استعرض النسخة الجديدة من الموقع
شرح حديث أَبي هُرَيْرَة رضي اللَّه عنه "أَلاَ إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ" وحديث عَبْدِ اللَّه بنِ مسعودٍ رضي اللَّه عنه "لا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا في الدُّنْيا"
عدد الزوار : 13061
تاريخ الإضافة : 26 ربيع الأول 1429
MP3 : 3350 kb
PDF : 56 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

 شرح رياض الصالحين

شرح حديث أَبي هُرَيْرَة -رضي اللَّه عنه-: "أَلاَ إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ" وحديث عَبْدِ اللَّه بنِ مسعودٍ -رضي اللَّه عنه-: "لا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا في الدُّنْيا"

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فمما أورده المصنف -رحمه الله- في باب الزهد: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (ألا إن الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكرَ الله تعالى وما والاه، وعالماً ومتعلماً)([1]) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.

هذا الحديث يقول فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الدنيا ملعونة)، أي: أنها مبغضة إلى الله -تبارك وتعالى-، أن الله يسخطها (ملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى وما والاه) يعني: إلا ما قاربه أو قرب إليه من الطاعة ودل عليه، ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: (وعالماً ومتعلماً) والمقصود به من يشتغل بالعلوم التي توصله إلى المالك المعبود -جل جلاله-، العلم بالله وأسمائه وصفاته، والعلم بالطريق الموصل إليه، والعلم بما يصير إليه الإنسان في آخرته، هذه الثلاث.

وهذا الحديث يفهم على وجهه، وهو أن الإسلام لا يدعو أتباعه إلى تعطيل الحياة الدنيا، والاشتغال فقط بالعمل للآخرة، ويبقى المسلمون في حال من الضعف والضعة والمذلة لعدوهم

 

هذا الحديث يفهم على وجهه، وهو أن الإسلام لا يدعو أتباعه إلى تعطيل الحياة الدنيا، والاشتغال فقط بالعمل للآخرة، ويبقى المسلمون في حال من الضعف والضعة والمذلة لعدوهم

 

، ليس هذا هو المراد إطلاقاً.

فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (ألا إن القوة الرمي)([2])، لما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ الأنفال: 60.

وأمر زيد بن ثابت -رضي الله عنه- أن يتعلم لغة اليهود العبرية، فتعلمها في سبعة عشر يوماً، ولما كان الأسارى في يوم بدر، وعزم النبي -صلى الله عليه وسلم- على أخذ الفداء منهم، كان من يقرأ منهم ويكتب أمره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يعلم عشرة من صبيان المسلمين، ولهذا امتن الله -تبارك وتعالى- على هؤلاء الأميين بأن بعث فيهم رسولاً منهم، فهو أمي، يتلو عليهم آياته، وكان من جراء ذلك أن علمهم الكتابة والقراءة، كان سبباً لهذا، كما هو أحد المعاني في قوله -تبارك وتعالى-: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَالجمعة: 2، بعد قوله: يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِه ففسر بأنه يعلم الكتاب أي: الكتابة.

فالشاهد أن من تتبع النصوص الواردة في الشريعة وجد فيها هذه المعاني، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يخبر في جملة من الأحاديث أن المال الصالح لا يكون مذموماً إذا كان بيد صالحة، إذا أخذ الإنسان المال من حله، وأنفقه في حله، وأدى حق الله -عز وجل- فيه فإن ذلك لا يكون مذموماً، والصحابة -رضي الله تعالى عنهم- كان لهم حروث وكانت لهم مصالح وصنائع وتجارات، وعثمان بن عفان -رضي الله عنه- كان من تجار الصحابة -رضي الله عنهم- وجهز جيش العسرة وقال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما ضر عثمانَ ما فعل بعد اليوم)([3]).

وعبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- حاله معروفة، ولما مات قيل: إن ما تركه من الذهب وحده قطع بين الورثة بالفئوس، لكثرته.

