استعرض النسخة الجديدة من الموقع
‏[15] من قوله تعالى"قل يأيها الناس" الآية 49إلى قوله تعالى"إن الله لعفو غفور" الآية60‏
عدد الزوار : 12223
تاريخ الإضافة : 29 ذو القعدة 1429
MP3 : 34742 kb
PDF : 170 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة الحج (15)

من قوله تعالى"قل يأيها الناس" الآية  49إلى قوله تعالى"إن الله لعفو غفور" الآية60‏

 

 

يقول الله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم- حين طلب منه الكفار وقوع العذاب واستعجلوه {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [(49) سورة الحـج] أي: إنما أرسلني الله إليكم نذيراً لكم {بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سورة سبأ(46)] وليس إليّ من حسابكم من شيء، أمركم إلى الله، إن شاء عجل لكم العذاب، وإن شاء تاب على من يتوب إليه، وإن شاء أضل من كتب عليه الشقاوة، وهو الفعال لما يشاء ويريد ويختار، لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب [الرعد: 41].

{إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [سورة الحـج(50)] أي: آمنت قلوبهم، وصدقوا إيمانهم بأعمالهم {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [سورة الحـج(50)] أي: مغفرة لما سلف من سيئاتهم، ومجازاة حسنة على القليل من حسناتهم.

قال محمد بن كعب القرظي: إذا سمعت الله تعالى يقول: "ورزق كريم" فهو الجنة.

{لَهُم مَّغْفِرَةٌ} [سورة الحـج(50)] يعني: للذنوب، وستر للعيوب {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [سورة الحـج(50)] يعني: الجنة، وما فيها من الملذات، والرزق الكريم هو الذي لا يكون معه شيء من الكدر والتنغيص، فهو الطيب الحلال الذي لا يسبقه أذى ولا ما يكدره، ولا يكون معه ما ينغصه، ولا يعقبه شيء من ذلك، هذا هو الرزق الكريم.

ثم قال: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} [سورة الحـج(51)] قال مجاهد: يثبطون الناس عن متابعة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكذا قال عبد الله بن الزبير: مثبطين.

وقال ابن عباس: {مُعَاجِزِينَ} مراغمين.

وهكذا قول من قال: "معاجزين" أي: ظانين أن يعجزوا الله فيفوتوه فلا يعذبهم، وهكذا قول من قال: "معاجزين" يعني: معاندين، وحمل ابن جرير -رحمه الله- قول من فسره بمثبطين على قراءة من قرأ: (معجزين)، أي مثبطين، والمقصود أن هؤلاء سعوا في آيات الله معاجزين، السعي يكون في الخير كما يكون أيضاً في الشر، الله -عز وجل- يقول: {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [سورة الإسراء (19)] فهذا سعي في الخير، وطاعة الله، وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم .

{وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [سورة الإسراء (19)] هذا في الخير، {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} [سورة الحـج (51)] هذا في الشر.

السعي: الإسراع في المشي، وأما قوله -تبارك وتعالى- في الجمعة: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [سورة الجمعة(9)] المقصود به العمل على حضور الجمعة، والتطهر والانصراف إليها، وترك الاشتغال عنها، والعمل على حضورها.

فالسعي يكون في الخير، ويكون في الشر، ويكون في العمل المباح في الدنيا والكسب والرعاية، وما أشبه ذلك، والساعي على الأرملة واليتيم يعني الذي يقوم على شئونهما.

والمقصود بالسعي في قوله –سبحانه-: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} [سورة الحـج (51)] السعي في الشر، فهم بفعلهم هذا وبسعيهم هذا يطلبون العجز، (معاجزين) أي: يطلبون أن يعجزوا الله -عز وجل-، بمعنى أنهم يثبطون عن دينه، ويصدون عن سبيله، ويكذبون رسوله -صلى الله عليه وسلم- بما يلقون من الشبهات، وما يحصل منهم من التعويق والتثبيط والأذى لمن آمن، فهذا كله داخل في "معاجزين"، بهذا قال الزجاج: ظانين أن يعجزوا الله فيفوتوه، ولا يعذبهم، وهذا قد يدخل في عموم المعنى "معاجزين" فهم يثبطون، ويطلبون إبطال هذا الدين، وتكذيب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وقد يدخل فيه ما ذكره الزجاج، أي: أنهم يظنون أنهم يفوتون الله فلا يجازيهم، ولا يحاسبهم.

{أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [سورة الحـج(51)] وهي النار الحارة الموجعة، الشديد عذابها ونكالها -أجارنا الله منها-، قال الله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ} [النحل: 88].

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [سورة الحـج (52-54)] قد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة، ظنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم.

الغرانيق المقصود بها طيور بيضاء، وهؤلاء يقولون أو يزعمون بأن أصنامهم -وهذه المعبودات الباطلة من دون الله -عز وجل- تطير إلى السماء على هيئة هذه الطيور البيض، فتشفع لهم عند الله -عز وجل-، على كل حال جاءت قصة الغرانيق هذه بروايات متعددة، ولكن لا يصح منها شيء، بل قال ابن خزيمة: إنها من وضع الزنادقة، وهذه خلاصتها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ سورة النجم على جمع من المسلمين والمشركين بمكة، فيقولون: إنه قرأ فيما قرأ: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتها لترتجي، ففرح المشركون بذلك، ورأوا أنه قد ذكر آلهتهم بخير، فلما بلغ السجدة التي في آخر سورة النجم سجد النبي       -صلى الله عليه وسلم- وسجد من حضره من المسلمين والمشركين، فبلغ ذلك أهل الحبشة من المسلمين، وطار في الناس أن قريشاً قد أسلمت، فرجع بعضهم إلى مكة.

الحاصل أن هذه الحكاية قد تكلم عليها العلماء -رحمهم الله- كثيراً، وبينوا ضعفها، وصنف فيها بعضهم كتاباً مستقلاً.

