استعرض النسخة الجديدة من الموقع
[71] من قوله تعالى" وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ" الآية 170إلى قوله تعالى " إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"الآية173
عدد الزوار : 3286
تاريخ الإضافة : 18 محرّم 1426
MP3 : 3605 kb
PDF : 97 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير تفسير ابن كثير (71)

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى-:

"لما بين تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه المستقل بالخلق شرع يبين أنه الرزاق لجميع خلقه، فذكر في مقام الامتنان أنه أباح لهم أن يأكلوا مما في الأرض في حال كونه حلالاً من الله طيباً، أي: مستطاباً في نفسه غير ضارٍ للأبدان ولا للعقول، ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان، وهي: طرائقه ومسالكه فيما أضل أتباعه فيه من تحريم البَحَائر والسوائب والوصائل ونحوها مما كان زيّنه لهم في جاهليتهم، كما في حديث عياض ابن حمار -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- الذي في صحيح مسلم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (يقول الله تعالى: إن كل مال منحته عبادي فهو لهم حلال) وفيه: (وإني خلقت عبادي حُنَفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحَرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم)([1]).

وقوله: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ168 سورة البقرةتنفير عنه وتحذير منه، كما قال: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِسورة فاطر6وقال تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاسورة الكهف 50.

وقال قتادة والسدي في قوله: وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ168 سورة البقرةكل معصية لله فهي من خطوات الشيطان.

وروى عبد بن حميد عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: "ما كان من يمين أو نذر في غضب فهو من خطوات الشيطان، وكفارته كفارة يمين."

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقد مضى بعض الكلام بالأمس على قوله -تبارك وتعالى-: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ168 سورة البقرةوعرفنا معنى الخطوات من جهة اللغة، وهنا قال: "كل معصية لله فهي من خطوات الشيطان" وهذا التفسير تفسير صحيح، إذ إن اتباع خطوات الشيطان هو اتباع مسالكه وطرائقه، وما يزينه للناس، ويمليه لهم، هذه هي خطوات الشيطان، فيكون الإنسان متبعاً له، مطيعاً له، والشيطان كما هو معلوم إنما يأتي كل إنسان بحسب حاله، فهو -كما يقول ابن القيم      -رحمه الله-: يشم قلبه، فإن رأى فيه ميلاً إلى التشديد جاءه من هذا الباب فأوقعه في الغلو، وإن كان فيه ميل إلى الشهوات جاءه من هذا الباب، وإذا كان فيه ميل إلى الجهاد جاءه من هذا الباب، وإذا كان فيه ميل إلى الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والغيرة جاءه من هذا الباب، وهكذا فهو يزين له شيئاً فشيئاً يوقعه في أمر ثم يجره ذلك إلى ما بعده، حتى يوقعه في الأمر العظيم الذي ربما لم يخطر في بال هذا الإنسان أنه سيصل إليه في يوم من دهره.

 إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ168 سورة البقرةأي ظاهر العداوة، ليست عداوته بخافية عليكم، وأصل العداوة معروفة، وأظن سبق الكلام على هذا المعنى، وأن أصله في كلام العرب مأخوذ من أن أحد المتعاديين في عدوة والآخر في العدوة الأخرى، وعدوة الوادي هي شقه وجانبه، كما يقال في الشقاق والمشاقة هذا في شق وهذا في شق، والمحادة هذا في حد وهذا في حد وهكذا.

"وقوله: إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ169 سورة البقرةأي: إنما يأمركم عدوّكم الشيطان بالأفعال السيئة، وأغلظ منها الفاحشة كالزنا ونحوه، وأغلظ من ذلك وهو القول على الله بلا علم، فيدخل في هذا كل كافر وكل مبتدع أيضاً."

 إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء169 سورة البقرة(إنما) تدل على الحصر، يعني هو لا يأمركم إلا بهذا، والسوء ربما سمي بذلك لأنه يسوء صاحبه إذا وجده في صحائف أعماله.

