استعرض النسخة الجديدة من الموقع
شرح حديث أبي هريْرَةَ رضي اللَّه عنه "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغَارُ"
عدد الزوار : 66141
تاريخ الإضافة : 3 ربيع الآخر 1426
MP3 : 4075 kb
PDF : 685 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

رياض الصالحين

شرح حديث أبي هريْرَةَ -رضي الله عنه- "إِنّ اللَّهَ تَعَالَى يَغَارُ"

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا هو الحديث الخامس مما ذكره الإمام النووي -رحمه الله- في هذا الكتاب المبارك رياض الصالحين في باب المراقبة.

قال: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن الله تعالى يغار، وغيرة الله تعالى أن يأتي المرء ما حرم الله عليه))([1])، متفق عليه.

تكلمنا بكلام طويل عن الغيرة، وذكرنا أن الغيرة على أنواع متعددة: فمنها غيرة الله -عز وجل- إذا انتهكت محارمه، فالله -تبارك وتعالى- قد أمر عباده بالتوحيد، ونهاهم عن أعظم جرم وأكبر جناية وأقبحها، وهي الإشراك بالله -تبارك وتعالى-، لأن ذلك يحصل فيه شكر غير المنعم، وعبادة غير المنعم، فالله -عز وجل- الذي أولانا، وأعطانا، وأكرمنا ينبغي أن نعبّد قلوبنا وجوارحنا له -تبارك وتعالى- وحده لا شريك، فإذا توجه العبد بشيء من عمله إلى غير المنعم فشكَرَه وعبده من دون الله -تبارك وتعالى- فإن ذلك هو أعظم جرم، وأعظم جناية على الإطلاق، ولهذا قال الله -عز وجل-: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]، ولذلك كانت جناية الشرك لا تعادلها جناية، فكتب الله -عز وجل- على صاحبها الخلود في النار، {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48]، فالله يغار على عبده أن يعبد غيره، وأن يتوجه إلى غيره بتذليل نفسه وتعبيدها إلى هذا الغير، سواء كان ذلك بعبادته عبادة مباشرة كما يقال: العبادة التقليدية، يعني بالركوع والسجود والصوم والذبح، أو كان ذلك بتعلق القلب، فإن الله يغار على قلب عبده المؤمن أن يتوجه إلى غيره، وأن يشتغل بغيره، وأن يمتلئ بحب غيره محبة تزاحم محبة الله -عز وجل- في هذا القلب.

كما أن الله -تبارك وتعالى- يغار على قلب المؤمن من أن يحصل له نوع عُجب، وركون إلى عمله الصالح الذي عمله، ولهذا يسوق الله -عز وجل- له ما يسوق من ألوان البلايا والمحن من أجل أن ينكسر، وأن ينطرح بين يديه، وأن يتذلل فيتقرب إلى الله -عز وجل- بهذه العبودية، كما أن الله -جل جلاله- يغار على عبده المؤمن أن يواقع شيئاً من الفواحش والموبقات، وما إلى ذلك من ألوان الذنوب والمعاصي.

وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما قال سعد بن عبادة -رضي الله عنه- في الحديث المشهور لما سأل النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أصحابه إذا وجد الرجل رجلاً مع امرأته ماذا يفعل؟ فسعد -رضي الله عنه- قال: أضربه بالسيف غير مُصْفَح([2]).

يعني: أن المسألة لا تقبل شكاية وترافعاً، وإنما يضربه بالسيف غير مُصفَح، فالحاصل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأصحابه: أتعجبون من غيرة سعد؟، والله إني لأغير من سعد، وإن الله أغير مني ومن سعد، وذلك في الإشهاد حينما قال الله -عز وجل-: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النــور: 4].

والمعنى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أغير من سعد، والله أغير من النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن سعد، ومع ذلك طلب التحري والشهود وما أشبه ذلك.

