استعرض النسخة الجديدة من الموقع
[64] من قوله تعالى" وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ" الآية 145إلى قوله تعالى " إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"الآية 148
عدد الزوار : 3008
تاريخ الإضافة : 10 محرّم 1426
MP3 : 2845 kb
PDF : 96 kb

بسم الله الرحمن الرحيم        

المصباح المنير في تفسير ابن كثير(64)

 

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

قال المصنف -رحمه الله تعالى-:

"وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ145 سورة البقرةيخبر تعالى عن كفر اليهود وعنادهم ومخالفتهم ما يعرفونه من شأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأنه لو أقام عليهم كل دليل على صحة ما جاءهم به لما اتبعوه وتركوا أهواءهم، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ* وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ يونس:96- 97ولهذا قال هاهنا:وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ 145 سورة البقرةوقوله: وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ145 سورة البقرةإخبار عن شدة متابعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لما أمره الله تعالى به."

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فالله -تبارك وتعالى- بعد ما أمر نبيه -صلى الله عليه وسلم- بالتوجه إلى هذه القبلة، أخبر أن هؤلاء الذين أوتوا الكتاب ليسوا بطلاب حق، وأنهم في غاية المكابرة، وأنهم مهما ظهر لهم من الحجج والدلائل والبراهين لن يتحولوا إلى قبلته -صلى الله عليه وسلم-، ومن ثَمّفإن ذلك يقتضى قطع الطمع من إيمانهم، ومِن تحرِّي قبولهم وتقريبهم بناءً على موافقتهم في القبلة، فإن موافقتك لهم في قبلتهم في بيت المقدس لا يعني أن هؤلاء سيلينون، تلين عريكتهم، ويتقبلون عنك ما جئت به، بل هم في غاية الإصرار على الباطل، ومن ثم فلا ينبغي للإنسان أن يقلق من تحويل القبلة مخافة أن تنفر قلوب هؤلاء الذين ربما يُطمع في إيمانهم بهذه الموافقة، فهؤلاء لا سبيل إلى استمالةقلوبهم، فهم مكابرون، ومقيمون على ضلالهم وباطلهم، فلا تلتفت إليهم، ولا تعبأ بهم، هذا وجه الارتباط.

 وَلَئِنْ أَتَيْتَ145 سورة البقرةاللام هنا هي لام القسم، أو موطئة للقسم، كأنه يقول: والله لئن أتيتهم بكل حجة وبرهان فإنه لا يغير ذلك من حالهم شيئاً، لن يتبعوا قبلتك، فإذاً لا تكترث بهم، ولا تشتغل بهم، ولا تنظر إلى خواطرهم، أو استمالةقلوبهم؛ لأن هؤلاء لن يوافقوك على ذلك، فهذا أََخبَرَبه عن حالهم، ثم وَصف نبيه -صلى الله عليه وسلم- وما هو عليه من الثبات العظيم، هذا هو المعنى المتبادر، وهو الذي مشى عليه ابن كثير -رحمه الله-.

 وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ145 سورة البقرةهذا إخبار، وإن كان بعض أهل العلم قال: إن هذا بمعنى النهي، نهي للنبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتبع قبلتهم، لكنه في غاية البعد، وإنما هو إخبار عن حال رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وثباته على أمر ربه، وقبوله هذه القبلة.

والقبلة -كما ذكرنا من قبل- شعار، فهي من أعظم ما يكون من شعار أهل الدين، وهي رمز له، ومن ثَمّفإن التحول منها ليس بالأمر السهل، ليس كنسخ قضية تتعلق بالطهارة، أو مسألة تتعلق بعبادة أخرى، إنما هو شعار لأهل الملة والدين، كما ذكر ابن القيم -رحمه الله- فيما ذكرته سابقاً.

 
والقبلة -كما ذكرنا من قبل- شعار، فهي من أعظم ما يكون من شعار أهل الدين، وهي رمز له، ومن ثَمّفإن التحول منها ليس بالأمر السهل، ليس كنسخ قضية تتعلق بالطهارة، أو مسألة تتعلق بعبادة أخرى، إنما هو شعار لأهل الملة والدين، كما ذكر ابن القيم -رحمه الله- فيما ذكرته سابقاً.
 

