استعرض النسخة الجديدة من الموقع
‏(3) من قوله تعالى " وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ ..." آية 37‏
عدد الزوار : 10606
تاريخ الإضافة : 24 ربيع الأول 1433
MP3 : 15979 kb
PDF : 108 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة يس من الآية (37) إلى الآية (40)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن والاه، وبعد.

اللهم اغفر لشيخنا والحاضرين والمستمعين.

يقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى:

{وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [سورة يس:37-40].

يقول تعالى: ومن الدلالة لهم على قدرته تعالى العظيمة خلْقُ الليل والنهار، هذا بظلامه وهذا بضيائه، وجعْلُهما يتعاقبان، يجيء هذا فيذهب هذا، ويذهب هذا فيجيء هذا، كما قال: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} [سورة الأعراف:54]؛ ولهذا قال -عز وجل- هاهنا: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} أي: نصرمه منه فيذهب، فيقبل الليل؛ ولهذا قال: {فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} كما جاء في الحديث: ((إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم))([1]).

هذا هو الظاهر من الآية.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى-: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} قد مضى الكلام على نحو هذه الآيات وهذه الآية في مواضع من كتاب الله -تبارك وتعالى-، قوله: {نَسْلَخُ مِنْهُ}، "من" هنا بمعنى "عن" مضمنة معنى عن، يعني نسلخ عنه النهار {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} هذا الذي قاله أهل العلم من المفسرين وأصحاب معاني القرآن، واختيار كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير -رحمه الله- وأهل العلم يقولون: إن الأصل في هذا الكون هو الظلام فالشمس بضوئها تجلو هذا الظلام فيكون النهار {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ}، فيرجع إلى أصله، فالذي لا تظهر عليه الشمس يكون مظلماً، وهذا شيء مشاهد.

وقوله: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}، في معنى قوله: {لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} قولان:

أحدهما: أن المراد: مستقرها المكاني، وهو تحت العرش مما يلي الأرض في ذلك الجانب، وهي أينما كانت فهي تحت العرش، وجميع المخلوقات؛ لأنه سقفها، وليس بكُرة كما يزعمه كثير من أرباب الهيئة، وإنما هو قبة ذات قوائم تحمله الملائكة.

العرش هو سقف العالم كما يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة))، قال: ((وسقفه عرش الرحمن))([2])، العرش كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية      -رحمه الله-: إنه كالقبة وهو سقف العالم، نعم سقف العالم {تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} أي: تسجد تحت العرش، فهذا القول يؤيده ما صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا المعنى، فلا يصح العدول عنه، وإن كانت الآية في ظاهرها تحتمل القول الآخر، {تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} هذا المستقر هل المقصود به أنه ما قدره الله -تبارك وتعالى- لها في جريها حتى إذا أراد الله -تبارك وتعالى- تغيرت هذه الأفلاك وتحول حال العالم فكورت الشمس يوم القيامة، {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [سورة القيامة:9]، كما قال الله -تبارك وتعالى-؟، فبعضهم يقول: هو هذا {تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} يعني يوم القيامة حيث تتحول وتتغير، وبعضهم يقول: {تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} هو جريان الشمس في الفلك بحسب حسابٍ دقيقٍ قدره الله -عز وجل- لها لا تتجاوز ذلك، هذه الأقوال تحتمل لكن هل هي المراد بالآية؟ إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، فإذا صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئاً من ذلك فإنه لا يصح العدول عنه اللهم إلا أنه في بعض المواضع تكون الآية تحتمل هذا وتحتمل غيره، وتوجد أدلة تدل على غيره أيضاً، فيكون النبي -صلى الله عليه وسلم- فسرها ببعض المعنى، لكن من عمومها يؤخذ منها أو من سياقها أو نحو ذلك أنها تدل على القول الآخر، لكن لا يصح أن يُرجَّح قول آخر على شيء ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيانه وتفسيره.

