استعرض النسخة الجديدة من الموقع
‏ [6] قول الله تعالى" يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ " الآية 30 إلى قوله تعالى" وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا " الآية 32‏
عدد الزوار : 10936
تاريخ الإضافة : 24 ذو القعدة 1432
MP3 : 14436 kb
PDF : 98 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة الأحزاب من الآية (30) إلى الآية (34)

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين.

يقول الإمام ابن كثير -رحمه الله- في قوله تعالى: {يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} [سورة الأحزاب:30-31].

يقول تعالى واعظاً نساء النبي -صلى الله عليه وسلم-، اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، واستقر أمرهن تحت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فناسب أن يخبرهن بحكمهن وتخصيصهن دون سائر النساء، بأن من يأت منهن بفاحشة مبينة، قال ابن عباس: وهي النشوز وسوء الخلق، وعلى كل تقدير فهو شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع كقوله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [سورة الزمر:65]، وكقوله -عز وجل-: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة الأنعام:88]، {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [سورة الزخرف:81]، {لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [سورة الزمر:4]، فلما كانت محلَّتهن رفيعة ناسب أن يجعل الذنب لو وقع منهن مغلظاً، صيانة لجنابهن وحجابهن الرفيع؛ ولهذا قال تعالى: {مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ}.

قال مالك عن زيد بن أسلم: {يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} قال: في الدنيا والآخرة.

وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله.

{وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً} أي: سهلاً هيناً.

ثم ذكر عدله وفضله في قوله: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} أي: يطع الله ورسوله ويستجب {نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيماً} أي: في الجنة، فإنهن في منازل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، في أعلى عليين، فوق منازل جميع الخلائق، في الوسيلة التي هي أقرب منازل الجنة إلى العرش.

الحمد لله، والصلاة السلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى- هنا: {يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْن}، قول الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: فناسب أن يخبرهن بحكمهن وتخصيصهن دون سائر النساء بأن من يأتي.. إلى آخره.

هذا أمر يختص بهن أن من يأت منهن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين، أما هذه الآداب التي ذكرها الله -عز وجل- في هذه الآيات فلا يقال: إن ذلك يختص بهن، كقوله -تبارك وتعالى- مثلاً: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ}، {وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا}، {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}، {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى}، {وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}، {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [سورة الأحزاب:34] إلى غير ذلك، فهذه أمور مشتركة بين المؤمنات، وإنما الاختصاص في هذا.

وقوله -تبارك وتعالى-: {مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} الحافظ ابن كثير -رحمه الله- قال: قال ابن عباس: هي النشوز وسوء الخلق، ثم قال ابن كثير: وعلى كل تقدير فهو شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع، على كل تقدير سواء قيل بأن الفاحشة المبينة هي الزنا أو عقوق الزوج، أو الذنب العظيم فهذا شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع.