الشيخ الألباني -رحمه الله– كتب كتابا بعنوان: نصب المنجنيق في نسف قصة الغرانيق، وضعفها ابن كثير، والشوكاني وجماعة من أهل العلم، فهي لا تصح، وإن كان الحافظ ابن حجر -رحمه الله- قواها ببعض طرقها، وخالف بذلك عامة أهل العلم، بل قال ابن خزيمة: هي من وضع الزنادقة، وفي الآية ما يبطل ذلك

ويرده، وذلك أن الله -عز وجل- في سورة النجم قال: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم} [سورة النجم(23)] فكيف يذكر قصة الغرانيق ثم بعدها مباشرة يصف تلك الآلهة بهذا الوصف "إنها مجرد أسماء لا حقيقة لها، وليس لها نصيب من الإلهية" فهذا تناقض.

وعلى كل حال يبقى الكلام أيضاً في عصمة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإن عصمته تأبى ذلك، والله -عز وجل- يقول: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [سورة الحاقة (44-46)] وقد عصمه الله -عز وجل- في أمر البلاغ، والرسالة، فكيف يُجري ذلك على لسانه -عليه الصلاة والسلام- فيذكر هذه الآلهة التي تعبد من دون الله -عز وجل- بخير؟، وكيف يسلط الشيطان عليه هذا التسليط؟! والله -عز وجل- يقول: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [سورة النحل(99)] كيف يتسلط هذا التسلط في قضية تتعلق بالبلاغ، والوحي؟! فهي قصة لا عبرة بها، ولا يلتفت إليها.

قال البخاري: قال ابن عباس: {فِي أُمْنِيَّتِهِ} [سورة الحـج(52)] إذا حدّث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان، ويحكم الله آياته.

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [سورة الحـج(52)] يقول: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه.

وقال مجاهد: {إِذَا تَمَنَّى} يعني: إذا قال.

ويقال: {أُمْنِيَّتِهِ} قراءته، {إِلا أَمَانِيَّ} [البقرة: 78] يقولون ولا يكتبون.

قال البغوي: وأكثر المفسرين قالوا: معنى قوله: {تَمَنَّى} أي: تلا وقرأ كتاب الله {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} أي: في تلاوته، وقال الضحاك: {إِذَا تَمَنَّى} إذا تلا.

قال ابن جرير: هذا القول أشبه بتأويل الكلام.

الآن (إذا تمنى) مجمل المعاني التي ذكرت تمنى: حدث، قال، تلا، ومثل: تلا، قرأ، لا فرق، فهذه متقاربة وإن لم تكن ترجع إلى معنى واحد، فيكون معنى: تمنى أي: قرأ، أو حدث، أو قال، أو تكلم، فألقي الشيطان في تلاوته أو قراءته أو في حديثه، فيكون تفسير (تمنى) قرأ أو حدث، ومن هذا قول حسان -رضي الله عنه- يمدح عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه-:

تمنّى كتابَ اللهِ أوّل ليلِهِ

وقول الآخر:

تمنّى كتابَ اللهِ أولَ ليلِهِ *** تمنِّي داودَ الزبورَ على رِسْلِ

يقول حسان:

تمنى كتابَ الله أولَ ليلِهِ *** وآخرَه لاقى حِمامَ المقادرِِ

هذا البيت الأول، فكل واحد من هذين البيتين عبر فيه قائله بهذه اللفظة (تمنى) عن القراءة، تمنى أي:     قرأ، وهذا معنى صحيح، معروف في كلام العرب، وهو أحد الوجهين في تفسير قوله -تبارك وتعالى-: {لاَ

يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ} [سورة البقرة(78)] ولهذا انظروا هنا قال: ويقال: أمنيّته قراءته، إلا أمانيّ: يقولون ولا يكتبون، يقولون يعني: يقرءون، ومنهم أميون يعني: جهلة، لا يعلمون الكتاب، لا يعلمون إلا أماني، ما معنى أماني؟ على أحد الوجهين: إلا قراءة، يعني يقرءون ولا يفهمون، ما يعرفون معاني الكتاب.

والمعنى الثاني: في الآية (إلا أماني) يعني: أماني من الأمْنية، يعني: يتمنون {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} [سورة البقرة(80)] {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} [سورة البقرة(111)] فهذا المعنى الثاني في الآية الأخرى {أُمِّيُّونَ} [سورة البقرة (78)]. في هذه الآية في سورة الحج: {إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [سورة الحـج(52)] توجيه ذلك وتفسيره بالقراءة أقوى من تفسيره بالمعنى الثاني وهو الأمنية، الشيء الذي يتمناه الإنسان ويؤمل حصوله، فهذا هو القول الثاني في الآية، فالألفاظ الأولى متقاربة وإن لم تكن ترجع إلى معنى واحد تماماً، لكنها متقاربة، تمنى بمعنى قرأ وحدّث أو قال، ألقى الشيطان في قراءته أو في حديثه، هذا المعنى الأول بصرف النظر عن العبارات التي عبر عنه بها.

المعنى الثاني: تمنى من الأمنية، بعضهم يقول: تمنى هداية قومه، بمعنى ألقى الشيطان في قلوب الناس من الوساوس والخواطر والشبهات ما يصدهم به عن سلوك طريق الهداية، فلم يقع ما تمناه النبي -عليه الصلاة والسلام- من هدايتهم {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [سورة الحـج (52)] ألقى ما يحول أو يمنع من تحققها، وبعضهم يقول: {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} أي: جمحت هذه الأمنية، فالله -عز وجل- قد كتب {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [سورة يوسف (103)] وأن أكثر الناس يتبعون الشيطان، والشيطان قد قال: {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [سورة الأعراف (17)] وقال تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ} [سورة الأنعام(116)] فتكون أمنية النبي أن يهتدي هؤلاء الناس بهذا الحق والنور المبين، فتكون هذه الأمنية متجاوزة متعدية ما كتبه الله -عز وجل- لهم، فلم تأت على وزان ما كتبه الله لقومه، بل جمحت، لكن هذا التفسير فيه بُعد؛ لأن الله قال: {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [سورة الحـج (52)] فكونه جمحت أمنيته، وتجاوزت الحد الذي كتبه الله -عز وجل- أمر بعيد.

