استعرض النسخة الجديدة من الموقع
‏‏ (1) من أول السورة " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ... " ‏
عدد الزوار : 6210
تاريخ الإضافة : 22 ذو الحجة 1432
MP3 : 29771 kb
PDF : 157 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة سبأ من الآية (1) إلى الآية (11).

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد: اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين.

يقول الإمام الحافظ ابن كثير في قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} [سورة سبأ:1-2].

يخبر تعالى عن نفسه الكريمة: أن له الحمدَ المطلق في الدنيا والآخرة؛ لأنه المنعم المتفضل على أهل الدنيا والآخرة، المالك لجميع ذلك، الحاكم في جميع ذلك، كما قال: {وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [سورة القصص:70]؛ ولهذا قال هاهنا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ} أي: الجميع ملكه وعبيده وتحت قهره وتصرفه، كما قال: {وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأولَى} [سورة الليل:13].

ثم قال -عز وجل-: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ}، فهو المعبود أبداً، المحمود على طول المدى.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى-: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ}، الحمد يقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: له الحمد المطلق؛ لأن الحمد هنا دخلت عليه "ال" و "ال" هذه للجنس، فيكون له الحمد المطلق من كل وجه؛ لأنه الكامل من كل وجه، فإنه لا يستحق الحمد المطلق إلا من كان له الكمال المطلق، وقال بعده: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ثم قال: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ}، فالحمد الأول حمد مطلق، والحمد المطلق يشمل الدنيا والآخرة، فبعد أن ذكر سعة ملكه -تبارك وتعالى- بأن له ما في السماوات وما في الأرض أعاد الحمد ثانية، وذلك أن ملكه -تبارك وتعالى- واقع بين حمدين، وهذا يفيد وصفاً ثالثاً، إذ إن الملك غالباً ما يحمل على الظلم أو القهر والتسلط بغير حق فيصدر بسبب ذلك بعض ما لا يليق، وأما ملك الله -عز وجل- فهو مسبوق ذكر قبله الحمد وبعده الحمد فأوقعه بين حمدين فهو محمود في ملكه.

وقوله -تبارك وتعالى-: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ} أي: أنه محمود فيها، الحافظ ابن كثير يقول: فهو المعبود أبداً المحمود على طول المدى، {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ}، كما يقول أهل الجنة إذا دخلوها {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ} [سورة الأعراف:43]، وهكذا: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء} [سورة الزمر:74]، فهذا واقع في الآخرة، وهكذا في غيره من المواضع كقوله -تبارك وتعالى- عنهم عن أهل الجنة {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} [سورة فاطر:34]، وهكذا في قوله: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة يونس:10]، فالله -تبارك وتعالى- محمود في الأولى والآخرة.

قال: وقوله: {وَهُوَ الْحَكِيمُ} أي: في أقواله وأفعاله وشرعه وقَدَره، {الْخَبِيرُ} الذي لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه شيء.

وقال مالك عن الزهري: خبير بخلقه حكيم بأمره؛ ولهذا قال: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} أي: يعلم عدد القطر النازل في أجزاء الأرض، والحب المبذور والكامن فيها، ويعلم ما يخرج من ذلك: عدده وكيفيته وصفاته، {وَمَا يَنزلُ مِنَ السَّمَاءِ} أي: من قطر ورزق، {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} أي: من الأعمال الصالحة وغير ذلك، {وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} أي: الرحيم بعباده فلا يعاجل عُصاتهم بالعقوبة، الغفور عن ذنوب التائبين إليه المتوكلين عليه.

قوله -تبارك وتعالى-: {وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} قال: لا تخفى عليه خافية، ثم نقل عن الزهر خبير بخلقه حكيم بأمره، وحكمته -تبارك وتعالى- لا تختص بهذا، وخبرته أيضاً لا تختص بما ذكر، ولكن المعنى الذي ذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هو الأعم والأليق، -والله أعلم-.

وقوله -تبارك وتعالى-: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} عبارة ابن كثير هنا جمع فيها الأقوال المنقولة عن السلف، والظاهر أنهم يفسرون ذلك على المثال، يعني أن هذه التفاسير هي من قبيل التفسير بالمثال، {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ} كأن يقول قائل: يعني المطر، الماء، {فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ} [سورة المؤمنون:18]، {فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ} [سورة الزمر:21]، ومن قائل: بأنه البذور التي توضع التراب، إلى غير ذلك من الأقاويل، وما ذكر هنا ما يلج في الأرض، ما ذكره الحافظ ابن كثير، قال: يعلم عدد القطر النازل في أجزاء الأرض والحب المبذور الكامن فيها، ويعلم.... إلى آخره.

فالذي يدخل في الأرض هو كل ما يلج في الأرض من الموتى، ومن الدواب التي تدخل فيها وهي حية، وكذلك ما يدخل فيها من المعادن والكنوز، وكل ما يصدق عليه أنه يلج في الأرض من مطر ونبات وما إلى ذلك، وكذلك ما يخرج منها، فالحافظ ابن كثير -رحمه الله- هنا يقول: ويعلم ما يخرج من ذلك: عدده وكيفيته وصفاته، فكل ما يخرج من الأرض من النبات ومن الماء ومن المعادن ومن الدواب، وغير ذلك مما يمكن أن يتصور أو لا يتصور مما لا يعلمه إلا الله -عز وجل-، ما عرفنا وما لم نعرف، كل ذلك داخل فيه؛ لأن "ما" تفيد العموم، فالله لا تخفى عليه خافية، وهكذا في قوله: {وَمَا يَنزلُ مِنَ السَّمَاءِ} قال: أي من قطر ورزق، وكلما ينزل من السماء من الملائكة وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله جل جلاله.

