استعرض النسخة الجديدة من الموقع
[70] من قوله تعالى"ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا" الآية 166إلى قوله تعالى " وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ"الآية169
عدد الزوار : 5408
تاريخ الإضافة : 17 محرّم 1426
MP3 : 3419 kb
PDF : 105 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير سورة البقرة (70)

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ165-167 سورة البقرة:"يذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا, ومآلهم في الدار الآخرة, حيث جعلوا له أنداداً أي أمثالاً ونظراء يعبدونهم معه، ويحبونهم كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له، ولا ند له, ولا شريك معه."

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى-: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ165 سورة البقرةالأنداد سبق مراراً في دروس متعددة كشرح كتاب التوحيد وغيره أن الند هو: النظير المناوئ, تقول: فلان ند لفلان أي نظير له مناوئ, فهو أخص من مطلق النظير, أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ165 سورة البقرةقوله: يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ165 سورة البقرةيحتمل معنيين, يحتمل أن يكون المراد كما قال ابن كثير هنا: كحبه, أي كما يحبون الله، سوّوا بين محبة هؤلاء الأنداد وبين محبة الله -تبارك وتعالى-, فكانت محبتهم بهذا الاعتبار محبة شركيةً ناقصة، ونقصانها أنهم قد صرفوا جزءامنها إلى هؤلاء الأنداد والنظراء, وهذا الذي عليه كثير من المحققين من أهل العلم كالشيخ تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله- وتلميذه ابن القيم, وهو الذي مشى عليه ابن كثير هنا, فيكون معنى: كَحُبِّ اللّهِ165 سورة البقرةأي كما يحبون الله, ولهذا كانت محبة أهل الإيمان كاملة؛ لأنه لم يصرف نصيب منها لشيء من الأنداد والنظراء والآلهة, ولهذا قال: وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ165 سورة البقرة.

والمعنى الآخر الذي تحتمله الآية هو أن قوله: يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ165 سورة البقرةأي كحب المؤمنين لله, ثم بيّن أن حب المؤمنين أكمل من حب هؤلاء المشركين, وذلك أن حب هؤلاء المشركين لله ليس بخالص وإنما هو مبعض, فجعلوا جزءاونصيباً من هذه المحبة لغيره, وأما أهل الإيمان فمحبتهم خالصة, فهذا المعنى كما ترون ليس هو الظاهر المتبادر, وقد لا يخلو من إشكال, يعني كأنه يقول: يحبونهم كما يحب المؤمنون الله, ثم يقول: وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ165 سورة البقرةفي البداية جعل محبتهم بمنزلة محبة المؤمنين لله, ثم قال: إن الذين أمنوا أكثر حباً لله منهم, فكأنه ليس كالقول الأول في ظهوره ورجحانه بهذا الاعتبار, فكيف يقول: كَحُبِّ اللّهِ165 سورة البقرةيعني: كحب المؤمنين لله ثم جعل حب المؤمنين لله أكمل؟! بينما الأول لا إشكال فيه, يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ165 سورة البقرةأي كمحبتهم هم لله, فكانت محبة أهل الإيمان أكمل وأعظم؛ لأنه لا تشريك فيها, فرجحان القول الأول ظاهر, وليس فيه إشكال, والله تعالى أعلم.

"وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله نداً وهو خلقك)([1]).

وقوله: وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ165 سورة البقرةولحبهم لله وتمام معرفتهم به وتوقيرهم وتوحيدهم له لا يشركون به شيئاً، بل يعبدونه وحده, ويتوكلون عليه, ويلجئون في جميع أمورهم إليه."

هو يشير إلى سبب نقص محبة المشركين أنها مبعضة، شرّكوا فيها فنقص جزء منها أو شطرها فصارت لتلك الأنداد, وعلى كل حال القول الثاني: كحب المؤمنين لله,قال به طائفة من السلف فمن بعدهم, وهو اختيار ابن جرير الطبري -رحمه الله-.

 
هو يشير إلى سبب نقص محبة المشركين أنها مبعضة، شرّكوا فيها فنقص جزء منها أو شطرها فصارت لتلك الأنداد, وعلى كل حال القول الثاني: كحب المؤمنين لله,قال به طائفة من السلف فمن بعدهم, وهو اختيار ابن جرير الطبري -رحمه الله-.
 

"ثم توعد تعالى المشركين به, الظالمين لأنفسهم بذلك فقال: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً165 سورة البقرة يقول: لو يعلمون ما يعاينونه هنالك، وما يحل بهم من الأمر الفظيع المنكر الهائل على شركهم وكفرهم لانتهوا عما هم فيه من الضلال."

