استعرض النسخة الجديدة من الموقع
‏‏ (2) من قوله تعالى " وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ... " آية 12‏
عدد الزوار : 12503
تاريخ الإضافة : 29 ذو الحجة 1432
MP3 : 43865 kb
PDF : 221 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة سبأ من الآية (12) إلى الآية (17)

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد.    

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين.

يقول الإمام الحافظ ابن كثير في قوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سورة سبأ:12-13].

لما ذكر تعالى ما أنعم به على داود عطف بذكر ما أعطى ابنه سليمان من تسخير الريح له تحمل بساطه، غدوها شهر ورواحها شهر.

قال الحسن البصري: كان يغدو على بساطه من دمشق فينزل بإصطخر يتغدّى بها، ويذهب رائحا من إصطخر فيبيت بكابل، وبين دمشق وإصطخر شهر كامل للمسرع، وبين إصطخر وكابل شهر كامل للمسرع.

وقوله: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ} قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء الخرساني، وقتادة، والسدي، ومالك عن زيد بن أسلم، و عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد: القطر: النحاس، قال قتادة: وكانت باليمن، فكل ما يصنع الناس مما أخرج الله تعالى لسليمان -عليه السلام.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى-: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} الريح على قراءة الجمهور منصوب يعني سخرنا الريح، وفي قراءة لعاصم من طريق شعبة بالرفع {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحُ} يعني الريح ثابتة أو مسخرة لسليمان، على أنه مبتدأ، فهما قراءتان متواترتان، وقوله -تبارك وتعالى-: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ} لعلكم تسمعون قول من يقول: إن الريح إذا ذكرت فهي للعذاب، وإن الرياح إذا ذكرت فهي للرحمة، {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [سورة الأعراف:57، وسورة الفرقان:48] وهذا الذي يسمونه بكليات القرآن، يقولون: كل ريح في القرآن فهي عذاب، وكل رياح فهي رحمة، ولكن كثير من هذه الكليات ليست على إطلاقها، فمنها ما يستثنى منه المثال والمثالان، ومنها ما يستثنى منه كثير، والأصل في الكلي كهذا -فحينما يقال: كل كذا فهو كذا بصيغة هي أقوى صيغ العموم وهي كل- أن يكون ذلك مراداً به معنى الكلية حقيقة بخلاف القاعدة فإنها أغلبية، وحينما تفسر بأنها قضية كلية فإن ذلك يقال على سبيل التجوز، لكن حينما نقول كل كذا فهو كذا الأصل أن ذلك يكون مشتملاً على جميع الصور والأمثلة إلا أن يستثنى منه صراحة، فيقال: إلا كذا، فهنا {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ} فهذا ليس مقام العذاب، وهذا مما يخالف الأصل، وقوله: {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} الغدو يكون في أول النهار هذا الوقت بمعنى أنها تسير به تقطع به مسيرة شهر في أول النهار في مثل هذا الوقت إلى الظهر، إلى الزوال، {وَرَوَاحُهَا} يكون بعد الزوال بعد الظهر {وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} فتقطع به من بعد الظهر إلى المساء، إلى غروب الشمس، تقطع به مسيرة شهر فكان حاصل ما تقطع في النهار مسيرة شهرين؛ ولهذا قال: إنه يسير بها من الشام إلى إصطخر، وإصطخر هذه في بلاد فارس، وهي مسيرة شهر من الشام فيتغدى بها، ثم بعد ذلك يذهب فيبيت بكابل، وبعض السلف يقول: "من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه"، فسليمان -عليه الصلاة والسلام- لما ذبح الخيل في القصة المعروفة، {رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} [سورة ص:33]، على أحد المعنيين المشهورين في الآية: {مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} يعني أضربُها بسيفي، فجعلها في سبيل الله لأنها شغلته وألهته ذلك اليوم حينما كان يستعرضها، هذا قال به جمع من السلف فمن بعدهم، فيكون قد تركها لله وفي الله فعوضه الله -عز وجل-، هكذا قال بعض أهل العلم، وبعضهم يقول: إن قوله: {تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} توارت بالحجاب، بعضهم يقول: الخيل يعني ذهبت مبعدة، وبعضهم يقول: المراد بذلك الشمس غابت حتى توارت بالحجاب، {رُدُّوهَا عَلَيَّ} أي الخيل، {فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} يعني كما يفعل أهل الخيل حينما يمسحون عليها إذا رجعت إليهم، وليس المقصود أنه يضربها بالسيف، الكلام المعروف في الآية -والله تعالى أعلم-، قال: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ} القطر هنا كما قال بعض السلف -رضي الله تعالى عنهم-: النحاس، وأنها كانت باليمن إلى آخره، مبنى ذلك على المرويات الإسرائيلية، ولا يوجد شيء يثبت، لكن القطر –النحاس- واضح من ظاهر الآية أن الله أسال له عيناً من النحاس، وكثير منهم يقولون: إن النحاس الموجود مما بقي مما أساله الله -عز وجل- لسليمان، فلا زال الناس يتعاطونه، وهذا فيه نظر؛ لأن النحاس من المعادن التي تستخرج من الأرض، فالله -عز وجل- جعل في هذه الأرض ما يحتاج إليه الناس من ألوان المعادن، لكن الله -عز وجل- قد أكرم سليمان -عليه الصلاة والسلام- بهذا وميزه وأعطاه.

وقوله: {وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ} أي: وسخرنا له الجن يعملون بين يديه بإذن الله، أي: بقدره، وتسخيره لهم بمشيئته ما يشاء من البنايات وغير ذلك.

الإذن يعني يأتي بمعنى الإذن الشرعي، والإذن الكوني، وسليمان -عليه الصلاة والسلام- قال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي} [سورة ص:35]، فأعطاه الله -عز وجل- هذا وسخر له هؤلاء الجن يعملون بين يديه، فالإذن يأتي بمعنى الإذن الشرعي، ويأتي بمعنى الإذن الكوني القدري، والحافظ ابن كثير -رحمه الله- مشى هنا على أنه الإذن الكوني، وهذا لا شك فيه، وهو أمر حصل ووقع، وكل ما وقع فقد أذن الله فيه كوناً، ولكن الله -عز وجل- لما أكرم سليمان بهذا وأعطاه وحباه فإننا نعلم من هذا أن الله    -عز وجل- قد أذن له بذلك شرعاً، فإنه قد يحصل لأحد من الناس شيء من الأمور التي يفعلها وقد لا تحل له ابتلاء من الله -عز وجل-، وقد يملى له في هذا، فيفعل أشياء ولكنها محرمة، فهنا سليمان -عليه الصلاة والسلام- الجن يعملون بين يديه {بِإِذْنِ رَبِّهِ} بإذنه الشرعي وإذنه الكوني، والنبي -صلى الله عليه وسلم- في القصة المعروفة لما أخذ بشيطانٍ حتى وجد برد لسانه على يده، لما أراد أن يلقي في يده -صلى الله عليه وسلم- شهاباً من نار وهو يصلي، فهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يربطه في سارية من سواري المسجد يطوف به صبيان المدينة، ولكن الذي منعه من هذا أنه تذكر دعوة سليمان -عليه الصلاة والسلام- {هَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي} ولهذا فإن الذين يزعمون أنهم قد قهروا الجن والشياطين، ويسجلون معهم أشرطة، ويقولون: إنهم يسخرونهم وإنهم يستعملونهم في الأمور المباحة، ويعالجون بهم المرضى، وإنهم يرافقونهم ولربما زعموا أنهم يبعثون مع المريض بعض هؤلاء لحراسته من الشياطين والكفار والجن وما أشبه ذلك، هذا كله لا يصح، ولا يسوغ بحال من الأحوال، وأن هذا التسخير ربما كان لسليمان -عليه الصلاة والسلام- أما هؤلاء فإنهم لا يأتون لمثل هذا إلا على سبيل المقايضة، إما ابتداء وإما في العاقبة      -نسأل الله العافية- فيضل، فلابد أن يدفع الثمن، ويحصل بهؤلاء من التلاعب والعبث –الشياطين- وما يجري من كذبهم فيُصدِّق ويبنى عليه أموراً كثيرة، ثم تنكشف الحال فيما بعد عن أوهام مركبة لا حقيقة لها، ولا يزيدونه إلا وهناً وضعفاً وعجزاً، {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [سورة الجن:6] وما رأيت أحداً اتبع هؤلاء وتعلق قلبه بهم وإن زعموا أنهم من الجن مسلمون وإن جاءه هؤلاء عن طريق راق أو نحو ذلك ما رأيت أحداً تعاطى هذا فأفلح وبرئ من علته، وإنما بقي بعضهم سنين طويلة وما رأيت أحداً منهم شفي من علة، وتغيرت حاله، وإنما هو في زيادة مستمرة وقد رأيت في بعض هؤلاء من يأتي هنا ويقول: إن شئت تكلموا، وسمعتهم، معي سبعة يقول الآن من الجن المسلمين، وهم الآن يستمعون ما تقول، فكنت آمر هؤلاء أن يتوكلوا على الله -عز وجل-، وأن يعلقوا قلوبهم به، وأن لا يلتفتوا إلى شيء سواه، وأنه كلما تعلق القلب بهؤلاء أو بالمخلوقين عموماً كلما ازداد ضعفه وعجزه وتعاظمت عليه علته ولربما قال بعضهم: إنهم يكلمونه ويصلحون ما بينه وبين أهله، وإذا أرادوا الدخول في حال يكون مع أهله في المعاشرة ونحو هذا ينبهونه، ولكن لم تتغير الحال بعد خمس عشرة سنة، ثم بعد ذلك يدخل في عالم من المتاهات والأوهام لا يدري ما هي! أنه في صراع وفي قتال مستمر، وأن بيده سيفاً ضارباً يقتل به الكفار من هؤلاء المردة والشياطين، ويخوض المعارك وأشياء لا تدري هي من الخيال أو الكذب، لكن إذا كنت تعلم أن الإنسان الذى أمامك لا يكذب إطلاقاً تعرف أن هؤلاء قد أدخلوه في أمور لا يدري حقها من باطلها، -والله المستعان-، فالله -عز وجل- سخر هذا لسليمان وما سخره لأحد سواه، وهذا الأصل ينبغي أن يُدرَك ويعرف ويعلم أن هؤلاء الذين يزعمون أنهم يسخرون هؤلاء أنهم قد تجاوزوا الحد، وبعضهم يقيم مستشفى متكامل التشخيص والعلاج بلا مبالغة، وحدثني من ذهب مستشفى لعلاج الأمراض المتنوعة وإجراء العمليات أنهم يعطونه التقرير بالذي يعاني منه، وكذا يعدلون له خرز الظهر ويبينون له الخرز التي يعاني منها ما هي، وبنفس تقرير المستشفى المعروف ثم بعد ذلك لا تتغير حاله ولا يبرأ من علته.

{وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا} أي: ومَنْ يعدل ويخرج منهم عن الطاعة {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} وهو الحريق.

هذا العذاب الذي توعدهم الله -عز وجل- به، بعضهم يقول: في الدنيا، وبعضهم يقول: في الآخرة باعتبار أن عذاب السعير إذا ذكر فالأصل أن ذلك يعني عذاب جهنم، ولا يرِد على هذا أن الجن والشياطين خلقوا من النار فكيف يعذبون بالنار؟! فنحن خلقنا من الطين ولو ضرب أحد بلبنة من طين فإن ذلك يأتي عليه.

وقوله: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ}: أما المحاريب فهي البناء الحَسَن، وهو أشرف شيء في المسكن وصدره.

وقال ابن زيد: هي المساكن.

بالنسبة للمحاريب {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ} المحاريب جمع محراب، هذا الذي ترونه في المسجد يقال له: محراب، لكن هل هذا هو المقصود بقوله: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ}؟ الجواب لا، ولا أعلم أحداً قال بهذا، وإنما سمي هذا بالمحراب؛ لأنه في أشرف موضع في المسجد وأرفعه، فالمكان الذي يصلي فيه الإمام هو أشرف موضع في المسجد، وما يليه خلف الإمام هذا أشرف مكان في المسجد، فقيل له: المحراب، فصدر المسجد المحراب، واضح؟ فصدور المجالس وأشرفها يقال لها المحاريب كما ذكر الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هنا قال: هي البناء الحسن وهو أشرف شيء في المسكن وصدره، قال ابن زيد: هي المساكن، ليست هي المساكن بإطلاق وإنما الأماكن الشريفة المنيفة، وبعضهم يقول: يقيد ذلك بالارتفاع في أصل معناه، أصل معنى المحراب يقول: هو كل موضع مرتفع، الأبنية الرفيعة يقال لها: محاريب، لكن مثل هذا يمكن أن يقال: ما يكون مرتفعاً حساً أو معنى إذا كان الارتفاع يزيده شرفاً، وليس كل ارتفاع يكون كذلك، ولهذا قالوا: المقصود بالمساكن القصور العالية، وليست أي مساكن، القصور العالية يقال لها: محاريب، وبعضهم كما سبق يقيده بالارتفاع حسًّا كما جاء عن المبرد أن ذلك لا يكون إلا بما يرتقى إليه بالدرج، يعني المواضع المرتفعة من القصور الرفيعة أو المواضع المرتفعة من المساكن كل ذلك يقال له: محاريب، ويقال هذا أيضاً لأشرف المواضع في المساكن، كأشرف الغرف، وبعضهم قال: المقصود بذلك المساجد، ولكن لا وجه له، ليس عليه دليل يخص ذلك بالمساجد، لكن كأنهم نظروا إلى أن أشرف البقاع المساجد فقالوا: محاريب، والمساجد قد تسمى بالمحاريب لكن المقصود أن ذلك لا يختص بها، فلا يقال: المحاريب هي فقط المساجد؛ لأنه لا دليل عليه وإن قال به بعض السلف، ولهذا قال ابن جرير -رحمه الله-: إن المقصود بالمحراب مقدم كل مسجد ومصلى وبيت، يعني أشرف المواضع في البيوت والمساجد.

وأما التماثيل فقال عطية العوفي، والضحاك والسدي: التماثيل: الصور.

التماثيل: الصور، هنا أطلقوا، ففهم البعض من ظاهر كلامهم أنها ذوات أرواح، فيرِد على هذا سؤال وهو أن الصور ذوات الأرواح محرمة وإذا كانت مجسمة هذا أعظم في التحريم، فجوابهم على هذا أن ذلك كان جائزاً في شرعهم ثم جاء تحريمه في شرعنا، ومسألة شرع مَن قبلنا الكلام فيها معروف، ولكن بالاتفاق أنه إذا جاء في شرعنا ما يدل على أنه محرم فذلك ليس بشرع لنا، فشرع من قبلنا إذا جاء في شرعنا ما يدل علي تحريمه مثل السجود على سبيل التكريم كإخوة يوسف -عليه الصلاة والسلام- سجدوا له، سجد له أبوه وأمه وأخوته، {وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا} [سورة يوسف:100] فهذا على سبيل التكريم كان جائزاً في شرعهم، أما في شرعنا فلا يجوز، فهنا لا يقال: إن شرع من قبلنا شرع لنا في هذه الحال، فهنا على قول هؤلاء يجيبون على هذا الجواب أنه ليس بشرع لنا؛ لأنه في شرعنا حرُم بالاتفاق، ومسألة التصاوير عموماً فيها طرفان ووسط، طرفان الطرف الأول من يقول كل التصاوير محرمة حتى غير ذوات الأرواح الشجر والجبل إلى آخره باعتبار أنه مضاهاة لخلق الله، فخلق الله يشمل ذوات الأرواح وغير ذوات الأرواح، وهذا قال به بعض السلف، يحرم تصوير الشجر والجبل وما إلى ذلك يضاهئون بخلق الله، فهو داخل في هذا، والطرف الآخر في مسألة التصوير هو ما نراه من هذا التساهل ولم يقف عند الآلات المعروفة بل حتى صار ذلك بالرسم وما إلى ذلك، وقالوا: إن الشرك في هذا قد ترحل وما إلى ذلك مما يقال من جهة الرأي المخالف للنص، فهذا غلط، والوسط في هذا هو ما دلت عليه الأدلة أن تصاوير ذوات الأرواح هي المقصودة؛ لأنه كما جاء في بعض الأحاديث قال: ((أحيوا ما خلقتم))([1])، أحيوا، فالذي فيه الحياة هو ما كان فيه روح، فدل على أن المقصود بأن أصحاب هذه الصور يعذبون يقال لهم: أحيوا ما خلقتم يعني ما كان له روح، وإلا فالجبل ما يقال: أحيوا الجبل، ولا الشجر، -والله أعلم-، التماثيل: هنا قال: الصور، على سبيل الإطلاق في صورة ذات روح أو ليست صورة ذات روح، وحقيقة التمثال -وقد تطرقت لهذا عند الكلام على أمثال القرآن- كل شيء مثلتَه بشيء وصورتَه بصورته أيًّا كانت مادته فهو تمثال، يعني سواء كان من نحاس أو خشب أو زجاج أو طين أو غير ذلك، فهذا يقال له: تمثال؛ لأنه وضع على مثال غيره، هذا يقال له: تمثال سواء كان على مثال ما له روح، أو كان على مثال لا روح له، يعني بمعنى أنه لو عمل تمثالاً على صورة مالا روح له، وضع تماثيل لجبل معين صور هذا الجبل لقلعة معينة، لبناية معينة موجودة لبرج موجود مثلاً صوره وشكله بشيء من المعادن أو المواد أو نحته وما أشبه هذا فهذا يقال له: تمثال؛ لأنه على مثاله، هذا هو المقصود لو أنه وضع على وزان الكعبة على مثالها صورها بحديد أو رخام أو غير ذلك هذا يقال له: تمثال، كل ما وضعته على مثال لغيره فهو كذلك، وعليه فمن أهل العلم من يقول: إن قوله: تماثيل يراد به مالا روح له مما يصدق عليه أنه تماثيل، لماذا قالوا بذلك؟ قالوا: لا يقال: إن الصور ذوات الأرواح كانت جائزة في شرعه، والدليل على أنها ما كانت جائزة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث في مرض موته -عليه الصلاة والسلام- لما ذكرت له الكنيسة التي فيها التصاوير إلى آخره، ذمهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وعابهم وقال: ((إن أولائك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور فأولائك شرار الخلق عند الله يوم القيامة))([2])، كيف يكونون شرار الخلق وهو مباح عندهم؟ هذا يدل على أنه من الكبائر، وهل تكون هذه التصاوير مباحة وقد وقع ما وقع بسببها في أول شرك في العالم، وجاء أول رسول -عليه الصلاة والسلام- نوح وبقي هذه المدة الطويلة وهو يدعوهم إلى الله ويأبون بسبب هذه التصاوير، فهل يقال: إنها كانت مباحة في شريعة سليمان -عليه الصلاة والسلام- التي كانت التوراة يعني من حيث الشريعة التوراة، والزبور ليس بخارج عنها ففيه أوراد وأذكار وما أشبه ذلك، لكن العمل بالشريعة والقانون هو التوراة وهو من أنبياء بني إسرائيل، فهذا هو الأقرب -والله تعالى أعلم-، والمسألة دائرة بينهما، يعني قول من يقول: إنه جائز في شرعهم، وهذا لا يخلو من بعد، أو من يقول: إن المراد بذلك أن ما يكون على هيئة غيره وشكله وصورته، يقال له: تمثال، فدلت الأدلة على أن الصور محرمة –تماثيل-، فإذاً بناءً عليه يحمل ذلك على مالا روح له، وبهذا تعرفون ما حصل من التلبيس في مسألة تكسير الأصنام في الواقعة المشهورة المعروفة قبل سنين، وبدأ يتكلم بعض من ينتسب للعلم، وسمعتم من يحتج بهذه الآية على جواز التماثيل يقولون: هذا نبي ويعملون له تماثيل، نبي ويُعمل له تماثيل، إذاً التماثيل جائزة! فلماذا هؤلاء يتشددون ويصرون على تكسيرها؟، والأحاديث الكثيرة كيف تأخذون بمثل هذا الذي يدور بين كونه من قبيل شرع من قبلنا ثم جاء شرعنا بما فيه نسخه أو باعتبار أنه لا يقصد به ذوات الأرواح، وهذا هو الأقرب، فيلبس على الناس، وكثير من العامة لا يفقه مثل هذه القضايا، وإذا سمع: قول مَن قبلنا إلى آخره لا يعرف ما تحت هذا من تفصيل، فيقع بسبب هذا تلبيس على الناس كثير -والله المستعان-، بل إن بعضهم ذهب وسافر ليتوسط من أجل ألا تكسر تلك الأصنام.

