استعرض النسخة الجديدة من الموقع
[13] من قوله تعالى"قل إنما يوحى إلي" الآية 108إلى قوله تعالى"وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون" الآية112
عدد الزوار : 3441
تاريخ الإضافة : 9 رمضان 1429
MP3 : 2611 kb
PDF : 2120 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة الأنبياء (13)

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم، اللهم اغفر لشيخنا والحاضرين والمستمعين، وبعد:

قال المؤلف -رحمه الله-: وقوله: إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ سورة الأنبياء 106 أي: إن في هذا القرآن الذي أنزلناه على عبدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- لَبَلاغاً لمنفعة وكفايةً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ وهم الذين عبدوا الله بما شرعه وأحبه ورضيه، وآثروا طاعة الله على طاعة الشيطان، وشهوات أنفسهم.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى-: إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا اسم الإشارة راجع إلى القرآن، وهذا هو قول الحافظ ابن كثير وسبقه إلى ذلك ابن جرير الطبري -رحمهما الله– وقال بعض أهل العلم: إن اسم الإشارة يرجع إلى أقرب مذكور، باعتبار أن "هذا" يشار به للقريب، و "ذاك" للمتوسط، و "ذلك" للبعيد.  والآية تحتمل المعنيين.

قوله: لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ، المقصود بالبلاغ الكفاية، وخص العابدين بالذكر؛ لكونهم يحصل لهم البلاغ والكفاية، وإلا فالقرآن فيه بلاغ للعالمين لو أنهم أقبلوا عليه وانتفعوا به، وقد قال الله -تبارك وتعالى– عن القرآن: ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ سورة البقرة: 2 مع أنه هدى للجميع، لكن لما كان المتقون هم المنتفعون به خصهم بذلك.

وقوله: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ سورة الأنبياء 107 يخبر تعالى أن الله جعل محمداً -صلى الله عليه وسلم- رحمة للعالمين أي أرسله رحمة لهم كلهم، فمَن قبِلَ هذه الرحمة وشكر هذه النعمة سعد في الدنيا والآخرة ومن ردها وجحدها خسر في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ سورة إبراهيم: 28- 29، وقال تعالى في صفة القرآن: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سورة فصلت: 44، وقال مسلم في صحيحه: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا مروان الفزاري عن يزيد بن كيسان عن ابن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قيل يارسول الله ادع على المشركين. قال: (إني لم أبعث لعّاناً، وإنما بعثت رحمة)([1])انفرد بإخراجه مسلم.

وروى الإمام أحمد عن عمرو بن أبي قرة الكندي قال: كان حذيفة بالمدائن فكان يذكر أشياء قالها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فجاء حذيفة إلى سلمان، فقال سلمان: يا حذيفة إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يغضب فيقول، ويرضى فيقول، لقد علمت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطب فقال: (أيما رجل من أمتي سببتُه سَبّةً في غضبي، أو لعنتُه لعنة -فإنما أنا رجل من ولد آدم أغضب كما تغضبون، إنما بعثني الله رحمة للعالمين- فاجعلها صلاة عليه يوم القيامة)([2]). ورواه أبو داود عن أحمد بن يونس عن زائدة، فإن قيل: فأي رحمة حصلت لمن كفر به؟ فالجواب ما رواه أبو جعفر بن جرير عن ابن عباس في قوله: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ سورة الأنبياء: 107، قال: من آمن بالله واليوم الآخر كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف.

قوله -تبارك وتعالى-: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ فعَمّ الله -تبارك وتعالى- ببعثه وإرساله العالم بأسره فهو رحمة مهداة -صلى الله عليه وسلم-.

وعبارة ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره جيدة وجامعة، وفي ضمنها جواب عن هذا السؤال الذي ذكره بعده، فقد قال: "يخبر تعالى أن الله جعل محمداً -صلى الله عليه وسلم- رحمة للعالمين أي أرسله رحمة لهم كلهم فمن قبل هذه الرحمة وشكر هذه النعمة سعد في الدنيا والآخرة ومن ردها وجحدها خسر في الدنيا والآخرة".