 وَالْفَحْشَاء169 سورة البقرةهي لون من السوء، فيكون ذلك من قبيل عطف الخاص على العام، إذ إن الفحشاء هي سوء خاص، فكل ما يسوء صاحبه فهو سوء، ولكن الفحشاء نوع منه أعظم، هذه الفحشاء هي السوء العظيم، وأصلها سوء المنظر وفظاعته، وتُستعمل في كل ما يقبح من المعاني، وإلا فإن الفحشاء يقال فيما يفحش أي يعظم، ولذلك تقوله حتى في الأمور الحسية تقول: هذا مال فاحش، يعني كثير، فصارت تُستعمل في الاستعمال الخاص في الذنوب القبيحة العظيمة، وربما أطلقت على بعضها كالزنا وما في معناه، ولهذا بعضهم يقول: الفحشاء إذا أطلقت فهي الزنا وما في معناه الفحشاء والفاحشة، وهذا غير دقيق، وبعضهم يفرق بين المعرف بـ(أل) الفاحشة والفحشاء والمنكر (فاحشة)، وبعضهم يقول: إن ما جاء منه مقيداً كقوله  -تبارك وتعالى-: مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ30 سورة الأحزابفإن المراد به عقوق الزوج، والتطاول على الأحماء، وإذا جاءت معرفة بـ(أل) الفاحشة فهي الزنا وما في معناه، وإذا جاءت منكرة فهي كل ذنب عظيم، وهذا الكلام أيضاً غير دقيق، فالحاصل أن الفاحشة هي الذنب العظيم، ويطلق في عرف الاستعمال كثيراً على الزنا وما في معناه.

 وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ37 سورة الشورىفهنا كبائر الإثم يدخل فيها الزنا، فذكْر الفواحش بعدها يكون من عطف الخاص على العام، ما ظهر منها وما بطن، كما يقولون: الزنا سراً مع الخليلات، والزنا علانية وجهراً مع البغايا اللاتي يعلن ذلك، ويعرضن أنفسهن لكل من هب ودب ودرج.

على كل حال إنما يأمركم بالسوء وهو كل ما يسوء ويقبح، من كل ذنب ومعصية، والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون.

"وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ * وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ سورة البقرة 170 – 171.

يقول تعالى: وَإِذَا قِيلَلهؤلاء الكفرة من المشركين: اتَّبِعُوا مَا أَنزلَ اللَّهُعلى رسوله، واتركوا ما أنتم عليه من الضلال والجهل، قالوا في جواب ذلك: بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَاأي: وجدنا عَلَيْهِ آبَاءَنَا."

الضمير في قوله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا170 سورة البقرةيرجع إلى أي شيء؟ يحتمل أن يرجع إلى موضع سابق، وهو قوله -تبارك وتعالى-: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ165 سورة البقرة... الآية التي تكلمنا عليها بالأمس، والمعنىإذا قيل لهؤلاء الذين اتخذوا الأنداد من دون الله يحبونهم كحبه على أرجح المعنيين في (كحبه) قالوا ذلك، هذا المقصود في مرجع الضمير.

ويحتمل أن يكون عائداً إلى ما ذُكر من الناس في الآية التي قبلها، وهي قوله -تبارك وتعالى-: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ168 سورة البقرة، وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا170 سورة البقرة  فعلى هذا يكون من قبيل الالتفات، والمقصود بالالتفات: أن يرد التنويع فيها باستعمال الضمائر ونحوها، يعني مثلاً في قوله: حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ22 سورة يونسهذا الضمير للمخاطب، وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ22 سورة يونسالضمير للغائب والمحدث عنه واحد، فهذا من التفنن في الخطاب، وله فوائد: منها: تنشيط السامع، وغير ذلك مما يذكرونه، وهو من ضروب البلاغة، فإذا قيل: إن قوله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ170 سورة البقرة يرجع إلى الناس, يكون هذا من قبيل الالتفات: لأن فييَا أَيُّهَا النَّاسُ 168 سورة البقرةالخطاب يكون للمخاطب، ثم قال:وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ 170 سورة البقرةوهم الناس الذين خاطبهم قبل قليل، قال: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا 170 سورة البقرةفيكون هذا من قبيل الالتفات والتفنن في الخطاب، تحوّل من خطاب المخاطب إلى الغائب، وهذا الذي اختاره كبير المفسرين ابن جرير الطبري أنها تعود إلى ما قبلها وهو قوله:وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا 170 سورة البقرة.

