استعرض النسخة الجديدة من الموقع
شرح حديث عِتْبَانَ بنِ مالكٍ رضي اللَّه عنه "فَإِنَّ اللَّه قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهِ اللَّهِ" 1
عدد الزوار : 3875
تاريخ الإضافة : 29 شوّال 1428
MP3 : 5364 kb
PDF : 67 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

شرح رياض الصالحين

شرح حديث عِتْبَانَ بنِ مالكٍ -رضي الله عنه- "فَإِنَّ الله قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْه اللهِ" 1 

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب الرجاء أورد المصنف -رحمه الله- حديث عتبان بن مالك -رضي الله تعالى عنه-، وهو ممن شهد بدراً، وهو من الأنصار من الخزرج، وكان قد بقي إلى عهد معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عن الجميع-، قال: "كنت أصلي لقومي بني سالم"، يعني بني سالم بن عوف من الخزرج.

"أصلي" بمعنى أنه يصلي فيهم إماماً، "وكان يحول بيني وبينهم وادٍ إذا جاءت الأمطار، فيشق عليّ اجتيازه قِبل مسجدهم"، يعني يشق عليّ المرور فيه، وهذا الوادي في ناحية مسجدهم في جهته، فطريقه على هذا الوادي، يقول: "فجئت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت له: إني أنكرت بصري"، هذه العبارة تحتمل أن بصره قد تغير وصار فيه ضعف شديد، بحيث يتخوف على نفسه من المشي في هذا الطريق الذي فيه هذا الوادي لضعف بصره، وجاء في بعض الروايات ما يدل على أن بصره قد ذهب، جاء في بعضها أنه قد عمي.

وقوله: "قد أنكرت بصري"، يحتمل هذا أنه قد كف بصره، قد عمي، فما عاد يستطيع الذهاب في ذلك الحين إذا جاء المطر، وامتلأ الوادي، لا يستطيع الذهاب إلى ذلك المسجد.

قال: "فجئت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت له: إني أنكرت بصري، وإن الوادي الذي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار، فيشق عليّ اجتيازه، فوددت أنك تأتي وتصلي في بيتي مكاناً أتخذه مصلى، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (سأفعل)([1]).

هنا يريد في هذه الأوقات التي لا يستطيع الوصول فيها إلى المسجد لهذا العذر أن يصلي في بيته، وأراد أن يتخذ مكاناً يكون الذي يصلي له فيه أولاً هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بمعنى كأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يضفي على هذا العمل مشروعية، ويكون ذلك بإقراره -عليه الصلاة والسلام-، وفعْله العملي له، بحيث لا يريد أن يصلي في بيته ويترك الجماعة في المسجد هكذا من عند نفسه، وإنما جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يعرض عليه عذره ويريد للمكان الذي يصلي فيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الذي كما نقول الآن: يبتدئه أو يفتتحه، أو يكون أول من يصلي فيه، وليس المقصود بذلك التبرك، وهذا ليس من التبرك المشروع، خلافاً لما ظنه بعضهم، والأماكن التي صلى فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- لا تُقصد للصلاة فيها، ولا يتبرك بها، إنما الذي يتبرك به هو ما ذكر الله -عز وجل- عنه أو وصفه بالبركة، فذلك يتبرك فيه، مثل: التين والزيتون، شجرة مباركة، فهي في ثمرتها هذه وفي زيتها مباركة، فهذا يتبرك فيه، ويمكن للإنسان أن يشتري الزيت أو يستعمل الزيت، أو يدهن به، أو يأكله طلباً للبركة، يأكل الزيتون طلباً للبركة، فهو مبارك، فهذه من الأعيان المباركة بنص الشارع، وهكذا الذوات المباركة، مثل: ذات النبي -صلى الله عليه وسلم-، فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتبرك بدعائه، فيطلب منه الدعاء في حياته    -عليه الصلاة والسلام-، كما أنه يتبرك بأجزائه المنفصلة عنه، مثل: الشعر، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- حينما حلق شعره وزعه على أصحابه، فيتبرك فيه، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لما فرغ من وضوئه أعطى فضل وضوئه فقُسم بين الناس، حتى كاد الناس أن يقتتلوا عليه.