وقوله: {وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} الجواب: جمع جابية، وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء.

الجفان يعني القصعة الكبيرة يقال لها ذلك، جمع جفنة، القصعة الكبيرة، كالجواب الجواب جمع جابية وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء، يعني أن هذه القصاع الواحدة منها كحوض الماء، الحوض كبير لربما يكون أمتاراً، فيعملون له مثل هذه الجفان التي يوضع فيها الطعام لآكليه، فيجتمع عليها جمع كبير من الناس، والناس إنما يعرفون القصاع المعروفة التي قد لا تتجاوز المتر إذا كانت كبيرة.

والقدور الراسيات: أي الثابتات في أماكنها لا تتحول ولا تتحرك عن أماكنها لعظمها، كذا قال مجاهد، والضحاك، وغيرهما.

بعضهم يقول: تنقر وتنحت من الجبال، وليس بالضرورة أن المقصود أنها لضخامتها لا تتحول ولا تنقل من مكانها، وبعض هؤلاء الذين كانوا يتكلمون عن هذه المعاني التي ذكرت آنفاً المعاني الباطلة بعض من يتكلم بالإعجاز العلمي وألّف بذلك كتاباً يقول: سليمان -عليه الصلاة والسلام- كان عنده مفاعلات نووية وعنده تلفاز وسينما وهذه الأمور، وأن العصر الحديث لم يتفرد باكتشاف ما فيها ومعرفتها، ولكم أن تضحكوا من هذه الحماقات هذا كتاب في أكثر من مائتي صفحة يهذي فيه صاحبه هذا الهذيان، يقول: هل كان سليمان    -عليه الصلاة والسلام- بحاجة إلى قدور ضخمة للطعام؟ وهل هذا مدح يمدح به ومظهر من مظاهر القوة والعزة القدور الكبار؟، هذه المقصود بها -القدور الراسيات- مفاعلات نووية، ما شاء الله!، ويعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل يقول: انظروا قال: تماثيل جمع وليست مفرداً اسمع الفقه والأصول واللغة تماثيل، ثم يبدأ يشرح العرض السينمائي والتلفزيوني كيف يكون؟ صور كثيرة جداً خلف بعض فتحصل الحركة فيها، ويشرح كيف يتم العرض هذا التلفزيون السنيمائي المتحرك صور خلف بعض كثيرة جداً، ثم يحصل فيها حركة بعد ذلك، يقول: تماثيل يعني معناها أنه كان عندهم سينما وتلفزيون، وأنهم اكتشفوا هذا قبلُ، وأن القرآن دل على هذه المكتشفات قبل أن يعرفها الناس اليوم، يعني القرآن خاطب الناس بهذه الأشياء وما فهمها إلا هذا! لم يفهمها النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا الصحابة ولا الأجيال جميعاً، وجاء هذا وفهم هذا الفهم السقيم، وقل ما شئت من هذه الخزعبلات التي يطرب لها بعض الناس ويصدقونها، هذه جرأة على الله، وعلى كتابه.

وقوله: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا} أي: وقلنا لهم اعملوا شكرًا على ما أنعم به عليكم في الدنيا والدين.

وشكرًا: مصدر من غير الفعل، أو أنه مفعول له، وعلى التقديرين فيه دلالة على أن الشكر يكون بالفعل كما يكون بالقول وبالنية، كما قال:

أفَادَتْكُمُ النّعْمَاءُ منِّي ثَلاثةً *** يدِي، ولَسَاني، وَالضَّميرَ المُحَجَّبَا

قال أبو عبد الرحمن الحُبلي: الصلاة شكر، والصيام شكر، وكل خير تعمله لله شكر، وأفضل الشكر الحمد. رواه ابن جرير.

وفي الصحيحين عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((إن أحب الصلاة إلى الله صلاةُ داودَ، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يَفرّ إذا لاقى))([3]).

وروى ابن أبي حاتم عن فضيل قال في قوله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا}، فقال داود: يا رب، كيف أشكرك، والشكر نعمة منك؟ قال: "الآن شكرتني حين علمت أن النعمة مني".

وقوله: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} إخبار عن الواقع.

قوله: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا} يعني قلنا لهم اعملوا شكراً، يقول ابن كثير: اعملوا شكراً على ما أنعم الله عليكم في الدين والدنيا هذا كلام مجمل، وذكر وجهاً في إعرابه، قالوا: "شكراً" مصدر من غير الفعل أو أنه مفعول أو أنه مفعول له، مصدر من غير الفعل يعني اعملوا عملاً شكراً، شكر شكراً، "شكراً" مصدر، المصدر هو ما يأتي ثالثاً بتصريف الفعل، معروف، تقول: أكل يأكل أكلاً، الثالث هذا هو المصدر، وتقول مثلاً: كتب يكتب كتابةً، قرأ يقرأ قراءة، هذا الثالث هو المصدر، وهو أحد مدلولي الفعل، أكل فيه شيئان: فيه الزمن ماضٍ، يأكل مضارع، كُلْ في المستقبل، هذا الفعل في الأزمنة الثلاثة وفيه المعنى الذي فيه الأكل أو الكتابة أو القراءة، فالمصدر هو ما كان فيه أحد المدلولين لفعل من غير الزمان فالآن أكل وقرأ ونام هذه إذا رفعنا لها الزمن، قرأ تكون قراءة هذا المصدر، تقول: كتب كتابة هذا هو المصدر أحد مدلولي الفعل غير الزمن، فهنا يقول: وشكرًا: مصدر من غير الفعل، اعملوا عملاً شكراً، فيكون من اعملوا عملاً شكراً، هذا من غير الفعل إذا قيل: إنه مفعول له أي اعملوا للشكر، مفعول له اعملوا للشكر، وبعضهم يقول: مصدر من فعله "اعملوا شكراً" اشكروا شكراً، وبعضهم يقول: منصوب على الحال، "اعملوا شكراً" أي حال كونكم شاكرين، إلى غير ذلك مما يقال فيه ككونه منصوباً على المصدرية، أو مفعولاً به، يعني تقول: افعل طاعة، يمكن أن يكون مفعولاً به، أليس كذلك؟ اعمل قربة، اعمل شكراً، العمل هو الشكر، والعبادة شكر لله -عز وجل- فهنا اعملوا شكراً كأن يقول: اعملوا عبادة، اعملوا قربة، يكون مفعولاً به، تلاحظون أنه يتغير المعنى على كل واحد من هذه الأعاريب، قوله هنا: وعلى التقديرين فيه دلالة على أن الشكر يكون بالفعل كما يكون بالقول والنية، فالشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح فهو أعم من الحمد متعلقاً وأخص مورداً؛ لأن مورده النعمة، وأما الحمد فإنه أخص متعلقاً؛ لأنه يتعلق باللسان، وأعم مورداً؛ لأن مورد الحمد يكون على النعمة وغير النعمة فالله يحمد، أليس كذلك؟، الله يحمد، هذا من الفروق المشهورة بين الحمد والشكر قال هنا: فيه دلالة على أن الشكر يكون بالفعل كما يكون بالقول والنية كما قال الشاعر:

أفَادَتْكُمُ النّعْمَاءُ منِّي ثَلاثةً ***

يعني أن نعماءكم تفضلكم علي يدي، ونتج وأفاد ثلاثة أشياء:

أفَادَتْكُمُ النّعْمَاءُ منِّي ثَلاثةً *** يدِي، ولَسَاني، وَالضَّميرَ المُحَجَّبَا

يعني أن يدي تعمل في خدمتكم في مقابل أفضالكم، ولساني يلهج بشكركم، والضمير المحجب لا يطلع عليه الناس يقوم به، هذا المعنى من استحضار نعمة المنعم، هذا يتكلم مع مخلوق يقول: إن عطاياك ما ذهبت سُدى فصارت يدي تعمل في الخدمة جوارحي تعمل في الخدمة، ولساني يلهج بالذكر وقلبي من وراء ذلك، هو لابد من مواطأة القلب، وإلا كان ذلك تملقاً، يعني الشكر من غير مواطئة القلب أو الحمد مثلاً من غير مواطئة القلب يكون من نوع التملق، فالحمد الحقيقي ما واطأ القلب، أما المدح فقد يكون بهذا وبغيره، ولهذا كان المدح بالغالب ليس كما ينبغي، فإنه قد لا يخلو من مبالغة وذكر أمور غير حقيقية، وأفضل الشكر الحمد، وذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- حال داود عبادته وصلاته وصيامه، وأما ما ذكره من طريق ابن أبي حاتم عن فضيل قال داود: يا رب كيف أشكرك والشكر نعمة منك؟ فهذا من أخبار بني إسرائيل، ولكن مثل هذا يستأنس به {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} كما قال الله -عز وجل-: {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [سورة العلق:6-7].

{فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [سورة سبأ:14].

يذكر تعالى كيفية موت سليمان -عليه السلام-، وكيف عَمَّى الله موته على الجانّ المسخرين له في الأعمال الشاقة، فإنه مكث متوكئًا على عصاه -وهي مِنْسَأته كما قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة وغير واحد- مدة طويلة نحوا من سنة، فلما أكلتها دابةُ الأرض -وهي الأَرَضَة- ضعفت وسقطت إلى الأرض، وعُلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة تبينت الجن والإنس أيضًا أن الجن لا يعلمون الغيب، كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ذلك، وذلك قول الله -عز وجل-: {مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} يقول: تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يَكْذِبونهم.

يقول: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ} يعني حكمنا عليه به وألزمناه بمقتضاه، هذا معنى {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ} قال: {مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ} دابة الأرض معروفة يقال لها: الأرَضَة تأكل الخشب، والمِنسأة تقال: للعصا، كما يقول بعضهم كالزجاج؛ لأنه ينسأ بها يعني يطرد بها، {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} [سورة طه:18] فقيل لها: منسأة، تقول مثلاً: نسأتُ الغنمَ طردتُها، وما ينسأ به الغنم هو المنسأة العصا {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ}، كون سليمان -عليه الصلاة والسلام- ميتا هذه المدة –سنة- قد يرد سؤال وهو أنهم ما يرونه يقوم ويأكل ويذهب لحاجات الإنسان وما أشبه ذلك، وهذا لا شك أنه يدل على كمال هيبته، يدل على كمال هيبته أن له من الهيبة مالا يجرؤ أحد لربما أن يتعرف على شيء من هذا من أحواله، فكانوا يعملون بين يديه دون نظر إلى شيء آخر، وإذا أراد الله   -عز وجل- شيئاً كان، إذا أراد الله شيئاً كان، والله أعلم بملابسات الحال كيف كانوا ينظرون وأين كان يجلس منهم ونحو ذلك بحيث إنه خفي عليهم؟، وما يخفى عليهم أنه لم يتحرك من مكانه هذه المدة الطويلة أو يظنون أنه يذهب ويجيء، إذا أراد الله شيئاً وقع، وقوم موسى معهم موسى وهارون -عليهم الصلاة والسلام- بقوا هذه المدة الطويلة في التيه في صحراء محدودة لا يخرجون منها ولا يهتدون إلى سبيل؛ لأن الله أراد ذلك، أمة كبيرة وتضيع في أرض كهذه! هذه آية من آيات الله -عز وجل-، وقل مثل ذلك في مثل يأجوج ومأجوج عم خبرهم والإنسان قد يعمى عنه خبر الشيء وهو بين يديه، فقد يبحث عن نظارته فترة طويلة وهو يلبسها، ويبحث عن قلمه وهو في يده، ويبحث عن الشيء ويجهد بالبحث عنه وهو بين يديه، قال هنا: {فَلَمَّا خَرَّ} يعني وقع {تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} هنا يحتمل المعنى كما قال ابن كثير -رحمه الله-: تبينت الجن والإنس أن الجن لا يعلمون الغيب كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ذلك، ذلك أن الجن كان عندهم هذا الاعتقاد والوهم أنهم يعلمون الغيب على هذا المعنى، فضلاً عن الإنس الذين أوهمهم الجن بهذا، فتبين للجن أو للإنس؟ تبينت الجن يعني عرفت {لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} {تَبَيَّنَتِ} يعني اكتشفتْ وعرفتْ، تقول: تبينتُ الأمر، تبينتُ أمر فلان يعني عرفتُه فهذا معنى من تبينت الشيء علمته، لكنه يحتمل معنى آخر، على المعنى الأول قلنا علم الناس أو علم الجن، لكنه يحتمل معنى آخر بمعنى أن الجن تبين حالها كُشفت يعني {تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ} تقول: تبينت الأمور، تبين حال فلان، تبينت الحال عن كذا وكذا يعني اكتُشفت تبينت الحرب عن ضعف المسلمين مثلاً بمعنى أنها كَشفت ذلك، {تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ} يعني ظهر أمرها وانكشف حالها فعُرف أنهم لا يعرفون الغيب، {تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ} كُشف حالها وأمرها للناس فعرفوا حقيقتها وأنه لا يعلم الغيب إلا الله -عز وجل- وأنهم كغيرهم في هذا الباب، فالأول تبينت الجن من بان المتعدية، تبينت هذا الأمر، تقول: تبينت كذا يعني عرفته، علمت كذا، فالجن عرفت والأنس عرفت على القول الأول، والثاني من بان اللازمة، بان بمعنى ظهر وانكشف، تبينت الجن يعني ظهر حالها وضعف أمرها للناس، {لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} فانكشف أمرها وبان ذلك أيضاً للناس، فهما معنيان متلازمان، لكن هل كان الجن يتوهمون؟ هذا قدر زائد على هذا المعنى الذي ذكرته يجمع القولين -فالله تعالى أعلم-، هل كان الجن يتوهمون حقيقة أنهم يعلمون الغيب؟ ما يعرفون عن أنفسهم هذا؟ أو أن المقصود أن بعضهم يعلم الغيب مثل ما يأتون به من الأخبار أو شيء، كيف كانوا يتوهمون هذا عن أنفسهم، وهم يعرفون حالهم وما ينوبهم، ليلهم ونهارهم وتخفى عليهم عواقب الأمور، فهل كانوا يتوهمون أنهم فعلاً يعلمون الغيب؟ تبينت الجن، هل كانوا يحتاجون هذه الواقعة حتى يعرفوا أنهم لا يعلمون الغيب أو المقصود تبينت الجن أي تبين ذلك للناس أي تبين أمرهم واتضح وعرف؟ هما معنيان متلازمان ولا إشكال في هذا، لكن يبقى القدر الزائد الذي هو -والله أعلم بذلك- أنهم كانوا يكذبون، وإلى الآن هم يكذبون.

{لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ} [سورة سبأ:15-17].

كانت سبأ ملوكَ اليمن وأهلها، وكانت التبابعة منهم، وبلقيس -صاحبة سليمان- منهم، وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم، وعيشهم واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم، وبعث الله إليهم الرسل تأمرهم أن  يأكلوا من رزقه، ويشكروه بتوحيده وعبادته، فكانوا كذلك ما شاء الله ثم أعرضوا عما أمروا به، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق في البلاد أيدي سبأ، شَذَر مَذرَ، كما يأتي تفصيله وبيانه قريبًا إن شاء الله تعالى وبه الثقة.

لما ذكر الله -عز وجل- خبر الأصفياء والأولياء ما ذكر من خبر داود وسليمان -عليهما الصلاة والسلام- ذكر حال هؤلاء المكذبين الكافرين الجاحدين لنعمه -تبارك وتعالى.

روى ابن جرير عن فَرْوَة بن مُسَيْك الغُطَيْفي قال: قال رجل: يا رسول الله، أخبرني عن سبأ ما هو؟ أرض أم امرأة؟ قال: ((ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل وُلد له عشرة من الولد، فتيامن ستة وتشاءم أربعة، فأما الذين تشاءموا: فلخم وجذام وعاملة وغسان، وأما الذين تيامنوا: فكندة، والأشعريون، والأزد، ومذحج، وحمير، وأنمار"، فقال رجل: ما أنمار؟ قال: "الذين منهم خثعم وبجيلة))([4]).

قوله: تيامنوا يعني ذهبوا جهة اليمن، وكل ما على يمين الكعبة فهو يمن، وماعلى شمالها يقال له: شام، ولذلك هذيل التي في مكة أو قريب منها يقال: هذيل الشامي، وهذيل اليماني قبيلة واحدة، فما كان من ناحية اليمن يقال له: اليماني ومن كان من قبيل ناحية الشام، يقال له: شامي.

وقوله: خثعم وبجيلة قبائل موجودة في الجنوب معروفة إلى اليوم، ويقال: إن بني مالك التي بين الطائف والباحة يقال: إنهم يرجعون إلى بجيلة رهط جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه.