والذين حملوها على قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً165 سورة البقرةكأنهم استشكلوا كيف يكون ذلك عائداً إلى الناس قبله من قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ168 سورة البقرةوليس كل الناس إذا قيل لهم: اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا170 سورة البقرةوهذا ليس فيه إشكال والله أعلم؛ لأن المخاطب بذلك هم الناس وليس أهل الإيمان، والناس في أغلبهم على هذه الحال، خاطبهم القرآن، وخاطبهم النبي -صلى الله عليه وسلم- فأبى أكثر الناس إلا كفوراً، وكان اعتلالهم كثيراً باتباع الآباء والأجداد وتقليدهم، والتمسك بما ألفوا عليه آباءهم، والله أعلم.

"بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا170 سورة البقرةأي: وجدنا عَلَيْهِ آبَاءنَاأي: من عبادة الأصنام والأنداد، قال الله تعالى منكرًا عليهم: أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْأي: الذين يقتدون بهم ويقتفون أثرهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ170 سورة البقرةأي: ليس لهم فهم ولا هداية.

وروى ابن إسحاق عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنها نزلت في طائفة من اليهود دعاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الإسلام فقالوا: "بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا" فأنزل الله هذه الآية.

 
وروى ابن إسحاق عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنها نزلت في طائفة من اليهود دعاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الإسلام فقالوا: "بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا" فأنزل الله هذه الآية.
 

ثم ضرب لهم تعالى مثلاً كما قال تعالى: لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ60 سورة النحلفقال:وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ171 سورة البقرةأي: فيما هم فيه من الغي والضلال والجهل كالدواب السارحة التي لا تفقه ما يقال لها، بل إذا نعق بها راعيها أي: دعاها إلى ما يرشدها لا تفقه ما يقول ولا تفهمه، بل إنما تسمع صوته فقط."

يعني الآن على كلام ابن كثير -رحمه الله- هنا يكون هذا المثل مضروباً في الداعي أم في المدعو الذي لا يستجيب ولا يرعوي؟ في المدعو، مع أن الله -عز وجل- يقول: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء171 سورة البقرةلاحظ "كمثل الذي ينعق..." فهذه الآية على قول ابن كثير هي مثل ضرب في المدعو، وقوله: كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء171 سورة البقرةقالوا: هذا ليس بمقصود أن الله أوردها من أجل أن يمثل حال الداعي وإنما المقصود بها حال أولئك الذين لا ينتفعون من هذه الدعوة، ولا تنفتح قلوبهم، ولا يستجيبون لدعاء هذا الداعي، أو هذا الرسول كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداءً، وهذا المعنى الذي ذكرته -أنها في المدعو- هو اختيار ابن جرير الطبري -رحمه الله-، هذا مثل ضربه الله في الكفار، حيث لا يجدي معهم الوعظ ولا النصح ولا التذكير ولا الدعوة.

وبعض أهل العلم يقول: هي في الداعي والمدعو، يعني هي تصور حال هؤلاء الكفار وحال من يدعوهم، فمثل الذي ينعق، ينعق: بمعنى يصيح، حينما يزجر غنمه، ويصيح بها، هي تسمع صوته لكن هل تفهم؟ هل تدري ما يقول؟ هي لا تفهم شيئاًكَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء171 سورة البقرةيسمع دعاءً ونداء، فهم صم لا يسمعون سماع انتفاع، وبكم لا يتكلمون بالحق، وعميٌ لا يبصرون الحق ودلائله، هذا حالهم، فهي مثل يصور حال الداعي والمدعو الذي هذه صفته، هكذا بعض أهل العلم يقول.