فالنبي -صلى الله عليه وسلم- رحمة للعالمين، فمن الناس من دنا من الرحمة وأقبل عليها فانتفع، ومن الناس من ابتعد فلم ينتفع

 

النبي -صلى الله عليه وسلم- رحمة للعالمين، فمن الناس من دنا من الرحمة وأقبل عليها فانتفع، ومن الناس من ابتعد فلم ينتفع

 

، فالمطر رحمة، فمن الناس من ينتفع به فيزرع، ومن الناس من لا ينتفع به بل قد يحصل له الضرر، وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-، قال: جاءت ملائكة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلا فاضربوا له مثلا، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيها مأدبة، وبعث داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أولوها له يفقهها، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: فالدار الجنة، والداعي محمد -صلى الله عليه وسلم-، فمن أطاع محمدا -صلى الله عليه وسلم- فقد أطاع الله، ومن عصى محمدا -صلى الله عليه وسلم-، فقد عصى الله، ومحمدٌ -صلى الله عليه وسلم- فرق بين الناس([3]).

ألا ترى أن من الناس من لا ينتفع بالأطباء ودوائهم، بل لا يذهب إليهم، وإذا أصابه الداء فإنه لا يتطبب، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما أنزل الله من داء إلا جعل له دواء علِمه من علِمه وجهِله من جهِله)([4])،  فوجود هذا الدواء هو نعمة من الله -عز وجل.

والله تبارك وتعالى يخبر أن العسل فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ 69 سورة النحل، ولكن من الناس من لا ينتفع بالعسل ولا يقبل عليه، ولا يتداوى به ولا يطعمه.

وكذلك أخبر –عز وجل- عن هذا القرآن أنه شفاء لما في الصدور، وأخبر عن المجرمين والظالمين والمكذبين والكافرين أنه عليهم عمى، وأن الآيات التي تنزل تزيدهم ضلالا، يقول: فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ سورة التوبة125، وذلك لأن الكفار أعرضوا عن القرآن ولم ينتفعوا بها.

وقال بعض أهل العلم: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- حصل بسببه الانتفاع، فالمنافقون استفادوا حقن الدماء، وأحرزوا أموالهم في الدنيا، وحصل لهم ما يحصل من الأموال والغنائم إذا حضروا القتال، وأما الكفار فإنه لم تنزل بهم العقوبات المستأصلة التي نزلت في الأمم السابقة، والله -عز وجل- يقول: وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ سورة الأنفال33، فبعثه -صلى الله عليه وسلم- رحمة للعالمين، فلم ينزل العذاب المستأصل بهذه الأمة ، كما نزل في الأمم السابقة.

قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ * فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ * إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ * وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ سورة الأنبياء 108 -112.

يقول تعالى آمراً رسوله -صلواته وسلامه عليه- أن يقول للمشركين: إنما يُوحَىَ إِلَيّ أنما إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُمْ مّسْلِمُونَ أي: متبعون على ذلك مستسلمون منقادون له فَإِن تَوَلّوْاْ أي: تركوا ما دعوتهم إليه فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَىَ سواء أي: أعلمتكم أني حرب لكم كما أنكم حرب لي، بريء منكم كما أنتم براء مني، كقوله: وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ سورة يونس 41، وقال: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء سورة الأنفال: 58، أي: ليكن علمك وعلمهم بنبذ العهود على السواء، وهكذا ههنا فَإِن تَوَلّوْاْ فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَىَ سواء أي: أعلمتكم ببراءتي منكم وبراءتكم مني لعلمي بذلك.