الفاحشة المبينة فُسرت بهذه التفسيرات التي سمعتم، وبعض أهل العلم يقول: الفاحشة إذا قيدت بالبيان أي قيل: فاحشة مبينة فهي عقوق الزوج، النشوز يعني، وإذا أطلقت معرّفة بـ"ال" فهي الزنا وما في معناه، وإذا ذكرت منكّرة "فاحشة" فإنها تكون بمعنى الذنب العظيم، وليس ذلك بلازم، والسياق يفهم منه المراد، فهنا {مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ}، كما قال الله -عز وجل- في المطلقات: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ}، فالفاحشة المبينة هناك فسرت بعقوق الزوج والإساءة إلى الأحماء، تتطاول عليهم وتسيء إليهم، فلا يستطيع الخلاص من أذاها إلا بإرجاعها إلى بيت أهلها مثلاً، لأن المطلقة يجب أن تبقى في مدة العدة -أعني المطلقة الرجعية- في بيت الزوج، ولا يجوز أن تذهب إلى أهلها ولا أن تخرج من بيتها مدة العدة إلا أن تأتي بفاحشة مبينة، وبعضهم يقول: الزنا، وبعضهم يقول غير هذا، فالمقصود أن السياق يبين المراد، فهناك في المطلقات اللائي يقع منهن هذه الإساءة البالغة إلى الزوج وأذاه أو أذى الأحماء، كأن تكون هذه المرأة هوجاء لا يسلمون من لسانها وشرها، وقد يكون ذلك بفعلها في بيتها كأن تفسد متاعه أو تحرق الدار أو تحرق نفسها، أو تقتل أولادها أو تقتل نفسها، فهو لا يستطيع أن يجلس معها الوقت كله، فما المخرج؟ يرجعها إلى أهلها، وكذلك لو كانت المرأة غير مأمونة تخرج مع الرجال الأجانب أو غير ذلك، أو تدخل الرجال الأجانب إلى بيته أو نحو هذا فيمكن أن يذهب بها إلى أهلها ويحفظها عندهم، وما عدا ذلك تبقى، فهنا: {مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} فالحافظ ابن كثير يقول: على كل تقدير يعني: مهما فسر، سواء قيل التطاول على الزوج وهذا لا يقع منهن -رضي الله عنهن-، أو ما كان من قبيل ما ذكر من المعاني الأخرى، فإن هذا شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع، يعني {مَن يَأْتِ مِنكُنَّ} لا يعني أن ذلك يقتضي وقوعه، فالزنا لا يمكن أن يقع من امرأة نبي، ولو كانت كافرة؛ لأن الله -عز وجل- اختار لأنبيائه -عليهم الصلاة والسلام-، ووقوع ذلك قدح في أعراضهم فلا يمكن أن تكون أعراض الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- بهذه المثابة، فذلك يعود عليهم، فهذا شرط والشرط لا يقتضي الوقوع، وقد ذكر له أمثلة، وهذه قاعدة معروفة: "الشرط لا يقتضي الوقوع"، فإذا رأيت مثل هذا فإن ذلك لا يعني أنه يقع في الخارج، {وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [سورة الأنعام:88] وحاشا الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- من الشرك،   {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ} [سورة الزخرف:81] هذا لا يمكن أن يكون، وهو من الأمور المحالة، لكنه شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع، وهكذا.

وفي قوله -تبارك وتعالى-: {يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا}، يقول ابن كثير -رحمه الله- عن زيد بن أسلم: في الدنيا والآخرة، باعتبار الإطلاق، أن الله أطلقه، "يضاعف"، ولم يقل: في الدنيا، وما قيد ذلك في الآخرة، فهذا الذي جعله يقول بأن ذلك في الدنيا والآخرة؛ لأنه لا دليل على التخصيص أو التقييد.

ثم قال: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ} قال: أي يطع الله ورسوله ويستجب، القنوت بمعنى دوام الطاعة لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- يعني ليست الطاعة بمجردها يقال لها: قنوت، وإنما دوام الطاعة، المداومة على الطاعة، وقد مضى الكلام على هذا المعنى، شيخ الإسلام له رسالة في القنوت، استقرأ فيها المواضع التي جاء فيها القنوت في كتاب الله -عز وجل- وخرج بهذا المعنى.

قال: {نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ}، مسألة الذي يؤتى الأجر مضاعفاً: الأول كما جاء في الحديث: ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين))([1])، وذكر منهم الكتابي الذي آمن برسوله أو بكتابه وآمن بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، فهذه في أهل الكتاب، {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ...} إلى أن قال: {أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [سورة القصص:51-54].

الثاني في الحديث: ((العبد الذي أدى حق الله وحق سيده)).

والثالث الذي في الحديث: ((عنده أمة فأدبها وأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها))، هؤلاء في الحديث، أما في القرآن فأمهات المؤمنين في هذه الآية، والكتابي تقدم في قوله: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ... أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ}، والثالث في القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} [سورة الحديد:28]، هذه التي سألتكم عنها {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ}، فالآن صار عندنا في القرآن: الكتابي، وأمهات المؤمنين، وجاء ذلك في أهل الإيمان إذا اتقوا وآمنوا.

{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} [سورة الأحزاب:32-34].

هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي -صلى الله عليه وسلم-، ونساء الأمة تبع لهن في ذلك، فقال تعالى مخاطباً لنساء النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنهن إذا اتقين الله كما أمرهن فإنه لا يشبههن أحد من النساء، ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة.