لكن على قول من قال: إن هذه الآية في المشركين مع دعائهم لأصنامهم, يكون الكلام هكذا: "ومثل الذين كفروا حينما يدعون آلهتهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء" فصارت الآن ليست في الداعي بمعنى الدعوة إلى الله، الداعي بمعنى السائل، والمدعو هو المعبود من دون الله -عز وجل-، هذه الأصنام والأنداد أو المقبورون –الموتى-، فهم حينما يصيحون بآلهتهم ويدعونها ويخاطبونها يتقربون إليها بألوان القربات فهذه الأصنام والموتى أولئك لا يستجيبون لهم، وهم عن دعائهم غافلون، فلا يعون ما يقوله لهم هؤلاء الناس، يخاطبون أحجاراً ويدعونها، ويتقربون إليها، وربما يقولون عندها بعض الأوراد والأذكار.. وما إلى ذلك، وهي لا تسمعهم، فبعض أهل العلم يقول: هذا المثل في حال المشركين مع معبوداتهم، "مثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداء" هذا القول وإن قال به جماعة من السلف والخلف  -رضي الله تعالى عنهم-، لكنه لا يخلو من إشكال، وذلك أن الله -عز وجل- قال: كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء171 سورة البقرةالآن إلا دعاءً ونداء, الأصنام هل تسمع دعاءً ونداء؟ تسمع شيئا؟ ما تسمع شيئا أصلاً، لا تسمع دعاءً ولا نداءً فضلاً عن أن تنتفع، لكن البهائم تسمع الدعاء والنداء، تسمع صياحا, يصيح بها الراعي، فهذا يرجح القول الأول بأن هذا مثل لهؤلاء المدعوين حينما توجه إليهم الدعوة، فهم إنما يسمعون قولاً وكلاماً دون أن يفقهوا حقيقته ومعناه، فهم لا ينتفعون، ولهذا قال:صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ171 سورة البقرةوالله أعلم.

طالب:.....

بغض النظر ما الذي يتغير بالنسبة لهذا القول؟

طالب:.....

لا هذا فيه بعد، ولا حاجة لحمله على المنقطع أصلاً، والأصل في الاستثناء الاتصال وليس الانقطاع، هذا هو الأصل وليس الانقطاع، وبالتالي لا حاجة لهذا أصلاً, المعنى يتضح ولا يسمع إلا دعاء ونداء، والدعاء مما يسمع، فما في حاجة، والله أعلم.

فعلى كل حال إذا كانت في الداعي والمدعو على طريقة ابن جرير -رحمه الله- في أن هذه الآيات أصلاً في أهل الكتاب لا سيما اليهود، وهو يرى أن هذه الآية في اليهود وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء171 سورة البقرةفيدخل فيها اليهود، ويدخل فيها طوائف الكفار، بجميع أديانهم ومللهم، ويدخل فيها على كل حال النصارى كذلك والمشركون من العرب.

طالب:.....

إنه ماذا؟ ما هو القول الثاني الذي ذُكر عندك؟

يراجع هذا، انظر تفسير ابن جرير عندك هنا.

ابن جرير -رحمه الله- يقول: إن هذا مثل لهؤلاء المدعوين حيث توجه إليهم الدعوة ولا ينتفعون بها، هذا مثل في وعظ الكافر وواعظه، على كل حال هو يحمل الآية على اليهود، ويرد على من قال إنها في دعاء المشركين لآلهتهم وأصنامهم بأمور، منها ما ذُكر هنا من قوله: بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء171 سورة البقرةوكذلك في قوله بعده: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ173 سورة البقرة... إلى آخره، رد على اليهود حيث حرموا على أنفسهم بعض ما أحل الله -عز وجل-، وعلى كلٍّ يدخل فيها اليهود وغير اليهود؛ لأن المشركين أيضاً حرموا على أنفسهم أشياء كما هو معروف مما ذكره الله في سورة الأنعام، قالوا: هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء138 سورة الأنعام.

"هكذا روي عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- وأبي العالية ومجاهد وعكرمة وعطاء والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والربيع بن أنس نحو هذا.

وقوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ171 سورة البقرةأي: صمٌّ عن سماع الحق، بكمٌ لا يتفوهون به، عمي عن رؤية طريقه ومسلكه فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ171 سورة البقرةأي: لا يعقلون شيئاً ولا يفهمونه."

يعني حيث عطلت هذه الحواس وما في معناها فصارت كالعدم فصاروا (صم بكم عمي)، مع أن الله أثبت لهم أبصاراً، فقال: وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم26 سورة الأحقاففإذا عطلها الإنسان صارت كالعدم، وبالتالي صح أن يطلق عليه أنه أصم وأبكم وأعمى.

طالب:.....

الذي هو في المدعو، مثل الذي ينعق بغنمه وليس في الأصنام، هكذا عندك في ابن كثير أنها في الأصنام؟

طالب:.....

من الذي قال الأول؟

طالب:.....