فالمقصود أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر غيرته، والواقعة تدل على شدة غيرة الصحابة، بل إن    سعد بن عبادة لما قال ما قال، لما نزلت آية سورة النور {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النــور: 4]،

وكان سعد –رضي الله عنه- إذا طلق امرأة لا يتجرأ أحد أن يتزوجها بعده، فكيف لو أن أحداً أراد زوجته بريبة، ماذا يصنع به؟

وقد قال الفرزدق وهو شاعر ماجن من المُجّان، كما هو معروف، يقول:

وإنّ الذي يسعى ليُفسد زوجتي *** كساعٍ إلى أُسْدِ الشَّرَى يَستبيلُها

يقول: هذا مثل الذي يأتي إلى الأسود ويتحرش بها، ماذا تصنع به؟، وهكذا الغيرة، وأخبار الناس أهل الغيرة في هذا كثيرة جداً، بعضهم يغار على امرأته من السواك إذا استاكت، كيف يخالط ريقها، ويدخل في فمها، يغار من السواك، ويغار عليها من كل شيء، فلا يقبل أن تُرى امرأته، أو أن تقع في موقع ريبة أو نحو ذلك، والله أعظم غيرة من هذا.

فمن استشعر هذا المعنى فإنه يتذكر جيداً إذا أراد أن تمتد عينه إلى شيء من خائنة الأعين فإنه يتذكر غيرة الله -عز وجل-، إذا أراد ن يكأأن يكلم امرأة كلاماً فيه ريبة، أو أن يخلو بها، أو أن يقارف معها ما لا يليق فليتذكر غيرة الله -عز وجل-، لو أن هذه المرأة لها زوج عظيم الغيرة، ولها أحماء، ولها أولياء، ولها أهل من أعظم الناس غيرة، هل يجترئ أحد على أن يقارف ريبة معها؟ لا أحد يجترئ على هذا، فالله -عز وجل- أعظم غيرة من خلقه، فينبغي للإنسان أن يتذكر هذا سواء فيما كان يدنس الأخلاق مما يتصل بالأعراض، أو مما عدا ذلك من ألوان معصية الله -عز وجل-، بأكل الربا والرُّشى، وفعل كل محرم من تضييع الصلوات، الذي ينام عن صلاة الفجر فلا يصليها إلا بعد طلوع الشمس، والذي يتشاغل عن طاعة الله -عز وجل- التي افترض عليه بشيء من دنياه، والذي يفعل معصية الله -عز وجل- من غيبة ونميمة وكذب وفجور وما إلى ذلك، فالله -عز وجل- شديد الغيرة، وغيرته -تبارك وتعالى- حينما تنتهك محارمه، فما ظنكم إذا كانت غيرته بهذه المثابة؟!.

والغيرة في كلامنا وفيما نعرف من معانيها هي بمعنى الأنَفة، فأقول: إذا كان المخلوق يحصل له من الغيرة ما يحصل فالله -عز وجل- أعظم وأجل غيرة تليق بجلاله وعظمته.

ولو أننا تذكرنا هذه المعاني لكفنا ذلك عن كثير من الأمور التي نواقعها، من تفريط في طاعة الله -عز وجل-، وإخلاد إلى الكسل يحملنا على شيء من التقصير، ولربما حملَنا شيء من الجراءة أو الطمع على مقارفة معصية الله -عز وجل- بأي لون كانت هذه المقارفة، فتذكر هذا دائماً، وتذكر أن الله -عز وجل- يمهل ولا يهمل، وأنه يراك، ويطلع عليك، لا تخفى عليه من أفعالك خافية.

هذا، وأسأل الله -عز وجل- أن يلهمنا رشدنا، وأن يصلح لنا شأننا كله دقّه وجله، وأن يرزقنا وإياكم المراقبة والخوف منه -جل جلاله-، والرغبة إليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.


 

[1] - أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب الغيرة (5/2002)، رقم: (4925)، ومسلم، كتاب التوبة، باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش (4/2114)، رقم: (2761).

[2] - أخرجه البخاري، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب من رأى مع امرأته رجلا فقتله (6/2511)، رقم: (6454)، ومسلم، كتاب اللعان (2/1136)، رقم: (1499).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about