استعرض النسخة الجديدة من الموقع
‏(2) من قوله تعالى " وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ ..." آية 10‏
عدد الزوار : 9016
تاريخ الإضافة : 5 صفر 1433
MP3 : 32568 kb
PDF : 130 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة فاطر من الآية (12) إلى الآية (18)

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

يقول المؤلف -رحمه الله-: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ} [فاطر: 10]: قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وشهر بن حوشب: هم المراءون بأعمالهم، يعني: يمكرون بالناس، يوهمون أنهم في طاعة الله، وهم بغضاء إلى -عز وجل-، يراءون بأعمالهم، {وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 142].

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المشركون. والصحيح أنها عامة، والمشركون داخلون بطريق الأولى، ولهذا قال: {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر: 10] أي: يفسد ويبطل ويظهر زيفهم عن قريب لأولي البصائر والنُّهى، فإنه ما أسر عبد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه، وما أسر أحد سريرة إلا كساه الله رداءها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

فالمرائي لا يروج أمره ويستمر إلا على غبيٍّ، أما المؤمنون المتفرسون فلا يروج ذلك عليهم، بل ينكشف لهم عن قريب، وعالم الغيب لا تخفى عليه خافية.

قوله - تبارك وتعالى-: {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ} المكر بمعنى الخديعة والاحتيال، ويحتمل أن يكون نصْبُ السيئات على أنه صفة مصدر محذوف، أي: يمكرون المكرات السيئات، ويمكرون مكرا سيئا، يعني: يكون مكرهم السيئات، وعلى كل حال هذا فيه إشكال -أعني الأخير أي يمكر السيئة- لأن كلمة مَكَرَ هذا الفعل لازم غير متعدٍّ فلا يكون ما بعده مفعولا له، إلا إذا قيل: إن يمكرون مضمن فعلا آخر متعديا، مثل يكسبون السيئات، وإلا فيكون فيه تقدير: يمكرون المكرات السيئات.

وقد نقل عن بعض السلف أنهم المراءون بأعمالهم، يعني: وجه المكر هنا أنهم يُظهرون شيئا غير ما يبطنون، وقال عبد الرحمن بن زيد: هم المشركون.

وقوله: {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر: 10] هل مثل هذا السياق يمكن أن يكون لمن وقع في شيء من الرياء؟ وهل هؤلاء الذين وقعوا في شيء من الرياء لغلبة النفس من غير ترصد وقصد وإنما غلبته نفسه لما في النفس من الميل والتزين بالعمل عند الآخرين هل يكون هذا موصوفاً بأنه ممن يمكرون السيئات ثم يقال في حكمه {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ}؟

الذي يظهر -والله أعلم- حينما يقال: أهل الرياء أن ذلك أعلق بأهل النفاق هم الذين يمكرون السيئات ومع سبق الإصرار والترصد كما يقال، يظهرون مالا يبطنون وهم يكيدون للإسلام وأهله، فهؤلاء أحرى وأليق بهذه الأوصاف، من كانت أعماله رياء لا من وقع في شيء من الرياء -والله تعالى أعلم-، ولهذا في قوله    -تبارك وتعالى-: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [هود: (15-16)] قال بعض السلف كمعاوية -رضي الله عنه-: إنهم أهل الرياء، وقد مضى الكلام على هذا، وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- الطويل لما بكى ونشج وذكر حديث أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، فمثل هذا في آية هود هذه يحمل على أن من كانت كل أعماله رياء، وأن الرياء قد دخل في أصل الإيمان، وإلا فإن آية هود تصدق على الكفار أو من كان يريد الحياة الدنيا بكل أعماله، وهذا لا يتصور من مؤمن، يعني: جميع أعماله الصالحة يريد بها عرضاً من الدنيا، فالدنيا هي غايته، وأما من وجد في قلبه شيء من طلب الدنيا ومحبتها والميل إليها وما إلى ذلك مثل هذا لا تنطبق عليه آية هود، والله تعالى أعلم، وهنا ذكر مكره ووعيداً على هذا المكر وعاقبة لهذا المكر فلا يحمل هذا على مجرد يسير الرياء، ونحو ذلك، إنما من كانت أعماله كلها رياء فمثل هذا هو المنافق، كما قال الله -عز وجل- {يُرَآءُُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 142] فالرياء المذكور هنا وفي آية هود يحمل على هذا المعنى، والله تعالى أعلم.