قوله -تبارك وتعالى-: فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ سورة الأنبياء: 109، الإيذان أصله الإعلام، ومنه الأذان، والمعنى: أعلمتكم بأنكم عدو لي وأنا عدو لكم، لا مجال للمقاربة بيني وبينكم، وقد قال الله  -عز وجل-: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ سورة القلم: 9، يعني: تتنازل عن بعض الحق فيتنازلون عن بعض ما عندهم، وقال: وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً سورة الإسراء73، وغير ذلك من الآيات التي تدل على هذا المعنى، وما يوده هؤلاء الكفار من إزاغة أهل الإيمان عن إيمانهم وعن الحق الذي هم فيه، وأخبر الله -عز وجل- عن شدة حسدهم للمؤمنين كما هو الشأن في اليهود، أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا سورة النساء: 54.

وقوله: وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ سورة الأنبياء: 109 أي:  هو واقع لا محالة، ولكن لا علم لي بقربه ولا ببعده.

قوله: وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ قال بعض أهل العلم في معنى هذه الآية: هذا الذي توعدونه من ظهور الإسلام وغلبة المسلمين على الكفار، ومنهم من يقول: أي هذا الذي توعدونه في الآخرة، وما يحصل فيها من جزاء وحساب؛ ولهذا قال الله -عز وجل-: وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ سورة يونس: 53، ويقول: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ، ويقول: قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ سورة سبأ: 30 ولعل هذا هو الأقرب، والله تعالى أعلم.

وقوله: وَإِنْ أَدْرِيَ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مّا تُوعَدُونَ أي: هو واقع لا محالة، ولكن لا علم لي بقربه ولا ببعده.

إِنّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ أي: إن الله يعلم الغيب جميعه ويعلم ما يظهره العباد وما يسرون، يعلم الظواهر والضمائر، ويعلم السر وأخفى، ويعلم ما العباد عاملون في أجهارهم وأسرارهم، وسيجزيهم على ذلك القليل والجليل.

وقوله: وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ أي: وما أدري لعل هذا فتنة لكم ومتاع إلى حين، قال ابن جرير: لعل تأخير ذلك عنكم فتنة لكم ومتاع إلى أجل مسمى، وحكاه عون عن ابن عباس فالله أعلم.

هو هذا الإمهال، فهم يستعجلون ذلك اليوم الذي وُعدوا، فالله -تبارك وتعالى- يقول لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: قل لهم: لا أدري لعل هذا الإمهال فتنة لكم ومتاع إلى حين، فيحصل لربما عندهم شيء من الشك والتكذيب ويزداد من يزداد منهم من الكفر كما قال الله -عز وجل-: إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ سورة آل عمران: 178.

قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ سورة الأنبياء: 112 أي: افصل بيننا وبين قومنا المكذبين بالحق. قال قتادة: كانت الأنبياء -عليهم السلام- يقولون: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ سورة الأعراف: 89 وأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يقول ذلك.

قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ هذه قراءة حفص عن عاصموهي قراءة متواترة تدل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قال ذلك وامتثل، فحكاه الله -عز وجل- عنه.

وقرأه عامة السبعة قُلْرَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ، وقد ذكرنا أن تنوع القراءات بمنزلة تعدد الآيات، فيكون المعنى أن الله -تبارك وتعالى- أمر نبيه، ثم استجاب النبي –صلى الله عليه وسلم– للأمر، وهذا من إعجاز القرآن، ومن الحِكَم من نزول القرآن على سبعة أحرف، فتتنوع القراءات وتجد هذه القراءة تدل على الأمر، وهذه تدل على الامتثال.

ومعنى احْكُم بِالْحَقِّ أي: افصل بيننا، ومنه قوله -تبارك وتعالى-: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ سورة الأعراف: 89 فالحكم يقال له فتاحة، والحاكم يقال له: فاتح وفتاح.

وقوله: إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ سورة الأنفال: 19، أي: إن تطلبوا الفتح والحكم، فقد جاءكم الحكم والفصل بما حصل في يوم بدر.

وأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يقول ذلك، وعن مالك عن زيد بن أسلم: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا شهد قتالاً قال: رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ([5]).

عن زيد بن أسلم: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-..، هذا من قبيل المرسل.

وقوله: وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ أي: على ما يقولون ويفترون من الكذب ويتنوعون في مقامات التكذيب والإفك، والله المستعان عليكم في ذلك.