"وأنه كما هم مستمسكون بآرائهم وأهوائهم فهو أيضاً مستمسك بأمر الله وطاعته، واتباع مرضاته، وأنه لا يتبع أهواءهم في جميع أحواله، ولا كونه متوجهاً إلى بيت المقدس لأنها قبلة اليهود، وإنما ذلك عن أمر الله تعالى، ثم حذر تعالى عن مخالفة الحق الذي يعلمه العالم إلى الهوى؛ فإن العالم الحجة عليه أقوم من غيره."

يعني هنا قال: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم120 سورة البقرةفهذا هو الشاهد الذين يَعْنيه ابن كثير -رحمه الله-، بأن الإنسان إذا انحرف عن الحق وهو يعلم، العالم إذا انحرف فإن ذلك أعظم من انحراف غيره من سائر الناس، ولهذا تعرفون ما وقع لذلك الذي يقال له: بلعام بن باعوراء في قوله: فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث175-176سورة الأعراففأسوأ مثلين في كتاب الله -عز وجل- هماللعالم المنحرف الذي لا يعمل بعلمه -ما ذكرهما الله -عز وجل- للعوام-الأول الكلب، والثاني الحمار.

الكلب: ضربه الله -عز وجل- مثلاً لرجل من بني إسرائيل أتاه الله آياته، وكان من علمائهم فانحرف، ولم يكن متبعاً لما علم، فحاد عنه، فكان بهذه المثابة.

والثاني: مثلاً ضربه الله لطائفة بكاملها، وهم اليهود الذين أعطاهم الله كتاباً وعلماً، وميزهم بهذا عن سائر الأمم، ومع ذلك لم يعملوا بكتابهم، فمثلهم كمثل الحمار يحمل أسفاراً، فأهل العلم إذا ضلوا فإن ذلك يكون أعظم من ضلال غيرهم وانحرافهم، فالمسألة تتفاوت,كما قيل: على قدر المقام يكون الملام.

وهذه الآية يتكلم عليها أيضاً أهل العلم فيما يتعلق بالمسألة المعروفة وهي بلوغ التكليف والحجة: مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ145 سورة البقرة.

"ولهذا قال مخاطباً الرسول والمراد به الأمة: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ145 سورة البقرة."

يعني من بعد ما جاءك من العلم أن هذه القبلة حق، وأنها من أمر الله -عز وجل- ونحو ذلك، هذا المعنى الذي يتبادر منها، وربما كان المعنى أوسع من هذا، فهذا كله مما أعلمه الله -عز وجل- به، يعني ما الذي أعلمه الله -عز وجل- به؟ أنهم يعلمون ذلك حقاً، وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ144 سورة البقرةوأنهم مقيمون على باطلهم، لا يتخلون عنه بحال من الأحوال، لن يتحولوا إلى قبلتك؛ لأن هذه القبلة التي حولتُك إليها هي حق ثابت من عند الله -عز وجل-، فهذا كله مما جاءه من العلم عن الله -عز وجل-، ولهذا فإن ابن جرير الطبري -رحمه الله- يحمل قوله تعالى: مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ145 سورةالبقرةعلى هذه المعاني جميعاً، ما الذي جاءه من العلم؟ هي هذه الأمور التي أعلمه الله -عز وجل- بها، ولا يختص بواحد دون غيره، فهي قبلة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- وولده، إلى غير ذلك من الأمور التي سبقت، والله تعالى أعلم.

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ146-147 سورة البقرةيخبر تعالى أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول -صلى الله عليه وسلم-، كما يعرف أحدهم ولده، والعرب كانت تضرب المثل في صحة الشيء بهذا."

 الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ146 سورة البقرة"يعرفونه" يعرفون ماذا؟ يحتمل أن يكون الضمير عائداً إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، يعرفون نبوته كما يعرفون أبناءهم، كما جاء ذلك عن عبد الله بن سلام -رضي الله عنه- أنه يعرف نبوة النبي   -صلى الله عليه وسلم- أكثر من معرفته لولده؛ لأن ولده لا يدري لعل امرأته قد قرفت، فأما نبوة النبي -صلى الله عليه وسلم- فهي أثبت عنده وآكد وأقوى وأبين من معرفته لولده الذي من صلبه.