وكذلك أهل الإشراك فظاهر الآية -والله تعالى أعلم– "والذين يمكرون السيئات" أنها تصدق على الكفار على المحاربين للإسلام وأهله، على من يكيدون له، فهؤلاء هم الذين يكيدون السيئات، أما من واقع شيئاً يسيراً أو نحو ذلك فإنه لا يكون بهذه المثابة -والله تعالى أعلم-، ويدخل فيها أهل الرياء بالاعتبار الذي ذكرت فتكون عامة كما قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر: (10)] كما قال الله -عز وجل-: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30]، {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} [النمل: 50-51] فهذه في الكفار.

والمرائي لا يروج أمره ويستمر إلا على غبي أما المؤمنون المتفرسون فلا يروج ذلك عليهم، وينكشف عما قريب، هذا المرائي الذي ينكشف أمره هو من كان ذلك وصفاً لازماً له، يعني: هو الغالب عليه فيعرفه الناس بهذا، أن الإنسان مراءٍ بنفقته وعمله في عباداته، لكن التخلص من الرياء جملة وتفصيلاً أمر في غاية الصعوبة يحتاج إلى مجاهدة وملاحظة ومراقبة للخواطر؛ لأن ذلك يطرأ على النفس من غير إرادة ولا تطلب، فلا يكون الذي بهذا الوصف ممن قال الله -تبارك وتعالى- فيهم: {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ}، فيحتاج العبد إلى مدافعة الخواطر، ولهذا فإن مثل هذا الرياء إذا وقع في النفس أثناء العمل فدفعه المكلف فإن عبادته صحيحة ولا يضره ذلك؛ لأن الخواطر التي تقع من غير طلب ولا إرادة لا يكلف الإنسان من جهتها بأن لا ترِد أصلاً على قلبه، وإنما هو مطالب بمدافعتها، أما ورودها فإن هذا أمر إذا قيل: لا يرِد أصلاً وإن هذا هو الواجب فهذا من قبيل تكليف مالا يطاق؛ لأن الخواطر تقع في القلب من غير إرادة، واضح الفرق؟، الخاطر يقع في القلب يلقيه الشيطان من غير إرادة العبد لكن هو بحاجة إلى دفعه، ولهذا تكلموا في العبادة إذا دخلها الرياء من أولها فإنها تبطل، وإذا طرأ عليها في أثنائها فإنْ دفعَه صحت، فإن استرسل معه بطلت.

على كل حال ما ذكره ابن كثير هو الأقرب، والله أعلم .

مع أنه يوجد من قال بأن ذلك مخصوص لفئة معينة، كقول من قال: إن ذلك في المشركين حيث مكروا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في دار الندوة، لكن لا حاجة إلي التخصيص بهذا، هم من جملة الذين يمكرون السيئات، والله تعالى أعلم.

بل إن بعضهم يقول: إن ذلك في أصحاب الذنوب والمعاصي والسيئات، يعني: يتشاغلون بها ويعملونها ويكتسبونها، فذَكرَ أهل العمل الصالح والكلم الطيب، ثم ذكر حال أهل السيئة، فلا يكون ذلك مختصا بالكفار والمنافقين وإن كانوا أولى من يدخل بهذا.

