استعرض النسخة الجديدة من الموقع
‏(2) من قوله تعالى " وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ ..." آية 13‏
عدد الزوار : 21567
تاريخ الإضافة : 18 ربيع الأول 1433
MP3 : 38313 kb
PDF : 174 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة يس من الآية (13) إلى الآية (36)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه ومن والاه، وبعد.

يقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [يس: 13 - 17].

يقول تعالى: واضرب -يا محمد- لقومك الذين كذبوك {مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ} [يــس: (13)] قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه: إنها مدينة أنطاكية، وكان بها ملك يقال له: أنطيخس بن أنطيخس بن أنطيخس، وكان يعبد الأصنام، فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل، وهم: صادق وصدوق وشلوم، فكذبهم.

وهكذا روي عن بريدة بن الحصيب، وعكرمة، وقتادة، والزهري: أنها أنطاكية.

قوله -تبارك وتعالى-: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ} [يــس: (13)] هنا جاء ضرب المثل في ذكر خبر هؤلاء القوم وما وقع لهم مع الرسل -عليهم الصلاة والسلام-، وقد مضى الكلام في الأمثال، وبينا أن الأمثال تطلق بإطلاق واسع عند شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- على خلاف ما يتناقله أهل العلم في المراد بالمثل في القرآن، فهو يقول بأن ذلك يشمل القصص المذكورة في القرآن، وهذا يشهد لذلك؛ إذ إن عامة أهل العلم من المفسرين وغيرهم يعبرون عن المثل فيقولون: إنه ما يصور به المعنى المعقول بصورة حسية تقريباً للأفهام، أو ما يعبرون به مما يقرب من ذلك، وهذا يصدق على بعض الأمثال، وربما يصدق على الأمثال الواضحة في القرآن التي لربما يُدرِك أنها مثلٌ أكثرُ الناس كقوله -تبارك   وتعالى-: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً} [البقرة: (17)] فهذا قرّب فيه المعنى المعقول بصورة محسوسة، لكن قصص الأنبياء، قصص الأمم، أخبار الغابرين، هل هذه من الأمثال؟ شيخ الإسلام يقول: نعم، هي من الأمثال، والله قال عنها ذلك: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ} [يــس: (13)] {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا} [الكهف: (32)].

فشيخ الإسلام –رحمه الله- يرى أن المثل يرجع إلى معنى الشبه، وأن ذلك إنما يكون فيما يحصل به الاعتبار، لما يحصل به الاعتبار، بالنظر إلى أحوال هؤلاء، وما جرى لهم سواء من إدالة الرسل وأتباعهم على أقوامهم، أو مما وقع لهؤلاء الأقوام من العذاب ونحو هذا، فيرجع الناس إلى أنفسهم؛ لأن الله لم يذكر هذه القصص للتسلية .

هنا قال: إن ذلك يراد به مدينة أنطاكية، واسم هذا الملك، وهؤلاء الرسل، ولم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ومثل هذه الأشياء إنما نقبلها ونصدقها ونعتقد بموجبها ومقتضاها إذا كان ذلك عن المعصوم    -صلى الله عليه وسلم- بإسناد صحيح، وهذا غير موجود، وهذه الروايات كأنها مما تلقي من بني إسرائيل، والموقف من الإسرائيليات معروف، وإذا تتبعت الروايات الواردة في هذا تجد أنها مختلفة كثيراً في أسماء هؤلاء الذين أرسلوا واسم ذلك الملك، وكذلك أيضاً في حقيقة هؤلاء، وفي أي زمان، هل كانوا من الرسل الذين أرسلهم الله -عز وجل-؟ أو ممن أرسلهم المسيح -عليه الصلاة والسلام- من الحواريين؟ هذا كله يدل على أن المرجع إلى أخبار بني إسرائيل وهي أخبار لا يوثق بها، مع أن القول بأن المراد بذلك أنطاكية قال به جماعة من أهل العلم، منهم: بريدة وعكرمة وقتادة والزهري، بل عزاه القرطبي إلى جميع المفسرين، والواقع أن ثمّة من خالف في هذا، أن هناك من خالف في المراد، وإن كان عامة المفسرين يقولون: أنطاكية، لكنه يرِد على هذا ما سيذكره ابن كثير -رحمه الله- من الإشكال، حاصله أن أنطاكية كانت من أول من آمن بالمسيح -عليه الصلاة والسلام-، هذا على القول بأن عيسى -صلى الله عليه وسلم- أَرسل إليهم من الحواريين، أو على القول بأن هؤلاء الرسل كانوا بعد عيسى -صلى الله عليه وسلم- أن الله أرسلهم؛ لأن هناك من يقول بأنه أرسل بعد عيسى -صلى الله عليه وسلم- بعض الرسل، ولا يثبت شيء من ذلك، وكذلك أيضاً الإشكال الذي أورده ابن كثير -رحمه الله- يرجع إلى أن أهل أنطاكية لا يُعرف أنهم عذبوا عذاباً كهذا مستأصلاً، والإشكال الثالث الذي أورده -وكلها إشكالات قوية- أن أهل العلم يقولون: إنه لم يرد عذاب مستأصل بعد نزول التوراة، وإنما يكون ذلك بالقتال بين أهل الإيمان وأهل الكفر، فيعذبون بأيديهم ويحصل لهم من القتل والأسر وما أشبه ذلك، أما العقوبات المستأصلة فكانت قبل نزول التوراة.

وقد استشكل بعض الأئمة كونها أنطاكية بما سنذكره بعد تمام القصة، إن شاء الله تعالى.

وقوله: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا} [يــس: (14)] أي: بادروهما بالتكذيب.

