استعرض النسخة الجديدة من الموقع
شرح حديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه "لقَدْ رَأَيْتُ سبعِين مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ"
عدد الزوار : 4125
تاريخ الإضافة : 9 ربيع الأول 1429
MP3 : 4333 kb
PDF : 56 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

شرح رياض الصالحين

شرح حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-: "لقَدْ رَأَيْتُ سبعِين مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ"

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب الزهد في الدنيا أورد المصنف -رحمه الله- حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: لقد رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء، قد رَبطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن تُرى عورته([1]) رواه البخاري.

أبو هريرة -رضي الله عنه- كان من فقراء الصحابة، وكان إسلامه متأخراً بعض الشيء، حيث قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- في عام خيبر ولزمه ملازمة تامة على ملء بطنه، ما كان عنده شيء من الدنيا حتى إنه كان يصرع بمسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من شدة الجوع، ولربما جاء الرجل وجلس على صدره وخنقه يظن أن به مسًّا، وليس به بأس، وإنما هو الجوع.

وكان -رضي الله تعالى عنه- لربما تبع عقيل بن أبي طالب وكان رجلاً جواداً كريماً يحب الفقراء، فيخرج ويتعرض له هو وبعض فقراء أهل الصفة، يتعرضون له، فرآهم ذات مرة، فدعاهم فلم يجد شيئاً في بيته، أعني عقيلاً -رضي الله تعالى عنه- ما وجد شيئاً فأخرج لهم عُكّة -وهي التي يوضع فيها السمن، معروفة- ليس بها شيء فشقها واعتذر إليهم، فجعلوا يلعقون بأصابعهم، ما عندهم شيء.

وها هو يقول -رضي الله عنه-: "لقد رأيت سبعين من أهل الصفة" والصفة سقيفة في آخر مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجتمع بها فقراء المهاجرين، تركوا كل شيء وراء أظهرهم، ما عندهم شيء، هاجروا لله -عز وجل- وكانوا يتفاوتون في العدد يزيدون وينقصون، جاءوا نصرة لله -عز وجل- ولدينه ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-، ومعلوم أنه خرج منهم مجموعة يقربون من السبعين أو خرج سبعون، وحصل الغدر بهم، وذلك في وقعة بئر معونة، قُتلوا، وكانوا من القراء -رضي الله عنهم-، فأبو هريرة  -رضي الله عنه- يصف سبعين غير الذين قتلوا؛ لأن هؤلاء قُتلوا قبل أن يأتي، كانت وقعة بئر معونة والرجيع بين أُحد والخندق، فالشاهد أنه يتحدث عما شاهده بعد ذلك.

يقول: رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء، يعني: ليس لأحد منهم ثوبان إزار ورداء، ما عندهم، إما إزار فقط أو كساء أي: ثوب عريض، ليس الثوب الذي نلبسه هذا يقال له قميص، وإنما قطعة قماش عريضة يربطها بعنقه وتستر عورته هكذا.

يقول: "وإما كساء قد ربطوا في أعناقهم" ربطوا الكساء في أعناقهم "فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده، كراهية أن تُرى عورته" وفي بعض الروايات أنه إذا سجد قال بيده من أجل ألا ينكمش الإزار أو الكساء فتظهر عورته لشدة قصره.

هؤلاء -رضي الله تعالى عنهم- هم الذين فتحوا الأمصار والممالك، وهم الذين انتصروا على فارس والروم، وهم الذين أدبوا الملوك والكبراء والجبابرة من أعداء الله -جل جلاله-، وما كانوا يتمتعون بالدنيا، وما كانوا يتوسعون فيها، وما كانوا يجدون تلك المتع واللذات التي أفاضها الله -عز وجل- على من بعدهم.

وكانوا -رضي الله تعالى عنهم- لا يجدون بلغةً يسدون بها الرمق، والنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو أكرم الخلق على الله يخرج ويجد أبا بكر وعمر فيسألهما وهما خير الأمة بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- (ما أخرجكما؟) فيقولان: والله ما أخرجنا إلا الجوع

 

كانوا -رضي الله تعالى عنهم- لا يجدون بلغةً يسدون بها الرمق، والنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو أكرم الخلق على الله يخرج ويجد أبا بكر وعمر فيسألهما وهما خير الأمة بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- (ما أخرجكما؟) فيقولان: والله ما أخرجنا إلا الجوع

 

، فيقول: (وأنا والله ما أخرجني إلا الجوع) فيذهبون إلى رجل من الأنصار -رضي الله تعالى عنهم- يأتيهم بعذق من رطب، ثم يذهب ويذبح لهم شاة أو نحو ذلك، ثم بعد أن أكلوا يقول لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: (والله لتسألن يوم القيامة عن هذا النعيم)([2]).