وقوله: {وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} [فاطر: 11] أي: ابتدأ خلق أبيكم آدم من تراب، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا} [فاطر: 11]  أي: ذكرا وأنثى، لطفا منه ورحمة أن جعل لكم أزواجا من جنسكم، لتسكنوا إليها.

وقوله: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ} [فاطر: 11] أي: هو عالم بذلك، لا يخفى عليه من ذلك شيء، بل {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: 59]. وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: {اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد: 8-9].

وقوله: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} [فاطر: 11] أي: ما يُعطَى بعض النُّطَف من العمر الطويل يعلمه وهو عنده في الكتاب الأول، {وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} الضمير عائد على الجنس، لا على العين؛ لأن الطويل العمر في الكتاب وفي علم الله لا ينقص من عمره، وإنما عاد الضمير على الجنس...

وروي من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [فاطر: 11]، يقول: ليس أحد قضيت له طول عمر وحياة إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر، وقد قضيت ذلك له، فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت لا يزاد عليه، وليس أحد قضيت له أنه قصير العمر والحياة ببالغ للعمر، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتبت له، فذلك قوله: {وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}، يقول: كل ذلك في كتاب عنده، وهكذا قال الضحاك بن مزاحم.

حاصل هذا القول هو أن قوله -تبارك وتعالى-: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} وما يعمر من معمر، قضى الله أن يعمر ولا ينقص من عمر معمر آخر إلا في كتاب، يعني: في اللوح المحفوظ، وأن التعمير أو القصر -قصر العمر- أن ذلك ليس بنقص ولا زيادة عما في اللوح المحفوظ، وإنما النقص والزيادة بالنظر إلى الطرف الآخر، يعني: هذا لما طال عمره، والآخر مات في أول شبابه مثلاً، هذا مات وهو ابن عشرين سنة، وهذا مات وهو ابن مائة، هذا عمر وهذا بالنظر إليه، ولا ينقص من عمره إلا في كتاب، ولا ينقص من عمر آخر، وهذا هو المشهور الذي عليه عامة أهل العلم وهو الذي ذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- ابتداءً أول ما ذكر هذا القول، هذا معنى كلام ابن كثير، ولا ينقص من عمره، والضمير عائد على الجنس لا على العين، ومعنى على الجنس لا على العين أنه لا يعود على هذا المعمر أنه ينقص من عمره وإنما آخر {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} يعود على الجنس لا على الشخص المعين الذي عمر، من الناس من يطول عمره، ومن الناس من يقصر عمره، يكون عمره قصيراً، وهذا هو المقصود -والله تعالى أعلم- هذا هو المشهور، وفي الآية أقوال كثيرة وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله.

وقال بعضهم: بل معناه: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ} أي: ما يكتب من الأجل {وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ}، وهو ذهابه قليلا قليلا الجميع معلوم عند الله سنة بعد سنة، وشهرا بعد شهر، وجمعة بعد جمعة، ويوما بعد يوم، وساعة بعد ساعة، الجميع مكتوب عند الله في كتاب. نقله ابن جرير عن أبي مالك، وإليه ذهب السدي، وعطاء الخرساني، واختار ابن جرير القول الأول، وهو كما قال.

وقال النسائي عند تفسير هذه الآية الكريمة: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((من سره أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أجله فليصل رحمه))([1]). وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود، وقوله: {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [فاطر: 11] أي: سهل عليه، يسير لديه علمه بذلك وبتفصيله في جميع مخلوقاته، فإن علمه شامل لجميع ذلك لا يخفى منه عليه شيء.