الفاء في قوله –تعالى-: {فَكَذَّبُوهُمَا} تدل على التعقيب المباشر، بمجرد ما أرسلوا إليهم لم يتريثوا ويتلبثوا ويتحققوا ويتحروا، بل بادروا بالتكذيب مباشرة.

وفي قوله: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ} دليل على أن الله هو الذي أرسل، وهذا فيه رد على من قال بأن المسيح -عليه الصلاة والسلام- هو الذي أرسل هؤلاء الرسل، وكانوا من الحواريين، لكن أولائك لا يعجزون عن الجواب، فقالوا: إن إرسال المسيح -عليه الصلاة والسلام- للرسل كان بأمر الله -عز وجل-، فأضاف الله ذلك إلى نفسه بهذا الاعتبار، لكن هذا خلاف الظاهر، فإرسال الرسل حينما يرد بالقرآن إنما ذلك بمعنى أن هؤلاء أرسلهم الله بوحيه إلى من أرسل إليهم.

{فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} أي: قويناهما وشددنا أزرهما برسول ثالث، قال ابن جريج عن وهب بن سليمان عن شعيب الجبائي قال: كان اسم الرسولين الأوليْن شمعون ويوحنا، واسم الثالث بولص، والقرية أنطاكية.

{فَقَالُوا} أي: لأهل تلك القرية: {إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} أي: من ربكم الذي خلقكم، نأمركم بعبادته وحده لا شريك له. قاله أبو العالية.

وزعم قتادة بن دعامة أنهم كانوا رسل المسيح -عليه السلام- إلى أهل أنطاكية، {قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} أي: فكيف أوحي إليكم وأنتم بشر ونحن بشر، فلم لا أوحي إلينا مثلكم؟ ولو كنتم رسلا لكنتم ملائكة. وهذه شبهة كثير من الأمم المكذبة، كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} [التغابن: 6]، فاستعجبوا من ذلك وأنكروه.

{قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} لو كان المسيح -عليه الصلاة والسلام- أرسل من الحواريين ما احتاجوا أن يقولوا: {مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} المسيح سيرسل لهم بشراً من أصحابه، إنما ذلك يقوله الكفار عادة إذا جاءهم من يقول: أرسلني الله إليكم، فيستكثرون ذلك ويستعظمونه ويقولون: {لَوْ شَاء رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً} [فصلت: (14)].

وقوله: {قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [إبراهيم: (10)]، وقوله حكاية عنهم في قوله: {وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ} [المؤمنون: (34)]، {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَرًا رَّسُولاً} [الإسراء: 94]. ولهذا قال هؤلاء: {مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} [يــس: (15-16)] أي: أجابتهم رسلهم الثلاثة قائلين: الله يعلم أنا رسله إليكم، ولو كنا كذَبة عليه لانتقم منا أشد الانتقام، ولكنه سيعزنا وينصرنا عليكم، وستعلمون لمن تكون عاقبة الدار، كقوله تعالى: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [العنكبوت: 52].

{وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ} [يــس: (17)]، يقولون: إنما علينا أن نبلغكم ما أرسلنا به إليكم، فإذا أطعتم كانت لكم السعادة في الدنيا والآخرة، وإن لم تجيبوا فستعلمون غِبّ ذلك، والله أعلم.

لم يذكر الله –تبارك وتعالى– لهم آية خارقة بمعنى المعجزة، وقد مضى الكلام على هذا في قصة هود       -صلى الله عليه وسلم- لما قال له قومه: {مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} [هود: (53)]، وكلام أهل العلم في ما جاء به هود -عليه الصلاة والسلام- وما قاله لقومه: {فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ} [هود: (55)]، وأنه تحداهم، فبعضهم يقول: هذه معجزته، وهذا غير صحيح، وليس من الأمور الخارقة للعادة، هذا قد يقع لغيره، ولكن عدم ذكر تلك المعجزة لا يدل على عدم وجودها، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة))([1]) فآيات الأنبياء وما تقوم به الحجة على الناس لا يلزم منه وقوع خوارق العادات، وسؤالات هرقل التي سألها لأبي سفيان لم يكن فيها شيء واحد عن خوارق الآيات، ومع ذلك عرف أنه نبي وأنه سيملك ما تحت قدميه، إلى غير ذلك من الشواهد الكثيرة التي تدل على أن آيات الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام- منها ما يكون من قبيل الخوارق، ومنها ما لا يكون من قبيل الخوارق للعادات، وصِدقُ النبي يعرف بأشياء منها ما يدعو إليه، ومنها حاله قبل ذلك -قبل البعثة- وأوصافه، ومنها ما يظهر على وجهه من أمارات الصدق والإشراق، وما أشبه ذلك.

{قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} [يــس: (18-19)]. فعند ذلك قال لهم أهل القرية: {إنا تطيرنا بكم} أي: لم نر على وجوهكم خيرا في عيشنا، وقال قتادة: يقولون: إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم، وقال مجاهد: يقولون: لم يدخل مثلكم إلى قرية إلا عذب أهلها.

يعني بمعنى أنهم تشاءموا منهم، كما كان الكفار يقولون لأنبيائهم -عليهم الصلاة والسلام–، فقد قال فرعون لموسى -صلى الله عليه وسلم-: {اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ} [النمل: (47)] فكانوا يتشاءمون، {فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: (131)]، وهذه ليست من قول فرعون، بل قد قالها قوم صالح -عليه الصلاة والسلام-.

قوله: {لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ} [يــس: (18)] قال قتادة: بالحجارة، وقال مجاهد: بالشتم.