إذن يعلق على هذا من كلام ابن جرير فيما نقله ابن كثير بأن الذي رجحه ابن جرير -رحمه الله- هو أنها في الداعي والمدعو الذي لا يستجيب ولا ينتفع بالدعوة، وليس في دعاء الكفار لأصنامهم، يعلق على هذا بأن اختيار ابن جرير هو هذا، والله أعلم.

طالب:.....

على كل حال قد يكون عند ابن كثير -رحمه الله- نسخة فيها شيء من هذا.

طالب:.....

كيف؟

طالب:.....

ابن كثير -رحمه الله- حينما كتب هذا الكتاب هو يضيف إليه ويحذف منه، فقد يكتب الإنسان شيئاً أحياناً ثم بعد ذلك يمسحه ويتراجع عنه، وما كان عندهم طبعة أولى وطبعة ثانية ومنقحة، فإذا حذف تناقل الناس نسخاً وربما تكون تلك النسخة هي التي طبعت وهذا موجود، وهذه المشكلة واضحة في تفسير ابن كثير، واضح أنه كان يحذف منه أشياء ويضيف إليه أشياء، فلذلك الذي يحقق ابن كثير المفروض أنه ينتبه لهذه القضية أولاً قبل كل شيء حتى لا يظن أن هذا من قبيل السقط ثم يفرح به ويورد مجموع ما في النسخ ويحشره في نسخة واحدة، والنساخ يتساهلون ويتصرفون، وأصحاب الكتب يعلقون أحياناً وربما يُظن أن هذا من كلام المؤلف.

 
ابن كثير -رحمه الله- حينما كتب هذا الكتاب هو يضيف إليه ويحذف منه، فقد يكتب الإنسان شيئاً أحياناً ثم بعد ذلك يمسحه ويتراجع عنه، وما كان عندهم طبعة أولى وطبعة ثانية ومنقحة، فإذا حذف تناقل الناس نسخاً وربما تكون تلك النسخة هي التي طبعت وهذا موجود، وهذه المشكلة واضحة في تفسير ابن كثير، واضح أنه كان يحذف منه أشياء ويضيف إليه أشياء، فلذلك الذي يحقق ابن كثير المفروض أنه ينتبه لهذه القضية أولاً قبل كل شيء حتى لا يظن أن هذا من قبيل السقط ثم يفرح به ويورد مجموع ما في النسخ ويحشره في نسخة واحدة، والنساخ يتساهلون ويتصرفون، وأصحاب الكتب يعلقون أحياناً وربما يُظن أن هذا من كلام المؤلف.
 

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌسورة البقرة 172 – 173يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم تعالى، وأن يشكروه تعالى على ذلك إن كانوا عبيده، والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء والعبادة، كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمامُ أحمد عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال:يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌسورة المؤمنون 51وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ172 سورة البقرة )) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك"([2]) ورواه مسلم والترمذي."

ولهذا حمل هذه الآية جمع من السلف كعمر بن عبد العزيز -رحمه الله- والضحاك وجماعة على أن المراد بها الكسب الحلال، يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ168 سورة البقرةالمقصود بها الكسب الحلال، وكثير من أهل العلم يحملون هذه الآية على أن المقصود بها الامتنان على خلقه، فهذا الأمر أمر إباحة، وتعرفون أن الأمر كما يذكره الأصوليون يأتي لمعان كثيرة منها الأصل أنه يأتي للوجوب، وقد يكون لمعنىً آخر لقرينة كالاستحباب والإباحة ونحو ذلك.

فهنا كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً، على هذا يكون هذا الأمر للإباحة والامتنان، ولهذا الأصوليون يوردون هذه الآية -وكذلك الفقهاء- في مقام الكلام على أن الأصل في الأشياء الحل والإباحة، وهذا الذي عليه عامة أهل العلم، والعبادات الأصل فيها المنع، والفروج الأصل فيها المنع، وبعضهم يذكر الذبائح أيضاً يقول: الأصل فيها المنع إلا ما ذبح أو ذكي بالطريقة الشرعية.

"ولما امتن تعالى عليهم برزقه وأرشدهم إلى الأكل من طيبه..."

 

 



[1] - أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (ج8/ص158- 7386 ).

[2] - في المسند (ج2/ص328- 8330) وهو في مسلم في الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها (ج3/ص 85- 2393)، والترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة البقرة (ج5/ص220- 2989).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about