لاحظ الآن كيف فسر قوله: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ165 سورة البقرةماذا قال؟ قال: "لو يعلمون" ففسّر الرؤية هنا بالعلم, والرؤية تارة تكون بصرية, وتارة تكون علمية, رؤية بالعلم، ورؤية بالقلب, والآية هنا تحتمل المعنيين, وفيها قراءات ثلاث متواترة, قراءة الياء هذه وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ165 سورة البقرةوهي قراءة أهل مكة وأهل الكوفة وأبيعمرو البصري, وهي القراءة التي نقرأ بها.

فعلى هذه القراءةيحتمل أن يكون المراد بذلك العلم، أي: "لو يعلمون" كما قال ابن كثير, ويحتمل أن يكون المراد بذلك الرؤية البصرية, فيكون المعنى: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ165 سورة البقرةفي الدنيا عذاب الآخرة لعلموا حين يرونه: أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً165 سورة البقرة، فيكون إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ165 سورة البقرةأي: يعاينونه بأبصارهم, فالرؤية هنا في: إِذْ يَرَوْنَ165 سورة البقرةيمكن أن تكون بصرية, أي: حين يرون العذاب وشدة النكال لعلموا أن القوة لله جميعاً.

ويحتمل أن تكون الرؤية "علمية" لو يعلمون حقيقة قوة الله وشدة عذابه لتبينوا ضرر اتخذاهم للآلهة, فصارت الرؤية علمية.

والقراءة الثانية بالتاء ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب ففي قراءة التاء الخطاب ظاهره أنه موجه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-, ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب لعلمت أن القوة لله جميعاً, والنبي -صلى الله عليه وسلم- يعلم ذلك قطعاً, وهو أعلم الناس بالله -عز وجل-, وبشرعه وجزائه, وهو أخشاهم لله لكمال علمه, ولكن المراد بذلك أمته, فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يُخاطب تارة ويراد أمته بهذا الخطاب، وهذا كثير في القرآن, فالأمة كما سبق مراراً قد تخاطب في شخص قدوتها -عليه الصلاة والسلام-, وهذا الذي اختاره ابن جرير الطبري -رحمه الله- في تفسير قوله: ولو ترى أي يا محمد, والمراد أمته؛ لأنه أعلم الأمة بالله -عز وجل-, فما يقال في حقه: "لعلمْتَأن القوة لله جميعاً"؛ لأنه يعلم ذلك، وله كمال العلم في هذه القضية.

أما القراءة الثالثة فهي في قوله: إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ165 سورة البقرةقرئت بالمبني للمجهول: إذ يُرونوعلى هذه القراءة تكون الرؤية في الثانية بصرية، وعلى القراءة الأولى: إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ165 سورة البقرةأيضاً الرؤية بصرية, يعني يعاينونه بأبصارهم, والاختلاف إنما هو في الأولى "ولو ترى", "ولو يرى" والله أعلم.

"ثم أخبر عن كفرهم بأوثانهم, وتبري المتبوعين من التابعين, فقال: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ166 سورة البقرةتبرأت منهم الملائكة التي كانوا يزعمون أنهم يعبدونهم في الدار الدنيا."

قوله: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ166 سورة البقرةيحتمل أن يكون بدلاً من قوله: إِذْ يَرَوْنَ165 سورة البقرةالذي سبق, فيكون المعنى: "ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله، ولو يرى الذين ظلموا إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا", "ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب في ذلك الحين يتبرأ المتبِّعون من المتبَّعين" إذا رأوا العذاب في ذلك الحين يحصل التبرؤ بين الأتباع والمتبوعين، فيكون: "إذ تبرأ الذين اتبعوا" بدل من قوله: "إذ يرون العذاب" فهم إذ يرون العذاب ما الذي يحصل؟ يحصل التبرؤ بين الأتباع والمتبوعين.

"فتقول الملائكة: تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ63 سورة القصصويقولون:سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ41 سورة سبأ."

يعني كل من عُبد من دون الله يتبرأ من عابديه, فالملائكة عبدتهم بعض العرب فهؤلاء يتبرءون, والجن من عبدهم تبرءوا منه, والصالحون والأنبياء من عبدهم تبرءوا منه وهكذا, حتى الشيطان يتبرأ من أتباعه.

"والجن أيضاً تتبرأ منهم، ويتنصلون من عبادتهم لهم, كما قال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ5-6 سورة الأحقافوقال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا81-82 سورة مريموقال الخليل -عليه السلام- لقومه: وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ25 سورة العنكبوتوقال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ31-33 سورة سبأوقال تعالى: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ22 سورة إبراهيم.

وقوله: وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ166 سورة البقرةأي عاينوا عذاب الله، وتقطعت بهم الحيل وأسباب الخلاص, ولم يجدوا عن النار معدلاًَ ولا مصرفاً, قال عطاء: عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ166 سورة البقرةقال: المودة, وكذا قال مجاهد في رواية ابن أبي نجيح."

 وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ166 سورة البقرةأي جميع الصلات التي كانت بينهم في الدنيا, لم يعد هناك بينهم وشيجة ولا سبب للنجاة, تقطعت بينهم المودة وأسباب الخلاص والنجاة, فصار كل واحد مرتهن بعمله.

"وقوله: وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا167 سورة البقرةأي: لو أن لنا عودة إلى الدار الدنيا حتى نتبرأ من هؤلاء ومن عبادتهم, فلا نلتفت إليهم، بل نوحد الله تعالى بالعبادة, وهم كاذبون في هذا, بل لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون, كما أخبر الله تعالى عنهم بذلك، ولهذا قال: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ167 سورة البقرةأي: تذهب وتضمحل، كما قال تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا23 سورة الفرقانوقال تعالى: مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ18 سورة إبراهيم.. الآية، وقال تعالى:وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء 39 سورة النــور.. الآية, ولهذا قال تعالى:وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ167 سورة البقرة."

قوله:كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ 167 سورة البقرةقال: تذهب وتضمحل, هي تذهب وتضمحل وأكثر من هذا, فهي ليست تذهب وتضمحل فقط, بل تكون عليهم حسرات, والحسرات: جمع حسرة: وهي أعظم الشدة والضيق, ويكون الإنسان بسبب ذلك في حال لا يحسد عليها, قد انقطعت به الأسباب, ويحصل له بسبب ذلك من الألم ما لا يقادر قدره.

 يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْالسيئة حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ167 سورة البقرة فتكون سبباً لآلام نفوسهم وقلوبهم, وسبباً للشدة الواقعة بهم, فيتمنى الواحد منهم أن بينه وبينها بعد المشرقين, وأنه لم يفعل شيئاً من ذلك, ولم يقارف منها شيئاً, ولهذا يقولون: يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا49 سورة الكهف.

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ168-169 سورة البقرةلما بيّن تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه المستقل بالخلق, شرع يبيّن أنه الرزاق لجميع خلقه."

هذا الكلام الذي يذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هنا هو ما يعرف بالمناسبة بين الآية وبين الآية التي قبلها, والمقصود بالمناسبة: وجه الارتباط بين الآية وما قبلها, وهناك أنواع أخرى من المناسبة على كل حال, لكن هنا يقرر وجه الارتباط بين الآية وبين ما قبلها, لما بيّن تعالى أنه لا إله إلا هو, وأنه المستقل بالخلق شرع يبيّن أنه الرازق لجميع خلقه.

 
هذا الكلام الذي يذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هنا هو ما يعرف بالمناسبة بين الآية وبين الآية التي قبلها, والمقصود بالمناسبة: وجه الارتباط بين الآية وما قبلها, وهناك أنواع أخرى من المناسبة على كل حال, لكن هنا يقرر وجه الارتباط بين الآية وبين ما قبلها, لما بيّن تعالى أنه لا إله إلا هو, وأنه المستقل بالخلق شرع يبيّن أنه الرازق لجميع خلقه.
 

 يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً168 سورة البقرةسُمي (حلالاً) ربما لانحلال عقدة الحظر عنه, وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ168 سورة البقرةخطوات الشيطان: جمع خُطوة, والخطوة تقال بالفتح خَطوة, وتقال بالضم خُطوة, والخَطوة: هي واحدة الخَطْو, تقول: خطوت خطوة, يعني واحدة, خطوتين، ثلاث, والخُطوة: هي ما بين القدمين حال الخَطْو، وأما الخَطوة: فهي الواحدة, تقول: هذه خَطوة, خَطَوات الدرس كما يقال, وخَطَوات الموضوع, والخَطَوات التي نسير عليها, المقصود بها الواحدة, وتجمع على خَطَوَات, خَطوة خَطَوَات, فَعْلَة فَعَلات، هذا هو الأصل أنه بالفتح تقول: حلَقات وحسَرات وزفَرات إلا لضرورة الشعر، يقول الشاعر:

حُمّلتُ زفْرات الضحى فأطقتها
ج

 

وما لي بزفْرات العشيِّ يدانِ([2])
ج

 

قال: (بزفْرات) وهذا قليل جداً, وهو يرد في ضرورة الشعر.

طالب: يقول الأصفهاني: "الحسرُ: كشف الملبس عما عليه, يقال: حسرت عن الذراع, والحاسر: من لا درع عليه ولا مغفر.

لا, هات الحسرات.

طالب: هو ذكر المعنى ثم سرد الآيات التي ذُكرت فيها.