وهكذا في قوله: {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} من الأعمال الصالحة وغير ذلك الأعمال الصالحة، أرواح المؤمنين تعرج إلى السماء، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [سورة فاطر:10]، فذلك محمول على العموم.

وقوله: {وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} في القرآن يقدم الغفور على الرحيم، {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [سورة يونس:107]، وفي هذا الموضع {وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ}، أما ما كان على الغالب {الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} فوجه ذلك أن الغفر من باب المحو والتخلية، وأن الرحمة من باب التحلية، فحينما يغفر للإنسان تمحى عنه ذنوبه وتستر عيوبه فلا يؤاخذ بجرائره وجرائمه فهذا هو الغفر، والرحمة قدر زائد على ذلك، مع أنك إذا نظرت إلى المعنى الأعم في رحمة الله -عز وجل- فإن من رحمته بعبده أن يستر عيوبه وأن يغفر ذنوبه، لكن لما ذكر هذا وهذا فسر بما سمعتم، وهنا في هذا الموضع قدم الرحيم على الغفور ووجه ذلك -والله تعالى أعلم- أنه باعتبار ما ذكر قبله في هذا الموضع، فإن الله -تبارك وتعالى- حمد نفسه على ما له من أوصاف الكمال، فله الملك المطلق ويدبر أمر الخليقة، ويعلم أحوالهم، لا يخفى عليه من ذلك خافية، فيحصل لهم من ألطافه ورزقه وتربيته وتدبير شؤونهم ما لا قوام لهم إلا به، قال: {وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ}، -والله تعالى أعلم-.

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ * وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [سورة سبأ:3-6].

هذه إحدى الآيات الثلاث التي لا رابع لهن، مما أمر الله رسولَه -صلى الله عليه وسلم- أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد لَمَّا أنكره مَنْ أنكره من أهل الكفر والعناد، فإحداهن في سورة يونس -عليه السلام- وهي قوله تعالى: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} [سورة يونس:53]، والثانية هذه: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ}، والثالثة في التغابن وهي قوله تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [سورة التغابن:7]، فقال تعالى: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ}، ثم وصفه بما يؤكد ذلك ويقرره فقال: {عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}.

هذه الآيات الثلاث التي أمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يقسم بها على البعث، هذا الموضع الذي ذكر فيه الحافظ ابن كثير هذا المعنى ذكره أيضاً في سورة التغابن.

وقوله: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} هذه القراءة، {عَالِمِ الْغَيْبِ} وهي قراءة عاصم وابن كثير وأبو عمرو، {عَالِمِ الْغَيْبِ} يعني بالجر مكسورة، فيكون ذلك عائداً إلى قوله: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي} فالرب مقسم به مجرور، {وَرَبِّي}، وربي عالم الغيب، فيكون ذلك نعتاً له، نعتاً للرب أنه عالم الغيب، فلما كان الرب مجروراً اسم الرب هنا مجروراً جاء ذلك نعتاً له، وأما القراءة الأخرى وهي قراءة نافع وابن عامر بالرفع {عَالِمُ الْغَيْبِ} فهذا باعتبار أنه مبتدأ، {عَالمُ الْغَيْبِ}، وفي قراءة ثالثة أيضاً متواترة وهي قراءة حمزة والكسائي {علامِ الغيب} و(علام) صيغة مبالغة، وأيضاً بالجر نعتاً لـ"ربي"، {قل بلى وربي علام الغيب}، هذه ثلاث قراءات متواترة.

قال: قال مجاهد وقتادة: {لا يَعْزُبُ عَنْهُ} لا يغيب عنه، أي: الجميع مندرج تحت علمه فلا يخفى عليه منه شيء، فالعظام وإن تلاشت وتفرقت وتمزقت، فهو عالم أين ذهبت وأين تفرقت، ثم يعيدها كما بدأها أول مرة، فإنه بكل شيء عليم.

ثم بين حكمته في إعادة الأبدان وقيام الساعة بقوله تعالى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} أي: سعوا في الصد عن سبيل الله وتكذيب رسله.

الآن في قوله -تبارك وتعالى-، تأمل الآية: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} يعني: مبين لما فيه، أو بيّن لمن قرأه، قال: {إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، فقوله هنا: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، هل متعلق بقوله: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ}، {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} يعني من أجل الجزاء، أيضاً ويعاقب المجرمين والكافرين، فيكون ذكر أشرف النوعين، أشرف الصنفين، فيكون قوله: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} متعلق بقوله: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ}، {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} هذا احتمال، وذهب كبير المفسرين ابن جرير -رحمه الله- إلى أنه متعلق بآخر الآية، {وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي: أن الله -تبارك وتعالى- أثبت ذلك في كتاب من أجل الجزاء {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا} أثبته في الكتاب المبين كي يثيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم ذكر من كانوا بخلاف هذه الصفة وهم الكفار، قال: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} يعني: وليجزي الذين سعوا في آياتنا معاجزين، يجازي هؤلاء الذين عملوا في إبطال الحق، وهكذا في قوله: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} يعني: وليرى الذين أوتوا العلم، عطفاً على يجزي، فابن جرير جعل هذه الثلاث مرتبطة ببعضها، وأنها عائدة إلى بعض، {كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [سورة هود:6]، {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} وأيضاً ويجازي الذين عاندوا وكابروا وسعوا في آياته معاجزين، وليرى الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربهم، هذا على قول ابن جرير -رحمه الله-.