قال قتادة: بالحجارة، وقال مجاهد: بالشتم، فالرجم يكون تارة بالحجارة وقد يكون أيضاً بالشتم، والعلماء      -رحمهم الله- يختلفون في تفسير هذه المواضع في كتاب الله -تبارك وتعالى-، أي ما جاء فيه الرجم -ذكر الرجم- إلا في موضع واحد وهي الآية المنسوخة لفظاً وهي قوله: {الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبته نكالاً من الله} فهنا المقصود به الرجم بالحجارة، وما عدا ذلك فإنهم يختلفون فيه، فبعضهم يقول: المقصود الرجم بالحجارة، وبعضهم يقول: المقصود معنى آخر وهو الشتم، كما قال مجاهد، وبعضهم يقول كالفراء: إن عامة المواضع في كتاب الله -عز وجل- التي يذكر فيها الرجم المقصود به القتل، وإن الموضع الذي يُختلف فيه يُرجع فيه إلى الغالب إذا كان محتملاً، ينظر لاستعمال الغالب في كتاب الله -عز وجل- فيفسر به، فعند الفراء أن المقصود بذلك القتل، وهذا العذاب الأليم.

{وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يــس: (18)] أي: عقوبة شديدة.

هو هذا العذب الأليم، لا حاجة إلى تقييده بمعنى كذاك الذي يقول بأنه الشتم، ولا دليل على هذا، لكن العذاب الأليم العذاب المؤلم، يتوعدونهم بالرجم، والعذاب الأليم أعم من الرجم سواء قيل بأن الرجم هو القتل، أو قيل بأنه الرجم بالحجارة، أو قيل بأنه الشتم.

فقالت لهم رسلهم: {طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} أي: مردود عليكم، كقوله تعالى في قوم فرعون: {فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهِ} [الأعراف: 131]، وقال قوم صالح: {اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ} [النمل: 47]. وقال قتادة، ووهب بن منبه: أي أعمالكم معكم، وقال تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78].

{طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} أي: مردود عليكم، يعني كأنه يقول: إن شؤمكم معكم، يعني من قِبل أنفسكم لازم لكم في أعناقكم، والإضافة إلى العنق عادة؛ لأنه جزء لا ينفك إلا بمفارقة الحياة، والشيء يمكن أن يعلق باليد فتنفصل اليد ويبقى الإنسان حياً، لكنه يعلق بالعنق، وتقول: هذه أمانة في عنقك؛ لأن هذا الجزء لا ينفك إلا بمفارقة الحياة، {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا} [الإسراء: (13)]، فالطائر في هذه الآية عمله، لكن هنا قالوا: {طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ}، أي: أن شؤمكم معكم من جهة أنفسكم لازم في أعناقكم، وبعضهم يقول: رزقكم وعملكم معكم، يعني: أن ذلك جميعاً قد كتب عليكم، فواقعٌ بكم ولا محالة، يعني: ما كتب لكم من رزق وعمل وأجل فهو واقع متحقق، يعني: لا علاقة لنا به ولا لمجيئنا فلا تتشاءموا بنا، هذا المعنى، وهذا الذي اختاره كبير المفسرين ابن جرير- رحمه الله - وسبقه إلى ذلك الفراء، واضح الفرق بين المعنيين، الأولون يقولون: شؤمكم معكم لازم لكم بسبب أعمالكم وليس بسببنا، والقول الآخر: أن ذلك من الأرزاق والآجال، وما إلى ذلك كله قد كُتب، فالطائر صار بمعنى ما كتب على الإنسان وقدر من رزق وأجل وعمل.

وقوله: {أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} [يــس: (19)] أي: من أجل أنا ذكّرناكم وأمرناكم بتوحيد الله وإخلاص العبادة له قابلتمونا بهذا الكلام، وتوعدتمونا وتهددتمونا؟ بل أنتم قوم مسرفون، وقال قتادة: أي إن ذكرناكم بالله تطيرتم بنا؟، بل أنتم قوم مسرفون.

بعضهم يقول: من عادتكم الإسراف في المعصية، أنتم مسرفون على أنفسكم في الكفر والمعاصي، مجترئون عليها مستكثرون منها، وبعضهم يُرجع ذلك إلى التطير كقتادة، بل أنتم قوم مسرفون في تطيركم، يعني: متوسعون فيه مكثرون منه، فبادروا الرسل -عليهم الصلاة والسلام- بمثل هذه التهمة، وبعضهم يقول: مسرفون في كفركم، وهذا يرجع إلى ما سبق، وقال بعضهم: بمعاصيكم وذنوبكم، وابن جرير -رحمه الله- يقول: ما بكم التطير بنا، ولكنكم قوم أهل معاصٍ.

فليست المسألة عندكم مسألة تطير ولكنكم قوم مسرفون في كفركم ومعاصيكم، فعبرتم بذلك لدفع دعوة الرسل -عليهم الصلاة والسلام– ومناهضتها، فجئتم بهذه الشبهة أو بهذه الفرية التي افتريتموها علينا، وغاية ما هنالك أنكم تريدون الإقامة على إجرامكم وكفركم ومعاصيكم، يعني: أنهم غير متشائمين حقيقة، ولكن استمرءوا حالاً كانوا عليها من الكفر والمعاصي، وما قصه الله -تبارك وتعالى- عن الرسل مع أقوامهم أنهم تطيروا بهم يدل على أنهم كانوا يتطيرون بالأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، وهذا لا يمنع أن يكون التطير له دوافع، منها أنهم يريدون الإقامة على الضلال والانحراف والكفر، ولكن أيضاً هؤلاء لفساد اعتقادهم يُسرع إليهم التطير، ولهذا فإن التطير هو من أخلاق وأعمال الجاهلية، وهو نقص في توحيد العبد، فحينما يتطيرون فإن هذا هو مظنة ذلك، أعني هؤلاء الكفار هم مظنة التطير، كانوا يتطيرون بالطيور، وبأشياء كثيرة كما هو معروف، فإذا جاءتهم الرسل -عليهم الصلاة والسلام- تطيروا بهم، يقولون: لِمَا يرون ما يكرهون، ولهذا رد الله -عز وجل- عليهم: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا} [النساء: (79)] في مقام التقرير، وفي مقام الرد عليهم {قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: (78)] .