وهو فوق العالم مما يلي رءوس الناس، فالشمس إذا كانت في قبة الفلك وقت الظهيرة تكون أقرب ما تكون من العرش، فإذا استدارت في فلكها الرابع إلى مقابلة هذا المقام، وهو وقت نصف الليل صارت أبعد ما تكون من العرش، فحينئذ تسجد وتستأذن في الطلوع، كما جاءت بذلك الأحاديث.

يعني إذا كانت في كبد السماء هي أعلى ما تكون فوقنا، وقبل ذلك تكون في أقصى المشرق، بعدها تكون في أقصى المغرب، رابعاً حينما تكون مقابلة في منتصف الليل حيث يكون منتهى الظلام تكون في الجهة الأخرى.

روى البخاري عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: كنت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في المسجد عند غروب الشمس، فقال: ((يا أبا ذر، أتدري أين تغربُ الشمس؟))، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فذلك قوله: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}))([3]).

هذا أوضح ما يكون من التفسير النبوي، والتفسير النبوي على نوعين:

النوع الأول: ما تطرق فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- لنفس الآية، فهذا لا يصح العدول عنه بحال من الأحوال، وإذا صح إسناده لا يمكن أن يتطرق إليه الخطأ، حاشا وكلا، النبي -صلى الله عليه وسلم- أعلم الناس بكتاب الله {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى} [سورة النجم:3].

 أما النوع الثاني: ما يذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- من المعاني والهدايات وما إلى ذلك دون أن يتعرض للآية، فيأتي بعض المفسرين يفهم أن الحديث مرتبط بالآية الفلانية وأنه يصح أن يكون تفسيراً لها، فيقوم المفسر ويربط بين الحديث والآية اجتهاداً، لاحظ: الكلمة هذه مهمة -اجتهاداً منه- ولهذا حينما نقول: هل يدخل الاجتهاد في التفسير النبوي؟ بعض الناس ينقبض من هذه الكلمة، كيف يدخل الاجتهاد في التفسير النبوي؟ نقول ليس المقصود اجتهاد النبي -صلى الله عليه وسلم- فكلامه وحي -عليه الصلاة والسلام-، ولكن اجتهاد المفسر فيما لم يتطرق فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- للآية، فيعمد المفسر للربط بين الآية وذاك الحديث، فقد يخطئ المفسر وقد يصيب في هذه الحالة، فهنا نقول هذا النوع ليس بقاطع التفسير، تفسير السنة نوعان، الذي صرح فيه بالآية مثل هذا المثال الذي أمامنا هو من أجلى الأمثلة، فهذا لا يصح العدول عنه، ولا ترِد عليه الواردات يعني يقول الإنسان: الشمس مثلاً تجري تظهر على الآخرين فهي بالنسبة لهم نهار إلى منتصف الليل عندنا فكيف تذهب وتسجد تحت العرش؟، نقول: هذه الأمور الغيبية خالقها أخبرنا عن طريق رسوله -صلى الله عليه وسلم- وهذا الحديث في الصحيح أنها تسجد تحت العرش، إذاً فهي تسجد تحت العرش والذي خلقها أخبرنا بهذا، وعقولنا قاصرة، هذا الذي أدركته عقولنا أصلاً، وإذا كان أهل الفلك إلى الآن يزعمون أنهم يكتشفون مجرات وليست مجرد نجوم أو كواكب، مجرات، يكتشفون مجرات جديدة ويعترفون أن ما يعرفونه، ووصلوا إليه وأدركوه في هذا الكون أنه قطرة من بحر أنه قليل جداً ضئيل بالنسبة لسعة الكون، هذا كله في السماء الدنيا أو دون السماء الدنيا، لكنهم لا يعرفون شيئاً عن السماء الدنيا التي هي سقف {وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا} [سورة الأنبياء:32]، إلى الآن علوم هؤلاء لا تثبت أن السماء سقف ولا يعرفون هذا، ولا وصلوا إليه ولا يستطيعون الوصول إليه؛ لأن هذا أبعد من إمكاناتهم، هذا لا يمكن أن يعرفه هؤلاء بالتلسكوب؛ لأنه لا يصل إلى السماء، فما بالك بالسماء الثانية! هذا محال، والثالثة والرابعة إلى السابعة! فما بالك بعرش الرحمن!، فمثل هذه الأمور من كون الشمس تسجد تحت العرش هذا لا مدخل للعقل فيه، فهي تسجد تحت العرش، انتهينا، فما يرِد على الإنسان مثل هذه النصوص والقضايا التي يولدها العقل أحياناً فترد الواردات، لكن الذي خلقها أخبرنا بهذا، فهذا هو حقيقة التسليم، قد تقول: أنا لا أدرك هذا؛ لأن هذا غير داخل تحت نطاق العقل مما يدركه بمداركه العادية، إنما هذا يتلقى من الوحي فقط، فيجب الإذعان والتسليم له، وهذا له نظائر كثيرة مما يدركه العقل، ولهذا قالوا: إن الرسل -عليهم الصلاة والسلام- يأتون بمحارات العقول ولكنهم لا يأتون بمحالات العقول، يأتون بأشياء يتوقف العقل فيها، ولكن لا يأتون بشيء مستحيل، فهي تسجد تحت العرش وتستأذن ربها، وستطلع في يوم من الأيام -حيث تحبس- من مغربها؛ لأن هذا كلام من لا ينطق عن الهوى، ليست نظريات، وهناك أشياء مما يقوله أصحاب الفلك أو أصحاب العلوم المتنوعة، وبعض هذا يقولون عنه: إنه حقائق ومع ذلك تتوقف فيه العقول، فالإنسان إذا أراد أن ينظر على قولهم بأن الأرض تدور، أنا لا أريد أن أتعرض إلى مسألة الدوران إطلاقاً، وإنما أقول: على قولهم هذا هم يتفقون على أن الأرض تدور، عن المعاصرين من أهل الفلك أنهم يقولون: إنها تدور، معنى ذلك أن هناك أناساً في الأسفل رءوسهم مقلوبة وأوضاعهم مقلوبة، هذا مقتضاه!

