استعرض النسخة الجديدة من الموقع
تتمة شرح حديث أَبي هريرة آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاثٌ وحديث حذيفة رضي اللَّه عنهم أن الأمانة
عدد الزوار : 22304
تاريخ الإضافة : 22 ربيع الآخر 1427
MP3 : 6600 kb
PDF : 1204 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

رياض الصالحين

شرح حديث أَبي هريرة -رضي الله عنه-: "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاثٌ.." 2

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فكنا نتحدث عن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-، ((آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان))([1])، وفي رواية: ((وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم))([2])، وهذا الحديث حمله بعض أهل العلم على أن ذلك من قبيل النفاق العملي، وليس الاعتقادي المخرج من الملة، ومنهم من يحمله على النفاق الاعتقادي، لمن كان ذلك ديدنه، وعادته الملازمة له، لاسيما أنه قد عُلق على الشرط، والمعلق على الشرط يتكرر بتكرره، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، أي: أنه يكذب في حديثه ويخون دائماً، ويخلف الوعود، فمثل هذا إذا كان يفعل ذلك وهو ديدنه ولا يبالي ولا يرفع لذلك رأساً فإن ذلك يكون محمولاً على النفاق الذي يخرج من الملة، هكذا قال بعض أهل العلم، وقال بعضهم: إن ذلك بناء على حال المخاطبين في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، حيث كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في غاية المحافظة على حدود الله -تبارك وتعالى-، والصدق في القول والوفاء في الوعد، وما أشبه ذلك، وأما أهل النفاق في ذلك الزمان فكانوا يعرفون بهذه الأوصاف، فذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه ليعرفوا بها المنافقين، ولم يكن من عادة الشارع أن يسميهم وإنما يذكر أوصافهم كما ذكر الله -عز وجل- جملة من أوصافهم في القرآن.

والحديث الثاني هو حديث حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- قال: حدثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديثين، قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد حدثهم بأحاديث كثيرة، لكن المقصود هنا بحديثين ذكرهما في هذا الحديث، أما الأول فقد ذكره قال: حدثنا ((أن الأمانة نزلت في جَذر قلوب الرجال))([3])، وقد حمل بعض أهل العلم الأمانة هنا على الأمانة التي عناها الله -عز وجل- بقوله: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب:72]، والأرجح من أقوال أهل العلم في تفسيرها أنها التكاليف الشرعية، فالله -عز وجل- قد ائتمن العباد عليها وكلفهم القيام بها، ويدخل تحت هذا العموم سائر الأمانات، مما يتعامل به الناس ويتعاطونه مما يصدق عليه أنه أمانة، فقوله هنا: إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، أي: في أصل قلوبهم، وذلك -والله تعالى أعلم- مما يتصل بالفطرة، يقول: "ثم نزل القرآن فعَلِموا من القرآن، وعَلِموا من السنة"، أي أن ذلك كان صقلاً وتهذيباً، وزيادة في البصيرة فيما يتصل بالأمانة، فإنه يوجد في فطرة الإنسان، وما أنزله الله -عز وجل- في كتابه، وما بعث به رسوله -صلى الله عليه وسلم- ما هو بمنزلة نور العين مع ضوء الشمس، فإذا وجد مع نور العين ضوء الشمس أبصر الإنسان إبصاراً بيناً تتجلى فيه الأشياء، وإذا كان في نور الشمس ضعف كالليل مثلاً فإنه يضعف إبصار الإنسان، وإذا كان الإنسان في رابعة النهار ولكنْ بصره ضعيف فإن ذلك يؤثر في رؤيته، فالحاصل أن ((الأمانة نزلت في جَذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعَلِموا من القرآن وعَلِموا من السنة))، أي: وعلموا من القرآن ومن السنة ما يقرر ذلك ويؤكده، كقوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ}، وكقوله: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء:58]، فعرفوا أن ذلك لازم لهم، وعلموا من السنة كهذا الحديث، والحديث السابق: ((آية المنافق ثلاث))، يقول: حدثنا حديثين، الأول: عن نزول الأمانة في جذر قلوب الرجال، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة، فصار ذلك في غاية الجلاء والوضوح والتقرير والثبوت، ثم حدثهم حديثاً آخر، وهو متعلق برفع الأمانة من قلوبهم فقال: ((ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه))([4])؛ وذلك لذنب ارتكبه، أو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يحدث عما سيكون في آخر الزمان، إذا رفعت الأمانة من قلوب الناس، يقول: ((ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل الوَكْت))، أي: يبقى  أثر الأمانة في قلبه مثل الوكت، والوكت هو: لون يغاير اللون الذي وقع عليه، كأن يكون ثوبًا أبيض وقع عليه شيء فيه سواد، فهذا مثل الوكت، وبعضهم قال: الوكت هو شيء من السواد، "فيظل أثرها مثل الوَكْت" هذا يحتمل معنيين:

الأول: أن يبقى لها أثر ضعيف ولا تمحى تماماً.

والثاني: أن ذلك يعني أنها ظلمة في القلب مكان هذا الجزء الذي رفع من الأمانة، يبقى مكانه سواد، يقول: ((ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المَجْل، كجمر دحرجتْهُ رجلُك فنَفِط، فتراه منتبرًا وليس فيه شيء، ثم  أخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- حصاة فدحرجه على رجله..)) وقوله: نفِطَ أي انتفخ، فتراه منتبرًا أي: جلدًا منتفخًا، فيه ماء يسير، ليس مثل الورم مثلا، مثل ما يظهر في يد الإنسان حينما يضرب بالمعول مثلاً، فيظهر في يده هذا الأثر الذي يقال له: المَجْل، وهكذا الحروق في أولها، التي يسمونها الحروق السطحية، إذا تدحرج الجمر على  الجلد ما الذي يحصل من أثره؟ ينتفخ ويكون فيه ماء تحت الجلد، فهذا يبقى أثرها مثل المجل، على المعنى الأول الذي ذكرناه يبقى أثرها مثل المجل بمعنى أنه يبقى لها أثر ثم بعد ذلك تزول، وشبّه الزوال بدحرجة هذا الحجر الذي دحرجه النبي -صلى الله عليه وسلم- على رجله فتفارق القلب بالكلية، وعلى المعنى الثاني أن الوكت بمعنى أنه يُرفع جزء فيبقى سواد، فإذا رفع هذا بقي انتفاخ، وهذا أشد وأثبت، وأسوأ أثراً من مجرد السواد، فيبقى أثرها بهذه المثابة -نسأل الله العافية-، قال: ((فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة))، صار الغش والتدليس والالتواء هو الشطارة والأمانة التي يتخلق بها الناس في ذلك الوقت، ((حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أمينًا))؛ لندرة الأمناء في ذلك الوقت، وأما عامة الناس فالغش ديدنهم وهو خُلقهم وسجيتهم، ((حتى يقال للرجل: ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان))، ذكر هنا ثلاثة أوصاف مما يتمادح به الناس فقال: ما أجلده، أي: أنه يعمل بجد واجتهاد وجلد عظيم، من غير كلل ولا ملل، وما أظرفه وهذا مما يستملح في أوصاف الناس عادة، يستلطفونه ويستملحونه، ويخف عليهم في المجالس لطرافته أو غير ذلك، وما أعقله، الناس يثنون عليه بالجلد والعقل واللطافة والظرافة، ويثنون على ما عنده من مهارات، فلان إداري ناجح، وتاجر حاذق، أو صانع متقن، أو يقولون: هذا معلم جيد، ومعلم مثالي أو نحو ذلك، وهو -نسأل الله العافية- خالٍ من الداخل، ((وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان))، وكما قال الله -عز وجل- عن المنافقين {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ} [المنافقون:4]، -نسأل الله العافية-، إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم، أي: أجسام طول وجمال وبهاء؛ لأنهم غذوا هذه الأجسام؛ ولأنها كانت هي غايتهم، هم يتلونون مع من غلب، كل هذا من أجل حقن دمائهم وإحراز أموالهم، فهي الغاية عندهم، فأجسامهم في غاية النضارة والجمال، وكلام مصفف وجيد ومرتب، وإذا سمعت هذا الكلام تقول: ما شاء الله، هذا الرجل الذي ما بعده، هذا الكلام الجيد الذي ينم عن عقل راجح، وهم: {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ}، أي: كأنهم ألواح خاوية لا تفهم، وأشباح بلا أرواح، وجسوم بلا فهوم -نسأل الله العافية-، والله -عز وجل- يقول: {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [البقرة:221]، حتى لو كان هذا المؤمن ضعيف العقل، ضعيف الجهد، وحتى لو كانت هذه الخادمة ضعيفة، لا تعمل كما ينبغي فهي أحسن من الكافرة البوذية أو النصرانية، يقول: ((ولقد أتى عليّ زمان وما أبالي أيكم بايعتُ))، المبايعة هنا تحتمل البيعة المعروفة، وهذا بعيد؛ لأنه قال: وإن كان نصرانياً أو يهودياً إلى آخره..