هذا القول غير القول الأول تماما، أن ذلك يرجع إلى شخص واحد {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ} هذا باعتبار ما يصير إليه ما كتب لهم من العمر المديد {وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} التناقص الذي يكون بعد كر الليالي والأيام فينقص العمر، نقصت ساعة، نقص أسبوع، نقص شهر وما إلى ذلك انظروا هذه الساعة الآن لو أنها برمجت على طريقة بالتناقص، يعني قدرنا مثلاً مائة دقيقة، ثم جعلناها تتناقص حتى تصل إلى الصفر هذا ممكن وموجود في بعض الساعات، فهذا التناقص مثل عمر الإنسان، هذا قُدر له أن يعيش ستين سنة، ثم بعد ذلك كأن الساعة ركبت بهذا فيبدأ التناقص، ويفرح الإنسان بمرور الأيام والليالي، وينتظر الأجازات وما إلى ذلك، والواقع أن العمر يتلاشى حتى يضمحل، ثم بعد ذلك ينقضي الأجل، فنحن قبل الصلاة أعمارنا كانت أطول من الآن، وبعد هذا الدرس ستكون أعمارنا أقصر، وفي هذا المساء إذا قدر لنا أن نبقى ستكون أعمارنا أقصر، وفي الغد أقصر من اليوم، واليوم أقصر من أمس، وهكذا، فيكون ذلك يرجع إلى شخص واحد، وعلى كل حال المقصود بالكتاب هو اللوح المحفوظ، واختار ابن جرير-رحمه الله- القول الأول أن ذلك يرجع إلى معمر آخر، وهو الذي اختاره ابن كثير – رحمه الله .

ولما كانت القضية تتعلق بالعمر "وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره" عمر إنسان ما هو نفس المعمر، السياق لابد أن يكون مراعى، يعني: ما نمشي على قاعدة دائماً الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، فالسياق أحياناً يأبى هذا {وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ}  فهل نقول: ينقص من عمر هذا المعمر باعتبار تناقص الأيام والليالي؟، أو يقال: ينقص من عمر معمر شخص آخر؟ هذا أقرب للسياق -والله تعالى أعلم ، ودلالة السياق أولى من مراعاة مرجع الضمير وكونه لأقرب مذكور، فإن هذا لا يساعد عليه السياق أحياناً، وأحياناً توجد قرينة أخرى تأباه، وأحياناً الخارج يأبى ذلك، فما نبقى مع هذه القواعد بصورة آلية جافة، لابد من مراعاة السياق والسباق واللحاق وما أشبه ذلك.

وقوله – صلى الله عليه وسلم –: ((من سره أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أجله فليصل رحمه))، وقوله – عليه الصلاة والسلام -: ((لا يرد القضاءَ إلا الدعاءُ، ولا يزيد في العمر إلا البر))([2])، فمثل هذه الأحاديث دلت على أن الدعاء له أثر، وأن صلة الرحم لها أثر، فيكون عمر هذا الإنسان الذي قد قدره الله -عز وجل- له في اللوح المحفوظ أنه يعيش سبعين سنة، يكون في صحف الملائكة -التي عند الملائكة- أنه يعيش ستين سنة وفي علم الله أنه سيصل رحمه، وأن ذلك يكون زيادة له فيصل إلى السبعين، فالذي في اللوح المحفوظ أنه يموت وهو ابن سبعين سنة، فالزيادة صارت عشر سنوات بما في صحف الملائكة، وبعضهم حمله على هذا أنه يرجع إلى شخص واحد، ما يزاد في عمره إلا بسبب صلة الرحم والدعاء.

فالدعاء سواء كان دعا بدفع بلاء، أو دعا بدعوة فدُفع عنه من الشر مثل ذلك كما في الحديث، واضح؟، الذي في اللوح المحفوظ لا يتغير، فهذا قول ثالث أنه يرجع إلى شخص واحد بهذا الاعتبار: ما يزاد وينقص في صحف الملائكة.

وقد قال الله -سبحانه-: {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34]، وقال         -سبحانه-: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39]، باعتبار أن أم الكتاب هو اللوح المحفوظ وأن المحو والإثبات يكون بالصحف التي تكون بأيدي الملائكة، والله تعالى أعلم.

