استعرض النسخة الجديدة من الموقع
[65] من قوله تعالى" وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ" الآية 149إلى قوله تعالى " وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ"الآية 150
عدد الزوار : 3228
تاريخ الإضافة : 11 محرّم 1426
MP3 : 2742 kb
PDF : 100 kb

بسم الله الرحمن الرحيم        

المصباح المنير في تفسير ابن كثير (65)

 

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, وبعد.

قال المفسر -رحمه الله تعالى-:

"وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا48 سورةالمائدةوقال هاهنا: أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ148سورة البقرةأي: هو قادر على جمعكم من الأرض، وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم."

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فعرفنا وجه الشبه بين هذه الآية وبين قوله: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا48 سورةالمائدة،وقوله -تبارك وتعالى-: فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ148 سورة البقرةأي: سارعوا إلى امتثال أمر الله -عز وجل- بالتوجه حيث وجهكم إلى هذه القبلة، ويدخل في عمومها المبادرة إلى الأعمال الصالحة، والمسارعة إلى فعل الطاعات، والتقرب إلى الله -عز وجل- بألوان القربات، وقد أخذ منه بعض أهل العلم المبادرة إلى الصلاة في أول الوقت أخذاً من عمومها؛ لأنه قال: فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ148 سورة البقرةومن الاستباق إلى الخيرات المسارعة إلى الصلاة، وفعلها في أول الوقت، فيدخل فيه المسارعة إلى كل خير.

وقوله: أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ148 سورة البقرةأي: يجمعكم من سائر الجهات المتفرقة في نواحي الأرض، وذلك في البعث، كما أنكم تتوجهون إلى بيته الحرام من سائر الجهات، فهذا الربط الذي ذكرته بناءً على المناسبة بين خاتمة هذه الآية وبين موضوعها، الموضوع يتعلق بالقبلة، فالله -عز وجل- قال في آخرها: أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا148 سورة البقرةأي: أن الله -عز وجل- قادر على حشركم ونشركم وجمعكم وإن تفرقتم في أنحاء الأرض، فهو على جمعكم قدير، فكما تتوجهون من سائر الجهات إلى القبلة التي وجهكم إليها فهو أيضاً يجمعكم من سائر الجهات ليوم البعث والنشور.

"وقال تعالى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ 149-150 سورة البقرةهذا أمر ثالث من الله تعالى باستقبال المسجد الحرام من جميع أقطار الأرض، قيل: إنما ذُكر ذلك لتعلقه بما قبله أو بعده من السياق، فقال: أولاً: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء144 سورة البقرة."

يقول: هذا أمر ثالث من الله تعالى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ149 سورة البقرةيعني أنه كرر ذلك ثالثاً، والقاعدة في هذا الباب: أنه لا تكرار إلا لمعنى، يعني ليس تكراراًمحضاً، وإنما في كل موضع يكون هذا التكرار لمعنىً يتعلق به، وسبق الكلام على هذه القضية، ذكرنا في قصص الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- حينما تتكرر قصة موسى -عليه الصلاة والسلام- في أكثر من موضع هذا ليس تكراراً محضاً فهو يذكر في كلٍّما يتعلق بالمناسبة التي من أجلها سيقت هذه القصة، فتارة يذكر منها ما يسلي النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويقويه على تحمل الأذى الذي يصيبه من قومه، وتارة يذكرها لبيان فضل الله -عز وجل- وإنعامه على بني إسرائيل مثلاً، وتارة يذكرها لبيان نقمته، وشديد عقابه، وعظيم سطوته التي لا تطاق، ونكاله بالمجرمين، وتارة يذكر ذلك في سياق بيان فضائل موسى -صلى الله عليه وسلم- إلى غير ذلك.

والآيات التي تتكرر كثيرة، وقد ذكرت لكم من أوضحها قوله -تبارك وتعالى- في سورة الرحمن:فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 13 سورة الرحمنففي كل آية من هذه الآيات هي تتعلق بما ذكر قبلها، وليست تكرراً محضاً.