قوله: {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} يعني: نفي المشابهة {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} يراد به نفي المساواة، فكنّى به عن الأفضلية، أنهن أفضل من غيرهن {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} نفي المشابهة يراد به نفي المساواة، يعني: لا تستوين مع غيركن، وذلك يراد ويكنى به يعني أنتن أفضل من غيركن.

{لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ}، هنا فعل الشرط {إِنِ اتَّقَيْتُنَّ}، مستعمل في الدلالة على الدوام، يعني: داومتن على التقوى، وموضع الوقف في الآية، {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}، والمعنى يختلف، هنا في هذا المصحف تعانق الوقف، فإذا وقفت هنا لا تقف في الآخر، لكن في بعض المصاحف وضعوا علامة جيم أي موضع وقف جائز عند قوله: {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ}، وفي بعضها {إِنِ اتَّقَيْتُنَّ}، وأيهما أولى؟، المعنى يتغير، يعني: {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} كذا، {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ}، لو قلنا كما قال الشيخ الآن: {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} هذا نفي للمساواة وهو يقتضي التفضيل مطلقاً، {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} ثم قال: {إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}، فيكون متعلقاً بما بعده، {إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ}، إن كنتن متقيات فالتقوى تمنع من الخضوع بالقول، وإذا قلنا: الوقف على قوله: {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ}، فالأفضلية ليست مطلقة وإنما بشرط التقوى، إن كنتن متقيات وإلا فليس بين الله وبين أحد نسب، وكما قال الله -عز وجل- عن امرأة نوح وامرأة لوط {كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [سورة التحريم:10]، فهذا المعنى، ثم يكون قوله: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} هنا الفاء تفيد ترتيب ما بعدها على ما قبلها، وتفيد التعليل يعني: بما أنكن بهذه المثابة {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}، فإن هذا الفعل والتصرف لا يتأتى من أهل المنازل الشريفة والرفيعة، البيوت الشريفة، المرأة الشريفة ما يتأتى منها أن تخضع بالقول، فالذي يظهر -والله أعلم-، أن الأقرب أن يكون {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ}، الأفضلية بشرط التقوى، ثم قال: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} نقول: في مقام الشرط والتأديب والتربية، وليس في مقام بيان فضل النبي -صلى الله عليه وسلم- وشرفه، إنما هذا مقام تعليم وتأديب وتربية، هو يقول: {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} إن كنتن متقيات، إن تحليتن بالتقوى، ثم قال: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} بدأ يؤدبهن بعدما ذكر منزلتهن، إن كنتن متقيات، {إِنِ اتَّقَيْتُنَّ}.

 قال: ثم قال تعالى: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ}.

قال السُّدِّي وغيره: يعني بذلك: ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال؛ ولهذا قال تعالى: {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} أي: دَغَل.

قال: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} قال: ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال، هذا صحيح، هو المقصود، لكن أصل الخضوع التذلل، فلان خضع لفلان أي: ذل له وانقاد، هذا أصله، التذلل، فأطلق هنا على الرقة في الكلام لمشابهتها التذلل، لاحظ هنا قال: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} هذه الباء يمكن أن تكون للتعدية، فلا تخضعن بالقول، فإذا كانت للتعدية كيف أضاف الخضوع إليهن، {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ}، تخضع بالقول؟، إذا كانت للتعدية فيكون المعنى هكذا: فلا تُخضعن القولَ، لا يكون خاضعاً، فهنا يكون عدي بنفسه، فيكون الخضوع واقعاً على القول، فهنا أضاف الخضوع إليهن، {فَلا تَخْضَعْنَ} باعتبار الملازمة بين الأحوال الظاهرة وأثر ذلك على من صدرت منه، فخضوعهن بالكلام مع الرجال الأجانب يورث خضوعاً في النفس، وأموراً لا تخفى، يعود أثرٌ على المتكلم، إنسان يتكلم بطريقة يظهر هذا عليه حتى على شكله وعلى حركاته وعلى عينيه وعلى قسمات وجهه، الإنسان يتكلم بخضوع، فيعود أثر ذلك عليه، فعبر هنا قال: {فَلا تَخْضَعْنَ}، فخضوعها بالقول، إخضاعها القول، يعود أثره عليها، فتكون خاضعة، ويحتمل أن تكون الباء هنا بمعنى "في"، فلا تخضعن في القول.