فالإنسان يتمنى الخير دائماً لنفسه والناس، وليس ذلك من الشيطان، فيبقى الذي قبله أقرب منه، تفسير تمنى من التمني المعروف، وهو رجاء ما يبعد أو يستحيل وقوعه هذا الفرق بينه وبين الرجاء، الرجاء الشيء قريب المنال والطمع كذلك، أما التمني فمثاله: "فيا ليت الشبابَ يعود يوماً" هو الشيء المستحيل أو بعيد المنال، فإذا فسرت بالتمني المعروف فتفسيرها بمعنى {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [سورة الحـج(52)] يعني: ألقى في نفوس الناس ما يصدهم ويصرفهم عن تحقق ما تمناه لهم نبيهم من الهداية.

فـ "تمنى" بمعنى حدث، لكن في آية البقرة: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ} [سورة البقرة (78)] تفسيرها بالأمنية -أي يتمنون على الله -عز وجل- من غير عمل ولا إيمان صحيح- أقرب من تفسيرها بمجرد القراءة، وإن كانت الآية تحتمل المعنيين، فالراجح في هذه الآية هنا في الحج عكس ما هو الراجح في آية البقرة.

وإذا فسرنا هذه الآية هنا بالتمني المعروف فقد ذكرت لكم وجهه، بما هو أرجح منه، وعليه عامة المفسرين من السلف والخلف، بمعنى قرأ أو قال أو حدث، فإذا فسر بقول عامة المفسرين تمنى بمعنى قرأ: {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [سورة الحـج (52)] فبعضهم يقول: جرى ذلك على لسانه، وذلك من إلقاء الشيطان، فأبطله الله -عز وجل-، ويذكرون في ذلك روايات لا تصح -كقصة الغرانيق- وهذا باطل كيف يجري على لسانه والله قد عصمه؟! هذا مستبعد.

وبعضهم يقول: {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [سورة الحـج (52)] يعني في قراءته، لكن ما وجه ذلك؟ كيف؟ فيقال: ألقى ذلك في أسماع المشركين ولم يجر على لسان النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبعضهم يعبر بعبارة أصرح وأوضح فيقول: النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأ فسكت، فالشيطان حاكى صوته فقال: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتها لترتجي، وهذه القصة باطلة، فلا داعي لحمل التفسير عليها، حتى لو قلنا: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- سكت فحاكاه الشيطان، ما عندنا دليل أصلاً، وبعضهم يوجه ذلك فيقول: {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [سورة الحـج(52)] يعني في قراءته، يلقي في قلوب السامعين من الشكوك والشبه والوساوس ما يجعلهم يرتابون، ولا تنقاد قلوبهم له، وهذا القول له وجه.

{أَلْقَى الشَّيْطَانُ} [سورة الحـج(52)] ما عندنا دليل على أن الشيطان تكلم، وحاكى قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وحاشا أن يكون ذلك قد جرى على لسان النبي -صلى الله عليه وسلم-، هذا باطل، ولا يدل عليه إلا قصة الغرانيق وهي باطلة، إذاً إذا أردنا أن نفسر تمنى بمعنى قرأ {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [سورة الحـج(52)] في قراءته، فيكون المعني: ألقى في قلوب السامعين من الشبهات والوساوس ما يصدهم به عن الإيمان، وهذا لله فيه حكمة، كما قال الله -عز وجل-: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} [سورة الأنعام(112 - 113)] لله حكمة في هذا كله، يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، فيكون هذا الإلقاء في القلوب هو من إلقاء الوساوس والشبهات والخواطر السيئة، فيكون ذلك صارفاً لهم وصادًّا لهم عن الإيمان.

وبعضهم يقول -مثل الفراء والكسائي-: {إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [سورة الحـج(52)] إذا حدث نفسه ألقى الشيطان يعني تكلم به وألقاه على مسامع الناس دون أن يجري ذلك على لسانه، وهذا الكلام ما عليه دليل، يعني: لو أردنا أن نوجه هذا القول للكسائي والفراء، يقولون: يحدث نفسه يعني: لو نزل شيء لا يستفز مشاعر المشركين، ولا يثير ردود أفعال سلبية عندهم، من أجل أن ينقادوا وأن يقبلوا وأن يذعنوا، فكان يحدث نفسه بشيء، أو لو نزل عليه شيء لربما يستميل قلوب الكفار، فهو يحدث نفسه بهذا، فيجريه الشيطان على لسانه، فيلقيه في مسامع هؤلاء الكفار، وهذا كله رجوع إلى قصة الغرانيق، يعني الشيء الذي يحدث به نفسه يجريه الشيطان على لسانه، فقال: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتها لترتجي، وهذا كله لا دليل عليه، كما تلاحظون أن جملة من هذه الأقوال هي ترجع إلى قصة الغرانيق، لكنهم يحاولون أن يوجهوا ذلك.

والخلاصة: يقال: تمنى أي قرأ {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [سورة الحـج (52)] أي: في قراءته، فيلقي في قلوب هؤلاء الناس ما قد يكون صارفاً لهم عن الإيمان به، والانقياد والإذعان والتصديق بهذا القرآن، والله المستعان، هذه هي الخلاصة من كلام أهل العلم في هذه الآية.

ويقول هنا: قال الضحاك: (إذ تمنى) إذا تلا، قال ابن جرير: هذا القول أشبه بتأويل الكلام، يعني ابن جرير يميل إلى أنها بمعنى تلا، وهذا قول أكثر المفسرين، لكن على كل حال الكلام في هذا كثير، ويمكن أن نقرأ في الأضواء تفسير الآية.