، ولذلك تحمل هنا المبايعة على البيع والشراء، يقول: ((ولقد أتى عليّ زمان وما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلماً ليردنه عليّ دينه)) أي: يحمله دينه على الوفاء، والقيام بما أمر الله -عز وجل- ولا يحصل منه غش، وإذا تبين عيب في السلعة، وعرض عليه قال: لم أشعر به، ولك أن تردها وأن تأخذ القيمة، ولا يعتبر ذلك شطارة بحيث إنه زوقها عليك، ومررها عليك، ثم يقول بعد ذلك: أنا بعتك كومًا من حديد، والنظام لا يحمي المغفلين، إذا النظام لا يحمي المغفلين يحمي مَن إذاً؟ يحمي الفجرة والمحتالين واللصوص؟! هذا لا يكون أبداً، النظام يحمي المغفلين أولاً، ويقوم على هؤلاء المجرمين بما أمر الله -عز وجل- أن يقام عليهم به، وهذه من أفسد ما سمعت في حياتي قط من القواعد التي تجري على ألسنة بعض من لا خلاق لهم، إذا غش الناس قال: النظام لا يحمي المغفلين، فالحاصل أنه قال: ((ليردنه عليّ دينه، وإن كان نصرانياً أو يهودياً ليردنه عليّ ساعيه)) يعني من له ولاية عليه، يقول: ((وأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلاناً وفلاناً)) هذا في زمن مَن؟ هذا في زمن الصحابة -رضي الله عنهم-، فكيف بزماننا هذا؟! كيف بزماننا هذا؟! الله المستعان، ومن نظر في هذا الحديث وتأمله خاف على نفسه وحاسبها، وراعى حقوق الناس، واتقى الله -عز وجل- في بيعه وشرائه ومعاملاته، وعرف أيضاً مقادير الأشياء والموازين التي يوزن بها الناس، وكيف يتفاضلون، وبماذا يرتفع الإنسان، وأن الغش والتدليس والتزوير على الناس لا ينفعه شيئاً، ولا يغني عنه لا في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الدنيا فإنه يفتضح بين الخلق، وأما في الآخرة فهو الخسران، والميزان هناك والحساب إنما هو بالحسنات والسيئات، فيؤخذ من حسناته، فهي جمرة وقطعة من النار إن شاء أن يأخذها وإن شاء تركها، يتوسد ذلك في قبره، إذًا المسألة ليست شطارة، هو يأخذ جمرة من نار يكوى بها، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث: ((لعل بعضكم ألحن بحجته من بعض وإنما هي قطعة من نار))([5])، يعني إذا حكم له النبي -صلى الله عليه وسلم- بناء على كلام جيد مرتب استطاع أن يأخذ به الحق فلا يعني هذا أنه يحل له، وإنما هي قطعة من نار إن كان لا يحل له أخذها.

هذا، وأسأل الله -عز وجل- أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.


 

[1] - أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، (1/16)، رقم (33)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، (1/78)، رقم: (59).

[2] - أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، (1/78)، رقم: (59).

[3] - أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة، (8/104)، رقم: (6497)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب، وعرض الفتن على القلوب، (1/126)، رقم: (143).

[4] - أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب: رفع الأمانة، (4/104)، رقم: (6497)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب، وعرض الفتن على القلوب، (1/126)، رقم: (143).

[5] - أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب: من أقام البينة بعد اليمين، (3/180)، رقم: (2680).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about