قال: ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال، يحصل بهذا وغيره، الخضوع بالقول أحياناً قد لا يكون بترقيق الكلام، قد يكون في الأسلوب العبارة جزلة لكن الأسلوب رخيم رقيق فيه نوع من التعطف، يعني كأن تقول مثلاً: جزاك الله خيراً، مثلاً، لكن بأسلوب يأخذ مجامع القلب، والمرأة تعرف هذا وتحسنه إذا أرادت، وأحياناً يكون الكلام تؤديه بطريقة لا تعاب يعني من حيث أسلوب اللفظ والعبارة حينما تتكلم بها، لكن العبارة لا تليق لا تصلح للرجال الأجانب، الكلمات التي تختارها لا تصلح، وخضوع بالقول، كأن تقول للرجل الأجنبي مثلاً: "علشاني"، فيقول: لعينيك، هي قد تؤديها بأسلوب لا يعاب، تقول: "علشاني"، فلا يليق بالمرأة أن تقول للرجل الأجنبي: "علشاني".

وكأن تقول له: أحبك في الله، ولربما على الأشهاد في الفضائية من الفضائيات ونحو ذلك، أحبك في الله، لا يصلح هذا ولا يليق، {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ}، فإذا قالت مثل هذا القلبُ يتحرك، {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ}، وتحتج بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا أحب أحدكم أخاه في الله فليعلمه))([2])، تقول: أنا ممتثلة للأمر النبوي، هذا مثال على أن الخضوع قد يكون أحياناً بأسلوب الكلام –التلفظ-، وأحياناً يكون بنفس العبارة.

هذا الخضوع، قال: {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} هنا قال: أي دغل، يعني الفاء هنا تدل على التعليل وترتيب ما بعدها على ما قبلها، يعني أن الخضوع بالقول يورث الطمع، {فَيَطْمَعَ}، تقول: سها فسجد، هذا الذي يسميه الأصوليون: دلالة الإيماء والتنبيه، {فَلا تَخْضَعْنَ}، {فَيَطْمَعَ}، فيكون ذلك دالاً على التعليل: {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}، والطمع إنما يعبر به عن الشيء قريب المنال، يعني كون الإنسان يتمنى شيئاً:

ألا ليت الشبابَ يعود يوماً ***

لكن الطمع يكون في الشيء القريب، تقول: أطمعته فطمع، {فَيَطْمَعَ}، فلما يراها تخضع بالقول يميل قلبه ويطمع ويرى أنها سهلة قريبة المنال، {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}، وهنا حذف المتعلق، ما قال: فيطمع بكن، وإنما حذفه تنزيهاً وتشريفاً لهن، يعني: من باب التعظيم لشأنهن، ما قال: فيطمع بكن، {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}، يطمع، وهنا قال: المرض يعني الدَّغَل، نحن في هذه السورة في قوله: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}، فهناك المرض قيل: إنه النفاق وإن ذلك من عطف الأوصاف، تعود إلى موصوف واحد، المنافقون هم الذين في قلوبهم مرض، فهذه أوصاف متعاقبة لهم، وذكرنا مراراً أن الأوصاف المتعاقبة تارة تذكر مع حرف العطف وتارة بحذفه، {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} [سورة الأعلى:1-2] لاحظ مع حذف الحرف، ثم قال: {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى} [سورة الأعلى:3-4] فذكر "و"، كلها أوصاف لموصوف واحد، اعبد ربك الذي خلقك والذي أعطاك وأولاك ورزقك وهكذا، فهنا {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}، فالمرض هناك قيل: إنه النفاق، وإنه من عطف الصفات العائدة إلى موصوف واحد، فهم المنافقون، وبعضهم يقول هناك: ضعفاء الإيمان، {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} فئة أخرى غير المنافقين وهم ضعفاء الإيمان، وهذا يحتمل، وهنا ما المراد به في هذا الموضع؟ يراد به الميل المحرم إلى النساء، فإذا رأيت الرجل يحوم حول النساء مما حرم الله -عز وجل- عليه فمباشرة تعرف أن هذا في قلبه مرض، إنسان له علاقات غير نظيفة بنساء أيًّا كان نوع هذه العلاقات، سواءً كان بالكلام أو بما وراءه، معناه في قلبه مرض، إذا رأيته يحوم حول مدارس البنات، مجامع النساء كالأسواق ونحو ذلك، فاعرف أن في قلبه مرضاً، هذا مرض يحتاج إلى علاج، يحتاج أن يذهب به إلى عيادة ويعالج، عنده مرض في قلبه، {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} قال: أي دَغَل.