والنبي -صلى الله عليه وسلم- كان له من فَدَك نصفها، وله من خيبر من الخمس، وكذلك أيضاً كان له -صلى الله عليه وسلم- من النضير سهم فيها، فكل هذه الأموال كانت بأيديهم، ولكنها لم تدخل قلوبهم، فيكون ذلك سبباً لإفسادها، فلا بأس بل ينبغي على الإنسان ويجب عليه أن يكتسب من أجل أن يكفي نفسه الحاجة والفقر وسؤال الناس والمذلة، ويجب على المسلمين أن يأخذوا بأسباب القوة والتمكين، وذلك إنما يكون بأمور كثيرة مجتمعة من العلوم المتنوعة النافعة، العلوم الرياضية وغيرها من علوم الصنائع والتجارات، وما شابه ذلك، كل هذا تحتاج إليه الأمة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (علميها رقية النملة)([4])، وهو داء يصيب الجَنب، تظهر بثور حمراء ونحو ذلك على الجلد، "علميها رقية النملة"، وأرشد أحد أصحابه أن يذهب إلى رجل من أجل أن يطبب قلبه، وغير ذلك من الأمور التي تستفاد وتُعرف من سنته -صلى الله عليه وسلم- ومن هديه، ومن هذا الدين الذي جاء به أن هذا الدين جاء لعمارة الدنيا، كما جاء لعمارة الآخرة.

والمقصود هنا -والله تعالى أعلم-: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها) أي: ما أشغل عن ذكر الله -عز وجل- وصرف عنه.

والحديث الذي بعده يوجَّه بمثل هذا أيضاً حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تتخذوا الضَّيْعة، فترغبوا في الدنيا)([5]) رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

والمقصود بالضيعة يعني ما يتخذه الإنسان من عقار أو زراعة أو نحو ذلك مما يشغله ويطول أمله في هذه الحياة، فتحمل هذه على هذه المعاني وإلا فالأنصار -رضي الله عنهم- كانت لهم مزارع، وقد شاركهم المهاجرون حينما هاجروا، شاركوهم في هذه الأراضي التي كانوا يستصلحونها للزراعة، ولكن المقصود ألا يخلد الإنسان إلى الأرض ويشتغل بحطامها وينصرف عن العمل للآخرة، هذا هو المقصود، وتجمع النصوص مع بعضها من أجل أن يفهم المراد، فالإسلام ينهى أتباعه عن الاشتغال بالدنيا والإغراق فيها، والتكالب عليها على حساب الآخرة، فقط ألا يكون ذلك على حساب الآخرة

 

فالإسلام ينهى أتباعه عن الاشتغال بالدنيا والإغراق فيها، والتكالب عليها على حساب الآخرة، فقط ألا يكون ذلك على حساب الآخرة

 

.

والله -عز وجل- قال: وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ البقرة: 195، وقد فسرها أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- حينما كانوا في حصار القسطنطينية، فسر ذلك للناس الإلقاء بالتهلكة: أن ينشغل الإنسان بحروثه؛ لأن الصحابة -رضي الله عنهم- بعد أن نصر الله دينه حدثتهم نفوسهم بهذا أن يرجعوا إلى مصالحهم، وإلى أرضهم فيصلحوها بعد أن عطلوها وانشغلوا عنها بالجهاد في سبيل الله -عز وجل-، فنزلت هذه الآية: وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ بالانصراف إلى الدنيا والإعراض عن الآخرة، والله تعالى أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.

 



[1]- أخرجه الترمذي، أبواب الزهد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، (4/561)، برقم: (2322)، وحسنه في مشكاة المصابيح (3/1431)، رقم: (5176).

[2]- أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الرمي والحث عليه، وذم من علمه ثم نسيه، (3/1522)، برقم: (1917).

[3]- أخرجه الترمذي، أبواب المناقب عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، (5/626)، برقم: (3701)، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح (3/1713)، برقم: (6073).

[4]- أخرجه أبو داود، كتاب الطب، باب ما جاء في الرقى، (6/35)، برقم: (3887)، وأحمد في مسنده (45/46)، برقم: (27095)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (1/517)، برقم: (2650)، بلفظ: ((ألا تعلمين هذه رقية النملة؟)).

[5]- أخرجه الترمذي، أبواب الزهد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (4/565)، رقم: (2328)، وأحمد (4/185)، برقم: (4234)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1/45)، برقم: (12).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about