وقد تكلم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي عليها كلاماً جيداً كثيراً في الأضواء وفي دفع إيهام الاضطراب وفي رحلته إلى الحج، وأبطل قصة الغرانيق سنداً ومتناً.

قال رحمه الله: "معنى قوله تمنى في هذه الآية الكريمة فيه للعلماء وجهان من التفسير معروفان:

الأول: أن تمنى بمعنى: قرأ وتلا، ومنه قول حسان في عثمان بن عفان -رضي الله عنه-:

تمنى كتاب الله أولَ ليلِه *** وآخرَه لاقى حمام المقادر

وقول الآخر:

تمنى كتاب الله آخر ليلِه *** تمنِّي داودَ الزبور على رِسلِ

فمعنى تمنى في البيتين: قرأ وتلا.

وفي صحيح البخاري عن ابن عباس أنه قال: إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، وكون تمنى بمعنى: قرأ وتلا هو قول أكثر المفسرين.

القول الثاني: أن تمنى في الآية من التمني المعروف، وهو تمنيه إسلام أمته وطاعتهم لله ولرسله، ومفعول (ألقى) محذوف، فعلى أن تمنى بمعنى: أحب إيمان أمته، وعلق أمله بذلك، فمفعول (ألقى) يظهر أنه من جنس الوساوس، والصد عن دين الله حتى لا يتم للنبي -صلى الله عليه وسلم- أو الرسول ما تمنى.

ومعنى كون الإلقاء في أمنيته على هذا الوجه: أن الشيطان يلقي وساوسه وشبهه ليصدّ بها عما تمناه الرسول أو النَّبي، فصار الإلقاء كأنه واقع فيها بالصد عن تمامها والحيلولة دون ذلك.

وهَبْ أن تمنى بمعنى: قرأ، ففي مفعول (ألقى) تقديران:

أحدهما: من جنس الأول: أي ألقى الشيطان في قراءة الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو النَّبي الشبه والوساوس ليصد الناس عن اتباع ما يقرؤه، ويتلوه الرسول أو النَّبي،

وعلى هذا التقدير فلا إشكال.

وأما التقدير الثاني: فهو ألقى الشيطان في أمنيته أي قراءته ما ليس منها ليظن الكفار أنه منها.

وقوله: {فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} [سورة الحـج (52)] يستأنس به لهذا التقدير.

وقد ذكر كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية قصة الغرانيق، قالوا: سبب نزول هذه الآية الكريمة أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ سورة النجم بمكة..."([1]).

يستأنس بهذا التفسير: يعني ألقى في قراءته شيئاً سمعوه، فينسخ، والنسخ هو الإزالة والإبطال، فهذا شيء سُمع، فهذه قرينة يحتج بها من يقول: إنه ألقى في مسامعه، سواء جرى على لسان النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو الشيطان حاكاه أو نحو ذلك فجاء {فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} [سورة الحـج(52)] أي: يبطله، ولهذا فسر بالخواطر، وكيف يكون ذلك؟ بإبطال الشبهات، وبيان الحق.     

وقال: "فلما بلغ: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} [النجم:19-20] ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى، فلما بلغ آخر السورة سجد وسجد معه المشركون والمسلمون، وقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، وشاع في الناس أن أهل مكة أسلموا بسبب سجودهم مع النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، حتى رجع المهاجرون من الحبشة ظناً منهم أن قومهم أسلموا، فوجدوهم على كفرهم.

وقد قدمنا في هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً ويكون في الآية قرينة تدل على بطلان ذلك القول، ومثلنا لذلك بأمثلة متعددة، وهذا القول الذي زعمه كثير من المفسرين: وهو أن الشيطان ألقى على لسان النَّبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الشرك الأكبر، والكفر البواح الذي هو قولهم: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى، يعنون: اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، الذي لا شك في بطلانه في نفس سياق آيات النجم التي تخللها إلقاء الشيطان المزعوم قرينة قرآنية واضحة على بطلان هذا القول؛ لأن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ بعد موضع الإلقاء المزعوم بقليل قوله تعالى في اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [النجم:23] وليس من المعقول أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- يسب آلهتهم هذا السب العظيم في سورة النجم متأخراً عن ذكره لها بالخير المزعوم إلا وغضبوا ولم يسجدوا؛ لأن العبرة بالكلام الأخير، مع أنه قد دلت آيات قرآنية على بطلان هذا القول، وهي الآيات الدالة على أن الله لم يجعل للشيطان سلطاناً على النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، وإخوانه من الرسل، وأتباعهم المخلصين، كقوله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل:99-100] وقوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر:142] وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ} [سبأ:21] وقوله: {وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ من سُلْطَانٍ} [إبراهيم:22] وعلى القول المزعوم أن الشيطان ألقى على لسانه -صلى الله عليه وسلم- ذلك الكفر البواح، فأي سلطان له أكبر من ذلك؟

ومن الآيات الدالة على بطلان ذلك القول المزعوم قوله تعالى في النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى} [النجم:3-4] وقوله: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ. تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء:221-222] وقوله في القرآن العظيم: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] وقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:41-42] فهذه الآيات القرآنية تدل على بطلان القول المزعوم.

 

مسألة:

اعلم: أن مسألة الغرانيق مع استحالتها شرعاً، ودلالة القرآن على بطلانها لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج.

