استعرض النسخة الجديدة من الموقع
شرح حديث عمرو بنِ الحارِث "مَا تَرَكَ رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عِنْدَ مَوْتِهِ دِينَاراً وَلا دِرْهَماً"
عدد الزوار : 5526
تاريخ الإضافة : 19 ربيع الأول 1429
MP3 : 2772 kb
PDF : 44 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

شرح رياض الصالحين

شرح حديث عمرو بنِ الحارِث: "مَا تَرَكَ رسولُ اللَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلََّم- عِنْدَ مَوْتِهِ دِينَاراً وَلا دِرْهَماً"

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب الزهد أورد المصنف -رحمه الله- حديث عمرو بن الحارث أخي جويرية بنت الحارث أم المؤمنين، -رضي الله تعالى عنهما-، وجويرية كما هو معلوم هي بنت ملك بني المصطلق سُبيت مع من سبي، ثم كانت للنبي -صلى الله عليه وسلم- وتزوجها، وأبوها هو الحارث بن أبي ضرار، وأخوها عمرو لم تكن له رواية كثيرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كان مقلاً، وكانت وفاته في حدود سنة خمسين من الهجرة.

وعلى كل حال بنو المصطلق يرجعون إلى خزاعة، غزاهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومحالهم وأرضهم قريبة من قُديد بالمُشلَّل على الساحل الغربي.

يقول: (ما ترك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند موته ديناراً، ولا درهماً، ولا عبداً، ولا أمةً، ولا شيئاً إلا بغلتَه البيضاء التي كان يركبها، وسلاحَه، وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقةً)([1]) رواه البخاري.

"ما ترك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند موته ديناراً، ولا درهماً" يعني: ما ترك نقوداً لا قليلة، ولا كثيرة، فنفي الدينار والدرهم، الدرهم شيء يسير من الفضة، فما ترك ديناراً ولا درهماً، ولم يترك -صلى الله عليه وسلم- أيضاً شيئاً من الأعراض، عرض الدنيا مما يُتموّل غير الدينار والدرهم، ولا عبداً ولا أمةً

 

لم يترك -صلى الله عليه وسلم- أيضاً شيئاً من الأعراض، عرض الدنيا مما يُتموّل غير الدينار والدرهم، ولا عبداً ولا أمةً

 

وهذا يدل على أن الذين ذكروا من أنهم مماليك للنبي -صلى الله عليه وسلم- أو من الإماء أنهم حينما توفي النبي -صلى الله عليه وسلم- كان -عليه الصلاة والسلام- قد أعتقهم، أو أنهم ماتوا قبل أن يعتقهم قبل موته -عليه الصلاة والسلام- فلما مات لم يكن له عبد على الرق بحيث يباع أو يشترى.

قال: "ولا أمة ولا شيئاً"، وجاء من حديث عائشة -رضي الله عنها- في صحيح مسلم: "ما ترك ديناراً ولا درهمًا ولا شاة ولا بعيراً([2])، فما ترك شيئاً من الدواب ولا من المماليك ولا من الدراهم والدنانير، بمعنى أنه لم يترك شيئاً من عرض الدنيا.

قالت: (إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه، وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقةً) معنى ذلك أن ناقته العضباء وفرسه -صلى الله عليه وسلم- وما إلى ذلك كل هذا إما أنه يكون قد جعله في سبيل الله، أو أنه مات قبل موت النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهبه أو نحو ذلك.

(إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها)، وهذه البغلة أهديت للنبي -صلى الله عليه وسلم- وقد اختلف فيمن أهداها إليه -عليه الصلاة والسلام- وهي التي يقال لها: دُلدُل، وكان من هديه -صلى الله عليه وسلم- أن يسمي دوابه، وما عنده من الآلات، ونحو ذلك.

(وسلاحه وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة)، كان للنبي -صلى الله عليه وسلم- من أرض فَدَك النصف وهي من الفيء الذي أفاء الله -عز وجل- به على المسلمين، وهي أرض قريبة من خيبر، وكان له من خيبر -عليه الصلاة والسلام- سهمه، وذلك أن الفيء يقسم على خمسة أقسام كما هو معروف، كما قال الله -عز وجل-: فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ الحشر: 7.

فالخمس هو الذي يكون لله وللرسول فهو سهم واحد، فهذا سهمه من خيبر -عليه الصلاة والسلام-، وكذلك أيضاً كانت له ضيعة في أرض النضير في المدينة، وهذا كله كان -صلى الله عليه وسلم- في حياته يأخذ نفقته ونفقة أهله لمدة سنة، ويجعل الباقي من هذا الفيء في الكراع والسلاح، وما إلى ذلك من مصالح المسلمين.

تقول: "وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة" وهذا يدل دلالة واضحة وصريحة على إعراض النبي عن الدنيا، وعلى زهده فيها، وأنه -صلى الله عليه وسلم- كان متخففاً منها، وقد مات -عليه الصلاة والسلام- ودرعه مرهونة عند يهودي، اقترض منه شعيراً، فهذه حال أفضل الخلق، وأشرف الخلق، ولربما إذا نظرنا إلى حال المقل منا من هذه الدنيا رأينا أن الواحد منا إذا أراد أن ينتقل من دار إلى دار فإنه يحتاج إلى شاحنات أو شاحنة يتكرر ذهابها ومجيئها هذا حال الأقل والأضعف، أما إذا أردنا أن ننقل ما في الدور الكبار القصور وما إلى ذلك فهذا يحتاج إلى ليالٍ وأسابيع من أجل أن تنقل هذه الأشياء.

فانظر إلى توسعنا في الدنيا، وانظر إلى حال النبي -صلى الله عليه وسلم-، ما كان في بيته -عليه الصلاة والسلام- ما يرد البصر

 

فانظر إلى توسعنا في الدنيا، وانظر إلى حال النبي -صلى الله عليه وسلم-، ما كان في بيته -عليه الصلاة والسلام- ما يرد البصر

 

.

نسأل الله -عز وجل- أن يرزقنا وإياكم العفاف والغنى والكفاف، وأن يغنينا بفضله عمن سواه، وألا يجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.



[1]- أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب الوصايا وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وصية الرجل مكتوبة عنده)، (4/2)، رقم: (2739).

[2]- أخرجه مسلم، كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه (3/1256)، رقم: (1635).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 1
teleqram
trees
about