ورواه الترمذي في جامعه، بأبسط من هذا، ثم قال: هذا حديث حسن غريب.

هذا الحديث سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن سبأ، وسيأتي كلام لأهل العلم في ذلك، سبأ ما هو؟ النبي -صلى الله عليه وسلم- أجاب بهذا الجواب بأنه رجل ولد له عشرة فجاء منهم هذه القبائل وصارت قبائل شامية وقبائل يمنية بعدما تفرقوا حينما انهدم هذا السد سد مأرب، وكتب التاريخ مليئة من الكلام في هذا في القبائل وانتقال القبائل من الشام، ومَن القبائل التي انتقلت وأين استقرت وما تفرع منها، كل هذا تجدونه في كتب التاريخ، وتجدونه في بعض كتب الأنساب، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه رجل هذا تفسير لسبأ، والله -عز وجل- يقول: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ} هذا الرجل سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا السؤال، سأله عن سبأ سأله عن تفسير الآية، بمعنى أن قوله -تبارك وتعالى-: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ} هل يقصد {كَانَ لِسَبَإٍ} للرجل المعروف الذي اسمه سبأ الذى أراده النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ أو المقصود بذلك ولد سبأ الذين كانوا في ذلك المحل –الناحية- هل المقصود به القبيلة، ولد سبأ وليس الرجل المسمى بسبأ؟ {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ} وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن تفسيراً للآية، وإنما سئل عن سبأ ما هو؟ هل هو اسم مكان نُسبوا إليه أو أنه اسم لقبيلة أو أنه اسم لامرأة، أو أنه اسم لرجل، يقال بلقيس ملكة سبأ، ذكر النبي  -صلى الله عليه وسلم- أنه اسم رجل لكن هل نفسر به الآية الآن ونقول: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ} أي للرجل المسمى بـ"سبأ" في مسكنهم آية؟ والقبيلة أو القبائل أو من كانوا تناسلوا منه {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ} هذه قراءة الجمهور باعتبار أنه اسم حي، كما نقول اليوم يعني حارة؟ لا، هذا الحي من الناس يعني كالقبيلة ونحوها حي من أحياء العرب، يعني قبيلة من قبائل العرب {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ} يعني هذا الحي الذي يقال لهم ذلك أولاد سبأ، {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ} بهذا الحي من ذريته من نسله من ولده، والقراءة الأخرى لابن كثير وأبي عمرو {لَقَدْ كَانَ لِسَبأَ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ} ففسر بالقبيلة كان لسبأَ فهم جمع، قبيلة سبأ وممنوع من الصرف لتأويل القبيلة، وقرأ الجمهور بالجمع {فِي مَسَاكِنِهِمْ آيَةٌ}، وعلى هذه القراءة التي نقرأ بها وهي قراءة حفص وحمزة "في مسكَنهم" يمكن أن يكون أيضاً بأن مسكن مفرد مضاف إلى المعرفة فيكون ذلك بمعنى الجمع، في مسكَنهم ومساكنهم ترجع القراءتان إلى معنى واحد بهذا الاعتبار، وهنا القراءة الثالثة بكسر الكاف {في مسكِنهم آية} بالإفراد وهي قراءة الكسائي، لكن معنى القراءة يرجع إلى شيء واحد -والله تعالى أعلم-، مسكن والمساكن كل ذلك يرجع إلى معنى واحد والحافظ ابن كثير -رحمه الله- في الأصل علق على هذا الحديث حديث فروة بن مسيك الغطيفي -رضي الله عنه- استغربه وقال: إن السورة مكية -سورة سبأ- وإن هذا السؤال كان في المدينة، لكن هل هذا كان إشكالاً حقيقياً يرِد على الحديث؟ هو ليس بسبب نزول فنقول: كيف وقع في المدينة؟ السورة نازلة في مكة، هذا ما هو سبب نزول، واحد يسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن سبأ فلا إشكال أن يرد السؤال في المدينة وأن تكون السورة نازلة في مكة، والله تعالى أعلم، وهذا الحديث حسنه الشيخ ناصر الدين الألباني -رحمه الله.

قال علماء النسب -منهم محمد بن إسحاق-: اسم سبأ: عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

وإنما سمي سبأ لأنه أول من سبأ في العرب، وكان يقال له: الرائش.

سبأ يعني من السبي، والسبي يكون للعدو في الحرب، وأول من سبأ من السبي، أول من سبأ في العرب وكان يقال له: الرائش.

وكان يقال له: الرائش؛ لأنه أول من غنم في الغزو فأعطى قومه، فسمي الرائش، والعرب تسمي المال: ريشا ورياشا.

على هذا القول بأن سبأ لقب له لفعله هذا يزعمون أن اسمه عبد شمس، وهذه القضايا يصعب إثباتها، إذا رجعت إلى كتب التواريخ أو كتب الأنساب كلام كثير في مثل هذه الأنساب كلام كثير في الأسماء، وتجد كلاماً كثيراً في التفاصيل، وفي أصل هؤلاء، والله تعالى أعلم.

واختلفوا في قحطان على ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه من سلالة إرم بن سام بن نوح، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاث طرائق.

والثاني: أنه من سلالة عَابَر، وهو هود -عليه الصلاة والسلام-، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاث طرائق أيضًا.

والثالث: أنه من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل -عليهما السلام-، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاث طرائق أيضا.

يقصد في الثاني والثالث هو اختصر القول الأول، اختصر القولين ذكر الأهم الذي يريد أن يذكره بدلاً من أن يذكر القولين اللذين يرى أنهما بعيدان اقتصر على ما يريد أن ينقله، ما أراد أن يقتصر على قول واحد وأن هذا هو القول الوحيد، قال: اختلفوا على ثلاثة أقوال: الثالث منها هو كذا، هو الذي يريد أن يورده، وأحياناً العلماء يوردون هذا في المختصرات على وجه يتضح، ليس كهذا، بهذه الطريقة ما نعرف القول الأول والثاني، لكن ابن كثير قصد وأراد قولاً منها يرى أنه هو الأقرب أو له وجه ونحو ذلك في المختصرات جداً يوردون هذه الطريقة بوجه يعرف ما تحته فيقولون مثلاً في هذه المسألة الخلاف على قولين والثالث التفصيل، إذاً الأول المنع، والثاني الجواز بإطلاق، والثالث التفصيل هذا تجدونه في المختصرات، يقول: اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال، اختلفوا في ذلك على أقوال: الثالث منها التفصيل، إذاً نعرف القول الأول والثاني، إذا رأيت هذا في المختصرات فافهم هذه القضية تعرف مرادهم، لكن فيما ذكر ابن كثير ما نعرف الأول والثاني فنفهم أنه أراد ما يرى أنه الأقرب وأوجه هذه الأقوال.

وقد ذكر ذلك مستقصى الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر النَّمري -رحمه الله- في كتابه المسمى: "الإنباه على ذكر أصول القبائل الرواة".

وهذا مطبوع بعنوان: "الإنباه على قبائل الرواة".

ومعنى قوله -عليه السلام-: "كان رجلا من العرب" يعني: العرب العاربة الذين كانوا قبل الخليل -عليه السلام- من سلالة سام بن نوح، وعلى القول الثالث: كان من سلالة الخليل -عليه السلام-، وليس هذا بالمشهور عندهم، والله أعلم.

 إذا كان من سلالة الخليل -عليه الصلاة والسلام- أي أنه من ولد إسماعيل، أن العرب من ولد إسماعيل فالعرب العاربة: يقولون: كان من قبل ذلك الذين مثل قوم هود وصالح يقولون: إنهم كانوا من العرب وإنهم بادوا و انقرضوا، يقولون: العرب العاربة ثم جاءت العرب المستعربة من ولد إسماعيل، وهذا ليس محل اتفاق بين أهل العلم وإن كان مشهوراً، فإن من أهل العلم من يعترض على هذا ويقول: لا يمكن أن يكون الذين جاءوا من ولد إسماعيل يقال عرب مستعربة يعني ليست أصلية، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان من صلب العرب، وأنه أشرف العرب -عليه الصلاة والسلام- فكيف يقال عنه: إنه من العرب المستعربة؟!، فبعض أهل العلم يعترض على هذا التقسيم أصلاً ويرى أنه لا يوجد عرب عاربة وعرب مستعربة، وإنما كلهم عرب، والمسألة مبسوطة في كلام أهل العلم، معروف في مظانه ليس هذا موضعه، لكن لأن ابن كثير تطرق إليها.

ولكن في صحيح البخاري: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرَّ بنفر من "أسلَمَ" ينتضلون، فقال: "ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا"([5]).

قوله: "ارموا بني إسماعيل فإن أباكم" نسبهم إلى إسماعيل وهم من "أسلم"، وأسلم ترجع إلى قحطان فجعلهم من ولد إسماعيل.

فأسلم قبيلة من الأنصار، والأنصار أوسها وخزرجها من غسّان من عرب اليمن من سبأ، نزلوا بيثرب لما تفرقت سبأ في البلاد، حين بعث الله عليهم سيل العرم، ونزلت طائفة منهم بالشام، وإنما قيل لهم: غَسَّان بماء نزلوا عليه قيل: باليمن، وقيل: إنه قريب من المُشَلَّل.