وكذلك قوله: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ1-2 سورة الكافرون أي: في الحاضر، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ3 سورة الكافرونأي: في الحاضر، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ4 سورة الكافرونفي المستقبل لن أتحول إلى دينكم، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ5 سورة الكافرونأي: في المستقبل لن تتحولوا إلى ديني، فالكل على حال ودين مخالف للآخر، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ6 سورة الكافرون.

وإذا فهمت هذا المعنى سهلتْعليك أمور كثيرة جداً، بل حتى يسهل عليك الحفظ، يعني مثل سورة الكافرون بعض الطلاب ربما يستصعب حفظها، فإذا أدرك هذا المعنى اتضحت له القضية، رأيت مرة طالباً في الجامعة يقول: هذه السورة لم أتمكن من حفظها، قلت: الأمر سهل، هذه كذا، وهذه كذا، وهذه كذا، وهذه كذا، قال: لأول مرة الآن حفظتها، ولذلك مما يذكر في تسهيل الحفظ هو ربط المعنى خاصة في الآيات المتشابهة، وهذا له كلام -على كل حال- في غير هذا الموضع.

 
وإذا فهمت هذا المعنى سهلتْعليك أمور كثيرة جداً، بل حتى يسهل عليك الحفظ، يعني مثل سورة الكافرون بعض الطلاب ربما يستصعب حفظها، فإذا أدرك هذا المعنى اتضحت له القضية، رأيت مرة طالباً في الجامعة يقول: هذه السورة لم أتمكن من حفظها، قلت: الأمر سهل، هذه كذا، وهذه كذا، وهذه كذا، وهذه كذا، قال: لأول مرة الآن حفظتها، ولذلك مما يذكر في تسهيل الحفظ هو ربط المعنى خاصة في الآيات المتشابهة، وهذا له كلام -على كل حال- في غير هذا الموضع.
 

فهذه الآية: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ149 سورة البقرةالذي مشى عليه الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هنا هو بناء على القاعدة التي ذكرتها آنفاً: أن هذا في كل موضع بحسبه، وذكر بعض أهل العلم غير هذا، لكنّفيه معانِيَبعيدة، وفيها شيء من التكلف، وبعضهم يقول: هذا كله للتأكيد لأهمية الموضوع، فهو أمر مزلزل لكثير من النفوس، فاحتاج إلى أن يعاد مرة بعد مرة.

والأحسن -والله أعلم- أن يربط كل موضع من هذه المواضع المتكررة بالسياق الذي ذكر فيه، فليس ذلك من التكرار المحض.

وأيهما أحسن أن نقول: هذا للتأكيد أو نقول بأن هذا في كل موضع له معنىً آخر؟ الأحسن الثاني؛ لأن القاعدة أن التأسيس أولى من التأكيد؛ لأن التأسيس يأتينا بمعنى جديد، وأما التأكيد فهو مجرد تكرار ليؤكد فيه المعنى، ولا معنى جديد,إنما هو المعنى الأول يقرره ويؤكده.

"ولا ريب أنهم أدخلُفي هذا الخطاب منه -صلى الله عليه وسلم-، فتأمل هذه النكت البديعة فلعلك لا تظفر بها في موضع غير هذا، والله اعلم.

قال أبو القاسم: وكرر الباري تعالى الأمر بالتوجه إلى البيت الحرام..."

هو ينقل الآن كلام أبيالقاسم السهيلي لا كلام ابن القيم، يذكر وجهاً للسهيلي ثم يرد عليه، ويذكر ما يختاره.

"وكرر الباري تعالى الأمر بالتوجه إلى البيت الحرام في ثلاث آيات؛ لأن المنكرين لتحويل القبلة كانوا ثلاثة أصناف."

هذا كلام السهيلي يقول: كررها ثلاث مرات لأن المنكرين للقبلة ثلاثة أصناف.

"اليهود؛ لأنهم لا يقولون بالنسخ في أصل مذهبهم، وأهل الريب والنفاق اشتد إنكارهم له؛ لأنه كان أول نسخ نزل، وكفار قريش قالوا: ندم محمد على فراق ديننا فسيرجع إليه كما رجع إلى قبلتنا، وكانواقبل ذلك يحتجون عليه فيقولون: يزعم محمد أنه يدعونا إلى ملة إبراهيم وإسماعيل، وقد فارق قبلة إبراهيم وإسماعيل، وآثر عليها قبلة اليهود، فقال الله له حينما أمره بالصلاة إلى الكعبة: لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ150 سورةالبقرةعلى الاستثناء المنقطع، أي: لكن الذين ظلموا منهملا يرجعون ولا يهتدون، وقال:الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ147 سورة البقرة."