قال: {وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا} قال ابن زيد: قولاً حسنا جميلاً معروفًا في الخير.

ومعنى هذا: أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، أي: لا تخاطب المرأةُ الأجانبَ كما تخاطب زوجها.

يعني {وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا} هي لما نهيت عن الخضوع بالقول فقد يفهم أنها تسكت ولا تتكلم، وقد يفهم أنها تتكلم لكن بطريقة فظة، فيها فظاظة وغلظة، فقال: {وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا}، القول المعروف الذي لا يعاب بألفاظه التي تختارها ولا بالأسلوب الذي تؤدي به هذه الألفاظ، القول المعروف، ويؤخذ من هذا أن المرأة يجوز أن تخاطب الرجال الأجانب، وهذا لا إشكال فيه، وأن صوت المرأة ليس بعورة، لكن هذا حينما تسأل أو تتكلم في حاجة أو نحو ذلك، لكن هل معنى هذا أنها تسترسل في الحديث استرسالاً قد لا تكون إليه حاجة معتبرة، مثلاً بعض النساء أو الرجال قد يحتج بهذه الآية، ويقول: النساء ممكن أن يلقين محاضرات على الرجال. تلقي محاضرة على الرجال، ويدعو إلى أن النساء يلقين محاضرات في الفضائيات وفي بعض الإذاعات ويسجلن أشرطة، ومواقع في النت، تلقي طالبة علم، داعية، تلقي، نقول: الحمد لله ما وقفت عليها، ولم يكن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وعائشة من علماء الصحابة ما كانوا يتصدون للخطابة والإلقاء بين يدي الرجال، إطلاقاً، فيقول: صوت المرأة ليس بعورة، نقول: ليس بهذا الإطلاق، صوت المرأة ليس بعورة، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((المرأة عورة))([3])، والعورة بهذا الإطلاق الواسع كل شيء يتخوف من ناحيته ويحترز له ويتحفظ عليه، كالثغور كما سبق، فهذه هي العورة بهذا الإطلاق الواسع، فالمرأة يحترز لها، فكيف تلقي محاضرات والرجال يسمعون ويتأملون نبرة الحرف، والكلمات، ورقة الصوت وما إلى ذلك؟!، يقال: لا، وتمنع من هذا، فالمرأة عورة، صحيح أن صوتها ليس بعورة، ولكن بهذه الصورة نقول: إن المرأة عورة، والرجال يمكن أن يقوموا بهذه المهمة، لكنها تلقي هي في أوساط النساء فقط، ولا داعي أن تضع لها موقعاً في النت وتبدأ تسجل محاضرات وتضعها يسمعها القريب والبعيد، أو تسجل أشرطة وتوضع في التسجيلات أو تظهر في قناة أو نحو هذا، فإن الأذن تعشق قبل العين أحياناً، وأحياناً الرجل يسمع المرأة ويتخيل صورتها وهيأتها وشكلها ويميل قلبه إليها.

 


 

[1] - رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فضل من أسلم من أهل الكتابين، برقم (2849)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى جميع الناس ونسخ الملل بملة، برقم (241).

[2] - رواه الترمذي، كتاب الزهد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب مكرر ما جاء في إعلام الحب، برقم (2392)، وأحمد في المسند، برقم (17171)، وقال محققوه: "إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح، يحيى بن سعيد: هو القطان"، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (279).

[3] - رواه الترمذي، كتاب الرضاع، باب ما جاء في كراهية الدخول على المغيبات، برقم (1173)، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، والطبراني في المعجم الكبير، برقم (9481)، وابن حبان في صحيحه، برقم (5598)، وابن خزيمة في صحيحه، برقم (1685)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (2488)، وفي صحيح الجامع برقم (6690).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about