الآن {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ}، بعضهم يقول: أي مسابقين، يحسبون أنهم يفوتوننا، {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا} [سورة العنكبوت:4]، {سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} أي: مسابقين، يحسبون أنهم يفوتوننا ولا يدركون، يعني الله لا يقدر على إعادتهم أو لا يقدر على أخذتهم ومجازاتهم ومعاقبتهم ومحاسبتهم، فهم لكونهم يعتقدون أنهم لا يبعثون ظنوا هذا الظن السيئ أنهم يفوتون الله -تبارك وتعالى-، والمعاجزة تأتي بمعنى المغالبة، عاجزة بمعنى غالبه وسبقه، هذه قراءة الجمهور {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ}} وفي قراءة أخرى متواترة لابن كثير وأبي عمرو {معجزين}، وكل ذلك بعضهم يفسره بمعنى متحد، وبعضهم يقول: إن قوله: {معجزين} أي: مثبطين للناس عن اتباع الحق والعمل به، أو عن الإيمان، والمعنى المتبادر -والله تعالى أعلم-، {سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} يعني: يحسبون أنهم يفوتون الله ويسبقونه فلا يقدر على أخذهم ومجازاتهم ومحاسبتهم ومعاقبتهم فلا يبعثهم بعد أن تفرقت أبعاضهم وأجزاءهم في الأرض، وذلك لا ينفي أيضاً قول من فسره بأنهم مسابقين في طلب إبطال الحق، {سَعَوْا فِي آيَاتِنَا} فإن ذلك يدل عليه هذا القدر، سعوا فيها معاجزين، فهذا السعي منهم بأي شيء يكون؟ من أجل إبطال الحق، وتثبيط الناس عن اتباعه والأخذ به ولزومه.

قال: {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ} أي: لينعم السعداء من المؤمنين، ويعذب الأشقياء من الكافرين.

قال: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} أي سعوا في الصد عن سبيل الله تعالى وتكذيب رسله، {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ}، الرجز هو العذاب و"من" بيانية، عذاب من رجز، وبعضهم يقول: إن الرجز أشد العذاب، يعني هو عذاب خاص، فالعذاب على درجات، فالشديد منه يقال له: الرجز، وهذا العذاب بماذا يفسر {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ} وفي آية الحج: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [سورة الحج:51]، إذاً هذا العذاب {مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ} ليس في الدنيا وإنما في الآخرة، توعدهم الله -عز وجل- بالنار، {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} والقرآن يفسر بعضه بعضاً، {لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٍ} باعتبار أنه صفة للرجز.

في القراءة الأخرى وهي قراءة ابن كثير وحفص عن عاصم بالرفع {لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ}، صفة لعذاب، لهم عذاب أليم.

قال: كما قال: {لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ} [سورة الحشر:20]، وقال تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [سورة ص:28].

وقوله تعالى: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} هذه حكمة أخرى معطوفة على التي قبلها، وهي أن المؤمنين بما أنزل على الرسل إذا شاهدوا قيام الساعة ومجازاة الأبرار والفجار بالذي كانوا قد علموه من كتب الله في الدنيا رأوه حينئذ عين اليقين، ويقولون يومئذ أيضًا: {لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [سورة الأعراف:43]، ويقال أيضًا: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} [سورة يس:52]، {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ} [سورة الروم:56]، {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}.