كثيراً ما يأتي التعبير بلفظ "الوصف" في القرآن ويكون المراد به الكذب، ومنه قوله: وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ سورة الأنبياء 18 يعني من الكذب، وقوله: وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ سورة النحل: 62، وقوله: سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ سورة الأنعام: 139.


سورة الحج

بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ سورة الحـج: 1-2.

يقول تعالى آمراً عباده بتقواه ومخبراً لهم بما يستقبلون من أهوال يوم القيامة وزلازلها وأحوالها، كما قال تعالى: إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا سورة الزلزلة: 1-2، وقال تعالى: وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ سورة الحاقة: 14 -15، وقال تعالى: إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا سورة الواقعة: 4-5، فقال قائلون: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر الدنيا وأول أحوال الساعة. وقال ابن جرير عن علقمة في قوله: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ قال: قبل الساعة.

وقال آخرون: بل ذلك هول وفزع وزلزال وبلبال كائن يوم القيامة في العَرَصات بعد القيام من القبور، واختار ذلك ابن جرير، واحتجوا بأحاديث.

هذه السورة قال عنها بعض أهل العلم: إنها من عجائب القرآن، فيها الناسخ والمنسوخ، والمكي والمدني، وفيها السلمي والحربي، وفيها الليلي والنهاري، والسفري والحضري، وهذه كلها من الأنواع كما ذكرت في الكلام على رسالة السيوطي في أصول التفسير.

قوله -تبارك وتعالى-: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ سورة الحـج: 1.  

وهذه الآية كقوله -تبارك وتعالى-: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا سورة النساء: 1.

فـ "إن" تدل على التعليل، وكأن المعنى: لأن الله عليكم مراقب يراقب الحركات والسكنات، وهكذا في هذه الآية: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ سورة الحـج: 1، وهذا الذي يعرف عند الأصوليين بدلالة الإيماء والتنبيه، أي يقرن الحكم بوصف لو لم يكن علة له لكان ذلك معيباً.

والمعنى اتقوه لأن زلزلة الساعة شيء عظيم ففيها من الأهوال والأوجال والأمور العظيمة الهائلة ما يستدعي العمل والتشمير في طاعة الله -تبارك وتعالى-، والانكفاف عن كل ما لا يليق، فإن العباد سيصيرون إلى مقام وأهوال وأحوال وأوجال لا يُقادَر قدرُها، ويفضي ذلك بهم إلى خلود بلا انقطاع في نعيم دائم أو في عذاب وجحيم دائم، ومهما وصف الواصفون فإن ذلك لا يفي بأهوال ذلك اليوم وما يحصل فيه من الأوجال.

 

زلزلة الساعة شيء عظيم ففيها من الأهوال والأوجال والأمور العظيمة الهائلة ما يستدعي العمل والتشمير في طاعة الله -تبارك وتعالى-، والانكفاف عن كل ما لا يليق، فإن العباد سيصيرون إلى مقام وأهوال وأحوال وأوجال لا يُقادَر قدرُها، ويفضي ذلك بهم إلى خلود بلا انقطاع في نعيم دائم أو في عذاب وجحيم دائم، ومهما وصف الواصفون فإن ذلك لا يفي بأهوال ذلك اليوم وما يحصل فيه من الأوجال.

 

قوله -تبارك وتعالى-: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ من أهل العلم من يقول: إن هذه الزلزلة تكون قبل قيام الساعة؛ لأنه قريب منها ويكون ذلك من قبيل إضافة الزلزلة إلى الفاعل، واحتجوا على هذا بحديث لا يصح، ولو صح لكان قاطعاً في الدلالة على المراد، والحديث فيه مجاهيل، بل فيه من هو مبهم، فلا يعتمد عليه في تفسير الآية، ولهذا ذهب أكثر أهل العلم إلى أن هذه الزلزلة تكون بعد قيام القيامة، وبعد قيام الناس من القبور، وهذا الذي أشار إليه الحافظ ابن كثير -رحمه الله- بقوله: قال قائلون: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر الدنيا وأول أحوال الساعة، وهذا نُقل عن علقمة، وقال به غيره كالشعبي وإبراهيم النخعي وعبيد بن عمير وابن جريج من التابعين.