المشلل في الحجاز عند قديد بين مكة والمدينة كما في غزوة المصطلق لما اختصموا عند ماء بالمشلل القصة المعروفة، الجهجاه وهو مولى لعمر لطم الجهني على الماء فقال: يا للأنصار، وقال هذا: يا للمهاجرين، جهني مولى لعبد الله بن أُبيّ فقال: أو قد فعلوها؟! ما مثلنا ومثل هذا إلا كما قال الأول -قبحه الله-: سَمِّن كلبَك يأكلْك، يعني النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة هذا كان في المصطلق عند ماء بالمشلل، أو عند ماء يقال له: المشلل الآن عند قديد.

كما قال حسان بن ثابت:

إمَّا سَألتَ فَإنَّا مَعْشَرٌ نُجُبٌ *** الأزْدُ نِسْبَتُنَا والماءُ غَسَّانُ

ننتسب إلى الأزد القبيلة المعروفة اليمانية التي يرجع إليها الكثير من مسميات القبائل والناس مثل الغمد، والزهارين كل هؤلاء يرجعون إلى الأزد.

ومعنى قوله: "وُلد له عشرة من العرب" أي: كان من نسله هؤلاء العشرة الذين يرجع إليهم أصول القبائل من عرب اليمن، لا أنهم ولدوا من صلبه، بل منهم مَن بينه وبينه الأبوان والثلاثة والأقل والأكثر، كما هو مقرر مبين في مواضعه من كتب النسب.

يعني أن هؤلاء الواحد منهم صار أباً للقبيلة، وإن لم يكن الابن مباشراً له –لسبأ- هذا مقصوده وكل ذلك يقال له: ولد، إذا رأيتم في أشجار النسب تجدون بإرادة الله -عز وجل- أن يكون أحد هؤلاء الآباء تتفرع قبيلة منه، وبعضهم لا يولد له أحد، وبعضهم يولد له أولاد ثم يضمحلون، وبعض الناس يريد الله -عز وجل- أن يكون هو وهكذا، تجد القبيلة تنتسب إلى رجل، الآن غامد وزهران ينتسبون إلى رجلين، إلى أخوين أو أنهما ابنا عم، لهذا المقصود أنهم ينتسبون إلى رجلين، ومَن قبل هؤلاء الرجلين إلى آخره هل تفرع منه القبائل؟ ليس بالضرورة.

ومعنى قوله: "فتيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة" أي: بعدما أرسل الله عليهم سيل العرم، منهم مَنْ أقام ببلادهم، ومنهم مَنْ نزح عنها إلى غيرها، وكان من أمر السد أنه كان الماء يأتيهم من بين جبلين وتجتمع إليه أيضا سيول أمطارهم وأوديتهم، فعَمَدَ ملوكهم الأقادم، فبنوا بينهما سدًا عظيما محكما حتى ارتفع الماء، وحُكمَ على حافات ذينك الجبلين، فغرسوا الأشجار واستغلوا الثمار في غاية ما يكون من الكثرة والحسن، كما ذكر غير واحد من السلف، منهم قتادة.

يعني هذا ذكره قتادة في سياق بيان الآية، قال الله -عز وجل-: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ} قال قتادة: كانت المرأة تمشي وعلى رأسها المكتل، والمكتل مثل الزنبيل، تعرفون الزنبيل؟ الذي يكون منسوجاً من الخوص مثل القدر لكن من الخوص تضعه على رأسها فيمتلئ بالثمار دون أن تقطف، هذا قد يكون فيه مبالغة، يعني لكثرة الثمار لا تحتاج إلى قطف، لو كان الأمر كذلك كانت الأرض امتلأت بالثمار وفسد عليهم ثمارهم، مهما كان كثيراً إذا كان يتساقط بهذه الطريقة، تمشي المرأة وعلى رأسها المكتل وهو ممتلئ، قتادة يقصد تفسير الآية {فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ} ما هي الآية؟ تمشي المرأة.. يعني كثرة الثمار.

أن المرأة كانت تمشي تحت الأشجار وعلى رأسها مكتل أو زنبيل، وهو الذي تخترف فيه الثمار، فيتساقط من الأشجار في ذلك ما يملؤه من غير أن يحتاج إلى كلفة ولا قُطَّاف، لكثرته ونضجه واستوائه، وكان هذا السد بمأرب: بلدة بينها وبين صنعاء ثلاث مراحل، ويعرف بسد مأرب.

مأرب المعروفة اليوم، مع أن بعض السلف قال: المقصود صنعاء، لكن هذا لا يظهر -والله تعالى أعلم-، والذي عليه عامة أهل العلم أن المقصود مأرب المعروفة.

وذكر آخرون أنه لم يكن ببلدهم شيء من الذباب ولا البعوض ولا البراغيث، ولا شيء من الهوام، وذلك لاعتدال الهواء وصحة المزاج وعناية الله بهم، ليوحدوه ويعبدوه، كما قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ}، ثم فسرها بقوله: {جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ} أي: من ناحيتي الجبلين والبلدة بين ذلك.

هذا القول الآخر، هنا ذكر آخرين يفسرون الآية {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ} ما هي الآية؟ الأول أن المرأة تحمل المكتل ويمتلئ، الثاني قالوا: إن المقصود أن أرضهم لا سباخ فيها، وبعضهم يقول: كثيرة الثمر وهذا يرجع إلى قول من قال: إن المرأة تحمل المكتل إلى آخره، وبعضهم يقول: ليس فيها ذباب ولا حشرات ولا عقارب ولا براغيث حتى قال بعضهم: إن الوفد يأتون بثيابهم القمل فإذا رأوا بيوتهم ماتت، والله -عز وجل- ذكر هذه البلدة أو الأرض "في مسكنهم آية جنتان عن يمين..."، إلى آخره، من قال: إنها سباخ لا شك أن أرضها طيبة ظهر فيها الأشجار والثمار والبساتين وما إلى ذلك، والبلدة الطيبة يقال ذلك لطيب هوائها، وإذا طاب هواؤها فإن ذلك مؤذن بطيب كثير من الأمور فيها، وإذا لم يطب الهواء اعتلت الأجسام وكثرت الهوام والعلل والأسقام وصارت موبوءة تكثر فيها البعوض والحشرات وما إلى ذلك، فهذه بلدة طيبة لكن هل معنى ذلك أنه لا يوجد فيه حشرات مطلقاً لا يوجد فيها حيات لا يوجد فيها عقارب؟، والله أعلم هذا مما تلقي عن بني إسرائيل، لكن حينما يقول الله -عز وجل- "بلدة طيبة" فهذا يدل على طيب أرضها وهوائها وأشجارها وثمارها وما إلى ذلك، ولا شك أن كثرة الحشرات والذباب والبعوض إلى آخره من المنغصات، وشدة البرودة من المنغصات، وشدة الحر من المنغصات، وشدة الرياح والغبار من المنغصات، هذه بلدة معتدلة الهواء، طيبة التربة كثيرة الثمار والأشجار، وكلما طاب الهوى وحصل الاعتدال حصل أثر ذلك، ولذلك تجدون المناطق الاستوائية في العالم إذا ذهبت إلى إندونيسيا وما حولها على الخط تجد ما تراه كما ترى في المناطق المحاذية في أفريقيا، يعني اذهب إلى كينيا مثلاً وما حولها، واذهب إلى إندونيسيا تجد الأرض متشابهة تماماً، لا ترى التراب كل شيء أخضر أشجار على المحيط على البحر، وفي غاية الخصوبة باعتدال الهواء لكن ليست كمأرب، يعني هناك الحشرات كثيرة لكن كثرة نسبية.

وهم يقولون: عن يمين واديهم وشماله، وأن مساكنهم كانت في الوادي، وبعضهم كابن جرير يقول: بستانان بين الجبلين عن يمين من أتاهما وشماله، المقصود بالبستانين مزرعتان، وإنما بساتين عن يمين الوادي وشماله، عن يمين وشمال.

{كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} أي: غفور لكم إن استمررتم على التوحيد.

من الذي قال لهم: إن استمررتم {كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ}؟ يمكن أن يكون من الله -عز وجل-، وليس المقصود أنه خاطبهم بهذا مباشرة فسمعوه، وإنما هذا يدل على تمكينهم من تلك النعم {كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ}  وبعضهم يقول: قال لهم نبيهم، يقولون يزعمون بأن الله بعث لهم ثلاثة عشر نبياً فكذبوهم، وليس عندنا دليل على هذا -فالله أعلم-، والله أخبر أنه ما من أمة إلا بُعث فيها نذير ينذرهم، فالعلم عند الله -عز وجل-، وبعضهم قال: قالت لهم ذلك الملائكة، ولا دليل على هذا، {كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ} هذه جملة مستأنفة جديدة لبيان موجب الشكر {كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ} وعرفنا لماذا كانت طيبة، وابن جرير -رحمه الله- جمع بعض هذه المعاني يعني كثرة الأشجار وطيب الثمار وأنها ليست بسباخ، وهذا لا إشكال فيه، والله تعالى أعلم، {وَرَبٌّ غَفُورٌ} يعني أن ربكم إن شكرتم فيما رزقكم ربٌ غفور للذنوب، هذا قال به بعض السلف، وابن كثير يقول: ربٌ غفور إن استمررتم على التوحيد، وهذا لا يعارضه، وجه الجمع بين ما سبق يعني أن الله قال: {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} بعض أهل العلم يقول: لما كان التمتع بالطيبات قد لا يخلو من شائبة ذكر مغفرته -تبارك وتعالى-، يعني أن الإنسان إذا كان على الصراط وموحداً الله -تبارك وتعالى- فإنه وإن وقع منه شيءً من الزلل إلا أن الله غفور يغفر له ما قد يبدر له من تقصير في شكره، ولهذا يمكن أن يقال بطريق أوضح في قوله: {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ}: إن الله أفاض عليهم من هذه النعم وحباهم بهذه العطايا والمِنن ثم لا يستطيعون أن يوفوا شكرها فقال: {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ}، أعطاهم فهذا يحتاج إلى شكر أعظم وهم لا يستطيعون القيام بهذا على الوجه الأكمل فقال: {وَرَبٌّ غَفُورٌ}، والله أعلم.