قال سبحانه: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ *وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} [يس: 20 - 25].

قال ابن إسحاق -فيما بلغه عن ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه-: إن أهل القرية هموا بقتل رسلهم، فجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى، أي: لينصرهم من قومه، قالوا: وهو حبيب، وكان يعمل الجرير -وهو الحبال- وكان رجلا سقيما قد أسرع فيه الجذام، وكان كثير الصدقة، يتصدق بنصف كسبه، مستقيم النظرة.

وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس –أيضا- قال: اسم صاحب يس حبيب النجار، فقتله قومه.

{قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ}: يحض قومه على اتباع الرسل الذين أتوهم، {اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا} أي: على إبلاغ الرسالة، {وَهُمْ مُهْتَدُونَ} فيما يدعونكم إليه من عبادة الله وحده لا شريك له.

هذا كله من الإسرائيليات ليس ذلك بمحل اتفاق أنه حبيب النجار، بعضهم يذكر غير هذا، وكونه يصنع الحبال ويصنع شيئاً آخر هذا ما تلقي عن بني إسرائيل، وهذه صفات الرسل -عليهم الصلاة والسلام- فلا يقال: إن هؤلاء ممن أرسلهم المسيح -صلى الله عليه وسلم.

وفُهم أنهم قتلوه من قوله -سبحانه–: {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} [يس: 26، 27]، مع أن الآية لم تصرح بهذا، وقد يقول قائل: إنه قيل له ادخل الجنة بعدما مات، وإن صح حديث عروة وابن مسعود فيكون دليلاً على أنهم قتلوه.

{وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} أي: وما يمنعني من إخلاص العبادة للذي خلقني وحده لا شريك له، {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: يوم المعاد، فيجازيكم على أعمالكم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

{أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع، {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} أي: هذه الآلهة التي تعبدونها من دونه لا يملكون من الأمر شيئا، فإن الله لو أرادني بسوء، {فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} [يونس: (107)]، وهذه الأصنام لا تملك دفع ذلك ولا منعه، ولا ينقذونني مما أنا فيه، {إني إذا لفي ضلال مبين} أي: إن اتخذتها آلهة من دون الله.

وقوله: {إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ}: قال ابن إسحاق -فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب-: يقول لقومه: {إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ} الذي كفرتم به، {فَاسْمَعُونِ} أي: فاسمعوا قولي.

ويحتمل أن يكون خطابه للرسل بقوله: {إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ} أي: الذي أرسلكم، {فَاسْمَعُونِ} أي: فاشهدوا لي بذلك عنده، وقد حكاه ابن جرير فقال: وقال آخرون: بل خاطب بذلك الرسل، وقال لهم: اسمعوا قولي، لتشهدوا لي بما أقول لكم عند ربي، إني قد آمنت بربكم واتبعتكم.

وهذا القول الذي حكاه هؤلاء أظهر في المعنى، والله أعلم.

قال ابن إسحاق - فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب-: فلما قال ذلك وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه، ولم يكن له أحد يمنع عنه.

وقال قتادة: جعلوا يرجمونه بالحجارة، وهو يقول: "اللهم اهد قومي، فإنهم لا يعلمون". فلم يزالوا به حتى أقعصوه وهو يقول كذلك، فقتلوه، -رحمه الله.

أقعصوه يعني قتلوه قتلاً مجهزاً في مكانه، أقعصوه قتلوه في مكانه قتلاً مجهزاً، القتل المجهز يقال له: إقعاص.

{قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ * وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} [يس: 26، 29].

قال محمد بن إسحاق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود: إنهم وطِئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره، وقال الله له: {ادْخُلِ الْجَنَّةَ}، فدخلها فهو يرزق منها، قد أذهب الله عنه سقم الدنيا وحزنها ونصبها.

وقال مجاهد: قيل لحبيب النجار: ادخل الجنة، وذلك أنه قُتل فوجبت له، فلما رأى الثواب {قال يا ليت قومي يعلمون}.

قال قتادة: لا تلقى المؤمن إلا ناصحا، لا تلقاه غاشا؛ لمّا عاين ما عاين من كرامة الله {قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} تمنى على الله أن يعلم قومه ما عاين من كرامة الله له، وما هَجَمَ عليه.

وقال ابن عباس: نصح قومه في حياته بقوله: {يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ}، وبعد مماته في قوله: {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} رواه ابن أبي حاتم.

وقال سفيان الثوري عن عاصم الأحول عن أبي مجلز: {بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} بإيماني بربي وتصديقي المرسلين.

ومقصوده أنهم لو اطلعوا على ما حصل لي من هذا الثواب والجزاء والنعيم المقيم لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل، فرحمه الله ورضي عنه، فلقد كان حريصا على هداية قومه.

قال ابن أبي حاتم عن عبد الملك -يعني ابن عمير- قال: قال عروة بن مسعود الثقفي للنبي -صلى الله عليه وسلم-: ابعثني إلى قومي أدعُهم إلى الإسلام، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إني أخاف أن يقتلوك". فقال: لو وجدوني نائما ما أيقظوني، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "انطلق". فانطلق فمر على اللات والعزى، فقال: لأصبحنك غدا بما يسوءك، فغضبت ثقيف، فقال: يا معشر ثقيف، إن اللات لا لات، وإن العزى لا عزى، أسلموا تسلموا، يا معشر الأحلاف، إن العزى لا عزى، وإن اللات لا لات، أسلموا تسلموا، قال ذلك ثلاث مرات، فرماه رجل فأصاب أكحله فقتله، فبلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "هذا مثله كمثل صاحب يس، {قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ}.