ومع هذا لا يشعرون أنهم مقلوبون؛ لأن الناس حينما يسمعون الكلام هم يثقون بأهل الفلك وبهذه القوانين والنظريات فيسلمون لها وإن لم تدركه عقولهم، هذا هو الواقع وإلا فتصور كيف نحن الآن في الجهة المقلوبة ونحن نرى السماء فوقنا ولا يشعر أحد أبداً أنه في الجهة الأخرى، وقل مثل هذا في أشياء يتكلمون عنها ويقولون: هذا لو حصل معه مدة أو إلى آخره لكانت مثلاً خيطاً يمكن أن يصل إلى الطرف الآخر أو يحيط بالكرة الأرضية شي يسير، ويقولون هذا يمكن أن يُمثَّل أو يقولون: هذا يصل إلى القمر، هناك أشياء يذكرونها عن أبعاد وأشياء معينة مما يراه الإنسان ويزاوله، أحياناً يقولون: لو مد الشيء الفلاني لكوّن خطاً يدور على الكرة الأرضية كاملة، وهذا لو مد وصل إلى القمر، تراه صغيراً، ويمكن أن يصل إلى القمر هذا ما يمكن أن يصل خمسين متراً! وتجد الناس يقبلون هذا ويسلمون له مع أن العقول لا تتصوره؛ لثقتهم بهؤلاء يقبلون ويسلمون، فإذا جاء كلام الله -عز وجل- فينبغي أن يكون التسليم أعظم من كلام هؤلاء الذي يصيب ويخطئ وإلا ففيه أشياء يتوقف فيها العقل.