والحاصل: أن القرآن دل على بطلانها، ولم تثبت من جهة النقل، مع استحالة الإلقاء على لسانه -صلى الله عليه وسلم- لما ذكر شرعاً، ومن أثبتها نسب التلفظ بذلك الكفر للشيطان، فتبين أن نطق النَّبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك الكفر، ولو سهواً مستحيل شرعاً، وقد دل القرآن على بطلانه، وهو باطل قطعاً على كل حال، والغرانيق: الطير البيض المعروفة واحدها: غرنوق كزنبور وفردوس، وفيه لغات غير ذلك، يزعمون أن الأصنام ترتفع إلى الله كالطير البيض، فتشفع عنده لعابديها -قبحهم الله ما أكفرهم-، ونحن وإن ذكرنا أن قوله: {فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} [سورة الحـج(52)] يستأنس به لقول من قال: إن مفعول الإلقاء المحذوف تقديره: ألقى الشيطان في قراءته ما ليس منها؛ لأن النسخ هنا هو النسخ اللغوي، ومعناه الإبطال والإزالة من قولهم: نسخت الشمسُ الظل، ونسخت الريح الأثر، وهذا كأنه يدل على أن الله ينسخ شيئاً ألقاه الشيطان، ليس مما يقرؤه الرسول أو النَّبي، فالذي يظهر لنا أنه الصواب، وأن القرآن يدل عليه دلالة واضحة، وإن لم ينتبه له من تكلم على الآية من المفسرين: هو أن ما يلقيه الشيطان في قراءة النَّبي: الشكوك والوساوس المانعة من تصديقها وقبولها، كإلقائه عليهم أنها سحر أو شعر، أو أساطير الأولين، وأنها مفتراة على الله ليست منزلة من عنده.

والدليل على هذا المعنى: أن الله بين أن الحكمة في الإلقاء المذكور امتحان الخلق؛ لأنه قال: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [الحج:53] ثم قال: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} [الحج:54] فقوله: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ} [سورة الحـج(54)] يدل على أن الشيطان يلقي عليهم أن الذي يقرأه النَّبي ليس بحق، فيصدقه الأشقياء، ويكون ذلك فتنة لهم، ويكذبه المؤمنون الذين أوتوا العلم، ويعلمون أنه الحق لا الكذب كما يزعم لهم الشيطان في إلقائه، فهذا الامتحان لا يناسب شيئاً زاده الشيطان من نفسه في القراءة والعلم عند الله تعالى.

وعلى هذا القول، فمعنى نسخ ما يلقى الشيطان: إزالته وإبطاله، وعدم تأثيره في المؤمنين الذين أوتوا العلم.

ومعنى يحكم آياته: يتقنها بالإحكام، فيظهر أنها وحي منزل منه بحق، ولا يؤثر في ذلك محاولة الشيطان صد الناس عنها بإلقائه المذكور، وما ذكره هنا من أنه يسلط الشيطان فيلقى في قراءة الرسول والنَّبي فتنة للناس ليظهر مؤمنهم من كافرهم بذلك الامتحان، جاء موضحاً في آيات كثيرة.

وقوله: {فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} [سورة الحـج(52)] حقيقة النسخ لغة: الإزالة والرفع، قال علي بن   أبي طلحة عن ابن عباس: أي فيبطل الله -سبحانه وتعالى- ما ألقى الشيطان([2]).

على كل حال النسخ في اللغة: يأتي بمعنى الإزالة والإبطال، مثلما يقال: نسخت الريح الأثر، ونسخت الشمس الظل بمعنى إزالته.

ويأتي بمعنى النقل، فحينما يقال مثلاً: تناسخ المواريث بمعنى النقل، وما يقال من تناسخ الأرواح وهي عقيدة باطلة، يعني أن الروح تنتقل، وتقول: نسخت الكتاب أي نقلته، وهذا النقل على نوعين:

نقل بحيث لا يبقى في الأصل شيء، وهذا يصلح أن يفسر به: نسخت الشمس الظل، كما أنهم يقولون: أبطلتْه ويمكن أن يقال: نقلته إلى الناحية الثانية.

أما نسخ الكتاب فإن الأصل يبقى أليس كذلك؟ وأما قوله -تبارك وتعالى-: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [سورة الجاثية(29)] فالنسخ هنا بمعنى الكتابة، تقول: آلة ناسخة، فالكتابة يقال لها: نسخ.

فالنسخ يأتي في اللغة ليس لمجرد معنى الإبطال، إنما يأتي بمعنى آخر مثل النقل، فإنه يقال له: نسخ، وقوله -تبارك وتعالى-: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ} [سورة الجاثية(29)] يمكن أن يكون له ارتباط بهذا المعنى -معنى النقل- وذلك أنها تُنقل إلى ديوان الأعمال، تكتب فيه، ففيه معنى النقل، لكن هنا بمعنى الإبطال {فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} [سورة الحـج(52)] أي: يبطله.

وقوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} أي: بما يكون من الأمور والحوادث، لا تخفى عليه خافية، {حَكِيمٌ} أي: في تقديره وخلقه وأمره، له الحكمة التامة والحجة البالغة؛ ولهذا قال: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [سورة الحـج(53)] أي: شك وشرك وكفر ونفاق.

قال ابن جريج: {لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} هم: المنافقون {وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} المشركون.

للذين في قلوبهم مرض أي: شك وشرك وكفر ونفاق، المرض في القرآن جاء بمعنيين، ويحتمل أنه جاء بمعنى ثالث أيضاً.

المعنى الأول: بمعنى النفاق {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً} [سورة البقرة (10)] هذا مرض النفاق.

والمعنى الثاني: هو الميل المحرم إلى النساء، رجل صاحب شهوات وقلبه يميل إلى النساء ميلاً محرماً، كما قال الله -عز وجل-: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [سورة الأحزاب (32)] ليس معناه المنافق، وإنما الذي يميل إلى النساء ميلاً محرماً، قلبه مريض بالشهوات.