قوله -تبارك وتعالى-: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} عُرف من كلام ابن جرير -رحمه الله- أن ذلك عائد إلى قوله: {لِيَجْزِيَ}، وأن قوله: {لِيَجْزِيَ} يعود إلى ما قبله من ذكر الكتاب المبين، وأن الله -عز وجل- أثبت فيه كل شيء، {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا} ويجزي أيضاً الكافرين، وليرى الذين أوتوا العلم أنه الحق، فأعاد ذلك جميعاً إلى قوله: {إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}، والمعنى الذي قبله وهو أن ذلك عائد إلى قوله: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ}، {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، وأن قوله: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} عائد إلى قوله: {لِيَجْزِيَ} بهذا الاعتبار، وهذا المعنى، هذا الذي مشى عليه ابن كثير -رحمه الله-، وبه قال جماعة آخرون كالزجّاج والفراء، وبعضهم يرى أن قوله: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} أنه كلام مستأنف، يعني كلام مبتدأ جديد لا تعلق له بما قبله، يعني غير مرتبط به، كما قيل من كلام ابن جرير وابن كثير وغير هؤلاء، يكون هكذا {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} إلى أن قال: {إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا} ليجزيهم وليحاسبهم، ثم قال بكلام جديد مستأنف يخبر فيه عن الذين أوتوا العلم، فلما كان أولئك من المعاجزين الذين طلبوا إبطال الحق وتشويهه، وتثبيط الناس عن اتباعه، وذلك فعل الجاهلين، ذكر موقف الذين أوتوا العلم منه، فقال: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}، فذاك موقف الكافرين سعوا معاجزين، وهذا موقع الذين أوتوا العلم، فهو كلام مستأنف في بيان حال هؤلاء في نظرهم للموحى به إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه حق وأنه يهدي، يعني أنه لا يتعلق بما سبق من قوله: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ} يعني: وليرى الذين أوتوا العلم، وإنما هو كلام مستأنف، وهذا لعله الأقرب -والله تعالى أعلم-، {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ}، فابن كثير -رحمه الله- هنا يقول: هذه حكمة أخرى معطوفة على التي قبلها، بصرف النظر في مرجع ذلك في الفرق بين ابن جرير وابن كثير عرفتموه في هذا، لكن كل واحد منهما يرى أنه يرجع إلى ما سبق، {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ}، وابن القيم -رحمه الله- هنا أشار إلى معنى لطيف في هذه الآية، فالذين أوتوا العلم يرون أنه الحق، هذا موقفهم وهذا نظرهم، فمن رأى أن المعارضين له بألوان المعارضات العقلية أنهم على الحق، أو أن ما عارضه من العقل حق، أن هؤلاء ليسوا من العلم في قليل ولا كثير، فالذين أوتوا العلم يرون أنه الحق، وأنه يهدي، فمن رأى أن الحق في غيره من المعارضات، أومن الأمور التي يتبعها من يتبعها سواء كان ذلك من العقول أو المواجيد والأذواق أو غير ذلك مما يتبعه من ضل عن الاهتداء بالقرآن فإنه ليس من هذا الوصف في قليل ولا كثير، فالذين شهد الله -عز وجل- لهم بأنهم أوتوا العلم هم الذين ينظرون إلى ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه الحق وأنه الذي يهدي، فمن اعتقد الحق في غيره أو أن الهداية في غيره فهو غير داخل بهذا الوصف.

قال: العزيز هو: المنيع الجناب، الذي لا يُغالب ولا يُمَانع، بل قد قهر كل شيء وغلبه، الحميد في جميع أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، وهو المحمود في ذلك كله -جل وعلا-.

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ * أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} [سورة سبأ:7-9].

هذا إخبار من الله عن استبعاد الكفرة الملحدين قيامَ الساعة واستهزائهم بالرسول -صلى الله عليه وسلم- في إخباره بذلك: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} أي: تفرقت أجسادكم في الأرض وذهبت فيها كل مذهب وتمزقت كل ممزق.

قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ} قالوا لبعضهم، قالوا مخاطبين لبعضهم، موجهين الخطاب لهم، {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ}، قالوا هذا على سبيل الاستنكار والسخرية والاستبعاد، {يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ}، يعني تفسخت أجسادكم في الأرض وتحللت أنكم ترجعون ثانية.

قال: {إِنَّكُمْ} أي: بعد هذا الحال {لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} أي: تعودون أحياء ترزقون بعد ذلك، وهو في هذا الإخبار لا يخلو أمره من قسمين: إما أن يكون قد تعمد الافتراء على الله أنه قد أوحى إليه ذلك.

يعني هذا من قولهم، {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ}، يعني هذا الذي صدر منه حينما قال: بأنكم تبعثون من جديد، إما أن يكون مفتري على الله، وإما أن يكون قد أصيبب في عقله.

قال: أو أنه لم يتعمد لكن لُبّس عليه كما يُلَبَّس على المعتوه والمجنون؛ ولهذا قالوا: {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ}؟ قال الله تعالى رادًا عليهم: {بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ} أي: ليس الأمر كما زعموا ولا كما ذهبوا إليه، بل محمد -صلى الله عليه وسلم- هو الصادق البار الراشد الذي جاء بالحق، وهم الكذبة الجهلة الأغبياء، {فِي الْعَذَابِ} أي: الكفر المفضي بهم إلى عذاب الله، {وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ} من الحق في الدنيا.

ثم قال منبهًا لهم على قدرته في خلق السماوات والأرض.