قال: "والحاسر من لا درع عليه ولا مغفر, والمحسرة المكنسة, وفلان كريم المحسّر كناية عن المختبر, وناقة حسير: انحسر عنها اللحم والقوة, ونوق حسراء, والحاسر: المعيا لانكشاف قواه, ويقال للمعيا: حاسر ومحسور, أما الحاسر فتصور أنه قد حسر بنفسه قواه, وأما المحسور فتصور أن التعب قد حسره, وقوله -عز وجل-: يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ4 سورة الملكيصح أن يكون بمعنى حاسر, وأن يكون بمعنى محسور, قال تعالى: فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا29 سورة الإسراءوالحسرة: الغم على ما فاته والندم عليه كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله على مرتكبه, أو انحسرت قواه من فرط غم, أو أدركه إعياء من تدارك ما فرط منه, قال تعالى: لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ156 سورة آل عمرانوقال: وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ50 سورة الحاقةوقال تعالى: يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ56 سورة الزمروقال تعالى: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ167 سورة البقرة، وقوله تعالى: يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَاد30 سورة يــس،وقوله تعالى في وصف الملائكة: لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ19 سورة الأنبياء...([3]).

ولا يستحسرون أي: لا ينقطعون, والكلمة في كل استعمالاتها ترجع إلى معنى الكلال والانقطاع, حسير: يعني كليل, يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ4 سورة الملكيعني كليل, ومنه قول الشاعر:

بها جيف الحسرى فأما عظامها
ج

 

فبيضٌ وأما جلدها فصليبُ([4])
ج

 

يصف الشاعر بيداء –صحراء- واسعة, لا يقطعها إلا الواحد بعد الواحد من الناس, يقول: قطعتها وبها جيف الحسرى، وهي النوق تنقطع في السفر من طول المشي والمسير, فتحرِن الواحدة منها في مكانها، ولا تقوم منه وتموت, وينقطع بها السير لشدة ما يلحقها من التعب.

يقول: "بها جيف الحسرى" وهي الإبل والدواب المنقطعة من طول المسير، "فأما عظامها فبيض" أي: تلوح عظامها ميتة من زمان متفسخة، "وأما جلدها فصليبُ" جلودها يابسة.

فالمقصود -على كل حال- أن قوله: حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ167 سورة البقرةجمع حسرة، وهي شدة الضيق والغم الذي يحصل لهم بسبب التفريط والتضييع, ولذلك هنا لما قال: إنها ذهبت واضمحلت فيكون ذلك سبباً لهذا الغم الذي وقع لهم, إذا رأوا أعمالهم قد ذهبت واضمحلت ما الذي يحصل؟ يحصل لهم الحسرة, يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ56 سورة الزمر.

"فذكر في مقام الامتنان أنه أباح لهم أن يأكلوا مما في الأرض في حال كونه حلالاً..."



[1] - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب قول الله: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا 31 سورة البقرة [ج4- ص1626- 4207] وفي باب تفسير سورة الفرقان [ج4- ص1784- 4483] وفي كتاب الأدب، باب قتل الولد خشية أن يأكل معه[ج5- ص2236- 5655] وفي كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب إثم الزناة [ج6- ص2497- 6426] وفي كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً 22 سورة البقرة [ج6- ص2734 – 7082] ومسلم في كتاب الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده [ج1- ص90 -141].

[2] - هذا البيت من قصيدة نونية طويلة عدتها ثلاثة وسبعون بيتاً لعروة بن حزام العذري، المتوفى -على ما ذكر الذهبي في تاريخه- في خلافة عثمان سنة ثلاثين من الهجرة، لعشر بقين من شوال، وقيل: سنة ثمان وعشرين، ومن محاسن شعره قصيدته هذه التي ضمنها حكاية حاله بألفاظ رقيقة، ومعان أنيقة يقول في مطلعها:

خليلي من عليا هلال بن عامر *** بصنعاء عوجا اليوم وانتظراني

ولا تزهدا في الأجر عندي واجعلا *** فإنكما بي اليوم مبتليان

يُنظر: خزانة الأدب (ج1/ص432) وتزيين الأسواق في أخبار العشاق (ج1/ص60) وشرح ابن عقيل (ج4/ص112) وشرح الأشموني على ألفية ابن مالك (ج1/ص438).

[3] - غريب القرآن للأصفهاني (ج1/ص118).

[4] - هذا البيت من قصيدة طويلة لعلقمة بن عبدة بن النعمان بن قيس، مطلعها:

طَحَا بِكَ قَلْبٌ في الحِسَانِ طَرُوبُ *** بُعَيْدَ الشَّبَابِ عَصْرَ حانَ مَشِيبُ

يُكَلِّفُنِي لَيْلَى وقد شَطَّ وَلْيُها *** وعادَتْ عَوَادٍ بيننا وخُطُوبُ

يُنظر: خزانة الأدب (ج3/ص106) والجليس الصالح والأنيس الناصح (ج1/ص239) والمفضليات (ج1/ص71) ومنتهى الطلب من أشعار العرب (ج1/ص13). 

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about