استعرض النسخة الجديدة من الموقع
شرح حديثي عائشة رَضي اللَّه عنها أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم كَان يقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حتَّى تتَفطَرَ قَدمَاهُ وحديث "كَانَ رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم إذَا دَخَلَ الْعشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ"
عدد الزوار : 16975
تاريخ الإضافة : 7 رمضان 1426
MP3 : 2992 kb
PDF : 816 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

رياض الصالحين

شرح حديثي عائشة -رضي الله عنها- أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَان يقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حتَّى تتَفطَّرَ قَدمَاهُ وحديث "كَانَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إذَا دَخَلَ الْعشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ"

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فكان آخر ما تحدثنا عنه هو قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ))([1])، حيث إن الكثيرين تفتك بهم هاتان النعمتان.

إنّ الشبابَ والفراغَ والجِدَة*** مفسدةٌ للمرء أيُّ مفسدة

 وهنا حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أحب أن أكون عبداً شكورا))([2])، متفق عليه.

ونحوه في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة -رضي الله تعالى عنه-([3]).

فالنبي -صلى الله عليه وسلم- كان أكمل الأمة عبودية لربه ومولاه -جل جلاله-، ومضت الأحاديث في أن من تقرب إلى الله شبراً تقرب الله -عز وجل- منه ذراعاً، ومن تقرب منه ذراعاً تقرب الله منه باعاً، وكذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم- ((اغتنم خمساً قبل خمس...))([4]).

وما أشبه هذا من النصوص التي تحث على المزيد من العمل الصالح، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- كان أكمل الأمة استجابة لربه، وإقبالاً على عبادته، ومحبة له، وما إلى ذلك من المعاني، فهنا: كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، أي: يقوم قياماً طويلاً حتى تتشقق قدماه، وجاء في بعض الروايات حتى تتورم قدماه([5]).

وليس بينهما منافاة؛ لأنها إذا تورمت من طول القيام فإنها تتشقق، فعائشة -رضي الله عنها- تسأله، تقول له: كيف تفعل هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، كما قال الله -عز وجل-: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح:2]، فقال: ((أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً)).

والشكور هو كثير الشكران، وذلك -أعني الشكور- هو ظهور أثر النعمة على المنعم عليه، والله -عز وجل- يقول: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ:13].

فالمقصود أن الإنسان يتعبد لله -تبارك وتعالى- ليس فقط من أجل تكفير الذنوب والسيئات، بل مَن عرَفَ الله معرفة صحيحة بأسمائه وصفاته عظَّمه وانجذب قلبه إلى عبادته، فأسَرَتْه تلك المعاني والصفات الكاملة لله   -تبارك وتعالى-، فلا يملك إلا أن ينقاد له، وأن يتعبد له، وأن يعظمه حق التعظيم؛ لأنه العظيم الأعظم، كذلك الإنسان يتعبد لله -تبارك وتعالى-، ويكثر من الأعمال الطيبة الصالحة من أجل أن يكفر الله -عز وجل- عنه ذنوبه، ويمحو تقصيره وزلاته، ولهذا قال الله -عز وجل-: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [هود:114-115].

فالحاصل أن الإنسان يحتاج إلى صبر على الطاعة؛ لأن النفس تتفلت على صاحبها، فالله -عز وجل- أمر ذلك الرجل الذي قارف مع تلك المرأة ما لا يليق مما لا يوجب الحد، لما سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- وندم على عمله، قال الله: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود:114]([6]).

فالإنسان يعمل الأعمال الطيبة الصالحة من أجل أن يكفر عن الذنوب أيضاً، ولهذا عمر -رضي الله عنه- مثلاً لما جادل النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلح الحديبية، ثم ندم بعد ذلك ذكر أنه لم يزل يعمل أعمالاً لها.