على كل حال الأقرب من هذه الأقوال -والله أعلم- أن ذلك يرجع إلى الجنس كما قال الحافظ ابن كثير، وقبله ابن جرير -رحم الله الجميع-، مع أن الأقوال الأخرى التي ذكرت آنفاً ليست شاذة ولها وجه، ولكن هذا هو الأقرب، والله أعلم.

{وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [فاطر: 12].

يقول تعالى منبها على قدرته العظيمة في خلقه الأشياء المختلفة: خلَقَ البحرين العذب الزلال، وهو هذه الأنهار السارحة بين الناس، من كبار وصغار، بحسب الحاجة إليها في الأقاليم والأمصار، والعمران والبراري والقفار، وهي عذبة سائغ شرابها لمن أراد ذلك.

قوله: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ} [فاطر: 12] هذا مثل ضربه الله -عز وجل- لحال المؤمن والكافر عند بعض أهل العلم، يعني: أنه من قبيل المثل، ولا شك أن هذا من دلائل قدرته {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} العذب الفرات: شديد العذوبة، ابن جرير يقول: أعذب العذب يقال له فرات، هذه صفة للعذب، فالعذوبة نسبية تتفاوت، أعذبه يكون فراتاً.

{سَائِغٌ شَرَابُهُ} سائغ يعني: أنه يسهل انحداره في الحلق والجوف لعذوبته، لكن الذي يكون مراً أو يكون ملحاً أجاجاً فإنه لا يكاد يسوغه الإنسان، "يتجرعه ولا يكاد يسيغه" هذا في العذاب، -نسأل الله العافية-، فلا يسوغ لشاربه، و"سائغا للشاربين" أي يسهل شربه وانحداره، ولهذا يقولون: هذا يعلق بالحلق لا يكاد الإنسان يمضيه، هذا خلاف العذب الفرات، كما قال الله -تبارك وتعالى-: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [الفرقان: 53].

{وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} أي مُر، وهو البحر الساكن الذي تسير فيه السفن الكبار، وإنما تكون مالحة زُعَاقا مُرة، ولهذا قال: {وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ}، أي: مر.

يقول: {وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} أي: مُر وهو البحر الساكن، يعني: هذا الملح أيضا يتفاوت، فكما أن العذب يتفاوت، فهذا الملح يتفاوت بشدة ملوحته، وأشد ذلك ما كان شديد الملوحة مراً لا يستساغ، قال: البحر الساكن الذي تسير فيه السفن الكبار، تسير فيه السفن الكبار، والسفن الكبار قد تسير في البحر العذب.

البحيرات الضخمة كالبحر تماماً إذا رأيتها، بحيرات لربما تشترك فيها خمس دول وهي كالبحر تماماً بأمواجها وتباعدها، لا ترى لها طرفاً، وتسير فيها السفن الكبار لكن الغالب أن الأنهار ليست كذلك، وهذه البحيرات لا تكون سارحة كالأنهار.

والبحار تتفاوت يعني المحيطات أقل ملوحة من الخلجان، وهذا هو الواقع، الآن لو تذهب إلى المحيطات تسبح فيها ما تحتاج أن تغمض عينك كأنك تسبح بماء عادي، هو ملح، لكن ليس بمستوى الذي عندنا في الخليج، إذا أصاب عينك تحتاج إلى شيء من المعاناة، إنما المحيط تسبح ويدخل في جوفك شيء منه وفي عينك وأنت تفتح عينك ولا تجد أي غضاضة في هذا، ولذلك تجد الأشجار تنبت بكثرة على شواطئ البحار، والبحر الميت أشد البحار ملوحة.

ثم قال: {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا} يعني: السمك، {وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا}، كما قال تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 22-23].