وكذلك المسيح الدجال موجود والأقمار الصناعية تصور العالم وما تركوا شبراً إلا وصلوا إليه بزعمهم فأين المسيح الدجال؟ أين هو؟ ومن يقوم على خدمته؟ وكيف يأكل؟ وكيف يشرب؟ وهل يهرم أو لا؟ طول هذه المدة يتغير أو يتوقف العمر مثلاً؟ نقول هذا ما يرِد، هذه قضايا غيبية، وإذا جاء المسيح الدجال ما يأتي بصورة إنسان كبير هرم، عمره أكثر من ألف سنة ما ندري متى ولد! هذه قضايا أرادها الله، فبنو إسرائيل  -ومعهم هارون وموسى -عليهم السلام- تاهوا في أرض صحراء محدودة لو ساروا من أي اتجاه لقطعوها فبقوا فيها نحو أربعين سنة على قولٍ هنا في الآية: {أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ} [سورة المائدة:26] يكون مدة التيه أربعين سنة، أناس –قوم- عددهم في بعض التقديرات ستمائة ألف فيهم أهل خبرة وفيهم أهل معرفة وهذه المناطق يعرفونها صلة بين بلاد الشام ومصر مطروقة ومع ذلك يضيعون فيها أربعين سنة لا يستطيعون تجاوزها، لو مشوا أربعين ساعة لوصلوا إلى أحد النواحي والأطراف فيها من أي اتجاه فكيف يضيعون أربعين سنة؟ نقول: الله أراد أن يضيعوا أربعين سنة، إذاً سيضيعون أربعين سنة حتى جاء في بعض الآثار أنهم يمشون اليوم كاملاً، فإذا باتوا أصبحوا فوجدوا أنفسهم في المكان الأول؛ لأن الله أراد هذا، فإذا أراد شيئاً لابد أن يكون فهذا مقتضى التسليم، والله -عز وجل- يبتلي العقول بأشياء ليختبر إيمانها وتسليمها فما كل شيء تدرك العقول حقيقته وتدرك حكمته، فبعض الأشياء يستشكل الإنسان الحكمة منها، فيقال له: أنت لا تعلم الحكمة، لكن الله حكيم، فهناك حِكم عظيمة جداً ولكن ليس بالضرورة أن الملك الأعظم -جل جلاله- إذا اقتضت حكمته شيئاً أن ذلك يتوقف على إعلامنا وإفهامنا، فمن نحن؟ وإذا كان ملوك أهل الأرض لا يلزم من كل مرسوم يرسلونه أن يخبروا الأفراد والناس بخلفيات هذا القرار والحِكم والغايات التي من أجلها سُن هذا القرار لا يخبرونهم ويقولون: هناك ملابسات معينة وأشياء والحكمة هي كذا وكذا، هذا في الدنيا، فالله -عز وجل- أعظم وأجل شأناً من ذلك، هذه قضية مهمة في التسليم والإذعان والقبول عن الله    -تبارك وتعالى.

وأيضاً عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن قوله: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا}، قال: ((مستقرها تحت العرش))([4]).

والقول الثاني: أن المراد بمستقرها هو: منتهى سيرها، وهو يوم القيامة، يبطل سيرها وتسكن حركتها وتكوّر، وينتهي هذا العالم إلى غايته، وهذا هو مستقرها الزماني.

يعني على الأول يكون المستقر مكانياً تحت العرش، وهذا مستقر زماني، وهذا القول لا يمكن جمعه مع الحديث فلا نقول: هذا وهذا، فهذا اختلاف تضاد لا تجمع فيه الأقوال، هو سجودها تحت العرش إذاً، ليس المراد منتهى حركة الشمس، سير الشمس إلى يوم القيامة.

قال قتادة: {لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} أي: لوقتها ولأجل لا تعدوه.

وقيل: المراد: أنها لا تزال تنتقل في مطالعها الصيفية إلى مدة لا تزيد عليها، ثم تنتقل في مطالع الشتاء إلى مدة لا تزيد عليها، يروى هذا عن عبد الله بن عمرو.

وقرأ ابن مسعود، وابن عباس: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لا مُسْتَقَرَّ لَهَا) أي: لا قرار لها ولا سكون.