ولم يكن ذلك دائماً، لكن في يوم الحديبية كأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أراد أو أقرهم أو تركهم من أجل أن يرى المشركون محبتهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان رؤساء المشركين قد جاء بعضهم ليفاوضوا النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى إن أحدهم كان يكلمه ويأخذ بلحيته هكذا، فكان أصحاب النبي  -صلى الله عليه وسلم- كالأسود حوله، فكان المغيرة بن شعبة -رضي الله تعالى عنه- ينخسه بالسيف ويقول له: دع لحية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتعرفون ما وقع من أبي بكر -رضي الله تعالى عنه- في مثل هذا الموقف، وكان -صلى الله عليه وسلم- في ذلك اليوم ما بصق ولا تنخم أوتمخط إلا وقعت في كف واحد منهم، تبركًا به -عليه الصلاة والسلام-، ولم يكن ذلك عادة لهم، وإنما في ذلك المقام ليرى المشركون، كذلك عرق النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يُخلط بالطيب، فيكون أحسن الطيب، فمثل هذه الأجزاء المنفصلة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكذلك ثيابه التي لامست جسده، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أعطى عبد الله بن عبد الله بن أُبيٍّ أعطاه قميصه ليكفن به أباه، وهو رئيس المنافقين، لما طلب منه ذلك، وذلك مكافأة له؛ لأن عبد الله بن أُبيٍّ المنافق والد عبد الله الصحابي كان قد أعطى العباس قميصاً أو ثوباً، فكافأه النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا، فالشاهد أن الصحابة منهم من يطلب من النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئاً فيعطيه ثوبه أو بردة عليه أو نحو ذلك فيلام على هذا، فكان يعتذر هذا الصحابي أنه أرد أن يكفن بها، كذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يسوي الصفوف، فلما دفع رجلاً في بطنه قال له: يا رسول الله، قد أوجعتني، قال له: (فاقتص)، قال: يا رسول الله، كنتُ حاسراً، فحسر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن بطنه، فجعل الرجل يضمه ويقبله، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما حملك على ما صنعت؟)، قال: أردت أن يكون ذلك آخر ما يمس جسدي من الدنيا([2])، فهذا تبركٌ بذاته الشريفة -عليه الصلاة والسلام.

أما اليوم فلا يوجد شيء من هذا إطلاقاً، لا يوجد شيء من لباسه ولا من عرقه، ولا من ثيابه، ولا شيء من أجزائه الطاهرة -صلى الله عليه وآله وسلم-، وأما الذهاب إلى الأماكن التي يقال: إنه صلى فيها -صلى الله عليه وسلم- اتفاقاً لا قصداً فإن مثل هذه لا تتبع، وعمر -رضي الله تعالى عنه- كان في طريقه إلى مكة، ورأى الناس يبتدرون شجرة يصلون تحتها، فسأل عنها، فقالوا: إنها الشجرة التي بايع النبي -صلى الله عليه وسلم- تحتها أصحابه -الحديبية- في بيعة الرضوان، فأمر عمر -رضي الله تعالى عنه- بقطعها، وأخبر أنه إنما هلك من قبلنا بتتبعهم لآثار أنبيائهم، فمثل هذه الآثار لا تتبع، وعتبان لم يقصد بذلك التبرك في المكان، وإنما كأنه أراد أن يكون هذا الشيء يشرعه له النبي -صلى الله عليه وسلم- ويقره عليه، فالشاهد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان متواضعاً مع أصحابه، يأتيه الرجل ويقول: أنا أريد أن أصلي في بيتي وأريد أن تصلي لي في المكان هذا، يأتي ويصلي، تأتيه المرأة وتطلب منه مثل هذا، فيأتي ويصلي لها، ويُطرح له بساط قد ذَبُل وتغير واسودّ من طول ما لُبس، أو من طول ما استُعمل.