قوله: {وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} ظاهر كلام ابن كثير -رحمه الله- أنه يرى أن ذلك -يعني الحلية أو اللؤلؤ والمرجان- يخرج من البحرين العذب والملح، وهذا هو ظاهر القرآن، مع أن عامة المفسرين لا يقولون بهذا، ويقولون: إن حلية اللؤلؤ والمرجان إنما تستخرج من البحر الملح لا من العذب، ويوجهون الآيتين باعتبار أن العرب قد تعيد الضمير على مذكوريْن وهي تقصد أحدهما، ويحتجون على هذا بأشياء من كلام العرب، ويقولون: هذا أسلوب عربي معروف واضح، ولكن ظاهر الآيات يدل على خلاف هذا، فإذا دل الواقع على أن الحلية تستخرج من البحر العذب فإن ذلك يكون مرجحاً للقول بأن ذلك يرجع إليهما كما يدل عليه ظاهر القرآن، فهم باعتبار ما يكون مُدركاً عندهم أن الحلية لا تستخرج من البحر العذب، والشنقيطي  -رحمه الله- في الأضواء احتج على إبطال ذلك القول المشهور للمفسرين بهذه الآية، والله تعالى أعلم.

والقول الأول قال به خلق لا يحصيهم إلا الله من المفسرين، وأهل معاني القرآن كالمبرد والنحاس، وهو اختيار ابن جرير أن ذلك يخرج من الملح فقط، وبعض أهل العلم يتوسط كالزجاج فقال: يخرج من اجتماع الملح والعذب، أظن هذا لا حاجة إليه.

وقوله: {وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ} أي: تمخره وتشقه بحَيْزومها، وهو مقدمها المسنَّم الذي يشبه جؤجؤ الطير وهو صدره، وقال مجاهد: تمخر الريح السفن، ولا يمخر الريح من السفن إلا العظام.

لاحظ حتى عود الضمير هنا "فيه" هذا يرجع إلى البحرين بظاهر السياق "فيه"، لكن إذا قيل هنا بعود الضمير إلى أقرب مذكور {هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [فاطر: (12)]، فبعضهم يقول: يرجع إلى الملح كما يقول النحاس باعتبار أنه آخر المذكورين، وباعتبار أيضاً أنه المشاهد عندهم بذلك الحين، يعني: أنهم ما ذهبوا وما شاهدوا بعض البحيرات الضخمة التي تسير فيها البواخر الكبيرة.

والفلك يكون بمعنى السفن الضخمة التي لا تسير إلا في البحار الكبيرة، وجؤجؤ الطير هو الصدر الخشب، المنقور في صدر السفينة والمنحوت بطريقة معينة بحيث إنه يقابل صدمات الماء فيتفرق عنه يمنة ويسرة، فتشقه، تشق الماء.

وقوله: {لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ} أي: بأسفاركم بالتجارة من قطر إلى قطر، وإقليم إلى إقليم، {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي تشكرون ربكم على تسخيره لكم هذا الخلق العظيم، وهو البحر، تتصرفون فيه كيف شئتم، وتذهبون أين أردتم، ولا يمتنع عليكم شيء منه، بل بقدرته قد سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض، الجميع من فضله ومن رحمته.

على كل حال كما سبق أن هذا عند أكثر المفسرين مثل ضربه الله -عز وجل- للمؤمن والكافر، وللكفر والإيمان {هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [فاطر: (12)] هذا العذب وهذا الملح يختلف حالهما اختلافا كبيراً، هذا عند أكثر المفسرين أنه من قبيل المثل كما سيأتي في التمثيل بذلك أيضاً بالحي والميت، ولا شك أن هذه الآية هي من دلائل القدرة، ذكرها الله -عز وجل- ليدلل على قدرته، باعتبار أنه لم يقتصر على ذكر البحرين في الموازنة أو المفارقة بينهما، وإنما ذكر أمراً مشتركاً {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [فاطر: (12)]، هذا كله بيان لقدرته ومنته وفضله على خلقه، فلا يكون هذا مجرد مثل، والله أعلم.

{يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 13-14].