ما ذكره عاصم الأحول قال: بإيماني بربي وتصديقي المرسلين، ومقصوده أنهم لو اطلعوا على ما حصل لي من هذا الثواب والجزاء والنعيم المقيم لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل، وهذا الذي قاله ابن جرير أيضاً في معنى الآية، وحديث عروة بن مسعود من قبيل المرسل لكن قد يكون له طريق آخر فيراجع، وإن صح فيدل على أنه قُتل مع أن ظاهر الآية أنهم قتلوه.

وقوله: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِّنَ السَّمَاء وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ} [يــس: (28)]، يخبر تعالى أنه انتقم من قومه بعد قتلهم إياه، غضبا منه تعالى عليهم؛ لأنهم كذبوا رسله، وقتلوا وليه، ويذكر تعالى: أنه ما أَنزل عليهم، وما احتاج في إهلاكه إياهم إلى إنزال جند من الملائكة عليهم، بل الأمر كان أيسر من ذلك، قاله ابن مسعود فيما رواه ابن إسحاق عن بعض أصحابه عنه أنه قال في قوله: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِّنَ السَّمَاء وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ} أي: ما كاثرناهم بالجموع الأمر كان أيسر علينا من ذلك، {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} [يــس: (29)]، قال: فأهلك الله ذلك الملك، وأهلك أهل أنطاكية، فبادوا عن وجه الأرض، فلم يبق منهم باقية.

هذا هو القول المشهور الذي عليه عامة المفسرين، أعني أن قوله: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِّنَ السَّمَاء} المقصود بذلك أن إهلاكهم ما احتاج إلى جند من الملائكة من أجل هذا الإهلاك، وإنما الأمر كان أيسر من ذلك، خلافاً لقول من قال: إن المعنى في قوله: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِّنَ السَّمَاء} يعني: رسالة أرسلناها إليهم بعد ذلك، وحاول بعضهم أن يتأول على قول من قال: أي برسالة من السماء، فالرسالة لا يقال عنها: إنها جند، فبعضهم قال: أي: بإرسال رسل وأن المقصود بالرسالة ما يلزم منها من إرسال الرسل؛ لأن قول من قال: برسالة اعترض عليه؛ لأن الرسالة لا يقال لها جند، وهذا ضعيف، وإنما المقصود أن الله استأصلهم وعذبهم وأهلكهم جميعاً.

وقيل: {وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ} أي: وما كنا ننزل الملائكة على الأمم إذا أهلكناهم، بل نبعث عليهم عذابا يدمرهم.

وقيل: المعنى في قوله: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِّنَ السَّمَاء} أي: من رسالة أخرى إليهم. قاله مجاهد وقتادة.

قال قتادة: فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله، {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ}.

قال ابن جرير: والأول أصح؛ لأن الرسالة لا تسمى جندا.

قال المفسرون: بعث الله إليهم جبريل -عليه السلام-، فأخذ بعضادتيْ باب بلدهم، ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون عن آخرهم، لم يبق فيهم روح تتردد في جسد.

وقد تقدم عن كثير من السلف أن هذه القرية هي أنطاكية، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلا من عند المسيح، -عليه السلام-، كما نص عليه قتادة وغيره، وهو الذي لم يُذكر عن واحد من متأخري المفسرين غيره، وفي ذلك نظر من وجوه:

أحدها: أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله -عز وجل-، لا من جهة المسيح، كما قال تعالى: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ} [يــس: (14)] إلى أن قالوا: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ} [يــس: (16-17)]. ولو كان هؤلاء من الحواريين لقالوا عبارة تناسب أنهم من عند المسيح، -عليه السلام-، والله أعلم.

ثم لو كانوا رسل المسيح لما قالوا لهم: {مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} [يس:15].

الثاني: أن أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم، وكانوا أول مدينة آمنت بالمسيح؛ ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربعة اللاتي فيهن بتاركة، وهن القدس لأنها بلد المسيح، وأنطاكية لأنها أول بلدة آمنت بالمسيح عن آخر أهلها، والإسكندرية لأن فيها اصطلحوا على اتخاذ البتاركة والمطارنة والأساقفة والقساوسة والشمامسة والرَّهابين، ثم رومية لأنها مدينة الملك قسطنطين الذي نصر دينهم وأطّده، ولما ابتنى القسطنطينية نقلوا البترك من رومية إليها.

