استعرض النسخة الجديدة من الموقع
شرح أحاديث الباب
عدد الزوار : 2679
تاريخ الإضافة : 2 محرّم 1430
MP3 : 3457 kb
PDF : 45 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

شرح رياض الصالحين

شرح أحاديث الباب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب فضل الغنيّ الشاكر أورد المصنف -رحمه الله- حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها)([1])، متفق عليه.

وقد مضى الكلام على هذا الحديث في باب الكرم والجود، وعرفنا أن المراد بقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا حسد إلا في اثنتين)، يعني: الغبطة، وليس الحسد المذموم الذي يكون بمعنى تمني زوال النعمة عمن حصلت له.

(لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق)، بمعنى: أنه أنفقه في وجوه البر، والنفع، وما يكون فيه مرضاة لله -جل جلاله-، (ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها)، يعني: العلم، وبعضهم فسره بالقرآن، والمعنى متقارب.

ثم ذكر حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار..)([2]).

الذين فسروا الحكمة هناك بالقرآن فسروها بهذا الحديث، (آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار).

(يقوم به)، يعني: يصلي به، ويدخل في ذلك أيضاً العمل، يعمل بمقتضاه، ويشتغل بقراءته، فلا يكون هاجراً له.

(ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار)، أمّا الذي أوتي القرآن لكنه لا يقرأ القرآن، أو لا يعمل به، أو لا يقوم الليل، ولا ينتفع بهذا الذي حفظه فمثل هذا لا يُغبط.

وكذلك أيضاً الذي آتاه الله مالاً وهو لا ينفقه في وجوه البر، لم يسلطه على هلكته في الحق، فإن مثل هذا يكون حسابه كبيرًا، فإن الله يحاسبه على هذا المال الكثير، من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، فيطول حسابه، وقد مضى الكلام على هذه المعاني.

ثم أورد حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- وهو الحديث الأخير في هذا الباب: (أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العُلى والنعيم المقيم، فقال: وما ذاك؟ فقالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نُعتق، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثلما صنعتم؟، قالوا: بلى يا رسول الله...)([3]) الحديث.

هذا الحديث نص صريح في المعنى الذي أورده المصنف -رحمه الله- من أجله في هذا الباب، وذلك أن هؤلاء الأغنياء جاءت صفتهم التي أقرها النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق).

فهؤلاء جمعوا بين العبادات البدنية، والعبادات المالية، فلم يكن ذلك الغنى سبباً لتضييع حدود الله -عز وجل- والغفلة عن عبادته وطاعته، فهم يصلون كما يصلي الفقراء، ويصومون كما يصوم الفقراء، ولكنهم يزيدون على غيرهم بعبادة مالية، وهي أنهم يتصدقون، ويعتقون، وينفقون هذا المال في وجوه البر، فهذا حالهم، فهؤلاء من الشاكرين، هذا هو الغني الشاكر.

وهذا الحديث أيضاً يصلح في الباب الذي قبله، وهو التنافس في البر والتقوى، فهم يتنافسون، الفقراء يجتهدون في طاعة الله، وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فإذا رأوا أحداً يتقدم عليهم، أو يفضلهم في عمل فإن ذلك يحركهم إلى المزيد من العمل الصالح، والجد والاجتهاد، فبينهم منافسة، أما نحن فبماذا نتنافس أيها الأحبة؟ بماذا نتغابط؟ التنافس الذي يحصل بل الحسد الذي يحصل بين الناس إنما هو في عرض الدنيا فلان عنده كذا، وأنا عندي كذا، فلان حصّل كذا، وأنا عندي كذا، فلان يركب كذا، وأنا أركب كذا، فهذا الذي توجهت إليه أنظار الناس، وتعلقت به قلوبهم إلا من رحم الله -تبارك وتعالى-، أما أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فكان شأنهم يختلف عن ذلك.

(ذهب أهل الدثور بالدرجات العُلى)، أهل الدثور يعني: الغنى، والعرض الكثير، والنعيم المقيم؛ لأن هذه الأعمال البدنية التي استووا فيها مع الفقراء، والأعمال المالية التي زادوا فيها على غيرهم من الفقراء، جعلتهم يصلون إلى الدرجات العُلى، والنعيم المقيم، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- حينما قالوا له ذلك قال: (أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم؟)، يعني: من أهل الصدقة والعمل الصالح، (وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثلما صنعتم؟، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة).

هذا عمل يسير، فلا يعجز عنه أحد، الغني والفقير كلهم يستطيع أن يعمل ذلك، ولكن الموفق من وفقه الله -عز وجل.

ومن الناس من يعجز عن ذلك، بل يعجز عما هو أدنى من ذلك، والمحروم من حُرم من طاعة ربه -تبارك وتعالى-، فهذا أمر متاح، لكل قد يقول الإنسان: لو كان عندي مال لفعلت وتصدقت، أو يقول: سأكتسب وأتّجر، من أجل أن يكون عندي تجارة وأموال، من أجل أن أفعل وأتصدق وأبذل، فإذا حصل له شيء من ذلك فقد لا يفعل، ولا يتصدق، والمال محبب إلى النفوس، لكن ما الذي يمنع الإنسان من أن يذكر ربه -تبارك وتعالى- بهذا الذكر اليسير الذي يدرك به من سبقه، ويسبق به من بعده، ولا يأتي أحد بمثل عمله إلا من عمل ذلك؟.

فهناك أعمال كثيرة يستطيع أن يعملها الجميع، ولكن الإنسان يحتاج إلى مجاهدة هذه النفس، فقال: (تسبحون)، إلى آخره.

(فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-)، يعني: في مرة أخرى، (فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)، متفق عليه.

(ذلك فضل الله)، يعني: التوفيق للعمل الصالح، العمل في طاعة الله -عز وجل-، الاجتهاد في مرضاته، ذلك فضل الله يوفق إليه من شاء، (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)، هذا هو الأقرب في تفسيره، والله تعالى أعلم.

فالشاهد، انظروا إلى حال هؤلاء الأغنياء، لما سمعوا بهذا الذكر عملوا به، فرجع هؤلاء الفقراء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكان همهم واشتغالهم هو في التنافس في البر والتقوى، التنافس في طاعة المعبود  -جل جلاله-، ولم يكن التنافس في هذا العرض الزائل الذي يضمحل عما قليل.

والله تعالى أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

 



[1]- أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب إنفاق المال في حقه (2/108)، رقم: (1409)، ومسلم، باب فضل من يقوم بالقرآن، ويعلمه، وفضل من تعلم حكمة من فقه، أو غيره فعمل بها وعلمها (1/559)، رقم: (816).

[2]- أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، (9/154)، رقم: (7529)، ومسلم، باب فضل من يقوم بالقرآن، ويعلمه، وفضل من تعلم حكمة من فقه، أو غيره فعمل بها وعلمها (1/558)، رقم: (815)

[3]- أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته (1/416)، رقم: (595).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about