قوله -تبارك وتعالى-: {بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ} يعني: أن الكافرين في العذاب والضلال، فابن كثير -رحمه الله- فسر العذاب هنا قال: أي الكفر المفضي بهم إلى العذاب، فيكون قد أطلق على العذاب، لما كان الكفر سبباً للعذاب، سماه عذاباً؛ لأنه يتسبب به العذاب، ينتج عن الكفر العذاب، فأطلق المسبب على السبب، وبين السبب والمسبب ملازمة لا تخفى، وهذا معروف في كلام العرب يتوسعون في الكلام ولا إشكال فيه، ويمكن أن يذكر أيضاً مع هذا مع ما ذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- من تفسير ذلك بأنه يفضي، لما كان يفضي إلى العذاب سماه عذاباً، وما هم فيه من الشقاء بالكفر والضيق والحرج والريب وما إلى ذلك، فإن هذا عذاب في الدنيا قبل الآخرة، {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} [سورة طه:124]، فالكافرين وإن تنعمت أجسامهم في الدنيا وحصلوا ألوان الملاذ إلا أنهم في شقاء يعصف بنفوسهم، فإذا كان أهل الإيمان إذا حصل من الواحد منهم بعض المعاصي والذنوب والتقصير أو الغفلة وجد من الوحشة والضيق ما قد يضيق به ذرعاً، فكيف بمن لا يعرف الله -عز وجل-، ولا يتقيه ولا يراقبه، ويفعل كل ما أملت عليه نفسه الأمارة بالسوء، وتقوده الشياطين إلى كل فعل قبيح، فمثل هذا كيف تكون حاله، ولهذا وعد الله -عز وجل- أهل الإيمان بالحياة الطيبة، وهذه الحياة الطيبة تكون في الدنيا كما تكون في الآخرة {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [سورة النحل:97]، هذه تكون في الدنيا كما تكون لهم الحياة الطيبة في الآخرة، لكن في الدنيا تكون لهم حياة طيبة، وليس المقصود بها نعيم الأجساد فإن ذلك غير مراد، ونعيم الأجساد لا يعني تنعم الأرواح، وإنما الروح لها نعيم آخر، ولهذا نقول للذين يعنون بأجسادهم كثيراً بالتمتع بالملاذ والطيبات، والتوسع في هذا والإكثار طلباً للسعادة والسرور والانشراح، وهكذا كثرة الترويح بأنواعه طلباً لهذا المعنى أنهم أخطؤوا، وأنهم ينقلون معهم هذه النفوس بما فيها من كدر وضيق ووحشة ينقلونها معهم حيث حلوا ثم يرجعون بها كما هي إن لم يكن الحال أسوأ من ذلك، فالطريق ليس هذا، الأرواح لا تنعم بما يحصل لأجساد، وإنما تنعم بأن تتوجه لربها وخالقها -تبارك وتعالى- فتعبده وتتقرب إليه فإذا اتصلت بالمعبود جل جلاله حصل لها من السرور واللذة والانشراح ما لا يقادر قدره، هذا هو الطريق.

قال: ثم قال منبهًا لهم على قدرته في خلق السماوات والأرض، فقال تعالى: {أفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ} أي: حيثما توجهوا وذهبوا فالسماء مظلة مُظلَّلة عليهم، والأرض تحتهم، كما قال: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} [سورة الذاريات:47-48].

يعني {بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} يعني بنيناها بقوة، فابن كثير -رحمه الله- هنا يشير إلى معنى {أفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ} يقول: قال: منبهاً لهم على قدرته في خلق السماوات والأرض، والمعنى الآخر الذي ذكره طائفة من السلف وهو اختيار ابن جرير -رحمه الله-: أن ذلك محيط بهم، يعني: إلى أين المفر، أن الله قادر عليهم، فالأرض محيطة بهم من كل جانب، والسماء محيطة بهم كذلك، إذا نظروا إلى ما خلفهم وما أمامهم فإنهم يرون السماء والأرض، فهي محيطة بهم، {أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا}، هذه القرينة التي جعلت هؤلاء يقولون: بأن المقصود بذلك أن الله قادر على أخذهم وأن سماءه وأرضه محيطتان بهم تمام الإحاطة فلا يستطيعون الفرار والخلاص، فهذا معنى تحتمله الآية، والمعنى الآخر الذي أشار إليه ابن كثير تحتمله الآية، والله -عز وجل- أرشد إلى النظر إلى خلق السماء وما فيها، وأن ذلك دال على كمال قدرته وقوته حيث يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، يمسك السماوات والأرض، فهو يقيمها، ورفعها من غير عمد، إلى غير ذلك مما تشير إليه الآيات الكريمة في القرآن في مواضع مختلفة، وأن ذلك دليل على كمال القدرة، فهذا المعنى دل عليه القرآن، والأصل أن القرآن يفسر بالقرآن، كما أن القرآن يعبر به بالألفاظ القليلة الدالة على المعاني الكثيرة، وإذا احتملت الآية معنيين فأكثر ودل على كل واحد منهما دليل من القرآن أو قرينة فإن هذه المعاني ما لم يوجد مانع تكون داخلة في الآية، فذلك دليل على كمال قدرته، وهو أيضاً فيه إشارة إلى إحاطته إلى قدرته على خلقه، وأنه قادر على أخذتهم وإهلاكهم وتعذيبهم، وفيه إشارة إلى قدرته على البعث، فخلق السماوات والأرض أكبر من خلق هؤلاء الناس الضعفاء، فهم يرون هذه الآيات العظام، الأجرام الكبيرة التي هي أعظم من خلق البشر {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة غافر:57]، فإذا خلق هذه المخلوقات العظام فهو على البعث قادر، فذلك لا يعجزه جل جلاله وتقدست أسماؤه.

قال: وقوله تعالى: {إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ} أي: لو شئنا لفعلنا بهم ذلك لظلمهم وقدرتنا عليهم، ولكن نؤخر ذلك لحلمنا وعفونا.

والكِسف يعني العذاب، ومعنى الكِسف يعني القطع، {أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا} [سورة الإسراء:92] يعني: قطعاً.

قال: ثم قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} قال مَعْمَر عن قتادة: {مُنِيبٍ}: تائب.

وقال سفيان عن قتادة: المنيب: المقبل إلى الله -عز وجل-.

يعني المعنى الواحد، تائب، منيب، أناب، رجع إلى الله جل جلاله.

أي: إن في النظر إلى خلق السماء والأرض لدلالة لكل عبد فَطِن لبيب رَجَّاع إلى الله، على قدرة الله على بعث الأجساد ووقوع المعاد؛ لأن مَنْ قدر على خلق هذه السموات في ارتفاعها واتساعها، وهذه الأرضين في انخفاضها وأطوالها وأعراضها، إنه لقادر على إعادة الأجسام ونشر الرميم من العظام، كما قال تعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى}، وقال تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}.