يعني أنها دائبة الحركة، لكن هذه القراءة هل تفسر القراءة المتواترة {تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا}؟ لا تفسرها، لا تفسرها لحديث السجود تحت العرش، لا تفسرها، هذا إذا صحت هذه القراءة من جهة الإسناد، هذا يحتاج إلى مراجعة هل ثبتت هذه القراءة من جهة الإسناد، فهي ليست متواترة.

بل هي سائرة ليلا ونهارًا، لا تفتر ولا تقف، كما قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ} [سورة إبراهيم:33] أي: لا يفتران ولا يقفان إلى يوم القيامة.

{ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ} أي: الذي لا يُخالَف ولا يُمانَع، {الْعَلِيم} بجميع الحركات والسكنات، وقد قدر ذلك وقَنّنه على منوال لا اختلاف فيه ولا تعاكس، كما قال تعالى: {فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [سورة الأنعام:96]، وهكذا ختم آية حم السجدة بقوله: {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [سورة فصلت:12]، ثم قال: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} أي: جعلناه يسير سيرًا آخر يستدل به على مضي الشهور، كما أن الشمس يعرف بها الليل والنهار.

يعني القمر قدرناه منازل ثمانية وعشرين منزلاً.

كما قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [سورة البقرة:189]، وقال {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} الآية [سورة يونس:5]، وقال: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا} [سورة الإسراء:12]، فجعل الشمس لها ضوء يخصها، والقمر له نور يخصه، وفاوت بين سير هذه وهذا، فالشمس تطلع كل يوم وتغرب في آخره على ضوء واحد، ولكن تنتقل في مطالعها ومغاربها صيفًا وشتاء، يطول بسبب ذلك النهار ويقصر الليل، ثم يطول الليل ويقصر النهار، وجعل سلطانها بالنهار، فهي كوكب نهاري، وأما القمر فقدره منازل، يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلا قليل النور، ثم يزداد نورًا في الليلة الثانية، ويرتفع منزلة، ثم كلما ارتفع ازداد ضياء، وإن كان مقتبسًا من الشمس، حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر، حتى يصير كالعرجون القديم.

