعامكم.

فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى * يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا النازعات: 33-46.

يقول تعالى: فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى النازعات: 34 وهو يوم القيامة، قاله ابن عباس، سميت بذلك لأنها تَطُمّ على كل أمر هائل مفظع، كما قال تعالى: وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ القمر: 46.

فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَىالنازعات: 34، الطامة: هي الداهية العظمى، التي تطم على سائر الطامات، تقول: هذا جاء الوادي الذي طم القرى، فهذه أعظم واقعة، فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى، وذلك يوم القيامة، وهي النفخة الثانية، فلعظم هولها قيل لها: الطامة، ووصفت بالكبرى، فالطامات تقع للناس -الحوادث الكبار- ولكن هذه هي الطامة الكبرى، وكل داهية لا تستطاع يقال لها: طامة عند العرب، كما يقوله المُبرِّد.

 

الطامة: هي الداهية العظمى، التي تطم على سائر الطامات، تقول: هذا جاء الوادي الذي طم القرى، فهذه أعظم واقعة، فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى، وذلك يوم القيامة، وهي النفخة الثانية، فلعظم هولها قيل لها: الطامة، ووصفت بالكبرى، فالطامات تقع للناس -الحوادث الكبار- ولكن هذه هي الطامة الكبرى، وكل داهية لا تستطاع يقال لها: طامة عند العرب، كما يقوله المُبرِّد.

 

لكن الطامة الكبرى هي التي تطغى على سائر الطوام والطامات، فهي لا يُقادَر قدرها، فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى والجواب قوله سبحانه: فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى الآيات، فهذا هو الجواب، إذا جاءت يكون الناس على حالين، فالطغاة إلى الجحيم، وأهل الخوف والخشية، وإيثار مرضاة الله -تبارك وتعالى- هؤلاء إلى الجنة.

وبعضهم يقول: الجواب مقدر محذوف، فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى فإن الأمر كذلك، أو إذا جاءت الطامة الكبرى عاينوا عندها الحقائق التي كانوا يكابرون بها، وينكرونها، فرأوا ذلك عياناً، أو إذا جاءت الطامة الكبرى علموا حقيقة ذلك، فهذه معانٍ متقاربة، وبعضهم يقول: فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، -والله تعالى أعلم-.

يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَىالنازعات: 35 أي: حينئذٍ يتذكرُ ابنُ آدم جميع عمله خيره وشره، كما قال تعالى: يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَىالفجر: 23.

إذا جاءت الطامة الكبرى، يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى، ذلك اليوم يوم القيامة الذي هو يوم الطامة الكبرى، هو اليوم الذي يتذكر الإنسان فيه عمله، إن خيراً فخير وإن شرا فشر.

يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى جنس الإنسان، كل الناس ينظر فيما عمل وما قدَّم، وهنا عُبر بالسعي، وقد مضى أن السعي يقال للعمل، وسواءً كان ذلك العمل بطاعة الله أو العمل بمعصيته، ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى النازعات: 22، 23، وهو يدل على المبادرة، والله -عز وجل- يقول: وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىالنجم: 40 يعني: عمله، فهنا يتذكر ما سعى، يبدأ يعيد الأعمال، ويراجع سعيه، وما صدر عنه، فمثل هذا يحتاج من العبد إلى تذكر قبل ذلك اليوم من أجل أن لا تتحقق خسارته فيندم، ولا ينفعه عندها الندم، كل أحد سيتذكر في ذلك اليوم ما سعى، إذن فليقدم بين يدي هذا السعي في الدنيا حساباً، وليقدم أيضاً معه وبعده حساباً، فيكون الحساب قبل العمل وفي أثنائه وبعده، قبل العمل بالنظر في الوجهة، وموضع هذا العمل هل هو من محابّ الله، أو من مساخطه؟، ومعه فهو يلاحظ استصحاب النية الصحيحة كي لا تتحول، مع النظر المستمر الدائم في ملاحظة هذا العمل أن يأتي به على الوجه المشروع، وليس القضية أن يؤدي الإنسان ِأي عمل، وإنما كيف عَمِل؟ كيف أدى هذه الأعمال والعبادات؟ والله -عز وجل- يقول: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ الملك: 2، ما قال: أيكم أكثر عملاً، فإذا قرأ القرآن قبل أن يقرأ يكون له محاسبة، وأثناء القراءة يكون له محاسبة، هل هذه القراءة على الوجه المطلوب؟، وهل هو مستصحب للنية الصالحة فيها؟، وكذلك أيضاً بعد العمل من صلاة وغير ذلك، هل هذا العمل جاء على الوجه المشروع؟ هل هذا العمل يقربني إلى الله أو أنه يحتاج إلى توبة؟؛ ولهذا الإنسان يستغفر بعد الصلاة، وبعدما يقضي النسك، فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا البقرة: 200، هذه مقامات للذكر، والمراجعة، والإخبات بعد العمل، لا أن يبقى في غفلة تامة، فإذا وافَى القيامة عند ذلك نظر في عمله فتذكر ما قدَّم وأخَّر، ثم بعد ذلك يندم، فهذه الأنفاس هي خزائن للأعمال، وسيجد الإنسان خزائن كثيرة فارغة ما استغلها بشيء يعود عليه بطائلة، وهناك خزائن فيها أعمال قد تكون ناقصة، وهناك خزائن مليئة باللغو، وما لا فائدة فيه، وهناك خزائن مليئة بالشرور والمعاصي، وبعضها في أثواب طاعات، وصور قربات، يعني عبادات لم يكن له فيها نية، أو لم يأتِ بها على الوجه المطلوب المشروع فرُدّت، وكل هذا يكون في كفة السيئات.

وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَىالنازعات: 36 أي: أُظهرت للناظرين فرآها الناس عياناً.

وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ يراها الناس، ويشاهدونها، وعندئذ يصيبهم ما يصيبهم من الهول والخوف والشدة مخافة أن يكونوا من أهلها، وهم يعلمون أنهم سيمرون عليها، وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا مريم: 71، فإذا كان الناس يعلمون ذلك ويشاهدون هذه النار العظيمة التي الأرض كلها لا تساوي شيئاً لو رميت فيها، ويسمعون لها تغيظاً وزفيراً، إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا الفرقان: 12، لها سبعون ألف زمام، كل زمام يقوده سبعون ألف ملك، لو كان هذا في شيء في الدنيا له سبعون ألف زمام، يجر كلَّ زمام سبعون ألف رجل لكان شيئاً هائلاً، فكيف بملائكة أقوياء في غاية القوة والشدة يجرونها ويقودونها؟!، فهذه حقاً لا تبقي ولا تذر، هذه التي من أجلها ينبغي أن يحاسب الإنسان نفسه كثيراً طويلاً، في حاله.

فَأَمَّا مَن طَغَىالنازعات: 37، أي: تَمَرّد وعتا، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَاالنازعات: 38 أي: قدمها على أمر دينه وأخراه، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىالنازعات: 39 أي: فإن مصيرَه إلى الجحيم وإن مطعمه من الزقوم، ومشربه من الحميم.

وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىالنازعات: 40 أي: خاف القيام بين يدي الله -عز وجل-، وخاف حُكْمَ الله فيه، ونهى نفسه عن هواها، ورَدها إلى طاعة مولاها، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىالنازعات: 41.

قوله: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، أي: الحساب بين يدي الله -تبارك وتعالى- وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ الأنعام: 30، فهم يوقفون هناك، ويوقفون على النار، وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ الأنعام: 27، فهذه مقامات للناس في ذلك اليوم، خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ أي: يوم الحساب، كما يقوله بعض السلف كالربيع، ويقول قتادة: إن لله -عز وجل- مقاماً قد خافه المؤمنون، وقال مجاهد: هذا في الدنيا، يخاف في الدنيا من الله عند مواقعة الذنب، فيقلع عنه، وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ الرحمن: 46، ليس المقصود خاف مقام الحساب، وإنما خاف في الدنيا، لكن هذا -والله أعلم- لا يعارض ولا ينافي ما ذكر من أنه القيام بين يديه للحساب، فهو يخاف في الدنيا، خاف ذلك اليوم وصار يحسب له حساباً في وقت مبكر وهو في الدنيا، حيث تنفعه المراجعة والتوبة والمحاسبة والخوف، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىالنازعات: 40.

وابن كثير –رحمه الله– لا يقصد أن هذا الخوف يكون في الآخرة، إنما يقصد أنه في الدنيا، يعني يحسب حساباً لذلك اليوم.

وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى هذا يوافق ما اشتهر من أن الهوى إذا أطلق فالأصل أنه للذم؛ ولهذا جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن الله ما ذكر الهوى إلا مذموماً، ولكن السياق قد يدل على استعمال الهوى أحياناً في غير موضع الذم، مثل قول عائشة -رضي الله عنها- للنبي -صلى الله عليه وسلم-: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك([1]).

وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىالنازعات: 40 - 42 قال: أي: منقلبه ومصيره ومرجعه إلى الجنة الفيحاء، هذا كله يرجع إلى أن المعتبر هو الإيثار، بمعنى أن داعِيَ الله -عز وجل- يدعوه، والنفس والهوى والشيطان كل ذلك يدعوه أيضاً، فداعي الله يدعوه إلى الإيمان والعمل الصالح، والنفس والهوى والشيطان كل ذلك يدعوه إلى خلاف ذلك، وكما هو معلوم في الحديث لما خلق النار وخلق الجنة أرسل جبريل -عليه الصلاة والسلام- فنظر إلى النار، فرآها في حال يحطم بعضها بعضاً، فقال: (وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها)([2])، فحُفت بالشهوات، الصور المحرمة الجميلة، الأموال المحرمة، الكسل عن طاعة الله -عز وجل-، كل هذه الأشياء من النظر الحرام، والأكل الحرام، والكسب الحرام، والأصوات المحرمة، فلما رآها جبريل قال: (وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد)، ولما خلق الجنة وبعث إليها جبريل -عليه الصلاة والسلام- ونظر إليها في حال، قال: (وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها)، فلما حُفت بالمكاره، صيام، صلاة، إذا أذن ذهب إلى المسجد، قام من فراشه، يحفظ لسانه عن الحرام، يحفظ نظره عن الحرام، يحتاج إلى مكابدة وصبر، ومجاهدة، وعمل صالح، ويوجد في أعماق الإنسان دواعٍ، توجد النفس المطمئنة وتدعوه إلى الله، والتوبة، والمراجعة، والعمل الصالح، والإيمان، كما توجد النفس اللوامة، تلومه على فعل المعصية، والتقصير، ويوجد داعي الله في قلب المؤمن، والملك له أيضاً لمة بالقلب، هذه كلها من الداخل، مع الفطرة (خلقت عبادي حنفاء)([3])، ويوجد في الخارج شياطين الإنس من الصامتين والناطقين، فالناطق يدعوه مباشرة للمنكر، وإذا ما استجاب أنكر عليه عدم الاستجابة، وعابه بذلك، كما يعيبه على طاعة الله وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ويوجد أيضاً الدعوة الصامتة للمنكر، فكل ممارسة للمنكر هي دعوة صامتة إليه، مثل هذه الأمور تدعو إلى الشر، والمنكر، كلها دواعٍ تسهل عليه مواقعة المنكر، خذ مثالاً على ذلك: التصوير، كان الناس يستوحشون منه، وما كنا نعرف صدق توبة الإنسان إلا إذا أتلف ألبومات الصور التي عنده، اليوم تريد النهي عن التصوير وتقول: لا يصورْ أحدٌ، ثم تُفاجأ بواحد يثني ركبته ويجلس أمامك ويصورك، ويستغرب إذا قلت له: لا تصور اتق الله؛ لأن هذا كثر، ونُسيت النصوص الواردة فيه، وصار الذي ينكر هذا غريباً في الناس، تبرج المرأة يبدأ بواحدة، تعرفون ما ذكره الشيخ علي الطنطاوي: واحدة في دمشق وكيلة مدرسة خرجت سافرة عن وجهها، فأضربت دمشق عن آخرها، وأغلقت المحال التجارية حتى فصلت هذه الوكيلة من عملها؛ لأنها فقط كشفت الوجه، هذا في بلاد الشام يوم كان الناس ناساً، أسأل الله أن يفرج عنهم، ولعل هذه الحرب تعيد الناس إلى معادنهم، وتزيل عنهم هذا الركام.

قال ابن القيم -رحمه الله-: "قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى النازعات: 37 - 39، النفس تدعو إلى الطغيان، وإيثار الحياة الدنيا، والرب يدعو عبده إلى خوفه، ونهْي النفس عن الهوى، والقلب بين الداعييْن يميل إلى هذا الداعي مرة وإلى هذا مرة، وهذا موضع المحنة والابتلاء.

 

النفس تدعو إلى الطغيان، وإيثار الحياة الدنيا، والرب يدعو عبده إلى خوفه، ونهْي النفس عن الهوى، والقلب بين الداعييْن يميل إلى هذا الداعي مرة وإلى هذا مرة، وهذا موضع المحنة والابتلاء.

 

قوله تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىالنازعات: 40 وهو مقام الرب على عبده بالاطلاع والقدرة والربوبية، فخوفه من هذا المقام يوجب له خشوع القلب لا محالة، وكلما كان أشد استحضاراً له كان أشد خشوعاً، وإنما يفارق القلبَ إذا غفل عن اطلاع الله عليه، ونظره إليه"([4]).