ويحتمل معنى ثالث: وهو ضعف الإيمان، فالله -عز وجل- يقول: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [سورة الأحزاب (12)] الأصل في العطف التغاير بين المتعاطفات -أنها متغايرة- مع أنه يحتمل أن يكون هذا من باب عطف الصفات على بعض، يعني يحتمل أن يكون الذين في قلوبهم فئة أخرى، وهم ضعفاء الإيمان، ويحتمل أن يكون هذا من باب عطف الصفات، فيكون الذين في قلوبهم مرض هذه صفة من صفات المنافقين، والأوصاف قد تذكر تباعاً بالعطف وبالإسقاط، إسقاط العاطف، وقد ذكرت هذا المعنى في بعض المناسبات سابقاً.

ومن أمثلته: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى* الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} [سورة الأعلى (1-2)] هذه صفته من غير ذكر حرف العطف {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} وذكر العاطف فقال: {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى} [سورة الأعلى (3-4)] هذا كله عطف صفات، ويحتمل أن يكون {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [سورة الأحزاب (12)] أن يكون هذا من باب عطف الصفات، فهم طائفة واحدة، منافقون وفي قلوبهم مرض، فهذا من صفاتهم، ويحتمل أن تكون فئة أخرى وهم بعض ضعفاء الإيمان.

{وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [سورة الأحزاب (12)].

فهنا قال: {فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} [سورة الحـج (52)] إلى أن قال: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [سورة الحـج (53)] أي: شك وشرك وكفر ونفاق، ولا يفسر هنا بالذي عنده ميل محرم إلى النساء؛ لأن تفسيره بمرض الشك والنفاق أقرب؛ لأن هذا من باب الشبهات، ومعلوم أن الضلال له طريقان وبابان، الأول: هو الشبهات، والثاني: الشهوات.

فهنا مسألة إلقاء الشيطان الشبه وما أشبه ذلك هذا باب الشبهات -وليس باب الشهوات- يشككهم فيما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم.

قال: {وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} [سورة الحـج (53)] هم المشركون، وعلى كل حال الذين لا تلين قلوبهم بذكر الله    -عز وجل-: {وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [سورة الحديد (16)] وهذه ليست من صفات أهل الإيمان.

{وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [سورة الحـج (53)] أي: في ضلال ومخالفة وعناد بعيد، أي: من الحق والصواب.

يفسر الشقاق بالعناد، وأصل ذلك أن يكون هذا في شق وهذا في شق، يعني هذا في ناحية وهذا في ناحية، يعني أنهم مضادون معاندون لله -عز وجل-، محادون، كأن هذا في حد وهذا في حد، معادون هذا في عدوة وهذا في عدوة، والعدوة جانب الوادي {إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى} [سورة الأنفال (42)] عدوة الوادي الدنيا أقرب إلى المدينة في بدر، وهم بالعدوة القصوى، يعني مما يلي مكة، فيقال: عداوة، هذا كأنه في عدوة وهذا في عدوة، محادة هذا كأنه في حد وهذا في حد، مشاقة: كأن هذا في شق وهذا في شق.

{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ} [سورة الحـج (54)] أي: وليعلم الذين أوتوا العلم النافع الذي يفرقون به بين الحق والباطل، والمؤمنون بالله ورسوله أن ما أوحيناه إليك هو الحق من ربك، الذي أنزله بعلمه وحفظه، وحرسه أن يختلط به غيره، بل هو كتاب حكيم {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42].

وقوله: {فَيُؤْمِنُوا بِهِ} أي: يصدقوه وينقادوا له {فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} أي: تخضع وتذل.

الإخبات يفسر بالخضوع كما سبق، والإخبات كما يقول بعض أهل اللغة مشتق من الخبت وهو المكان المنخفض، فالمتواضع متطامن، والمتكبر مترفع متعالٍ.

وكل مخبت متواضع، فيظهر ذلك بسكون الجوارح على وجه التواضع، والخشوع لله -عز وجل-، {فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} أي: تخضع.

{وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيرشدهم إلى الحق واتباعه، ويوفقهم لمخالفة الباطل واجتنابه، وفي الآخرة يهديهم إلى الصراط المستقيم، الموصل إلى درجات الجنات، ويزحزحهم عن العذاب الأليم والدركات.

على كل حال يمكن أن يراجع كلام ابن القيم -رحمه الله- في تفسير هذه الآية، فقد تكلم كلاماً جيداً مفيداً على أنواع القلوب التي ذُكرت فيها، فذكر الله -عز وجل- القلوب القاسية، وذكر القلوب المريضة، وذكر القلوب المخبتة والمطمئنة، وهذه أنواع من القلوب من حيث الصحة والمرض، فالقلوب تنقسم إلى هذه الأقسام، وبعضهم يذكر غير ذلك، فيمكن أن يراجع كلامه هناك.

قال تعالى: {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [سورة الحـج(55- 57)] يقول تعالى مخبرًا عن الكفار: أنهم لا يزالون في مرية، أي: في شك وريب من هذا القرآن، قاله ابن جريج، واختاره ابن جرير.

{حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً} قال مجاهد: فجأة.

وقال قتادة: {بَغْتَةً} بغتَ القومَ أمرُ الله، وما أخذ الله قومًا قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، إنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون.

الآن في قوله - تبارك وتعالى -: {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ} [سورة الحـج (55)] (منه) الضمير يرجع إلى ماذا؟ إلى ما يلقيه الشيطان، أو إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ أو إلى القرآن؟ الأقرب -والله تعالى أعلم- هو ما ذكره الحافظ ابن كثير هنا (في مرية منه) يعني من هذا القرآن، وهذا الذي عليه عامة المحققين، أن الضمير يرجع إلى القرآن.

وقوله: {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} قال مجاهد: قال أبي بن كعب: هو يوم بدر.

وقال عكرمة ومجاهد -في رواية عنهما-: هو يوم القيامة لا ليلة له، وكذا قال الضحاك والحسن البصري؛

ولهذا قال: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} كقوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] وقوله: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا} [الفرقان: 26].