فكيف بنا في هذه النعم المستفيضة؟، وقد ذكر بعض الإخوان في بعض الأماكن أن سيارته قد علقت ليلاً في الرمال، وكانوا قد ذهبوا إلى مكان قد اجتمع فيه أناس كثير، فلما أصبحوا وأرادوا أن يخرجوها، وإذا هي بمكان قد ملئ من اللحم والطعام، وأهيل عليه التراب، فمرت به سيارتهم فنزلت، وهذا موجود، موجود ولكن خفف من هذه الظاهرة بعض الشيء وجود هذه المستودعات الخيرية، والمبرات والجمعيات التي صارت تأخذ هذا الطعام وتعطيه للمحتاجين والفقراء، وإلا كان هذا يرمى في المزابل.

فأقول: لو كانت الدنيا تعني شيئاً عند الله -عز وجل-، لو كان العطاء على قدر الإنسان وتقواه ومحبة الله -عز وجل- له كان أعظم الناس سعة في الدنيا وعطاء هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن معه من أصحابه من أهل الصفة وغيرهم، لكن الدنيا لا تعني شيئاً والعطاء منها لا يدل على كرامة العبد على ربه    -تبارك وتعالى-، فمن فاته منها شيء فلا تذهب نفسه حسرات، فهذا أكرم الخلق -صلى الله عليه وسلم- ينام على الحصير حتى يؤثر في جنبه، ويبيت -صلى الله عليه وسلم- يبقى الهلال والهلال والهلال، وما يوقد في بيته نار، ما عندهم شيء، وما شبع -صلى الله عليه وسلم- قط من الطعام الذي نجده.

هذا الخبز المنقى المصفى الأبيض الطري ما عرفوه في وقتهم، ولما فتحوا فارس لما وجدوا الكافور وضعوه في الطعام، يظنونه ملحاً، ما عرفوه، ولما أسر أحدُهم أحدَ قادة الفرس الكبار -أحد فرسانهم- قال له: اطلب ما تشاء، وهو لا يعرفه، لكن لما رأى زينته وثيابه طمع فيه، قال: اطلب ما تشاء وأعطيك فتطلقني: فقال له: بألف.

هو لا يدري ماذا يقول، لا يعرف الأرقام الكبيرة، والحسابات العظيمة، فحاول أن يظهر رقماً كبيراً، فقال له ذلك.

هكذا كانت حياتهم، وما ضرهم، فالأجساد المنعمة المترفة ليس ذلك سمة مدح وثناء يتوجه إليها إطلاقاً، إنما قيمة الإنسان هي بقدر ما يحمله من الإيمان والتقوى والخوف من الله -جل جلاله- ومحبته والإقبال عليه.

وهؤلاء هم كرام الخلق على الله -عز وجل-، هذه حياتهم، وليس معنى ذلك أن الإنسان يترك الطيبات، أنا لا أقصد ذلك، ولكن أقصد ألا يقيس الناس بالمقاييس المادية، وألا تذهب نفسه حسرات على ما فات منها، أنا ما عندي ملايين مثل فلان، أنا ما عندي كذا، أنا ما عندي كذا، اطمئن، وأيضاً ألا يتهافت الإنسان على الدنيا فتكون هي أكبر همه، مشغول دائماً بجمعها وطلبها.

لكن لا يعرض الإنسان عن الطيبات التي عنده، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحب الحلو البارد([3])، وإذا تيسر له شيء أكل منه -عليه الصلاة والسلام.

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِالأعراف: 32، والله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، لكن فرق بين هذا، وبين تحول المقاييس بقدر ما يلبس الإنسان ويأكل ويبني ويملك في رصيده أن هذه منزلته، يصير أبا فلان إذا صار عنده أرصدة، ويقوم له الناس ويعظمونه وكذا، لا، قيمته هي ما يحسنه، تقوى الله -عز وجل- والخوف منه، هذه الأمور هي المقصودة، لا أن الإنسان يقول: أنا أنام على حصير وعنده فراش جيد، ما قلنا هذا، وليس هذا هو المراد.

فأسأل الله -عز وجل- ألا يجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، وأن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت.

اللهم ارحم موتانا، واشفِ مرضانا، وعافِ مبتلانا، واجعل آخرتنا خيراً من دنياناً.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.



[1]- أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب نوم الرجال في المسجد، (1/96)، برقم: (442).

[2]- أخرجه مسلم، كتاب الأشربة، باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك، وبتحققه تحققا تاما، واستحباب الاجتماع على الطعام، (3/1609)، برقم: (2038).

[3]- أخرجه الترمذي، أبواب الأشربة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء أي الشراب كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (4/307)، رقم: (1895).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about