وبعض أهل العلم يقول الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ146 سورةالبقرة:إن الضمير يعود إلى القبلة وليس إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولهذا فابن جرير -رحمه الله- يقول: يعرفون أن الكعبة هي قبلة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- وقبلة الرسل من بعده، وأما القبلة التي هم عليها فهي قبلة محدثة، وكذلك قبلة النصارى في التوجه إلى المشرق، يعرفون هذا فهو ثابت عندهم في كتبهم، أو من خبر الأنبياء الذينبعثهم الله -عز وجل- فيهم.

 وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ146 سورة البقرةالحق هنا بحسب ما يقال في الضمير في قوله: "يعرفونه"، فإذا قلنا: إن الضمير في "يعرفونه" يعني محمداً-صلى الله عليه وسلم- فيكون: "ليكتمون الحق" يعني في نبوته، فيغيرون صفته، فبدلاً مما يجدونأنه ربعة بين الرجال، يقولون: إنه طويل بائن الطول.. إلى غير ذلك، وإذا قيل: إن قوله: "يعرفونه" الضمير يعود إلى أمر الكعبة وأنها قبلة إبراهيم والأنبياء بعده، فيكون: "ليكتمون الحق" يعني: أمر القبلة.

فعلى كل حال هم يكتمون الحق كما وصفهم الله في آيات كثيرة، ومن كتمهم الحق ما يتعلق بأمر القبلة، وما يتعلق ببعث محمد -صلى الله عليه وسلم-، إذ إنهم قد عرفوا صفته ومع ذلك وقع الإنكار منهم.

ثم قال: الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ147 سورة البقرةنفس القضية في المراد بالحق من ربك ونفس الاحتمالات السابقة.ويمكن أن يكون الحق من ربك المقصود به جنس الحق، يعني لا يختص بنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- ولا بأمر القبلة، الحق من ربك فالزمه، فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ 147 سورة البقرة.

"كما جاء في الحديث: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لرجل معه صغير: (ابنك هذا؟) قال: نعم يا رسول الله، أشهد به، قال: (أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه)([1]) قال القرطبي: ويروى أن عمر قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمداً -صلى الله عليه وسلم- كما تعرف ولدك؟ قال: نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته فعرفته، وإني لا أدري ما كان من أمه.

ثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التحقق والإتقان العلمي لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ146 سورة البقرةأي: ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي -صلى الله عليه وسلم- وَهُمْ يَعْلَمُونَ146 سورة البقرة."

يعني يعلمون أمر القبلة، أو يعلمون أمر محمد -صلى الله عليه وسلم-، أو يعلمون الأمرين معاً، وهذا كله حق، فهم يكتمون الحق في أمر القبلة، فالآيات نازلة فيها، وهم كتموا الحق أيضاً في حق محمد -صلى الله عليه وسلم-، ولهذا فإن قوله: لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ146سورة البقرةيحمله بعض المفسرين على هذهالمعاني جميعاً، في أمر القبلة، وفي أمر محمد -عليه الصلاة والسلام-، ومنهم ابن جرير -رحمه الله-.

"ثم ثبّت تعالى نبيه -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين, وأخبرهم بأن ما جاء به الرسول    -صلى الله عليه وسلم- هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، فقال: الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ147 سورة البقرة."

ما جاء به هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، فقال:الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ147 سورة البقرةوالامتراء المقصود به الشك، وهل كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شاكاً؟ الجواب طبعاً: لا، حاشا وكلا، فهو أوثق الأمة إيماناً، وأعلمهم بالله -عز وجل-، والنهي عن الشيء لا يقتضي وقوعه من هذا المنهي عنه، وإنما هو للتحذير من ذلك.

وما يتعلق بالنبي -صلى الله عليه وسلم-,ففي مواضع كثيرةمن القرآن يُؤمر -صلى الله عليه وسلم- ويُنهى ويكون المقصود بذلك أمته، إذ إن الأمة تخاطب في شخص قدوتها -عليه الصلاة والسلام-، ولهذا فإن الخطاب الموجه للنبي -صلى الله عليه وسلم- تارة يكون مختصاً به، وتارة تراد به الأمة، وتارة يكون للنبي -صلى الله عليه وسلم- وللأمة.