هذا كلام السهيلي قال كُرر قوله: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ149 سورة البقرةثلاث مرات؛ لأن الطوائف المنكرة ثلاث، لكن هذا فيه إشكال، ننظر رد ابن القيم له في (بدائع الفوائد) صفحة ثلاثمائة وسبعة وخمسين، يقول: "وقول أبي القاسم أنه تعالى كرر ذكر الأمر باستقبالها ثلاثاً رداً على الطواف الثلاث ليس بالبين، ولا في اللفظ إشعار بذلك، والذي يظهر فيه أنه أمر به في كل سياق لمعنىً يقتضيه، فذكره أول مرة ابتداء للحكم ونسخاً للاستقبال.."([1]) المرة الأولى وقع به النسخ، وتوجيه أهل الإيمان إلى استقبال الكعبة هذا في المرة الأولى لما قال: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ149 سورة البقرةلأنه لأول مرة يطرق أسماعهم، فهذا الذي حصل به إثبات الحكم، ووقوع النسخ، فقال: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ144 سورة البقرة.

"ثم ذكر أن أهل الكتاب يعلمون أن هذا هو الحق من ربهم، حيث يجدونه في كتبهم كذلك، ثم أخبر عن عبادتهم وكفرهم" والظاهر أن العبارة فيها تحريف، والصواب: "أخبر عن عنادهم وكفرهم"، "وأنه لو أتاهم بكل آية ما تبعوا قبلته، ولا هو أيضاً بتابع قبلتهم، ولا بعضهم بتابع قبلة بعض، ثم حذره من إتباع أهوائهم، ثم كرر معرفة أهل الكتاب به كمعرفتهم بأبنائهم، وأنهم ليكتمون الحق عن علم، ثم أخبر أن هذا هو الحق من ربه فلا يلحقه فيه امتراء، ثم أخبر أن لكلٍّوجهة هو مستقبلها، وموليها وجهه، فاستبقوا أنتم أيها المؤمنون الخيرات، ثم أعاد الأمر باستقبالها من حيث خرج في ضمن هذا السياق الزائد على مجرد النسخ". قال: كل ملة لهم وجهة يستقبلونها، فأنتم استقبلوا المسجد الحرام، في هذا السياق لما ذكر أن كل نحلة وطائفة وأهل دين يستقبلون وجهة فأنتم أيها المؤمنون استقبلوا بيت الله الحرام.

"ثم أعاد الأمر به غير مكررٍله تكراراً محضاً، بل في ضمنه أمْرُهم باستقبالها حيث كانوا، كما أمَرَهم باستقبالها أولاً حيث ما كانوا عند النسخ وابتداء شرع الحكم، فأمرهم باستقبالها حيث ما كانوا عند شرع الحكم وابتدائه، وبعد المحاجة والمخاصمة والحكم لهم، وبيان عنادهم ومخالفتهم مع علمهم، فذكر الأمر بذلك في كل موطن لاقتضاء السياق له، فتأمله، والله أعلم".. إلى آخره.

يقول لهم: الآن كل أهل ملة لهم قبلة، فاستقبلوا هذه القبلة، ثم قال لهم: هذه قبلتكم في أي مكان تكونون فيه، في تنقلكم، في مغازيكم، في أسفاركم، إلا ما استثني من صلاة الإنسان النافلة على الراحلة عند جمع من أهل العلم، وعلى قدميه أيضاً على الأرجح فإنه يستقبل الجهة التي هو متوجه إليها، وكذلك في بعض الحالات في الحرب أو الخوف فإنه يسقط الاستقبال.