وقوله: {فَأَعْرَضُوا} أي: عن توحيد الله وعبادته وشكره على ما أنعم به عليهم، وعدلوا إلى عبادة الشمس، كما قال هدهد سليمان: {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ} [سورة النمل: 22-24].

لاحظْ هو يتكلم عن أمّة، عن قبيلة، فالحديث السابق لما سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن سبأ وقال: رجل لا يمكن أن يفسر به هذا {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ} أي الرجل الذي يقال له: سبأ، يعني تفطنوا لهذا، ولهذا قال: "امرأة تملكهم" تملك هؤلاء القوم.

وقوله: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ}: قيل: المراد بالعرم المياه، وقيل: الوادي، وقيل: الجُرَذ، وقيل: الماء الغزير، فيكون من باب إضافة الاسم إلى صفته، مثل: "مسجد الجامع"، و"سعيد كُرْز"، حكى ذلك السهيلي.

وسعيد كرز يعني أضيف إلى صفته، مسجد الجامع، سيل العرم، أنه عرم أي سيل شديد، سيل عارم بهذا الاعتبار، على هذا.

وذكر غير واحد منهم ابن عباس، ووهب بن منبه، وقتادة، والضحاك أن الله -عز وجل- لما أراد عقوبتهم بإرسال العرم عليهم بعث على السد دابة من الأرض، يقال لها: "الجُرَذ" نقبته.

الجرذ فصيلة من الفأر أكبر حجماً منه يقال لها: الجرذان، ومنه قول القذافي -قبحه الله- لمعارضيه      ذلك، فعاقبه الله -عز وجل- بما يستحق، نقبته يعني تكاثرت عنده الجرذان، أرضهم كانت طيبة ما فيها   شيء من هذا فتكاثرت عندهم فصارت تنقب عنهم هذا السد، وإذا تكاثرت وبدأت تنقب لا تسأل عن       حال المكان بعدها، فلما جاء السيل كان هذا البناء مخرقاً، وإذا كان البناء مخرقاً يبدأ الماء قليلاً شيئاً فشيئاً    ثم يتعاظم ويتكاثر ثم بعد ذلك يأتي على كل ما أمامه، ونحن قد لا نتصور هذه الأشياء من قبل سنين      ولكن لما رأينا الماء وما يفعل في الطوفان الذي حصل في إندونيسيا، وفي غيرها يجتاح القرى بكاملها في لحظات ويجعلها كالقش لا يقف في وجهه شيء، بل رأينا المطر كيف يصنع في جدة يحمل السيارات    كأنها قش وينقلها من أماكنها من المظلات، ويحمل بعضها على بعض، يحمل بعضها على بعض      بطريقة عجيبة جداً تتعجب كيف تصبح هذه السيارات الضخمة -حتى الشاحنات- كأنها قش يطفو على الماء    ثم يحطم بعضها بعضاً فتتحول إلى سكراب كأنك في تشليح رميت السيارات فيه على بعض، فهذه آية من آيات الله -عز وجل-، والذين شاهدوا السيول التي تجتاح السدود في وقت من الأوقات يدركون مثل هذه المعاني تمام الإدراك، فجاء هذا السيل العارم الشديد واجتاح هذا السد، ثم اجتاح ما بعده، يقلع الأشجار والبيوت لا يبقي ولا يذر.

قال وهب بن منبه: وقد كانوا يجدون في كتبهم أن سبب خراب هذا السد هو الجُرَذ فكانوا يرصدون عنده السنانير برهة من الزمان

في كتبهم يعني الإسرائيليات.

يقابلون بالسِّنَّوْر –القط- من أجل أن يطرد أو يأكل هذه الجرذان، وإذا كانت هذه أحياناً قوية فإنه قد يخاف منها ويفر كما هو مشاهد، وإذا جاء أمر الله -عز وجل- بطلت الحيل، والله المستعان.

فلما جاء القدر غلبت الفأر السنانير، وولجت إلى السَّدّ فنقبته، فانهار عليهم.

الآن بعدما تغير كل شيء عند الناس والأحوال رأينا الجرذان تطارد السنانير، وهي تفر منها غاية الفرار هذا شيء مشاهد، الآن كل شيء تغير حتى السنانير تغيرت، والجرذان استأسدت، والله المستعان.

وقال قتادة وغيره: الجُرَذ: هو الخَلْد، نقبت أسافله حتى إذا ضَعف ووَهَى، وجاءت أيام السيول صَدمَ الماءُ البناءَ فسقط، فانساب الماء في أسفل الوادي، وخرب ما بين يديه من الأبنية والأشجار وغير ذلك، ونضب الماء عن الأشجار التي في الجبلين عن يمين وشمال، فيبست وتحطمت، وتبدلت تلك الأشجار المثمرة الأنيقة النضرة، كما قال الله تعالى: {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ}.

سيل العرم: ابن كثير يقول: مثل هذا من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، السيل الموصوف بهذه القوة والشدة، وبعضهم يقول: إنه الفأر أو هذا الفصيل من الفئران هو المقصود بسيل العرم أضيف إليه للملابسة لأنه هو الذي خرقه، والأول أوضح من هذا وأوجه، الوادي يقال له العرم يقال له: جمع عرمة، بعضهم يفسره بالسدادة مثلاً، كما يقول بعضهم: كان له أبواب على درجات كما هو في السدود، يعني إذا كان ممتلئا يفتح المنفذ الأعلى فيخرج الماء ينساب منه، وإذا نزل مستوى الماء ومنسوبه يفتح الأوسط، وإذا نزل يفتح الأسفل ففيه أشياء تُسَكّر هذا، فهذا السكر، السكر نحن نقول سدادة مثلاً، أو مثل الآن الحنفية، يقال له: سكر الماء محبس يعني، يقال له: سكر، حنفية ضخمة مثلاً، أنا لا أقول عندهم حنفيات…إلى آخره، لكن هذا يسمى سكر الماء، أظن أنه يكتب إلى الآن سكر ماء كذا في اللوحات عند أماكن محابس المياه أو الأنابيب أو نحو ذلك، فبعضهم يقول: العرم المقصود المحابس هذه، وهذا لا يخلو من بُعد وإن قال به بعض السلف كقتادة، وبعضهم يقول: اسم السد سيل العرم، العرم هو السد، اسمه العرم، والله أعلم لا يخلو من بعد، سيل السد العرم يعني السد المسمى بالعرم، وبعضهم يقول: هذا اسم الوادي يقال له: العرم، سيل العرم فنسب إلى الوادي الذي حصل فيه ذلك، وهذه كلها أقوال للسلف، ومن قال هذا الفأر فنسب إلى سببه، سبب السيل الذي حصل والمصيبة التي حلت بهم هذا الفأر الذي هو العرم، ولهذا يقول بعض أئمة اللغة كابن الأعرابي: إن العرم اسم للفأر في اللغة، هذا قاله ابن الأعرابي، من أسماء الفأر، وبعضهم يقول: هو غير ذلك ماء أحمر أرسله الله إلى هذا السد فدمره وهدمه وشققه، وبعضهم يقول: العرم هو المطر الشديد، سيل العرم، وبعضهم يقول: السيل الشديد، الفرق بين المطر والسيل: المطر هو الذي ينزل من السماء، والسيل يكون قد جاء من أماكن، من جبال بعيدة فسال في الأرض، وبعضهم يقول: العرم كل حاجز بين شيئين ولهذا قيل: للسد، والعرامة تدل على الشدة، تدل على شدة وشراسة وقوة، ومن ثَمّ فإن أقرب هذه الأقوال -والله تعالى أعلم- أن السيل العرم يعني القوي الشديد الذي لا يقف في وجهه شيء وهذا سيلٌ عرم، وعارم، وفلان رجلٌ عارم وعرم أي شرس شديد صعب.

قال ابن عباس، ومجاهد، وعِكْرِمة، وعطاء الخُرَساني، والحسن، وقتادة، والسُّدِّي: وهو الأراك، وأكُله البَرير.