 
وما يتعلق بالنبي -صلى الله عليه وسلم-,ففي مواضع كثيرةمن القرآن يُؤمر -صلى الله عليه وسلم- ويُنهى ويكون المقصود بذلك أمته، إذ إن الأمة تخاطب في شخص قدوتها -عليه الصلاة والسلام-، ولهذا فإن الخطاب الموجه للنبي -صلى الله عليه وسلم- تارة يكون مختصاً به، وتارة تراد به الأمة، وتارة يكون للنبي -صلى الله عليه وسلم- وللأمة.
 

فالله يقول للنبي -صلى الله عليه وسلم-: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ1 سورة الأحزابوهو أتقىالأمة لله، وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ1 سورة الأحزابوحاشا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يطيع الكافرين والمنافقين، وهنا: فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ147 سورة البقرةأي: لا تكن من الشاكين.

فعلى كل حال بعض أهل العلم يحمل مثل هذا على أن المراد به الأمة، ابن جرير -رحمه الله- يقول: هذا خطاب للأمة، نهيٌلها عن الامتراء والشك، وإلا فإن هذا لا يتطرق إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وليس ذلك بمستغرب أن يخاطب النبي -عليه الصلاة والسلام- وتراد أمته، وعلى كل حال -كما قلت- مخاطبة النبي -صلى الله عليه وسلم- أو نهيه عن شيء لا يعني إمكان وقوعه منه، وهذا له أمثلة كثيرة في القرآن، وكذلك بعض الأساليب الأخرى، مثل ما يكون على سبيل الشرط مثلاً فإن ذلك لا يعني إمكان الوقوع، مثل: قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ81 سورة الزخرففهذا لا يمكن أن يكون، ولكن هذا يؤتى به لتقرير معنىً، أو لبيان باطل، أو لدفع شبهة، ونحو ذلك.

"وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ148 سورة البقرةقال العوفي عن ابن عباس: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَايعني بذلك: أهل الأديان."

القبلة: فِعْلة من المواجهة، وهي بمعنى الجهة، ولكل وجهةيعني: أي جهة هم مستقبلوها، ومتوجهون إليها، على كل حال أي أنهم لا يتبعون قبلتك، ولا أنت ستتبع قبلتهم، لكل وجهة، أي هو متوجه إليها، وموليها وجهه، والضميرفي موليهاراجع إلى (كل)، هذا الأقرب والأرجح، وهو الذي عليه كثير من أهل العلم من المفسرين والمحققين، واختيار الحافظ ابن القيم، وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا148 سورة البقرةراجع إلى ما سبق من قوله: "كل"، وعلى هذا يكون المعنى: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا148 سورة البقرةأي: متوجه إليها، فكل قوم يتوجهون إلى قبلتهم من أهل الملل والديانات، فكل ملة تتجه إلى قبلتها، هذا هو المعنى المتبادر، وأما ما قيل من غيره ففيه بعد؛ لأن بعضهم يقول وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا148 سورة البقرة:إن ذلك في أهل الإسلام بحسب مواقعهم من الأرضوتوجههم إلى الكعبة، فناس في الشمال، وناس في الجنوب، وناس في كذا، فهذا فيه بعد.

ومنهم من يقول: إن الضمير في قوله: "هو" عائد إلى الله -عز وجل- مع أنه لم يرد له ذكر، وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا148 سورة البقرةأي: أن الله موليهم إياها، وهذا أيضاً فيه إشكال إلا إذا فسر بما ذكرت آنفاً مع أن فيه بعداً، إذا فسر بأنه هو موليها أي: الله موليهم إياها، بمعنى أن ذلك في المسلمين حيث يقعون في أنحاء شتى عن الكعبة، فكل يستقبل القبلة من ناحيته، أما عنالقول الذي ذكره بعض أهل العلم من أن المقصود هو موليها أي: الله هو موليهم إياها، والمقصود به أهل الملل، فهذا فيه إشكال، فكيف تكون قبلة أولئك المختلقة الله -عز وجل- هو الذي ولاهم إياها؟! فالأقرب أن الضمير "هو"راجع إلى ما سبق من قوله: "كل"، ولكلٍّيعني من الملل والنحل وأهل الديانات وجهة –جهة- هم مستقبلوها، هو موليها هؤلاء الناس أهل هذه الديانة هم متجهون إليها، وليس الله -عز وجل- هو الذي وجههم إليها.