قد مضى الكلام على شيء من هذا، وما فعله ملك الروم، وما إلى ذلك في بلاد الشام ومصر، وأُنفقت الخزائن للملوك بهذا السبيل، لما انتقل إلى القسطنطينية أيضاً، فالبطريك والبترك أصلها كلمة يونانية تعني: الأب الرئيس، وهؤلاء أربعة يعني بمنزلة البابا، البابا الذي في مصر هذا بهذه المنزلة، الأب الرئيس، فهذا من كبار أهل ملتهم، وهذه الوظائف في ديانة النصارى ليست محل اتفاق عند النصارى، وكلها حادثة بعد المسيح -عليه الصلاة والسلام-، وهذه الرتب: القساوسة أوالبتاركة والمطارنة والأساقفة والشمامسة والرَّهابين إلى آخره، هذه كلها مسميات لمراتب دينية وظيفية عندهم في الكنيسة، اللهم إلا الرهبان وليست محل اتفاق عند النصارى لاختلاف مذاهبهم الأرثوذكس مثلاً والبروتستانت، وهؤلاء يختلفون في مثل هذه الأشياء فيعتبرون بعضاً دون بعض، ومن أراد فليقرأ في تاريخ النصارى سيجد هذه المسميات مُقرَّة جميعاً عند بعض مذاهبهم، وتجد بعضها دون بعض في مذاهب أخرى، فهذا البطريك هو الأعلى مثل البابا يقال له ذلك، المرتبة التي بعدها تأتي هي المطران، هو دون البابا أو دون البطريك، فالبابا مثلاً في مصر تحته أربعة من هؤلاء الذين يقال لهم مطارنة، فهي مرتبة بعد البابا، ثم يأتي بعد ذلك عندهم الأساقفة، أسقف هي أيضاً كلمة يونانية، والبطريك أيضاً كلمة يونانية في أصلها، الأسقف بمنزلة المشرف عندهم دون المطران، ولكنه فوق القسيس، ثم بعد ذلك يأتي القسيس وهي كلمة أيضاً يونانية بمنزلة الشيخ، القسيس هو الذي يفتيهم، ويجيب على أسئلتهم، يعني: شخصية علمية عند النصارى يسألونه ويستفتونه، من رؤسائهم في العلم، الذي يقيم لهم الصلوات، هذا القسيس، ثم يأتي بعد ذلك الشماس وأيضاً كلمة يونانية الشماس دون القسيس يعني بمنزلة الخادم، خادم في الكنيسة مثلاً فهو يقرأ الكتاب المقدس، ويقوم بخدمة المذبح، يعني: يقوم بأعمال مساندة، لكن ليست شخصية علمية، ولذلك تجد مثل هؤلاء الشمامسة لا يطلب من الواحد منهم ما يطلب من غيره ممن هم فوقه ألا يتزوج مثلاً ويكون له أولاد إلى آخره، لا، الشمامسة يتزوجون ويكون لهم أولاد بل بعضهم يشترط هذا؛ لأنه يقوم على ممارسة هذه المهنة بين الرجال وكذلك بين النساء، وكذلك اشتراطات سن معين عندهم في هذه الوظائف، كل وظيفة وكل مرتبة لها شروط من السن، فبعض ذلك لا يشترط فيه السن، وبعضه يشترط فيه السن، أما الراهب فهو بمنزلة العابد لكن في الدير، فهذه كلمة تعني عندهم التبتل والفقر والزهد والعبادة وما أشبه ذلك من الطاعة، يعني: هو رجل عابد منقطع، هذا هو الراهب، وإن كانت هذه الكلمة تستعمل عند غيرهم كالبوذيين، ونحو هذا اليهود.

كما ذكره غير واحد ممن ذكر تواريخهم كسعيد بن بطريق وغيره من أهل الكتاب والمسلمين، فإذا تقرر أن أنطاكية أول مدينة آمنت فأهل هذه القرية قد ذكر الله تعالى أنهم كذبوا رسله، وأنه أهلكهم بصيحة واحدة أخمدتهم، فالله أعلم.

الثالث: أن قصة أنطاكية مع الحواريين أصحاب المسيح بعد نزول التوراة، وقد ذكر أبو سعيد الخدري وغير واحد من السلف: أن الله تعالى بعد إنزاله التوراة لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم، بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين، ذكروه عند قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِمَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى} [القصص: (43)].

فعلى هذا يتعين أن هذه القرية المذكورة في القرآن العظيم قرية أخرى غير أنطاكية، كما أطلق ذلك غير واحد من السلف أيضا، أو تكون أنطاكية إن كان لفظها محفوظا في هذه القصة مدينةً أخرى غير هذه المشهورة المعروفة، فإن هذه لم يعرف أنها أُهلكت لا في الملة النصرانية ولا قبل ذلك، والله -سبحانه وتعالى- أعلم.

على كل حال مثل هذا لا أثر له، وقد سبق الكلام في عدد من المناسبات عن المبهمات في القرآن، وأن معرفة ذلك لا فائدة تحته، لا طائل تحته، اللهم إلا في مواضع بسيطة كدفع تهمة ونحو ذلك.

{يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ * وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} [يس: 30 - 32].

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} أي: يا ويل العباد.

وقال قتادة: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ}: أي يا حسرة العباد على أنفسها، على ما ضيعت من أمر الله، فرطت في جنب الله، قال: وفي بعض القراءة: "يا حسرة العباد على أنفسها".

ومعنى هذا: يا حسرتهم وندامتهم يوم القيامة إذا عاينوا العذاب، كيف كذبوا رسل الله، وخالفوا أمر الله، فإنهم كانوا في الدار الدنيا المكذِّبون منهم.

{مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي: يكذبونه ويستهزئون به، ويجحدون ما أرسل به من الحق.

لاحظوا عبارات المفسرين هنا في تفسير قوله -تبارك وتعالى-: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ}، قراءة الجماهير وهي القراءة المشهورة بالنصب على أنه منادى نكرة منصوب، يا حسرةً احضري، هذا أوانك فاحضري على العباد، وبهذا عبر جماعة من أهل العلم منهم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله.