قول ابن كثير -رحمه الله- هنا: أي إن في النظر إلى خلق السماء الأرض لدلالة على قدرة الله تعالى على بعث الأجساد، قريب منه قول ابن جرير بأن في إحاطة الله -عز وجل- الناس بالسماء والأرض، يعني جعلها محيطة بهم من كل جانب حيث نظروا فإنهم يجدونها من كل ناحية، فهذا فيه آية، وذلك أن الله قال: {أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ} إلى أن قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً} يعني: بإحاطتها بهم من كل جانب، كلام ابن كثير في النظر إلى خلق السماوات والأرض لدلالة، فهذا غير معارض لما ذكره ابن جرير، ففي خلقها بهذه الصفة العظيمة وإحاطتها بهم من كل جانب آية.

{وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سورة سبأ:10-11].

يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله داود -عليه الصلاة والسلام-، مما آتاه من الفضل المبين، وجمع له بين النبوة والملك المتمكن، والجنود ذوي العَدَد والعُدَد، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم، الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات، الصم الشامخات، وتقف له الطيور السارحات، والغاديات والرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات.

هذا تفسير للفضل الذي أعطاه الله -عز وجل- لداود -عليه الصلاة والسلام-، فابن كثير -رحمه الله- جمع الأقوال التي ذكرها السلف -رضي الله عنهم- ودل عليها القرآن في مواضع متفرقة، {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلا} ففي هذا الموضع قال بعده: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} إلى آخر ما ذكر، فهذا تفسير لهذا الفضل الذي أعطاه الله -عز وجل- لداود -صلى الله عليه وسلم-، ولهذا اقتصر بعضهم على هذا القدر، قال: إن ما بعده من قبيل التفسير له، وبعضهم يقول: هو النبوة، أعطاه النبوة، وبعضهم يقول: أعطاه الزبور، وبعضهم يقول: بأنه أعطاه العلم، وبعضهم يقول: أعطاه القوة {ذَا الْأَيْدِ} [سورة ص:17]، يعني: القوة، وبعضهم يقول: أعطاه التوبة {إِنَّهُ أَوَّابٌ}، وبعضهم يقول: أعطاه الحكم وشد ملكه، يعني ثبته وقوى دعائمه وأركانه فصار ثابتاً، وهكذا قول من قال: بأنه تسخير الجبال، وإلانة الحديد، أو حسن الصوت، وبعضهم قال: إنه المذكور بعده، الشوكاني قول: هو ما ذكر بعده فهو تفسير له، {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلا}، لكن الأشياء الأخرى التي ذكرها الله -عز وجل- في مواضع متفرقة هي أيضاً فضل من الله على عبده داود -صلى الله عليه وسلم-، قد ذكرها الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله- في الأضواء، جمع الآيات في هذا مما أعطاه الله -عز وجل- وتفضل به على داود مما تفرق في القرآن، وفسرها بذلك جميعاً، فهي الأقوال المتنوعة التي أشرت إليها آنفاً عن السلف -رضي الله تعالى عنهم-، وعلى هذا مشى الحافظ ابن كثير -رحمه الله- كما ترون، فعبارته قد لا تستبين إلا بالمقارنة مع غيره، يعني يتبين فضلها إذا قورن ذلك بغيره، بكلام غيره، فهو جمع هذه الأقاويل، ما آتاه من الفضل المبين وجمع له بين النبوة والملك المتمكن والجنود ذوي العدد والعُدد وما أعطاه إلى آخره، فهذا كله من فضل الله -عز وجل- عليه.

قال: وفي الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سمع صوت أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- يقرأ من الليل، فوقف فاستمع لقراءته، ثم قال: ((لقد أوتي هذا مِزْمَارًا من مزامير آل داود))([1]).

وقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صَنج.

صنج: الصنج آلة نحاسية من طبقين تضرب، معازف يعني، نوع من المعازف، عبارة عن، كالصفيحتين من النحاس، إذا ضربت ببعضها أصدرت أصواتاً مطربة، الصنج.

 قال: ما سمعت صوت صَنج، ولا بَرْبَط.

البربط: آلة مثل العود يقال: إنها فارسية، بربط مثل العود.

قال: ما سمعت صوت صَنج ولا بَربط ولا وَتَر أحسن من صوت أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-.

ومعنى قوله: {أَوِّبِي} أي: سبحي، قاله ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد.

والتأويب في اللغة هو الترجيح فأمرت الجبال والطير أن ترجع معه بأصواتها.

