استعرض النسخة الجديدة من الموقع
شرح حديث المِقْدَادِ بن مَعْدِ يكَرب رضي اللَّه عنه "إِذَا أَحَبَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَلْيُخْبِرْه" وحديث مُعَاذٍ رضي اللَّه عنه "يَا مُعَاذُ واللَّهِ، إِنِّي لأُحِبُّكَ"
عدد الزوار : 5216
تاريخ الإضافة : 5 رجب 1428
MP3 : 3866 kb
PDF : 58 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

شرح رياض الصالحين

شرح حديث المِقْدَادِ بن مَعْدِ يكَرب -رضي الله عنه- "إِذَا أَحَبَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَلْيُخْبِرْه.." وحديث مُعَاذٍ -رضي الله عنه- "يَا مُعَاذُ واللهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ"

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما قبلُ:

فهذا الذي يؤذي الناس -أيها الأحبة- في صلاتهم ويشغلهم طول الصلاة، وهذا الهاتف بهذه المثابة، فإن هذا يحمل أوزارهم، وكل ما يحصل على المصلين من تشويش ونقص في صلاتهم فإن هذا يتحمل من وزرهم وتبعتهم، والإنسان ليس بحاجة إلى شيء من هذا، الإنسان تكفيه ذنوبه وتقصيره، وقلة الخشوع، وقلة حضور القلب، فهو ليس بحاجة إلى أن يحمل أو يتحمل ذنوب الآخرين، أو ما يحصل لهم من نقص في صلاتهم، فيُتنبه لمثل هذه الأمور، والإنسان يستطيع بكل سهولة إذا جاء أن يغلق هذا الهاتف، وأن يريح نفسه، ويصلي لله خاشعاً وأن يرتاح الناس، فتصور لو كل أحد بهذه الطريقة جواله يضرب كيف يصلي الناس؟ كيف يصلون؟.

وللأسف أن هذا أمر يتكرر كثيراً ويُنبه عليه حيناً بعد حين، ومع ذلك للأسف لا تزال هذه القضية تمثل مشكلة في المساجد، وأعظم من ذلك إذا كان بأصوات المعازف، فنسأل الله -عز وجل- الهداية للجميع.

أما بعد:

ففي باب فضل الحب في الله أورد المصنف -رحمه الله- حديث أبي كريمة المقداد بن معد يكَرِب -رضي الله تعالى عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه)([1])، رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث صحيح.

أبو كريمة المقداد بن معد يْكَرِب، وكذا يقال: بن معد يَكْرِب، وفيه لغات متعددة، ومعناه غاية الفلاح أو نحو ذلك مما ذكره أهل العلم في معنى هذا الاسم، في عداد أهل الشام، قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- في وفدهم، وبقي -رضي الله تعالى عنه-، عُمِّر حتى سنة سبع وثمانين للهجرة، وروايته للحديث لم تكن كثيرة، روى نحواً من سبعة وأربعين حديثاً، وكان من الشجعان الأبطال، كان سيداً كبيراً عظيماً مهيباً، حتى ذكر في خبره وترجمته أن الفَرس إذا ركبها كانت تحته كأنها معزى أو شاة، فأرجله في الأرض، وهو على الفرس.

وفي يوم القادسية كان له موقف مشهود، وكان طول الصف -فيما ذكر بعض المؤرخين- يمتد إلى ميل، وبين الصفين مقدار ميل، فخرج فارس من فرسان الفرس قبل نشوب القتال، وكان هذا على كندة، يعني: كان جيش المسلمين مقسماً على القبائل في يوم القادسية، فكان هذا مع كندة، وهو رئيسهم ومقدمهم وكبيرهم، فخرج فارس كبير من فرسان الفرس يريد المبارزة، كما هي العادة عند العرب قبل القتال، فأخذه عمرو بن معد يكرب -رضي الله عنه- بمجامع ثيابه ورفعه من فرسه ووضعه في حجره، فجاء به إلى قومه كندة كأنه طفل في حجره، ثم كسر عنقه، ثم أخرج سيفه -سيف الفارسي- وذبحه به، ثم رماه على كندة، على قومه، قال: هكذا فافعلوا، قالوا: ومن يفعل فعلك يا أبا ثور؟، هذا رجل بهذه المثابة من القوة والشجاعة -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-.