 
يقول لهم: الآن كل أهل ملة لهم قبلة، فاستقبلوا هذه القبلة، ثم قال لهم: هذه قبلتكم في أي مكان تكونون فيه، في تنقلكم، في مغازيكم، في أسفاركم، إلا ما استثني من صلاة الإنسان النافلة على الراحلة عند جمع من أهل العلم، وعلى قدميه أيضاً على الأرجح فإنه يستقبل الجهة التي هو متوجه إليها، وكذلك في بعض الحالات في الحرب أو الخوف فإنه يسقط الاستقبال.
 

هذه ثلاث مرات على كلام ابن القيم، وعلى كل حال ربطها بالسياق هو الأولى، وننظر الآن إلى الحافظ ابن كثير ماذا يقول:

"فقال: أولاً: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا144 سورة البقرةإلى قوله: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ144 سورة البقرةفذكر في هذا المقام إجابته إلى طلبه، وأمره بالقبلة التي كان يود التوجه إليها ويرضاها."

ذكر في هذا المقام الإجابة إلى طلبه، هل هذا يعارض كلام ابن القيم أنه وقع به تقرير الحكم وإثبات النسخ؟ لا يعارضه، إنما كان ذلك بناء على رغبة كانت عند النبي -صلى الله عليه وسلم- وتطلع إلى هذا، ففي المرة الأولى قرر التوجه إلى بيت الله الحرام إجابة إلى طلبه      -صلى الله عليه وسلم-، وكان بذلك نسخ الحكم، وتقرير استقبال القبلة في المرة الأولى.

هذا من أنفع الأشياء في التفسير والحديث، وسيأتي في الكلام -إن شاء الله- على حديث: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)([2]) أن هذا ليس من قبيل التكرار.

"وقال في الأمر الثاني: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ149 سورة البقرةفذكر أنه الحق من الله، وارتقى عن المقام الأول، حيث كان موافقاً لرضا الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فبين أنه الحق أيضاً من الله، يحبه ويرتضيه."

يعني الآن في الموضع الثاني يقول: بين له أن هذا هو الحق، وعلى كلام ابن القيم يكون الموضع الثاني لكل أمة وجهة وهذه وجهتكم، وهو قريب من هذا؛ لأنه ذكر ما يتجه إليه أهل الباطل ويستقبلونه، وبين لأهل الحق وجهتهم.

"وارتقى عن المقام الأول حيث كان موافقاً لرضا الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فبين أنه الحق أيضاً من الله يحبه ويرتضيه، وذكر في الأمر الثالث: حكمة قطع حجة المخالف من اليهود الذين كانوا يتحججون باستقبال الرسول إلى قبلتهم، وقد كانوا يعلمون بما في كتبهم أنه سيصرف إلى قبلة إبراهيم، -عليه السلام- إلى الكعبة، وكذلك مشركو العرب انقطعت حجتهم لما صُرف الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن قبلة اليهود إلى قبلة إبراهيم التي هي أشرف، وقد كانوا يعظمون الكعبة، وأعجبهم استقبال الرسول إليها."

يُفهم هذا الكلام؛ لأنه كلام جيد، وكذلك كلام ابن القيم، في فرق بين التوجيهين، والأمر قريب؛ لأن ذلك إنما يلتمس بالنظر والاجتهاد، فتختلف فيه الأنظار، لكنه كله يجري على قاعدة: التأسيس مقدم على التوكيد، وربط كل آية بموضعها من السياق، فهذه ملاحِظ حسنة جيدة، ومن حيث التوجيه هي في غاية التقارب، وليس هناك دليل صريح بأنها ذكرت هنا من أجل كذا، لكن كل ذلك محتمل.

نعيدها مرة ثانية حتى نضبطها، كلام ابن القيم:أول مرة تقرير الحكم ونسخ بيت المقدس، والثانية: لكل ملة وجهة وهذه وجهتكم، والثالثة: حيث ما توجهتم، وفي أي مخرج خرجتم فهذه قبلتكم في الحل والترحال، وعلى كلام ابن كثير يكون الأمر الأول: لتقرير الحكم إجابةً لرغبة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي الموضع الثاني: أنه الحق الذي يرتضيه ربكم، ليس فقط مجرد إجابة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، بل هو الحق الذي رضيه الله وأحبه، والأمر الثالث: قطع حجج المعاندين لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ 150 سورة البقرة.