والقول الآخر وهو الأرجح: أن هذه الزلزلة كائنة بعد البعث، ويكون المعنى إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ من إضافة الشيء إلى الظرف الذي يقع فيه، والدليل على هذا الأحاديث التي ذكرها بعده، فإنها توضح المراد.

والآية محتملة كقوله -تبارك وتعالى-: إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا سورة الزلزلة: 1-5 هل هذا قبيل قيام الساعة، عند حصول التغيرات الهائلة، أو أن ذلك يحصل بعد البعث؟، فبنفخة الصعق يموت كل الأحياء، وبنفخة البعث يقوم كل الأموات، فهذه الزلزلة التي ذكرها الله في سورة الزلزلة، لكن ما ذكره الله -عز وجل- فيها في ثنايا السورة يدل على أن ذلك بعد البعث، فمتى تخرج الأرض أثقالها؟، ومعنى أثقالها ما فيها من الأموات، وما فيها من الكنوز، كل ذلك تخرجه.

قال بعض أهل العلم: إن الزلزلة هي زلزلة حسية، وأكثرهم يقولون: هي زلزلة معنوية وليست حسية، بمعنى الخوف، كما قال الله -عز وجل- في سورة الأحزاب يصف حال المؤمنين وما بلغ الحال بهم من شدة الخوف قال: هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا سورة الأحزاب: 11، وإلا فأصل الزلزلة الحركة السريعة والاضطراب كما تدل عليه حروفها المتكررة، فإن تكرر الحروف يدل على تكرر المعنى، مثل: الصلصلة، صوت مثل صوت الجرس فيه تردد، صلصلة، وهكذا حينما يقال: زلزلة: حركة سريعة واضطراب، يعني الحركة الواحدة ما تسمى زلزلة، لكن حينما تميد وتتحرك فإن هذا يقال له: الزلزلة، وأصله من زل عن الموضع، زل عن المكان، ولهذا يقال: زلت قدمه، تزلزلت قدمه: معناها أن هذا تكرر أكثر من مرة.

فالزلزلة -والله تبارك وتعالى أعلم- زلزلة معنوية وتحصل بعد البعث، وذلك بما يحصل مما يرون، ولهذا قال الله -عز وجل-: يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ سورة الحـج 2 فهذه الزلزلة، الخوف الشديد الذي يصيب الناس، وقد عزا بعض أهل العلم القول بأن الزلزلة تكون قبل الساعة وتكون من أماراتها إلى الجمهور، والآية تحتمل المعنيين.

والذين قالوا: إن الزلزلة قبل يوم القيامة استدلوا بأن القيامة ليس فيها حمل ولا إرضاع، والذين قالوا: إنها في القيامة بعد البعث، قالوا ممكن المرأة التي ماتت وهي حامل تبعث وهي حامل، فتضع حملها من شدة الهول، والمرأة التي ترضع تذهل عن ولدها.

وأحسن من هذا قول من قال: إن ذلك ليس بلازم، فلا يلزم أن يكون هناك حامل وإرضاع، لكن هو لتصوير شدة الخوف والأهوال التي تقع فيها، أي أنها من شدتها تضع الحوامل الحمل، والمرضع تذهل، كما قال الله -عز وجل-: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا * السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا  سورة المزمل: 17-18، -والله تعالى أعلم-.



[1]- رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن لعن الدواب وغيرها (4 / 2006)، برقم (2599).

[2]- رواه أبو داود، كتاب السنة، باب في النهي عن سب أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (4 / 347)، برقم (4661)، وأحمد (39 / 110)، برقم: (23706).

[3]- رواه البخاري (6/2655)، برقم: (6852).

[4]- رواه الحاكم في المستدرك، كتاب الطب، (4 / 218)، برقم (7424).

[5]- تفسير ابن كثير (3 / 248).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 1
teleqram
trees
about