وهذا أيضا من قدرته التامة، وسلطانه العظيم في تسخيره الليل بظلامه، والنهار بضيائه، ويأخذ من طول هذا فيزيده في قصر هذا فيعتدلان، ثم يأخذ من هذا في هذا، فيطول هذا ويقصر هذا، ثم يتقارضان صيفا وشتاء.

وقد مضى الكلام على هذا في مناسبات شتى، وأن هذا هو الأشهر، والأقرب في معنى هذه الآية {يُولِجُ  اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} هذا يأخذ من هذا، وهذا يأخذ من هذا، وهو اختيار ابن جرير       -رحمه الله.

 {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} أي: والنجوم السيارات، والثوابت الثاقبات بأضوائهن أجرام السماوات، الجميع يسيرون بمقدار معين، وعلى منهاج مقنن محرر، تقديراً من عزيز عليم.

{كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى} أي: إلى يوم القيامة.

هذا كله في دلائل القدرة، والأجل المسمى هنا يوم القيامة، وبعضهم يقول: هي المدة التي يقطعان فيها الفَلك، الشمس تقطعه في سنة، والقمر يقطعه في شهر، وبعضهم يقول: الأجل المسمى هو جري الشمس في النهار، وجري القمر في الليل، والمشهور هو ما ذكره الحافظ ابن كثير {لِأَجَلٍ مُّسَمًّى} أي إلى يوم القيامة فعند ذلك تتغير حال هذه الأفلاك والنجوم.

{ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ} أي: الذي فعل هذا هو الرب العظيم، الذي لا إله غيره، {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ} أي: من الأنداد والأصنام التي هي على صورة من تزعمون من الملائكة المقربين {مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ}.

قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء وعطية العوفي، والحسن، وقتادة وغيرهم: القطمير: هو اللفافة التي تكون على نواة التمرة، أي: لا يملكون من السماوات والأرض شيئا، ولا بمقدار هذا القطمير.

هذا هو المشهور أن القطمير هو اللفافة، لكن بعضهم كالمبرد يقول: هو شق النواة، النواة ما ترون فيها خطا، فلقا؟ فهذا يقول المبرد: إنه هو القطمير، ولكن الأول أقرب -والله تعالى أعلم-، وبعضهم كقتادة يقول: هو القمع الذي يكون في رأس التمرة، وعلى كل حال الأول أقرب -والله تعالى أعلم-، والقائل بهذا القول أكثر أهل العلم، وبعضهم يقول كالجوهري: هو النقرة التي تكون على ظهر النواة، ما يوجد على ظهر النواة مثل ثقب الإبرة.

فالقطمير هو اللفافة، والنقير هو الثقب الذي في ظهر النواة، والفتيل المشهور أنه مثل الخيط الذي في شق النواة، مثل الفتيلة.

ثم قال: {إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ} يعني: الآلهة التي تدعونها من دون الله لا يسمعون دعاءكم؛ لأنها جماد لا أرواح فيها {وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ} أي: لا يقدرون على ما تطلبون منها، {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ}، أي: يتبرءون منكم، كما قال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ}  [الأحقاف: (5-6)].

وقال: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} [مريم: (81-82)].

وقوله: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} أي: ولا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها وما تصير إليه مثل خبير بها.

قال قتادة: يعني نفسه -تبارك وتعالى-، فإنه أخبر بالواقع لا محالة.