فإن الاستهزاء بالرسل -عليهم الصلاة والسلام- هو أوان ظهور الحسرة على هؤلاء المستهزئين، وبعضهم يقول: إن ذلك بالنصب على المصدرية وإن المنادى محذوف {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} يعني: يا هؤلاء تحسروا، حسرة منصوب على المصدرية، يعني: فيه تقدير محذوف، والأصل عدم التقدير، لكن كل هذه العبارات من أجل أن ذلك جاء من قول الله -تبارك وتعالى- {يَا حَسْرَةً} فهل التحسر يضاف إلى الله -عز وجل- من جهة المعنى؟، فتجد المفسرين يحاولون تفسير ذلك بمعنى يرجع إليهم، يرجع إلى المكذبين؛ لأن أصل الحسرة هي الندامة البالغة، تحسر على الشيء يعني: ما يلحقه بسبب الندم الكبير الذي يحصل له فيتحسر كأنه ينقطع لشدة ندمه فيكون حسيراً، وابن جرير كما ذكر الحافظ ابن كثير هنا قال: المعنى يا حسرةً من العباد على أنفسهم، مع أن الله قال: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} لكن على هذا يكون باعتبار أن حروف الجر تتناوب، يُضمَّن بعضُها بعضاً فتكون على بمعنى من، ويكون المعنى يا حسرة من العباد، وهذا قد يكون فيه إشكال أي أن على بمعنى من، كما يقول ابن القيم في غير هذا الموضع: إن حروف الجر إذا قيل بتناوبها أو بتضمين بعضها بعضاً فإن ذلك يبقى معه رائحة على الأقل من أصل المعنى الذي يتبادر من الحرف، مثلاً على تدل على الاستعلاء، وفي تدل على الظرفية، وما أشبه ذلك، فيبقى فيها من هذا المعنى.

على كل حال القراءة غير المتواترة المروية عن ابن عباس وعلي بن الحسين زين العابدين -رضي الله عنهم-: يا حسرة العباد.

والقراءة الأحادية تفسر القراءة المتواترة، أن الحسرة صادرة من العباد، وهذه القراءة مروية عن أبيّ بن كعب -رضي الله تعالى عنه-، وبعضهم كالضحاك يقول: إن هذا صادر من الملائكة، هم الذين يقولون هذا يا حسرةً على هؤلاء الكفار الذين كذبوا، وهذا فيه بعد؛ لأن ظاهر السياق ليس فيه ما يدل على هذا، وبعضهم يقول: إن هذا صادر من الكفار أنهم لما هلكوا وعاينوا العذاب تحسروا على تلك الأرواح الطيبة التي كذبوها أعني الرسل -عليهم الصلاة والسلام-، وما لقيه الرسل -عليهم الصلاة والسلام- منهم، تحسروا على قتلهم وتمنوا الإيمان بهم، وهذا أبعد من الذي قبله.

وبعضهم يقول هذا على ظاهره أن التحسر من الله على هؤلاء الكفار، لكن هذا التحسر بمعنى الندم البالغ الذي يحصل معه الانقطاع، ويقولون: هذا على سبيل الاستعارة لتعظيم ما جناه هؤلاء الكفار، وبعضهم يقول: هي نوع قائم برأسه ليس من المجاز، وعامة أهل العلم يضيفون ذلك إلى هؤلاء الكفار، يعني: يا حسرة العباد على أنفسهم.

ويقول السعدي -رحمه الله-: قال الله متوجعا للعباد: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي: ما أعظم شقاءهم، وأطول عناءهم، وأشد جهلهم، حيث كانوا بهذه الصفة القبيحة، التي هي سبب لكل شقاء وعذاب ونكال"([2]).

فقوله: متوجعا على العباد، هذا لا يضاف إلى الله -عز وجل- لا يقال في حق الله مثل هذا، فالله لا يتوجع   -تبارك وتعالى- ولا ينسب إليه مثل ذلك، مثل هذه العبارة كان ينبغي أن يعلق عليها وأن يعبر بغير هذا، كما يعبر المفسرون، ترون عبارات المفسرين كيف تنوعت وهي تدور حول معنى أن ذلك يضاف إلى العباد، أو أنه صدر من الملائكة، أو أن ذلك صدر من الكفار، لكن الله -تبارك وتعالى- لا يقال: إنه يتوجع، جل جلاله وتقدست أسماؤه.

 وأنا لا أستبعد أنها حرفت، والنسخة التي حققها الشيخ محب الدين الخطيب وهي الطبعة السلفية، أو الطبعة الأخرى التي أخرجها النجار كلها وقع فيها التغيير من عند أنفسهم، فإذا رأوا عبارة رأوا أن فيها ضعف التركيب شطبوها، وقد رأيت هذا في نسخة محب الدين الخطيب -رحمه الله- بنفسي يضرب بالقلم بالسطر ويكتب من عنده سطراً آخر، أما النجار فيأتي بالصفحة والصفحتين من عند نفسه، وكثير من الناس كانوا يظنون حتى الذين حققوا الكتاب في البداية كانوا يظنون أن تعليقات النجار هي المشكلة، حتى بعض كبار طلاب الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، ولذلك طبع الكتاب طبعة بعد ذلك من غير تعليقات النجار، وظنوا أنهم قد خلصوه من هذا التحريف، التعليقات كانت أيضاً فيها إشكالات، فحذفت في بعض الطبعات، وما علموا أن المشكلة موجودة في النص، أنه يكتب من عنده بالصفحة والصفحتين يضيفها -ولا يشير- على أن ذلك من كلام الشيخ -رحمه الله-، وأكثر الطبعات المصورة والمتداولة كانت طبعة النجار، وإن لم يكتب عليها ذلك.

ثم قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [يــس: (31)] أي: ألم يتعظوا بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل، كيف لم تكن لهم إلى هذه الدنيا كرة ولا رجعة، ولم يكن الأمر كما زعم كثير من جهلتهم وفجرتهم من قولهم: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} [المؤمنون: (37)]، وهم القائلون بالدور من الدهرية، وهم الذين يعتقدون جهلا منهم أنهم يعودون إلى الدنيا كما كانوا فيها، فرد الله تعالى عليهم باطلهم، فقال: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [يــس:(31)].

وقوله: {وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} [يــس: (32)] أي: وإن جميع الأمم الماضية والآتية ستحضر للحساب يوم القيام بين يدي الله -عز وجل- فيجازيهم بأعمالهم كلها خيرها وشرها، ومعنى هذه كقوله تعالى: {وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} [هود: 111].