الآن هذان قولان في قوله: {يَوْمٍ عَقِيمٍ} [سورة الحـج (55)] القول الأول: أنه يوم بدر فهو يوم عقيم لأنه لا خير لهم فيه، قتل فيه سراتهم وأشرافهم، وأسر من أسر منهم، قتل سبعون، وأسر سبعون, وولوا مدبرين، لا يلوون على شيء، فهو يوم عقيم بالنسبة إليهم، هذا القول الذي قال به أبيّ بن كعب أنه يوم بدر هو اختيار كبير المفسرين ابن جرير -رحمه الله.

وهذا القول قد يؤيده ما قد يظهر من الأصول التي يبني عليها التفسير والقواعد، أن الأصل حينما يقول الله  -عز وجل-: {حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} [سورة الحـج (55)] فإذا كان عذاب (يوم عقيم) هو نفس يوم القيامة فصار من قبيل التكرار، والأصل خلاف ذلك (تأتيهم الساعة بغتةً أو يأتيهم عذاب يوم عقيم) يعني عذاب القيامة، فإذاً المعنى تكرر، كرره بصيغتين أو بلفظتين، والأصل أن الجملة الجديدة تؤسس معنى جديداً، فهذا توجيه لقول من قال بأنه يوم بدر.

والقول الثاني: أن المراد به يوم القيامة، وهذا تقويه قرينة في نفس الآية، وهي قوله: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا} [سورة الحـج (56 -57)] هل هذا يوم بدر؟ (يومئذٍ) أي: يوم بدر؟ الملك لله في كل وقت، لكن هل في يوم بدر الذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم، والذين كفروا في النار؛ لأن هذا تفسير لقوله: {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} الملك يومئذٍ: في ذلك الحين، في ذلك اليوم لله -عز وجل- يحكم بينهم، ما هذا الحكم؟ (الذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم والذين كفروا) يكونون في النار، هذا هو الحكم، يحكم بينهم، فهذه قرينة في الآية ترجح أن المراد بقوله: {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} [سورة الحـج(55)] أنه عذاب يوم القيامة، فأحياناً المعنى يتنازعه أكثر من أصل، أو أكثر من قاعدة، أو أكثر من مرجح.

فالقول الأول: المرجِّح فيه أن العذاب العقيم هذا إذا فسر بيوم القيامة كأنه تكرار، وكون اللفظ يؤسس معنى جديداً أولى.

والقول الثاني: تؤيده قرينة في الآية، والآية قد يكون فيها قولان، أو تحتمل معنيين، ويوجد فيها قرينة تؤيد أحد القولين، فقوله: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} [سورة الحـج(56)] قد يقول قائل: هذا يوم بدر، الملك لله يحكم بينهم بهزيمة الكفار ونصر المؤمنين، لكنه قال: {فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا} [سورة الحـج(56 -57)] إذاً هذا يوم القيامة وليس يوم بدر.

هنا قال: يوم القيامة لأنه لا ليل له، وهذا قول لبعضهم، يقال: فلان عقيم لا عقب له، ولكن من قال من أهل العلم: إن "يوم عقيم" هو يوم القيامة، يعني: لأنه لا خير لهم فيه، كما قال الله -عز وجل- في الريح التي أرسلها {وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ} [سورة الذاريات (41)] يعني التي لا خير فيها، لا تأتي بالمطر، ولا تلقح الزرع، والشنقيطي -رحمه الله- رجح أيضاً هذا القول أن (يوم عقيم) هو يوم القيامة بناءً على القرينة هذه.

ولهذا قال: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} كقوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] وقوله: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا} [الفرقان: 26].

{فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي: آمنت قلوبهم، وصدقوا بالله ورسوله، وعملوا بمقتضى ما علموا، وتوافق قلوبهم وأقوالهم وأعمالهم.

{فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} أي: لهم النعيم المقيم، الذي لا يحول ولا يزول ولا يبيد.

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} أي: كفرت قلوبهم بالحق، وجحدوا به، وكذبوا به، وخالفوا الرسل، واستكبروا عن اتباعهم {فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} أي: في مقابلة استكبارهم وإعراضهم عن الحق، كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] أي: صاغرين.

{وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ * ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [سورة الحـج (58-60)] يخبر تعالى عمن خرج مهاجرًا في سبيل الله ابتغاء مرضاته، وطلباً لما عنده، وترك الأوطان والأهلين والخِلان، وفارق بلاده في الله ورسوله، ونصرة لدين الله {ثُمَّ قُتِلُوا} أي: في الجهاد {أَوْ مَاتُوا} أي: حتف أنفهم، أي: من غير قتال على فرشهم، فقد حصلوا على الأجر الجزيل، والثناء الجميل.

قوله: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [سورة الحـج (58)] المعنى المتبادر للهجرة: الانتقال من البلد التي لا يستطيع أن يقيم دينه فيها إلى بلاد يستطيع أن يقيم دينه فيها، هذا معنى الهجرة، ولا يشترط أن تكون الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام؛ لأن المسلمين انتقلوا في البداية من مكة وكانت بلد كفر إلى الحبشة وهي بلد كفر أيضاً، فهو ينتقل من بلد لا يستطيع إقامة الدين فيها إلى بلد يأمن على نفسه، ويستطيع أن يقيم دينه وعبادته وشعائره في تلك البلاد، هذه الهجرة، فهذا هو المعنى المتبادر {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سورة الحـج (58)] انتقلوا من بلادهم إلى بلاد أخرى لإقامة دينهم.