"وقيل غير ذلك من الأجوبة عن حكمة التكرار، وقد بسطها فخر الدين وغيره، والله -سبحانه وتعالى- أعلم، وقوله: لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ150 سورة البقرةأي: أهل الكتاب؛ فإنهم يعلمون من صفة هذه الأمة...."

الآن قوله: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ150 سورة البقرةلاحظ التنويع في الخطاب، وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ150 سورةالبقرةهذا للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ150 سورةالبقرةلماذا غاير بينهما؟ بعض أهل العلم يقول: هذا في المخرج، وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ150 سورة البقرةوَحَيْثُ مَا كُنتُمْ 150 سورة البقرةفي حال استقراركم، في أي ناحية من النواحي، فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ150 سورة البقرةالأول: حيث ما توجهت فول وجهك شطر المسجد الحرام، والثاني: وحيث ما كنتم في أي مكان كنتم نازلين فاستقبلوا هذه القبلة، هذا وجه قريب، وبعض أهل العلم يذكر غير هذا في المفارقة أو في وجه الفرق بين العبارتين، والعلم عند الله -عز وجل-.

"وقوله: لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ150 سورة البقرةأي: أهل الكتاب؛ فإنهم يعلمون من صفة هذه الأمة التوجه إلى الكعبة، فإذا فقدوا ذلك من صفتها ربما احتجوا بها على المسلمين، ولئلا يحتجوا بموافقة المسلمين إياهم في التوجه إلى بيت المقدس..."

الآن لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ150 سورة البقرةالناس هنا الراجح أنهم أهل الكتاب، هذا هو المتبادر، وهو الذي اختاره كثير من المفسرين ومنهم كبير المفسرين ابن جرير الطبري -رحمه الله-، ما هي حجتهم؟ يمكن أن تفترض عدداً من الأشياء التي يمكن أن يقولوها، أو يؤخذ ببعض ما نقل عنهم مما قالوه، فربما زعموا أنهم هدوا المسلمين إلى قبلتهم وهي بيت المقدس، يدعون أنهم هدوهم إلى هذا، ومن ثم أيضاً يحتجون عليهم فيقولون: هديناكم إلى هذه القبلة فاتجهتم إلى قبلتنا وخالفتمونا في ديننا، كيف هذا؟! فحولوا إلى المسجد الحرام، هذا احتجاج اليهود لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ150 سورة البقرةفهذاهو الأقرب، ومن ثم فإن قوله: إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ150 سورة البقرةحمله كثير من المفسرين على أن المقصود به هم المشركون من العرب، فالمشركون من العرب كانوا يحتجون بهذا التحويل على أن محمداً-صلى الله عليه وسلم- قد تحول إلى قبلة أبائه، وذلك مؤذن بتحوله إلى دينهم، فمثل هؤلاء لا سبيل إلى قطع ألسنتهم، فالناس يتكلمون بما يحلو لهم، ولا يستطيع الإنسان أن يضع قفلاً على أفواه الناس حتى لا يتكلموا، فهم يتكلمون ولكن ما قيمة هذا الكلام، ولهذا فالوقت يضيق الآن عن الكلام على قوله: إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ150 سورة البقرةهل الاستثناء هنا متصل أو منفصل؟ بمعنى إذا قلنا: إنه منفصل فيكون معنى الآية: لئلا يكون للناس عليكم حجة لكن الذين ظلموا منهم فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي150 سورة البقرة،أو أن الاستثناء متصل...



[1] - بدائع الفوائد [جزء 4 - ص979]. 

[2] - أخرجه  البخاري في بدء الوحي باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  [جزء 1- ص 3 - 1] وفي كتاب الأيمان والنذور باب النية في الأيمان [جزء 6 - ص 2461 - 6311] وفي كتاب الحيل باب في ترك الحيل وأن لكل امرئ ما نوى في الأيمان وغيرها  [جزء 6 - ص2551 - 6553 ]،ومسلم بلفظ الإفراد: (إنما الأعمال بالنية) في كتاب الإمارة باب قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( إنما الأعمال بالنية) وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال [جزء 3 - ص 1515 - 1907].

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about