يقول: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه)، عرفنا فضل الحب في الله، وأن الله يظل المتحابين في ظله، وأنهم على منابر من نور، وما إلى ذلك مما جاء في فضائلهم، هنا: (فليخبره أنه يحبه)، هذا من أجل ماذا؟ من أجل تقوية الروابط بين المسلمين؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أرشد هذه الأمة وعلمنا كل ما تحصل به المحبة، وقوة الرابطة بين أفراد المجتمع المسلم، (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)([2])، وهنا أيضاً قال: (فليخبره أنه يحبه)، إذا أخبره أنه يحبه ما الذي يحصل؟ تنجذب نفسه إليه، ويرتاح إليه، ويجد نحوه أنساً أو طمأنينة أو محبة أو شعوراً متبادلاً، فهذا أمر مطلوب، والشريعة جاءت حاثّة على مثل هذه الأمور، وداعية لها، ومقوية لها، قد يكون يحبه ولكن الآخر لا يشعر، فإذا أخبره بذلك وجد من الارتباط وقوة الصلة والمحبة والمؤاخاة ما لا يقادر قدره.

وذكر أيضاً ما يدل على هذا بعده، وهو حديث معاذ -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخذ بيده، أخذ بيده إيناساً له، وأيضاً ليكون ذلك أدعى إلى حضور القلب، فإنه إذا وجد مع الكلام الذي يسمعه الإنسان الأخذ باليد فإن ذلك يكون أشد تنبيهًا، قال: (يا معاذ، والله إني لأحبك...)([3])، ذكرنا من قبل في الحديث السابق لما قال الرجل لمعاذ: والله إني لأحبك، قلنا: هذا فيه أن الإنسان قد يحلف من غير استحلاف، ويحلف وهو مصدق أيضاً.

وعلى كل حال قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (والله إني لأحبك...)، ثم أوصاه، قال: (أوصيك يا معاذ، لا تدعنّ في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادك)، دبر كل صلاة يعني: يحتمل أن يكون المراد آخر الصلاة، باعتبار أن دبر الشيء يطلق على آخر جزء منه، كما يقال: دبر الدابة، ونحو هذا، يعني: يقوله الإنسان قبل السلام، بعدما ينتهي من التشهد ويستعيذ من أربع، يقول بعد ذلك: اللهم أعني على ذكرك...، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله.

والاحتمال الثاني: أن يكون ذلك بعد السلام، من جملة الأذكار، يقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك.

وهذا الدعاء من أجمع الأدعية؛ لأن الإنسان إذا أعانه الله -عز وجل- على ذكره، فالذكر يكون بالقلب، يكون قلبه حاضراً مستحضراً لعظمة الله -عز وجل- مراقباً له حيًّا لا تعرض له الغفلة، وذكره يكون باللسان، ويكون ذكره أيضاً بالجوارح، بالعمل بطاعة الله -عز وجل-، والشكر كذلك هو معنىً جامع، كل ما أولانا الله -عز وجل- من النعم الظاهرة والباطنة، كل ذلك يحتاج إلى شكر، فهذه الصلاة تحتاج إلى شكر، ما أعطانا الله -عز وجل- من الأولاد والأموال والنعم الكثيرة، وهذا الهواء الذي نستنشقه، كل هذه الأشياء مما يدركه أكثر الناس، ومما لا يدركه أكثرهم، كل ذلك بأنواعه المختلفة يحتاج إلى شكر، ويحتاج الإنسان إلى أن يعان على هذا.

فإذا أعانه الله -عز وجل- على الشكر كان عابداً، وتكاثرت له الخيرات وتعاظمت، وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: أن العبد الذي أنعم الله عليه بنعمة، فحمده عليها كان شكره أعظم من تلك النعمة.

والله -عز وجل- يقول: لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ إبراهيم: 7، وهذا بمعنى القسم، أو هو قسم لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ، فهو سبب للزيادة.

(وحسن عبادتك)، يحصل للإنسان يعان على العبادة، يعان على الذكر، يعان على طاعة الله -عز وجل- يعان على الشكر، لأنه قد يُكثر من ذلك لكن من غير إحسان، والله -عز وجل- كما قال في الآية الكريمة: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك: 2].

فالله -تبارك وتعالى- قد ابتلانا لينظر حسن العمل، وما قال: لينظر أيكم أكثر عملاً، فالمقصود هو إحسان العمل، وليس كثرة العمل، فإذا أعين الإنسان على حسن عبادة الله -عز وجل- يكون قد بلغ مرتبة الإحسان، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: إن هذا الدعاء هو أجمع الأدعية وأنفعها.

فأسأل الله -عز وجل- أن يعيننا وإياكم على ذكره، وشكره، وحسن عبادته، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.



[1]- أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب إخبار الرجل الرجل بمحبته إياه (4/ 332)، رقم: (5124)، والترمذي، أبواب الزهد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في إعلام الحب (4/599)، رقم: (2392)

[2]- أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وأن محبة المؤمنين من الإيمان، وأن إفشاء السلام سبب لحصولها (1/74)، رقم: (54).

[3]- أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب في الاستغفار (2/86)، رقم: (1522).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about