وجه الرد على أهل التناسخ {أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ}، وكذلك في قوله: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: (95)] لا ترجع الأرواح ثانية كما يزعم هؤلاء، يعني إلى أجساد أخرى فتنعم أو تعذب.

{وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ *سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ} [يس: 33 - 36].

يقول تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ} أي: دلالة لهم على وجود الصانع وقدرته التامة وإحيائه الموتى {الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ} أي: إذا كانت ميتة هامدة لا شيء فيها من النبات، فإذا أنزل الله عليها الماء اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج؛ ولهذا قال: {أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} أي: جعلناه رزقا لهم ولأنعامهم، {وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ} أي: جعلنا فيها أنهارا سارحة في أمكنة يحتاجون إليها، {لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ} لمّا امتن على خلقه بإيجاد الزروع لهم عطف بذكر الثمار وتنوعها وأصنافها.

وقوله: {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} أي: وما ذاك كله إلا من رحمة الله بهم، لا بسعيهم ولا كدهم، ولا بحولهم وقوتهم، قاله ابن عباس وقتادة؛ ولهذا قال: {أَفَلَا يَشْكُرُونَ} أي: فهلا يشكرونه على ما أنعم به عليهم من هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى؟ واختار ابن جرير -بل جزم به ولم يحك غيره إلا احتمالا- أن "ما" في قوله: {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} بمعنى: "الذي"، تقديره: ليأكلوا من ثمره ومما عملته أيديهم، أي: غرسوه ونصبوه، قال: وهي كذلك في قراءة ابن مسعود {لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمِمّا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ}.

{وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} ذكر القولين في هذه الآية، أنا أذكر المعنيين لا على ترتيب ابن كثير الأول: أنها موصولة، يعني: ما أخرجه الله -عز وجل- لهم من غير كدهم ولا كسبهم بإنزال المطر بتقدير الله -جل جلاله- أي ويأكلوا من الذي عملته أيديهم، سواء كان ذلك من العصير الذي يعصرون من هذه الثمار وما أشبه ذلك مما يستخرجونه منها فيعملونه ويطحنونه، أو ما أشبه هذا، أو كان ذلك بزرع يزرعونه وغرس يغرسونه، ليأكلوا من ثمره الذي أخرجه الله -عز وجل- بالمطر ولم يكن لهم فيه كد، الذي يزرعونه ويعملونه ما عملته أيديهم مما يغرسون ويزرعون، واضح؟، هذا على القول بأنها موصولة، وهو مروي عن الضحاك واختاره ابن جرير وجزم به، أنها موصولة، والقول الآخر: أن ما نافية، وهذا الذي قاله مقاتل والضحاك {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} لم تعمله أيديهم، وإنما الله - تبارك وتعالى- هو الذي شق الأرض عن مسمار النبات، وهو الذي أحيا هذه الأرض بألوان الزروع ذات الثمار وما كان ذلك من عملهم ولا كسبهم.

يقول: قال: بمعنى الذي تقديره ليأكلوا من ثمره ومما عملته أيديهم، أي: غرسوه ونصبوه، قال: وهي كذلك في قراءة ابن مسعود -رضي الله عنه- "ليأكلوا من ثمره ومما عملته أيديهم"، وهذه واضحة صريحة تشهد لقول من قال بأن ما موصولة، يعني: ومن الذي عملته أيديهم، ولهذا ابن جرير قال بهذا القول، مع أن ظاهر الآية والأدل على القدرة والامتنان أن تكون نافية، ولهذا ذكر الشكر بعده؛ لأن الله هو الذي امتن بهذا، ولم يكن لهم فيه قدرة ولا كسب، فقد ينزل المطر وقد يحصل السقي للأرض والبذور ولا يخرج النبات، وقد يخرج النبات ولا يثمر، وقد يثمر ثم تأتي الآفة فتهلكه.

والقول بأنها نافية أقرب إلى السياق وأدل في القدرة وأثبت في الامتنان، والله تعالى أعلم.

وابن كثير يرى أنها نافية، وابن جرير يرى أنها موصولة، وهذا له ما يؤيده، وهذا له ما يؤيده، فإن صحت هذه القراءة عن ابن مسعود من جهة الإسناد فإن القراءة الأحادية تفسر المتواترة، وإن لم تصح فإن ظاهر السياق على أنها نافية، والله تعالى أعلم، يعني الأقرب إلى ظاهر السياق، والله أعلم.

ثم قال: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ} [يــس: (36)]، أي: من زروع وثمار ونبات. {وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ} فجعلهم ذكرا وأنثى، {وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ} أي: من مخلوقات شتى لا يعرفونها، كما قال تعالى: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات: 49].

{الْأَزْوَاجَ} يعني: الأصناف والأنواع هذا هو المقصود، {وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ} أيضا جعله على نوعين أو على صنفين الذكر والأنثى، {وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ} يعني: من المخلوقات التي لم يقفوا عليها ولا يعرفوها، جعل منها أصنافاً وأنواعاً، وليس بالضرورة هنا أن الأزواج بمعنى الذكر والأنثى، إذا نظرت إلى النخيل مثلاً تجد أنها ذات ألوان وأصناف منها ما هو باللون الأحمر ومنها ما هو باللون الأصفر، فهذه أزواج، ومعنى الأزواج في قوله سبحانه: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ}  [طـه: (131)] أي: الأصناف، وليس المقصود الزوجات، أو الأزواج الذكور، أو هذا وهذا، الرجل والمرأة.

 


 

[1] - أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي، وأول ما نزل (6/182)، رقم: (4981)، وأخرجه مسلم،  كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته (1/134) رقم: (152).

[2]-  تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 695).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about