استعرض النسخة الجديدة من الموقع
شرح حديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه "إِن اللَّه قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ" وحديث البَرَاءِ بْنِ عَازبٍ رضي اللَّهُ عنهما في الأَنْصَار "لاَ يُحِبُّهُمْ إِلاَّ مُؤمِنٌ"
عدد الزوار : 3001
تاريخ الإضافة : 3 رجب 1428
MP3 : 2236 kb
PDF : 48 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

شرح رياض الصالحين

شرح حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- "إِن الله قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ" وحديث البَرَاءِ بْنِ عَازبٍ       -رضي الله عنهما- في الأَنْصَار "لاَ يُحِبُّهُمْ إِلاَ مُؤمِنٌ"

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب فضل الحب في الله والحث عليه أورد المصنف -رحمه الله- حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مَدْرَجته ملَكاً) وذكر الحديث إلى قوله: (إن الله قد أحبك كما أحببته فيه)([1])، رواه مسلم، وقد سبق بالباب الذي قبله.

هذا الرجل ذهب إلى أخ له في قرية أخرى يزوره، فأرصد الله على مَدْرجته - أي على طريقه- ملكاً، لربما تمثل له بصورة رجل، فسأله عن قصده وحاجته، فذكر أنه يريد هذا الأخ، فسأله عن علاقته به وهل له حاجة يربُّها عنده، فذكر أنه يحبه في الله، (فقال: إن الله قد أحبك كما أحببته فيه).

فهذا الحديث نص صريح في فضل الحب في الله، وأن الحب في الله -تبارك وتعالى- سبب من أسباب تحصيل محبة الله -جل جلاله- للعبد، فالله -تبارك وتعالى-، يحب المؤمنين، وذكر الله جملة من الأعمال التي يحبها ويحب أهلها، ومن ذلك: أن الله -جل جلاله- يحب المتحابين فيه، فمن أراد أن يحبه الله -سبحانه وتعالى- فعليه أن يحقق هذا الوصف، أن يحب المرء لا يحبه إلا لله.

وأورد المصنف -رحمه الله- أيضاً- بعد ذلك حديث البراء بن عازب -رضي الله تعالى عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال في الأنصار: (لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله)([2])، فهذا فيه منقبة عظيمة للأنصار -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم-، وهؤلاء الأنصار الله -عز وجل- أحبهم؛ لأنهم الذين ناصروا نبيه -صلى الله عليه وسلم-، كما قال -عليه الصلاة والسلام- بعد فتح مكة، لما عتب عليه بعضهم -أعني بعض الأنصار- قال: (ألم أجدكم ضُلالاً فهداكم الله بي؟، وعالة فأغناكم الله بي؟) إلى آخر ما قال، ثم قال -صلى الله عليه وسلم- مخاطباً لهم: (ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟)، فقالوا: لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- المن والفضل، فقال: (أما إنكم لو شئتم لقلتم ولصَدَقتم ولصُدِّقتم: ألم تأتنا شريداً أو طريداً فآويناك؟، ومكذَّباً فصدقناك؟)([3]) إلى آخر ما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهم يقولون: لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- المن والفضل.

فهؤلاء الذين تصدوا لعداوة العالم في سبيل أنهم آووا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن معه حصل لهم هذه المنزلة العظيمة، فصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق؛ لأن المنافق يكره الدين، ويكره نصرة الدين، ويكره أنصاره من الناس، والمؤمن يحب الله -عز وجل-، ويحب من أحبه الله، فصار حب الأنصار من الإيمان كما بوب لذلك الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه، فالإيمان -أيها الأحبة- كما أنه تصديق وإقرار وانقياد في القلب كذلك هو أيضاً قول باللسان، كذلك هو أيضاً عمل بالجوارح، فالصلاة إيمان، كما قال الله -عز وجل-: وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ البقرة: 143، أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، وهكذا أيضاً حب الأنصار من الإيمان، والحب في الله والبغض في الله كل ذلك من الإيمان، وهذا من "لا إله إلا الله"؛ لأن معنى كلمة "لا إله" هذا نفي، فهو نفي لكل ما يبغضه الله -عز وجل- من الأعمال والأقوال والذوات، فهو نفي للإشراك ونفي لكل ذنب ومعصية ومكروه وبدعة وضلالة، وهو نفي أيضاً للذوات، أولئك الذين يعبدون غيره ويعصونه، ويحادّونه، ولا يقفون عند حدوده، "لا إله إلا الله"، و"إلا الله" إثبات، وذلك يقتضي محبة الله، والإيمان به، ومحبة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ومحبة أهل الإيمان، كل هذا داخل في معنى "لا إله إلا الله"، ولذلك كان الولاء والبراء من "لا إله إلا الله"، فهو داخل فيها، ومن حققه فإن تحقيقه من تحقيق هذه الكلمة العظيمة التي هي مفتاح الجنة.

هذا، وأسأل الله -عز وجل- أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.



[1]- أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب في فضل الحب في الله (4/1988)، رقم: (2567).

[2]- أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب حب الأنصار (5/32)، رقم: (3783)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصارِ وعليٍّ -رضي الله عنهم- من الإيمان وعلاماته، وبغضهم من علامات النفاق، (1/85)، رقم: (75).

[3]- أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الطائف (5/157)، رقم: (4330)، ومسلم، كتاب الكسوف، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبّر من قوي إيمانه (2/738)، رقم: (1061)

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about