"وهداكم أنتم أيتها الأمة للقبلة التي هي القبلة، وروي عن مجاهد وعطاء والضحاك والربيع ابن أنس والسدي نحو ذلك، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا48 سورة المائدة."

لكن على قراءة ابن عامر: "هو مُولاّها" كيف يكون المعنى؟ على ماذا يحمل؟ هل يكون ذلك في أهل الأديان؟ لا،وإنما هوبالنسبة للمسلمين، كما ذكر هذا جمع من أهل العلم، وأحياناً تجدون القوليذكرفي التفسير والواقع أنه منزل على قراءة أخرى، وعلى كل حال ربما فسر بعضهم إحدى القراءتين بالأخرى، يعني مثلاً: "هو موليها" تحتمل أن يكون الضمير عائداًإلى الله، الاحتمال موجود، ربما بعضهم يفسر هذا بالقراءة الأخرى: "مَولاّها" لكنه لا يخلو من إشكال؛ لأن الضمير: في "هو مُولاّها" في القراءة الأخرى يرجع إلى (كل),ما يمكن أن يرجع إلى الله، "هو مُولاّها" الله مولاها، ما يجئ.

لكن على قراءة ابن عامر: "هو مُولاّها" كيف يكون المعنى؟ على ماذا يحمل؟ هل يكون ذلك في أهل الأديان؟ لا،وإنما هوبالنسبة للمسلمين، كما ذكر هذا جمع من أهل العلم، وأحياناً تجدون القوليذكرفي التفسير والواقع أنه منزل على قراءة أخرى، وعلى كل حال ربما فسر بعضهم إحدى القراءتين بالأخرى، يعني مثلاً: "هو موليها" تحتمل أن يكون الضمير عائداًإلى الله، الاحتمال موجود، ربما بعضهم يفسر هذا بالقراءة الأخرى: "مَولاّها" لكنه لا يخلو من إشكال؛ لأن الضمير: في "هو مُولاّها" في القراءة الأخرى يرجع إلى (كل),ما يمكن أن يرجع إلى الله، "هو مُولاّها" الله مولاها، ما يجئ.

فعلى كل حال القاعدة: أن القراءتين إن كان لكل واحدة معنى يخصها فهما بمنزلة الآيتين، فيكون هذه لها معنى، وهذه لها معنى.

 هُوَ مُوَلِّيهَا148 سورة البقرةأي: صاحب القبلة متوجه إلى قبلته أياً كانت، "هو مُولاها" على هذه القراءة يكون المعنى أن الله موليه إياها، باعتبار أن ذلك في القبلة الحق، ولهذا بعض أهل العلم يقول: إن ذلك في تعدد القبلة حيث  كان من أمر الله، فسواء توجهتم إلى بيت المقدس أو توجهتم إلى الكعبة فهذه قبلة وهذه قبلة، ولكلٍّوجهة -قبلة- هو مولاها بمعنى أن الله -عز وجل- وجه إلى هذا ووجه إلى هذا، وكله حق حينما وجهكم إليه، وهذا المعنى ليس ببعيد، والآية تحتمل معنى آخر، لكنني لم أقف على أحدٍ ذكره، وهو معنى قريب، والله تعالى أعلم.

وفي قوله: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ148 سورة البقرةما المناسبة بين ذكر استباق الخيرات وبين الوجهة؟ يعني يمكن أن يقال: فبادروا إلى امتثال أمر الله -عز وجل-، واستقبال قبلتكم التي وجهكم إليها، والتقرب إلى الله -عز وجل- بهذا الامتثال، وبالصلاة نحوها.. إلى غير ذلك.

"وقال هاهنا: أَيْنَمَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ148 سورةالبقرة..."

 

 

 

 

 

 

 

 



[1] - أخرجه أبو داود في كتاب الديات باب لا يؤخذ أحد بجريرة أخيه أو أبيه [جزء 2- ص575 - 4495),  وأحمد في المسند [جزء 2- ص 226 - 7109)  وصححه الألباني فيصحيح الجامع  انظر حديث رقم : 1317.

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about