في قوله -تبارك وتعالى-: {لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ} [فاطر: (14)] ابن كثير       -رحمه الله- يقول: لو سمعوا فإنهم لا يقدرون على شيء مما تطلبون منها، فهؤلاء أعجز من أن يحققوا لهم ذلك، يطلبون منه الشفاء، يطلبون منه التوفيق، يطلب منه المنزلة في الآخرة والنجاة، فهؤلاء لا يملكون شيئاً من هذا، وبعضهم يقول: لو جعلنا لهم سمعاً وأبصاراً فسمعوكم لكانوا أطوع لله -عز وجل- منكم، ولم يستجيبوا لكم بما تدعونهم إليه من الكفر، ولن يوافقوكم على هذا الذي تدعونهم، ولكن هذا فيه بُعد، وابن جرير -رحمه الله– يقول: {وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ} يعني: لو أُعطيت هذه الأصنام لما استجابت دعاء الداعين؛ لأنها غير ناطقة، يقول: ما كل سامع يستجيب وينطق، فالبهائم لها سمع ولكن إذا دعاها الداعي، واستغاث بها المستغيث، واستنصر بها أحد، هل يمكن أن ينتفع بشيء منها؟ الجواب لا، فهي ليست أهلاً بذلك أصلاً، على كل حال ما ذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هو المتبادر، والله تعالى أعلم.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ * وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [فاطر: (15-18)].

يخبر تعالى بغنائه عما سواه، وبافتقار المخلوقات كلها إليه، وتذللها بين يديه، فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ} أي: هم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات، وهو الغني عنهم بالذات؛ ولهذا قال: {وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} أي: هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له، وهو الحميد في جميع ما يفعله ويقوله، ويقدره ويشرعه.

كقوله تعالى: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء} [محمد: (38)]، وكقوله: {فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [التغابن: (6)]، وهنا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر(15)] الحافظ ابن القيم -رحمه الله- له كلام جيد في هذا المعنى، وحاصله أن فقر الخلق إلى ربهم -تبارك وتعالى- هو فقر ذاتي، وأن غنى الرب -تبارك وتعالى- هو غنى ذاتي، ثم رد على الفلاسفة والمتكلمين وما يقوله القائلون من أسباب وعلل الفقر، فالخلق يفتقرون إليه سبحانه في إيجادهم.

وقوله: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} [فاطر: (16)] أي: لو شاء لأذهبكم أيها الناس وأتى بقوم غيركم، وما هذا عليه بصعب ولا ممتنع؛ ولهذا قال: {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} [فاطر: (17)].

الله -تبارك وتعالى- هو الغني، وهو محمود في غناه، والإنسان لا يكون محموداً في غناه، قد يكون    مذموماً بسبب سوء تصرفه في المال، أو بخله، أو ما إلى ذلك، {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: (6-7)].

وقوله: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} أي: يوم القيامة.

هذه الآية لا تنافي قوله -تبارك وتعالى-: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [العنكبوت: (13)]، وقوله: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ} [النحل: (25)] وما شابهها من الآيات، فإن ذاك فيما يكسبه الإنسان، ومما يتسبب عنه من ضلالة غيره، فتكون أعماله من  جملة كسبه، وإلا فإن الإنسان لا يحاسب عن عمل غيره {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}.

{وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا} [فاطر: (18)]  أي: وإن تدع نفس مثقلة بأوزارها إلى أن تُساعَد على حمل ما عليها من الأوزار أو بعضه، {لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [فاطر: (18)]  أي: ولو كان قريبا إليها، حتى ولو كان أباها أو ابنها، كل مشغول بنفسه وحاله.

{وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ} أي: نفس مثقلة بالأوزار.

ثم قال: {إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} [فاطر: (18)] أي: إنما يتعظ بما جئت به أولو البصائر والنهى، الخائفون من ربهم، الفاعلون ما أمرهم به.

ِ{إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ} يعني: أنهم إذا غابوا عن الأبصار فهم ملازمون لخشيته، يعني: لا يخافونه أو يظهرون خوفه أمام الآخرين، فإذا خلوا بمحارم الله انتهكوها، وهذا أحد المعنيين في قوله سبحانه: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [البقرة: (3)].


 

[1] - أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم (8/5)، رقم (5985).

[2] - أخرجه الترمذي، أبواب القدر، باب ما جاء لا يرد القدر إلا الدعاء (4/448)، رقم (2139).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about