هنا تفسير التأويب بالتسبيح يدل عليه قوله -تبارك وتعالى-: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ} [سورة ص:18]، {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} يعني سبحي معه، وإن كان أصل معنى التأويب بمعنى الترجيع، آب بمعنى رجع فهي تردد معه التسبيح، وهذا الترديد هل هو صدى رجع الصدى لقوة صوته؟ هذا يشعر به كلام بعضهم، وقول من قال: بأن الله أعطاه قوة الصوت، ولكن هذا -والله تعالى أعلم- بعيد عن تفسير الآية، وذلك أن الله -عز وجل- قرنه بالطير، {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ}، فالطير لم تكن تردد معه كرجع الصدى، ولهذا قال بعض أهل العلم: بأن الله أعطاها إدراكاً يليق بها، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث))([2])، وحديث: حنين الجذع([3])، وتسبيح الطعام([4])، فكل هذه جمادات والنبي -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث جابر عند مسلم لما لم يجد شيئاً يستتر به لقضاء حاجته قال للشجرتين "انقادي علي بإذن الله فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده حتى أتى الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها فقال انقادي علي بإذن الله فانقادت معه كذلك حتى إذا كان بالمنصف مما بينهما لأم بينهما -يعني جمعهما- فقال: التئما علي بإذن الله فالتأمتا..."([5])، ولذلك في الآيات التي يذكر الله -عز وجل- فيها أنه يسبح له ما في السماوات وما في الأرض على ظاهره، وقال: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [سورة الإسراء:44]، فهو تسبيح حقيقي يليق بها، وإن كنا لا نفقه ذلك، فهذه الجبال كانت تسبح مع داود -عليه الصلاة والسلام-، ولم يكن ذلك من قبيل الصدى الذي يرجع معه الصوت ولا يختص ذلك بداود -عليه الصلاة والسلام-، بل يكون له ولغيره في التسبيح وفي غير التسبيح، ولكن الله قال: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ}، فكانت الجبال تسبح والطير أيضاً تسبح، وهذا من الفضل الذي أعطاه الله -عز وجل- إياه، وإلا لو كان مجرد صدى فإن ذلك لا يختص به وليس فيه آية.

وقوله هنا: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} هنا بالنصب، {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} وسخرنا له الطير، ويحتمل أن يكون، {وَالطَّيْرَ} منصوب عطفاً على محل: {يَا جِبَالُ} فإنه من حيث المحل منصوب، نادينا الجبال {يَا جِبَالُ}، هذا منادى، والمعنى: نادينا الجبال والطير أن أوِّبي معه، ومثل سيبويه يقول: بأن ذلك منصوب بفعل مقدر محذوف: يا جبالُ أوبي معه وسخر له الطير، وبعضهم كالفراء يقول: يمكن أن يكون ذلك؛ لأنه مفعول معه، مثل: استوى الماءُ والخشبةَ، وبعضهم يقول: إنه معطوف على قوله: {فَضْلًا} لكن باعتبار آخر غير ما ذكر من قبل: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا} يعني: آتيناه فضلاً وتسبيح الطير، هذا يقوله الكسائي، هذا ليُعرف لماذا جاءت منصوبة، {وَلَقَدْ آتَيْنَا} لأن المعنى يتوقف على هذا، وإنما نذكر في مثل هذا المجلس ما يتوقف المعنى عليه من الإعراب، {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} فهذا يتوقف على ما سبق: وسخرنا له الطير أو غير ذلك.

قال: وقوله تعالى: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ}: قال الحسن البصري، وقتادة، والأعمش وغيرهم: كان لا يحتاج أن يُدخلَه نارًا ولا يضربه بمطرقة، بل كان يفتله بيده مثل الخيوط.

يقال: ألين له فصار مثل الطين، وبعضهم يقول: مثل الشمع يثنيه ويشكله على الأشكال المتنوعة من غير عناء أُلين له الحديد، صار الحديد مثل الحبال.

ولهذا قال: {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ} وهي: الدروع، قال قتادة: وهو أول من عملها من الخلق، وإنما كانت قبل ذلك صفائح.

يعني قال: وهي الدروع، {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ} فيكون صفة لموصوف محذوف، اعمل دروعاً سابغات، والسابغ، تقول: ثوب سابغ إذا كان ضافياً ساتراً للابسه، أو قد يفضل عنه، يعني: بحيث لا يكون فيه انكماش أو قصر على لابسه فتخرج بعض أعضائه، {اعْمَلْ} أمره بأن يعمل دروعاً، {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ} [سورة الأنبياء:80]، فتكون سابغة مغطية لجميع الجسد، وفي قصة الخندق لما خرج سعد بن معاذ -رضي الله عنه- وعائشة كانت معه أمه، فكانت عليه درع حسرت منها يداه، فعائشة -رضي الله عنها- قالت لأمه: لو كانت درعه سابغة، فأصيب -رضي الله عنه- بأكحله، العرق المعروف، فالدروع السابغة هي التي تكون مغطية لجميع الجسد بحيث يكون ذلك حرزاً للابسها من سلاح العدو، والدروع ما يلبسه المقاتل من الحديد الذي يغطي الجسد، مثل الحلق تربط ببعضها فتكون مثل الثوب، منه ما يكون سابغاً، ومنه ما لا يكون سابغاً، منه ما يكون غليظاً ومنه ما يكون خفيفاً، فإذا نظر الصانع إلى جانب التحصين صارت الحلق متينة، وصار ذلك مثقلاً لهذا الدرع يكون ثقيلاً تصعب معه الحركة، وإذا راعى جانب الخفة جعل الحلق دقيقة مما يمكن معه نفوذ السلاح في جسد المقاتل، ولذلك تجد بعض الدروع أشبه ما تكون بما نسميه اليوم بالشبك لا تكاد تمنع لابسها، ضعيفة، ولهذا فسر بعضهم قوله -تبارك وتعالى- هنا: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} بهذا المعنى، اجعل ذلك في الصنعة متوسطاً بين مراعاة الحفظ والصيانة للمقاتل المنعة، وبين جانب الخفة تراعي أن يكون خفيفاً على لابسه فيكون وسطاً، روعي فيه هذا وهذا فيكون قصداً بين بين.