وأكُله البرير، البرير هو ثمر الأراك، الذي يظهر من ثمره، وشجر الأراك معروف الذي يستخرج منه السواك، أعواد السواك من شجر الأراك، لعلكم رأيتم شجر الأراك ويكون في الأرض الرملية، وفي الأودية ونحو ذلك، وهو شجر كثيف متفرع يحتل مساحة إذا كان كبيراً مساحة واسعة لا يكاد ينتفع منه بغيره، فهذا يخرج في مناطق وأماكن صحراوية أو شبه صحراوية، وهذا يدل على أن هذه الناحية بعدما كانت جنات تصحرت، فصار عامة ما فيها هو شجر الأراك بعد تلك الجنان، والأثل هو نبت صحراوي لا يكاد ينتفع منه إلا بالخشب الذي كان يوضع في السقوف، وترون الأثل يوضع في هذه البلاد في أطراف المزارع، ولا يزال موجوداً في بعض النواحي، قبل استعمال الناس هذا النوع من الأشجار التي تكون للزينة ونحو ذلك يضعونها الآن في أطراف المزارع وأطراف الاستراحات والشوارع والأرصفة، وقبل ذلك المزارع كانت تحاط بالأثل الذي يوضع منه خشب السقف، واضح؟ تعرفونه لونه أشهب إلى حدٍّ ما طويل جداً جداً، رأيتم هذا في أطراف المزارع، أثل الواحدة أثلة، فأٌكل خمط، إذا قيل أكل خمط: الخمط هو الأراك فيكون الخمط بدلاً من الأُكل إذا قيل الخمط هو الأراك كما يقوله أكثر المفسرين، وبه فسره الخليل بن أحمد -رحمه الله-، وبعضهم يقول: إن الخمط هو كل شجر له شوك مر المذاق هذا خمط، وبعضهم يقول: كل ما لا يمكن أكله من الشجر لمرارته، وهذا قريب من الذي قبله، هكذا يفسره بعض أهل اللغة، هذه أقوال مثل أبي عبيدة والزجاج وغيرهم، وبعضهم يقول: كل شيء قد تغير لا تطلبه النفوس ولا يُشتهى للأكل فهو خمط، فاللبن إذا تغير إلى حموضة لا يستساغ فهو خمط، وهذا الذي بدلهم الله -عز وجل- بهذه الأشجار التي لا ينتفع بها أو لا يكاد ينتفع بها أو بثمرها فهو أيضاً خمط، وبعضهم يقول: نوع من الأراك له حمل يؤكل -والله تعالى أعلم-، والمقصود أنهم بُدلوا بهذه الجنات وهذا النعيم تصحرت بلادهم وصارت تظهر بها هذه الأشجار الصحراوية الأثل والأراك والسدر؛ لأن السدر شجر النبق يؤكل ثمره كما هو معروف لكنه صغير، وماذا عسى يسمن أو يغني من جوع؟، وإنما يُتفكه به تفكهاً ضعيفاً يسيراً لا يقارن بالثمار الأخرى، وغالب ما يَتفكه به الصغارُ الأطفال، ومع ذلك قليل، هذا إذا كان هذا السدر من قبيل السدر الذي يكون له النبق المعروف الذي يؤكل وإلا فالسدر نوعان: نوع صحراوي لا يكاد ينتفع به حتى إن ورقه لا يصلح أن يكون غسولاً، يعني أول ما كانوا يغتسلون بالسدر، مقام المنظفات اليوم الشامبو، فورق السدر غير الصحراوي كان يستعمل لهذا، فيكون هذا الذي أبدلهم الله -عز وجل- هو السدر الصحراوي الذي لا ينتفع لا بثمره ولا بورقه.

{وَأَثْل}: قال العوفي، عن ابن عباس: هو الطَّرْفاء.

وقال غيره: هو شجر يشبه الطرفاء، وقيل: هو السّمُر، فالله أعلم.

شجر، تعرفون النبي -صلى الله عليه وسلم- عمل له المنبر من شجر الطرفاء، طرفاء الغابة في المدينة قيل هو الطرفاء وقيل السمر الشجر المعروف، وهذا موجود في أرض الحجاز، وبعضهم يقول: أعظم من الطرفاء طولاً، وبعضهم فسر الأثل بالخشب، والأثل هو الذي يؤخذ منه الخشب، واليوم الناس يعرفون الأثل ويسمونه بهذا وهو الشجر الذي يسمونه آنفاً، شجر صحراوي طويل جداً ليس بتلك الخضرة وإنما يميل إلى اللون الأشهب لا يكاد ينتفع منه بالخشب إلا في الأسقف، ورقه صغير جداً يتحاتّ، وضئيل ليس له ورق منبسط.

وقوله: {وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ}: لما كان أجودَ هذه الأشجار المبدل بها هو السّدْر قال: {وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ}، فهذا الذي صار أمرُ تَيْنك الجنتين إليه، بعد الثمار النضيجة والمناظر الحسنة، والظلال العميقة والأنهار الجارية، تبدلت إلى شجر الأراك والطرفاء والسّدْر ذي الشوك الكثير والثمر القليل، وذلك بسبب كفرهم وشركهم بالله، وتكذيبهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل؛ ولهذا قال: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ} أي: عاقبناهم بكفرهم.

قال مجاهد: ولا يعاقب إلا الكفور.

وقال الحسن البصري: صدق الله العظيم، لا يعاقب بمثل فعله إلا الكفور.

الجزاء هنا حمل على معنى المكافئة أن الله كافأهم بذلك فالسيئة بمثلها، وأما الثواب لأهل الإيمان والجزاء الحسن فالحسنة بعشر أمثالها، فالمقصود هنا وهل نجازي أي نكافئ إلا الكفور يعني على إجرامه وكفره بالله -تبارك وتعالى-؟ فهنا قال مجاهد: لا يعاقب إلا الكفور، وتأمل هذا المعنى الذي ذكره الحافظ ابن كثير وذكره بعض السلف أن الله أبدلهم -بسبب أعمالهم- بجنتيهم جنتين من نوع آخر، تحول ذلك النعيم إلى بؤس وقلة وشقاء وحال لا تطاق، فتفرقوا شذر مذر انتقلوا؛ لأن أرضهم لم تعد محلاً صالحاً للعيش، وهكذا من حادّ الله -جل جلاله-، ونحن نرى في هذه السنين آياتٍ ما كنا نظن أننا نعيش حتى نراها وإن كنا نعلم أنها ستقع وتتحقق سواء كان ذلك في أشخاص كما حصل لبعض هؤلاء العتاة على الله -عز وجل-، وكيف أُبدلوا من حال إلى حال، من الترف والنعيم واللذات والانغماس بالشهوات وظلم الخلق إلى حال كما ترون، ويشاهده العالم جميعاً وكان الرجل في السابق لربما يفتضح في طائفة من الناس أو بين قومه وأصبحت الفضيحة اليوم -نسأل الله العافية- يراها مَن على وجه الأرض، وهذا الخزي إذا استعاذ الإنسان من خزي الدنيا فهذا من أعظم خزي الدنيا، وانظر إلى ذلك على مستوى الأمم كيف يبدلها الله -تبارك وتعالى-، وخذ مثالاً على ذلك اليوم اليونان وما صارت إليه من الإفلاس بعدما كان قبل سنوات الناس في بعض البلاد الشرقية يذهبون إليها طلباً للكسب والمعيشة، وقد زرت بعض البلاد تكاد تخلو من الشباب، والشباب يذهبون هناك إلى اليونان طلباً للعمل والكسب ويضيّق عليهم في هذا كثيراً بسبب أنهم من المسلمين فيضطرون إلى تغيير أسمائهم إلى أسماء نصرانية ويقفون طوابير طويلة لمدد طويلة؛ علّه يحصل لهم مثل هذه الأمنية التي يتمناها الشباب هناك، فيذهبون ينتقلون إلى حال من الرغد في زعمهم والغنى، هذا قبل سنوات قريبة يذهبون إلى اليونان يذهبون من كوسوفا من مقدونيا من ألبانيا من البوسنة إلى اليونان للعمل، والآن اليونان إفلاس، ولما حاولت الدول في أوروبا أن تعطيهم بعض الجرعات المنشطة والمهدئات ليتأخر سقوطهم -أعلن الإفلاس شيئاً فشيئاً- وجدوا أن الأمر أكبر من ذلك ثم بعد ذلك رفعوا أيديهم، هذه من آيات الله -عز وجل- وبقية العقد في الطريق، الآن هم في الإعصار، وعما قريب سترون بإذن الله -عز وجل- كيف يعصف بهم فيتهافتون، وتتحول تلك القوى والمفاعلات وما إلى ذلك إلى عبء يرهق كواهلهم ويهدد حياتهم صباح مساء، {وَاللّهُ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سورة آل عمران:189] ولكن الناس يستعجلون.

تم بحمد الله وفضله.


 

[1] - رواه البخاري، كتاب اللباس، باب عذاب المصورين يوم القيامة، برقم (5607)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم تصوير صورة الحيوان وتحريم اتخاذ ما فيه صورة غير ممتهنة بالفرش ونحوه وأن الملائكة -عليهم السلام- لا يدخلون بيتا فيه صورة ولا كلب، برقم (2108).

[2] - رواه البخاري، أبواب المساجد، باب الصلاة في البيعة، برقم (424)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهى عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهى عن اتخاذ القبور مساجد، برقم (528).

[3] - في الصحيحين بمعناه، البخاري، كتاب الصوم، باب صوم داود -عليه السلام-، برقم (1878)، ومسلم، كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به أو فوت به حقا أو لم يفطر العيدين والتشريق وبيان تفضيل صوم يوم وإفطار يوم، برقم (1159).

[4] - رواه أبو داود، الباب الأول من كتاب الحروف والقراءات، برقم (3988)، والترمذي، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ومن سورة سبأ، برقم (3222)، وأحمد في المسند (ملحق مسند الأنصار)، برقم (87)، وقال محققوه: "إسناده حسن، عبد الله بن عابس -وهو أبو سبرة النخعي- روى عنه ثلاثة وذكره ابن حبان في "الثقات"، وباقي رجاله موثوقون، حسين: هو ابن محمد بن بهرام، وشيبان: هو ابن عبد الرحمن النحوي".

[5] - رواه البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: {واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد} [سورة مريم:54]، برقم (3193).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 1
teleqram
trees
about