قال: (سأفعل)، فغدا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر -رضي الله تعالى عنه- بعدما اشتد النهار، أي: علا وارتفعت الشمس، من اليوم الثاني مباشرة، وهذا يدل على تواضعه -صلى الله عليه وسلم-، وسرعة إجابته لأصحابه.

يقول: "واستأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، يعني جاء إلى بيته فاستأذن في الدخول، يقول: "فأذنت له، فلم يجلس حتى قال"، يعني ما جلس، قال: (أين تحب أن أصلي من بيتك؟)، القصد الذي جاء من أجله، بخلاف لما جاء إلى أم أنس، فإنه جاء وأكل ثم بعد ذلك صلى لهم؛ لأنه ما دُعي ليصلي لهم.

فالشاهد هنا قال: (أين تحب أن أصلي من بيتك؟)، يقول: "فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن يصلي فيه، فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكبّر وصففنا وراءه فصلى ركعتين ثم سلم، وسلمنا حين سلم".

وهذا يدل على أن الإنسان يجوز له أن يتخذ مكاناً معيناً في البيت يصلي فيه؛ لأن هذا يجد قلبه فيه مثلاً في هذا المكان، أو لأنه مثلاً هو المكان الذي يصلح للصلاة في البيت أو نحو ذلك، فيصلي في مكان معيّن، يقول: "فكبّر وصففنا وراءه فصلى ركعتين"، هذا يدل على أنه يجوز أن تصلى النافلة سواء كانت في الليل أو في النهار، يجوز أن تصلى جماعة، لكن بشرط أن لا يكون ذلك عادة، لا يتخذ عادة، والشرط الثاني: أن لا يكون ذلك باتفاق، يعني كما يقول الشاطبي -رحمه الله- في الاعتصام: "لا يتفقون للاجتماع من أجل أن يصلوا النافلة جماعة إلا في قيام رمضان فقط"، لكن لو أن الناس كانوا في سفر مثلاً، وقام واحد يصلي من الليل، فجاء الآخرون وائتموا به فصلى لهم، لا إشكال في هذا، لو أنهم كانوا في استراحة أو نحو ذلك فقام رجل يصلي من الليل فقاموا يصلون خلفه لا إشكال، لو أن رجلاً جاء وزار آخر وجلس يصلي من الضحى مثلاً، جاء الآخر ائتم به فلا إشكال، وهي نافلة، لكن لا يتخذ عادة.

والشرط الثاني: لا يكون ذلك باتفاق، يعني لا يتفقون عليه.

الشاهد يقول: "ثم سلم، وسلمنا حين سلم، فحبستُه على خَزيرة تُصنع له، فسمع أهل الدار"، الخزيرة: طعام يصنع من الدقيق الذي لم يُنقَّ، ولهذا يقول بعضهم: النخالة، يُغلى الماء ثم يوضع فيه هذا الدقيق، وهو يشبه العصيدة، حبسه على خزيرة، ولم يحبسه على مائدة مليئة بالأطعمة أو لحوم، ومعنى حبسه أنها ما نضجت؛ لأنه قال: تصنع له، قال له: انتظر هناك طعام سيأتي، يقول: فحبسته على خزيرة، طعام بهذه المثابة، وهذا من تواضعه -عليه الصلاة والسلام-، "تصنع له، فسمع أهل الدار"، أهل الدار يعني أهل الناحية، أهل المحلة التي هم فيها، وليس المقصود أهل البيت، "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيتي فثاب رجال منهم حتى كثر الرجال في البيت"، شرف ما بعده شرف، النبي -صلى الله عليه وسلم- في بيته، وتصور بيوت السابقين كم مساحتها؟ الغرفة يمكن أن تكون مترين في مترين، بيوت صغيرة جدًّا، فيقول: "فثاب رجال"، ثابوا أي: أنهم جاءوا إلى بيته، وأصل ذلك يقال لمن تفرقوا ثم رجعوا، فثابوا: أي: اجتمعوا إليه ورجعوا إليه، إلى البيت، "فقال رجل.. إلى آخره".  

وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.



   ([1]) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت، برقم (425)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر، برقم (657).

([2]) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، برقم (2676).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about