والآية تحتمل أيضاً معنى أوسع من هذا، وهو كل من ترك بلده وموطنه في مرضاة الله -عز وجل- وفي سبيله؛ ولهذا جاءت بعض الآثار عن بعض الصحابة في هذا المعنى، في الذين خرجوا غازين فحصل لهم موت أو قتل، فهذا وإن كان لا يتبادر إلى الذهن من معنى قوله: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا} [سورة الحـج (58)] أنه من خرج غازياً، لكن من الصحابة من حمل الآية على هذا؛ ولهذا فإن من أهل العلم من يفسرها بهذا المعنى الواسع، فيقول: إن (هاجروا في سبيل الله) أولى ما يدخل فيها الانتقال، انتقل من موطنه انتقالاً نهائياً، انتقال هجرة.

ويدخل فيها كل من خرج من موطنه ولو خروجاً مؤقتاً لإعزاز الدين، خرج في سبيل الله، ما معنى خرج في سبيل الله؟ خرج لإعزاز الدين، ويمكن أن يقال: للدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- فهي داخلة في هذا، ولا أقصد ما يصطلح عليه بعضهم من تقنين ذلك بمدد معينة يسمونها الخروج، كـ أربعة أشهر، أو شهر، أو أربعين يوماً أو ثلاثة أيام، أو أربعة أيام، هذا ما أنزل الله به من سلطان، لا أقصد هذا، حتى لا يفهم الكلام على غير وجهه، وإنما خرج في سبيل الله، خرج غازياً أو مهاجراً أو داعياً إلى الله -عز وجل- فمات بهذا الطريق أو قتل، فإن الله -عز وجل- قال: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سورة الحـج(58)] إذاً المعنى المتبادر هو الانتقال من موطنه إلى موطن آخر، بمعنى الهجرة المعروفة، هل يدخل فيها ما وراء ذلك؟ كل خروج وانتقال من بلدة ولو مؤقت لإعزاز الدين يحتمل الدخول؟ بعض الصحابة فسروا بمثل هذا، والشوكاني كان يرى الحمل على المعنيين.

كما قال تعالى {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [النساء: 100].

وقوله: {لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا} أي: ليُجْريَن عليهم من فضله ورزقه من الجنة ما تقر به أعينهم {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ}

هنا الرزق الحسن هو الجنة، وما فيها من النعيم المقيم، وبعضهم يقول: الغنائم التي يحصلون عليها حينما يقاتلون أعداء الله -عز وجل-، وبعضهم يفسر ذلك بالعلم النافع، والفهم الصحيح، وشعيب -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ورزقني منه رزقاً حسناً" {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ} [سورة هود(88)] ففسر الرزق الحسن بالعلم والفهم، ولكن الأقرب هنا في تفسيره -والله أعلم- هو الجنة؛ لأنه قال: {لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ} [سورة الحـج(59)] وهذا المدخل هو الجنة.

{لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ} [سورة الحـج (59)] أي: الجنة، كما قال تعالى: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ} [الواقعة: 88 ، 89] فأخبر أنه يحصل له الراحة والرزق وجنة النعيم، كما قال هاهنا: {لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا} ثم قال: {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ} أي: بمن يهاجر ويجاهد في سبيله، وبمن يستحق ذلك {حَلِيمٌ} أي: يحلم ويصفح ويغفر لهم الذنوب، ويكفرها عنهم بهجرتهم إليه، وتوكلهم عليه، فأما من قتل في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر فإنه حي عند ربه يرزق، كما قال تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] والأحاديث في هذا كثيرة كما تقدم.

هذا يفسر أيضاً {لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا} وكذلك أيضاً في قوله -تبارك وتعالى-: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ} [سورة النساء(100)] هذا كله تفسره هذه الآية.

وأما من تُوفي في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر، فقد تضمنت هذه الآية الكريمة مع الأحاديث الصحيحة إجراء الرزق عليه، وعظيم إحسان الله إليه.

روى ابن أبي حاتم عن شُرَحْبِيل بن السِّمْط، قال: طال رباطنا وإقامتنا على حصن بأرض الروم، فمر بي سلمان-يعني: الفارسي رضي الله عنه-، فقال: إني سمعت رسول الله يقول: ((من مات مرابطًا أجرى الله عليه مثل ذلك الأجر، وأجرى عليه الرزق، وأمن من الفتّانين, واقرءوا إن شئتم: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} [سورة الحـج(58 -59)]([3]).

وروي أيضاً عن عبد الرحمن بن جَحْدَم الخولاني حدثه: أنه حضر فضالة بن عبيد في البحر مع جنازتين، أحدهما أصيب بمنجنيق، والآخر توفي، فجلس فضالة بن عبيد عند قبر المتوفى، فقيل له: تركت الشهيد فلم تجلس عنده؟ فقال: ما أبالي من أي حفرتيهما بعثتُ، إن الله يقول: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا} [سورة الحـج(58)] الآيتين، فما تبتغي أيها العبد إذا أدخلت مدخلاً ترضاه، ورزقت رزقًا حسنًا؟، والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت.

وقوله: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ} [سورة الحـج(60)] الآية، ذكر مقاتل بن حيان وابن جريج أنها نزلت في سرية من الصحابة، لقوا جمعًا من المشركين في شهر محرم، فناشدهم المسلمون لئلا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبى المشركون إلا قتالهم، وبغوا عليهم، فقاتلهم المسلمون، فنصرهم الله عليهم.

على كل حال مثل هذا من رواية مقاتل، ومقاتل متوفى سنة مائة وخمسين، فهذا الذي يسميه بعضهم المعضل، وبعضهم يتوسع فيسميه المرسل، ومنهم من يقول بأن المرسل هو ما يرويه غير الصحابي مطلقاً، فلا يقيد ذلك بالتابعي.

على كل حال قوله: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ} [سورة الحـج(60)] ابن جرير -رحمه الله- يقول: أي هذا النصر الذي أنصره لمن بُغي عليه على الباغي لأني قادر، ثم قال: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} [(61) سورة الحـج].


 

[1] - أضواء البيان (5/285).

[2] -  أضواء البيان (5 / 286- 288).

[3] - تفسير ابن أبي حاتم (ج9/ص391) (14842).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about