والصفائح: أن يضع المقاتل صفيحة يحترز بها من الإصابة، لكن الصفيحة صعب التحرك معها، فجاء داود -صلى الله عليه وسلم- بهذه التي علمه الله -عز وجل- إياها فصارت مثل الثوب له أكمام يلبسها ويتحرك ويقوم مثل الثوب، لكنه عبارة عن حلق من حديد، فالحلق الحديد يستطيع يقوم ويقعد ويركب الفرس ويتحرك، أما الصفائح فهي عبئ يرهقه ويثقله ويعيقه عن الحركة.

{وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ}: هذا إرشاد من الله لنبيه داود، -عليه السلام- في تعليمه صنعة الدروع.

قال مجاهد في قوله تعالى: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ}: لا تُدِقّ المسمار فَيقلَق في الحلقة، ولا تُغَلّظه فيفصمها، واجعله بقدر.

الحلَقة جمع حالق، حالق وحلقة، تقول: هؤلاء حلَقة يعني: حلقوا رؤوسهم، حلَقة الرؤوس، وحلْقه، حلقة الذكر، حلقة التلاوة، يوجد في المسجد حلقة للإقراء، حلَقة جمع حالق، هذا هو المشهور، وإن كان بعضهم قال: يصح أن يقال: حلقة لهذا المعنى يعني للحلْقة يعني، فهذا الشيء المستدير يقال له: حلقه.

وقوله: لا تُدِقّ المسمار تدُق يعني: تطرق وتضرب، وليس هذا هو المقصود، وإنما المقصود الدقة، يكون المسمار ضعيفاً دقيقاً، فإذا كان ضعيفاً دقيقاً فإنه يقلق في الحلقة، يعني يكون غير متناسب معها، تكون الحلقة أكبر من المسمار فيتحرك، لكن إذا كان المسمار على قدر الحلقة {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ}، والسرد والزرد مثل الخياطة، وتجمع أطراف الثوب بالخياطة، فالدروع لا يوجد فيها إبرة وخيط يخاط بها الدرع، وإنما تخاط أبعاضه بالمسامير، {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} السرد والزرد مثل الخياطة فيجتمع، فيكون الرابط بينها مسامير، وهذه المسامير إن كانت في الدائرة التي وضعت لها من أجل الربط بين أجزاء هذه الحلق إن كان الموضع أكبر من المسمار، والمسمار دقيق يضطرب، وإذا كان المسمار أكبر من الحلقة فإنه يفصمها، فعلمه كيف يصنع هذه الدروع، {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} بحيث يكون المسمار متلائماً مع الحلقة فيكون ذلك محكماً في الصنعة، يعلمه كيف يصنعه، وكيف يكن هذا الصنع جيداً محكماً متقناً.

وقوله: لا تُدِقّ المسمار فَيقلَق في الحلقة، ولا تُغَلّظه فيفصمها، واجعله بقدر هذا هو المشهور وهو الذي اختاره ابن جرير في قوله: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ}، والمعنى الآخر الذي ذكرته لكم آنفاً، وهو أن يكون في الصنعة متوسطاً، لا يراعي جانب المنعة والحصانة للابس المقاتل فيجعل ذلك غليظاً فيثقله، ولا يراعي جانب الخفة فيكون ذلك دقيقاً فلا يحصل به المطلوب ووغنما يتوسط وهذا قاله قتادة، يعني كانت في السابق ثقالاً فعلمه الله -عز وجل- هذا، أمره أن يتوسط في صناعتها فتأتي بهذا الصفة، هكذا فسر {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} يعني: اجعله متوسطاً، هذا غير المعنى الذي ذكره ابن كثير وابن جرير.

وبعضهم يقول كابن زيد: يعني قدر في الحلقة، يعني في حجمها ومقدارها، فلا تكون صغيرة فتضعف، ولا كبيرة فتثقل اللابس، وهذا يرجع إلى قول قتادة، يعني اجعله وسطاً، ولكن المشهور الذي عليه عامة المفسرين هو أن معنى قوله: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} يعني ما ذكر من الملاءمة بين المسمار والموضع الذي يوضع فيكون متناسباً متلائماً معه.

قال: وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: السرد: حَلَق الحديد، وقال بعضهم: يقال: درع مسرودة: إذا كانت مسمورة الحلق، واستشهد بقول الشاعر:

وَعَليهما مَسْرُودَتَان قَضَاهُما *** دَاودُ أو صنعَ السَّوابغ تُبّعُ

وقوله تعالى: {وَاعْمَلُوا صَالِحًا} أي: في الذي أعطاكم الله من النعم، {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي: مراقب لكم، بصير بأعمالكم وأقوالكم، لا يخفى علي من ذلك شيء.


 

[1] - رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن، برقم (4761)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن، برقم (793).

[2] - رواه مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي -صلى الله عليه وسلم- وتسليم الحجر عليه قبل النبوة، برقم (2277).

[3] - رواه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، برقم (3390).

[4] - رواه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، برقم (3386).

[5] - رواه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر، برقم (3012).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about