وكذلك أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة لما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزوة بدر: مَن لقي العباس فلا يقتله؛ لأنه خرج مكرهاً، فقال أبو حذيفة: نقتل أبناءنا وآباءنا وإخواننا ونترك العباس؟، والله لئن لقيته لأضربنه بالسيف، فندم بعد ذلك، فكان يعمل أعمالاً كثيرة، حتى إنه رأى أن ذلك الذي صدر منه لا يكفره إلا القتل في سبيل الله، فقتل شهيداً -رضي الله عنه-، هو ومولاه سالم كما هو معروف([7])

 فالمقصود أن الإنسان يعمل أحياناً لتكفير السيئات، ويعمل أيضاً شكراً لله -تبارك وتعالى- على ما أفاض عليه من النعم الظاهرة والباطنة، نعمة عافية البدن، ونعمة المال، ونعمة المعافاة من البلايا والمحن والفتن، وما أشبه ذلك، ونعمة الإفضال عليه بالإسلام، وهدايته إلى الصراط المستقيم، فكل عبادة تصدر من الإنسان هي نعمة تستوجب الشكر، فنحن حينما نوفق إلى بلوغ رمضان، أو إلى صيام رمضان هذه نعمة تحتاج منا إلى شكر، وإذا صلينا التراويح هذه نعمة تحتاج إلى شكر، وهكذا في أحوالنا كلها، فيكون الإنسان دائماً يتقرب إلى الله -عز وجل- بألوان القربات.

فهذا النبي -صلى الله عليه وسلم- غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع ذلك يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فكيف بالضعفاء؟ كيف بأصحاب الذنوب العظيمة الكثيرة المتتابعة المتكررة وليس عندهم، أو عندنا عهد من الله -عز وجل- بأن يغفر لنا هذه الذنوب؟.

فنحن أحرى أن نقوم بالأعمال الصالحة، وأن نكثر من نوافل العبادات ليكون ذلك جبراً لما نقص، أو لما يقع من النقص في الفرائض، ولهذا جاء من حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله([8]).

معناه: أنه لا يقرب أهله في تلك الليالي، والمقصود بها العشر الأواخر من رمضان، فهذا يعني: التشمير للعبادة، والتفرغ لها، والانقطاع عن المألوفات التي كان يفعلها، حتى نوم الليل، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- ينام سائر العام، ويقوم بعض الليل، وإذا جاءت العشر أحيا الليل كله من أوله إلى آخره بين صلاة وذكر وقراءة، وما أشبه ذلك.

أسأل الله -عز وجل- أن يعيننا وإياكم على أنفسنا، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.


 

[1]- أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب: لا عيش إلا عيش الآخرة (8/88)،  رقم: (6412).

[2]- أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما} [الفتح: 2] (6/135)، رقم: (4837)، ومسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة (4/2172)، رقم: (2820).

[3]- أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب: قيام النبي -صلى الله عليه وسلم- الليل حتى ترِم قدماه (2/50)، رقم: (1130)، ومسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة (4/2171)، رقم: (2819).

[4]- أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب المواعظ (10/400)، رقم: (11832)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين، كتاب الرِّقَاقِ (4/341)، رقم: (7846)، والبيهقي في شعب الإيمان (12/476)، رقم: (9767).

[5] - الكنى والأسماء للدولابي (2/622)، رقم: (1114)، وأخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب: قيام النبي -صلى الله عليه وسلم- الليل حتى ترم قدماه (2/50)، رقم: (1130)، بلفظ: إنْ كان النبي -صلى الله عليه وسلم- ليقوم ليصلي حتى ترم قدماه -أو ساقاه- فيقال له فيقول: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)).

[6]- عن ابن مسعود -رضي الله عنه-: أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذكر ذلك له، فأنزلت عليه: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} [هود: 114]، قال الرجل: ألي هذه؟ قال: لمن عمل بها من أمتي.

أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} [هود: 114] (6/75)، رقم: (4687).

[7] - المستدرك على الصحيحين للحاكم (3/247)، رقم: (4988).

[8]- أخرجه البخاري، كتاب فضل ليلة القدر، باب العمل في العشر الأواخر من رمضان (3/47)، رقم: (2024)، ومسلم، كتاب الاعتكاف، باب الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان (2/832)، رقم: (1174).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about