حتى يصير كالعرجون القديم: أي في آخر الشهر، والجمع والتثنية {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} [سورة الرحمن:17]، {بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} [سورة المعارج:40] فبعضهم يقول: مشرق الشمس والقمر، وبعضهم يقول: أقصى نقطة في الشروق صيفاً، وأقصى نقطة في الشروق شتاءً، وأقصى نقطة في الغروب صيفاً، وأقصى نقطة في الغروب شتاءً، بمعنى أن الشمس في طلوعها تكون في الشتاء في أقصى نقطة مجراها ومكان شروقها من جهة المشرق إلى جهة الشمال في الشروق، هذا في الشتاء، ثم بعد ذلك تنتقل إلى الجنوب في الغروب فتغرب غرباً من جهة الجنوب في أقصى نقطة لها فتجد الظل في هذه الناحية إلى ناحية الشمال في منتصف النهار ونحو ذلك يبقى الفيء، ثم في كل طول السنة تنتقل درجة درجة إلى أن تنتقل من الجهة الأخرى في الصيف فيكون شروقها في أقصى نقطة إلى جهة الغروب، ثم بعد ذلك تذهب في غروبها في أقصى نقطه إلى جهة الشمال، يعني ما تكون فقط من جهة واحدة تخرج وتطلع طول السنة وإنما تنتقل درجات في مشارقها وفي مغاربها {بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} هذا معنى لهذه الآية، فالحاصل أنها تنتقل في مطالعها ومغاربها صيفاً وشتاءً، وهكذا القمر قدره منازل تطلع في أول ليلة من الشهر فيكون ضئيلاً قليل النور، العرب أو أهل الفلك يقولون: هذه المطالع الثمانية والعشرون أربعة عشر منها شامية، وأربعة عشر منها يمانية، وهي التي تجدونها في التقويم، أحياناً تجدونها في مجموعها ثمانية وعشرين، فأولها يعني الشامية: الشرطين ثم البطين ثم الثريا ثم الدبران ثم الهقعة ثم الهنعة ثم الذراع ثم النثرة ثم الطرف ثم الجبهة ثم الزبرة ثم الصرفة ثم العوّا ثم السماك، هذه أربعة عشر شامية، وأما اليمانية فهي: الغفر والزبانا والإكليل والقلب والشولة والنعائم والبلدة وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، ومقدم الدلو، ومؤخر الدلو والحوت، هذه أربعة عشر يقولون عنها: إنها يمانية، فهو لا يزال ينتقل في هذه المنازل فإذا كان في آخر الشامية اكتمل وصار بدراً، ثم بعد ذلك يبدأ بالتحول وينتقص شيئاً فشيئاً حتى يصير كالعرجون القديم، والعرجون القديم أصل العذق الذي فيه قنو التمر، فالعرجون القديم الآن إذا نظرتم إلى النخيل تجدون ما بقي من العام الماضي متقوساً، الذي فيه الشماريخ التي يكون فيها الرطب، فهذا العود الذي يمسكها هذا يقال له: العذق، هذا العذق يتقوس وييبس من ثقله، يتقوس يحمل الرطب التمر، يتقوس، فإذا أُخذ هذا الرطب تساقط، ويبقى، قد عاد على هذا فيكون مقوساً، فإذا يبس صار مثل القوس الدقيق، {حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} فكلمة عاد من الأضداد عاد هل كان كالعرجون القديم من قبل؟ لا وإنما هنا بمعنى صار، حتى يصير كالعرجون القديم، ذكرنا مثل هذا أنه يحتمل أن الساعة لا تقوم حتى تعود جزيرة العرب مروجاً وأنهاراً، ويحتمل أن تكون بمعنى تصير، تحتمل أن تكون مثل ذلك، هكذا يحتمل، فهنا بمعنى صار.

قال ابن عباس: وهو أصل العِذْق.

والعرب تسمي كل ثلاث ليال من الشهر باسم باعتبار القمر، فيسمون الثلاث الأول "غُرَر" واللواتي بعدها "نُفَل"، واللواتي بعدها "تُسع"؛ لأن أخراهن التاسعة، واللواتي بعدها "عُشَر"؛ لأن أولاهن العاشرة، واللواتي بعدها "البيض"؛ لأن ضوء القمر فيهن إلى آخرهن، واللواتي بعدهن "دُرَع" جمع دَرْعاء؛ لأن أولهن أسود؛ لتأخر القمر في أولهن، ومنه الشاة الدرعاء وهي التي رأسها أسود، وبعدهن ثلاث "ظُلم" ثم ثلاث "حَنَادس".

حنادس يعني شديدة الظلام.

وثلاث "دآدئ" وثلاث "مَحاق"؛ لانمحاق القمر أول الشهر فيهن، وكان أبو عُبيد ينكر التُّسع والعُشَر، كذا قال في كتاب "غريب المصنف".

وقوله: {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ}: قال مجاهد: لكل منهما حد لا يعدوه ولا يقصر دونه، إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا، وإذا ذهب سلطان هذا جاء سلطان هذا.

ولهذا بعض أهل العلم يرى أن القمر لو حصل له خسوف بعد صلاة الفجر مثلاً يقول: هذا في غير سلطانه، سلطانه في الليل، فلا تصلى صلاة الخسوف، هكذا يقول بعض أهل العلم، والمسألة فيها كلام معروف، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقيدها بهذا القيد، فهي آية من آيات الله، وإذا رأى الناس ذلك فزعوا إلى الصلاة.

وقال عكرمة في قوله {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ}: يعني: أن لكل منهما سلطانا، فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل.

وقوله: {وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ}: يقول: لا ينبغي إذا كان الليلُ أن يكون ليل آخر حتى يكون النهار، فسلطان الشمس بالنهار، وسلطان القمر بالليل.