لاحظْ، يعني هذا ليس المقام بين يدي الحساب، وإنما خاف مقام ربه يعني: باطلاعه عليه، يعني مقام المراقبة الذي يبعث على مرتبة الإحسان، أن تعبد الله كأنك تراه، ولمن خاف مقام ربه جنتان، هذا المعنى الأول.

"والتأويل الثاني: أنه مقام العبد بين يدي ربه عند لقائه، فعلى الأول يكون من باب إضافة المصدر إلى الفاعل، وعلى الثاني -وهو أليق بالآية- يكون من باب إضافة المصدر إلى المخوف، والله أعلم"([5]).

وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِالرحمن:46، يعني: يوم الحساب، خاف ذلك الموضع، خاف قيامه بين يدي ربه، أضيف إلى المفعول.

ثم قال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا النازعات: 42 - 45 أي: ليس علمها إليك ولا إلى أحد من الخلق، بل مَردها ومَرجعها إلى الله -عز وجل-، فهو الذي يعلم وقتها على التعيين، ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ الأعراف: 187.

يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ، هؤلاء الذين يسألون على نوعين:

النوع الأول: من يسأل استبعاداً، واستهزاءً، وتكذيباً، وكفراً، هذا كان سؤال الكفار، يقولون: متى هي؟ متى تقوم الساعة؟ ويستعجلونه بها -عليه الصلاة والسلام-، يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا الشورى: 18، فهذا نوع من سؤال السائلين.

والنوع الثاني: هو سؤال أهل الإيمان، متى الساعة؟ من أجل أن نستعد، وأن نعمل لها، فالأول مذموم، والثاني غير مذموم، إلا أن جوابه غير معلوم لدى من يوجَّه إليه السؤال، وفي حديث جبريل: (متى الساعة؟)، لو كان السؤال مذموماً لما وجهه للنبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل)([6]).

يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَاالنازعات: 42، يعني: منتهى قيام الساعة، مثل رسو السفينة، لمّا ينتهي سيرها وإبحارها ترسو على الشاطئ أو في الميناء، فهذا منتهى إبحارها، أو سيرها، أَيَّانَ مُرْسَاهَا يعني: منتهى قيام الساعة، كرسو السفينة، كما يقوله الفرَّاء.

فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَاالنازعات: 43، ابن جرير –رحمه الله– يقول: وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكثر ذكر الساعة حتى نزلت الآية، وبعضهم يقول: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا، أيّ شيء أعلمك بوقت وقوعها؟، كأنه يقول: ما شأنك وهذا؟، هذا السؤال لا يوجه إليك، ليس علمها إليك، وإنما إلى الله -جل جلاله.

 وقال هاهنا: إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا النازعات: 44 ولهذا لما سأل جبريلُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن وقت الساعة قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل).

يعني إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا أي: أن الذي ينتهي علمها إليه هو الله وحده، وأما الناس فلا يعرفون ذلك، لا يعلم وقتها لا ملك مقرب ولا نبي مرسل.

وقوله تعالى: إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا النازعات: 45، أي: إنما بعثتك لتنذر الناس وتحذرهم من بأس الله وعذابه، فمن خشي الله وخاف مقامه ووعيده اتبعك فأفلح وأنجح، والخيبة والخسار على من كذبك وخالفك.

إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ هنا جاء بأسلوب الحصر، حَصَرَ مهمته -صلى الله عليه وسلم- بالإنذار، مع أن الله -تبارك وتعالى- أخبر في مواضع أنه بعثه بشيراً ونذيراً، فهو يجمع بين البشارة والنذارة.

وقوله: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَاالنازعات: 46 أي: إذا قاموا من قبورهم إلى المحشر يستقصرون مُدّة الحياة الدنيا، حتى كأنها عندهم كانت عشية من يوم أو ضُحى من يوم.

قال جُويْبر عن الضحاك، عن ابن عباس: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا أما عَشِيَّة: فما بين الظهر إلى غروب الشمس، أَوْ ضُحَاهَا ما بين طلوع الشمس إلى نصف النهار.

وقال قتادة: وقت الدنيا في أعين القوم حين عاينوا الآخرة.                                    

آخر تفسير سورة "النازعات"، ولله الحمد والمنة.


[1] - أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد؟ (7/12)، رقم: (5113).

[2] - أخرجه أبو داود، كتاب السنة، باب في خلق الجنة والنار (4/236)، رقم (4744)، والترمذي (4/693) رقم: (2560) أبواب صفة الجنة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات.

[3] - مسلم (4/2197) رقم (2865)،  كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار.

[4] - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين 1/518- 519.

[5] - المصدر السابق 1/519.

[6] - أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وعلم الساعة (1/19)، رقم: (50).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about