وقال الضحاك: لا يذهب الليل من هاهنا حتى يجيء النهار من هاهنا، وأومأ بيده إلى المشرق.

يعني ما يكون في وقتٍ بين بين مثلاً، يكون مختل السير أعني اختلال سير الشمس والقمر، أو تداخل هذا وهذا أو تقدم هذا بهذا، فالليلة سابقة لليوم، فما تنقلب هذه الأشياء أو تتدارك.

وقال مجاهد: {وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} يطلبان حثيثيْن، ينسلخ أحدهما من الآخر.

والمعنى في هذا: أنه لا فترة بين الليل والنهار، بل كل منهما يعقب الآخر بلا مهلة ولا تراخٍ؛ لأنهما مسخران دائبيْن يتطالبان طلبا حثِيثًا.

هذه الأقوال متقاربة، لا الشمس ينبغي أن تدرك القمر {وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} لا تسبقه، وكذلك أيضاً لأن سبق الليل النهار مع أن الشمس تسبق القمر فهي لا تدركه ولا تسبق القمر ولا تتداخل معه، وإنما يسيران في نظام، منذ خلقهم الله -تبارك وتعالى- لم يحصل تغير، ولم يحصل تخلف وتأخر وبطء أو تعطل، كما يحصل في آلات الناس.

وقوله: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} يعني: الليل والنهار، والشمس والقمر، كلهم يسبحون، أي: يدورون في فلك السماء، قاله ابن عباس، وعِكْرِمة، والضحاك، والحسن، وقتادة، وعطاء الخرساني. قال ابن عباس وغير واحد من السلف: في فَلْكَةٍ كفَلْكَة المِغْزَل.

المغزل هو الصِّنارة، ويكون فيه فلكة مكورة من الصوف الذي يغزل، {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} لماذا قال الليل والنهار والشمس والقمر؟ باعتبار الجمع {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}، هما اثنان الشمس والقمر {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}، وبعضهم قال: الشمس والقمر والنجوم والكواكب؛ لأن القمر من قبيل الكواكب، والشمس من قبيل النجوم، فكلٌّ في فلك يسبحون، ويمكن أن يقال: إن ذكر الجمع {يَسْبَحُونَ} باعتبار أن أقل الجمع عند جماعة من أهل العلم اثنان، كما قال في المراقي:

أقل معنى الجمع في المشتهرِ *** الاثنان في رأي الإمام الحميري

عند الإمام مالك بن أنس -رحمه الله-، والله -عز وجل- يقول: "فإن كان له إخوة فلأمه السدس" ويكون ذلك باثنين، فالحاصل أنه هنا عبر بالصيغة التي يعبر بها عن العقلاء "يسبحون"، فتحدث عنها حركة وانتقالاً وجريا الليل والنهار، والشمس والقمر... إلى آخره، كالحديث عن العقلاء فأجرى عليها ما يجري على العقلاء في الاستعمال والصيغ، وهذا كثير في القرآن، {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [سورة يوسف:4] ما قال: ساجدات، كما يقال عن غير العاقل؛ لأن السجود من أفعال العقلاء فاستعمل لها ما يستعمل للعقلاء، وهكذا في الأصنام، وكذا {أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا} [سورة الأعراف:195]، ما قال تبطش؛ لأنه جعلهم آلهة فقط عقلاء، فعاملهم بحسب تصورهم عنها، والله أعلم.

 

تم بحمد الله وفضله.


 

[1] - رواه البخاري، كتاب الصوم، باب متى يحل فطر الصائم، برقم (1954)، ومسلم، كتاب الصيام، باب بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار، برقم (1101).

[2] - رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب درجات المجاهدين في سبيل الله، يقال: هذه سبيلي وهذا سبيلي، برقم (2790).

[3] - رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر بحسبان، برقم (3199).

[4] - رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ} [يس:38]، برقم (4803).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 1
teleqram
trees
about