استعرض النسخة الجديدة من الموقع
[10] من قوله تعالى"واتخذوا من دون الله آلهة" الآية 81 إلى قوله تعالى"أو تسمع لهم ركزا" الآية 98
عدد الزوار : 8867
تاريخ الإضافة : 20 ربيع الآخر 1429
MP3 : 5976 kb
PDF : 122 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة مريم (10)

من قوله تعالى"واتخذوا من دون الله آلهة" الآية 81 إلى قوله تعالى"أو تسمع لهم ركزا" الآية 98

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المصنف –رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: {وَاتّخَذُواْ مِن دُونِ اللّهِ آلِهَةً لّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً * كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً * أَلَمْ تَرَ أَنّا أَرْسَلْنَا الشّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزّهُمْ أَزّاً * فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنّمَا نَعُدّ لَهُمْ عَدّاً}[سورة مريم:81-84].

يخبر تعالى عن الكفار المشركين بربهم أنهم اتخذوا من دونه آلهة لتكون تلك الآلة {عِزّاً} يعتزون بها ويستنصرونها، ثم أخبر أنه ليس الأمر كما زعموا، ولا يكون ما طمعوا، فقال: {كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ} أي: يوم القيامة، {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً}، أي بخلاف ما ظنوا فيهم كما قال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ* وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [سورة الأحقاف:5-6].

وقال السدي: {كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ} أي: بعبادة الأوثان.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى-: {وَاتّخَذُواْ مِن دُونِ اللّهِ آلِهَةً لّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً} يقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: "يعتزون بها ويستنصرونها"، وقيل: أعوان، وقيل: شفعاء، وقيل: يمتنع بهم من عذاب الله -تبارك وتعالى- وهذه الأقوال متقاربة، فهم اتخذوا هؤلاء من أجل أن يمتنعوا بهم من عذاب الله -عز وجل-، إما بشفاعة أو بنصر أو غير ذلك.

والضمير في قوله -تبارك وتعالى-: {كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً}، يحتمل أن يكون راجعاً إلى العابدين، حيث أنهم سيكفرون بعبادة من عبدوهم، ويحتمل أن الضمير يرجع إلى المعبودين، حيث أنهم سيكفرون بعبادة من عبدهم، ويتبرؤون منهم، والآية تحتمل هذا وهذا {كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ}، ويقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: "أي يوم القيامة، {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً}، أي بخلاف ما ظنوا فيهم كما قال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ}"، وكلام الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هذا باعتبار أن قوله: {كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ} أنه يرجع إلى المعبودين، يكفرون بعبادة العابدين فهم عبدوهم رجاء الشفاعة والعز والنصر من أجل أن يمنعوهم ولكن ذلك المطلوب لن يتحقق بل إن هؤلاء المعبودين سيتبرؤون ممن عبدهم ويكونون عليهم ضداً، فهذه الآية {وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ}، وهكذا في قوله: {مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} [سورة القصص:63]، وهكذا في قوله: {فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ} [سورة النحل:86]، وهذا هو المعنى الأقرب وهو المتبادر وهو الذي اختاره جمع من المحققين كابن جرير وطائفة، ويؤيده قاعدة: "أن توحيد مرجع الضمائر أولى من تفريقها"؛ لأن القول الآخر الذي أشار إليه نقله عن السدي قال: {كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ} "أي بعبادة الأوثان" يعني أن العابدين يتبرؤون ويكفرون بهؤلاء المعبودين في يوم القيامة، وهذا يدل عليه قوله -تبارك وتعالى- عنهم أنهم يقولون: {وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [سورة الأنعام:23]، وقول الله -عز وجل-: {انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ} [سورة الأنعام:24]، فهم يتبرؤون من هؤلاء المعبودين في يوم القيامة حينما لا يجدون عندهم بغيتهم، وهكذا في قوله عنهم: {بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا} [سورة غافر:74]، فهذا القول الذي قاله السدي {كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ}: "أي بعبادة الأوثان"، فيكفرون يعني العابدين، ويكونون عليهم ضدا على هذا القول، يكونون عليهم ضداً، أي: أن الأوثان تكون عليهم أو أن المعبودين يكونون على العابدين ضدا.

وقوله: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} أي بخلاف ما رجوا منهم، وقال السدي: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} قال: الخصماء الأشداء في الخصومة، وقال الضحاك: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} قال: أعداء.

هذه الأقوال ترجع إلى معناً واحد {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} الأصل أن المضادة تأتي بمعنى المخالفة يكونون عليهم ضدا فحينما يكون خصماً له كما قال هنا: "خصماء أشداء في الخصومة"، فالمضادة تعني المخالفة، فإنهم يتحولون بدلاً من أن يكونوا لهم عزا، يتحولون إلى أن يكونوا خصماء وأضداد وأعداء، كل هذا يرجع إلى شيء واحد، بخلاف ما أملوا ورجوا.

وقوله: {أَلَمْ تَرَ أَنّا أَرْسَلْنَا الشّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزّهُمْ أَزّاً} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: تغويهم إغواءاً، وقال العوفي عنه -رضي الله تعالى عنهما-: تحرضهم على محمد وأصحابه -رضي الله تعالى عنهم-، وقال قتادة: تزعجهم إزعاجاً إلى معاصي الله، وقال عبد الرحمن بن زيد: هذا كقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}[سورة الزخرف:36].

قوله -تبارك وتعالى-: {أَلَمْ تَرَ أَنّا أَرْسَلْنَا الشّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزّهُمْ أَزّاً} لفظ الإرسال أرسلنا ظاهره  أن الله -عز وجل- سلطهم عليهم، وصاروا يحركونهم تحريكاً، ويزعجونهم إزعاجاً إلى الفساد، والشر، ومحادة الله -تبارك وتعالى-، والكفر به، فإن الأز معناه التحريك، ومن ذلك ما يقال في الأزيز، والأزيز صوت القدر إذا استجمعت غلايانا، فله صوت بسبب الحركة التي تكون في حركة الماء، أو ما بداخل هذا القدر بسبب الغليان، وهكذا ما يصدر من النار، أو الوقود يصدر منها صوت يقال له: الأزيز {تَؤُزّهُمْ أَزّاً}.

وقول من قال تزعجهم إزعاجاً، أو تحركهم أو تغويهم أو نحو ذلك، كل ذلك يرجع إلى معنى واحد {تَؤُزّهُمْ أَزّاً} أي: تدفعهم وتحركهم وتهيجهم، وتزعجهم إزعاجاً إلى فعل المعصية، والكفر بالله -تبارك وتعالى-، ومحادة رسله -عليهم الصلاة والسلام- كما في الآيات: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} [سورة الزخرف:36-37]، وهكذا في قوله -تبارك وتعالى-: {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ} [سورة الأعراف:202] يعني الشياطين يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون، وهكذا في قوله -تبارك وتعالى-: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ} [سورة الأنعام:128]، والمراد بالاستكثار: الاستكثار من إضلالهم وإغوائهم، وهذا هو المشهور -في تفسير الآية- الذي عليه أهل العلم من أهل السنة والجماعة، فالله -تبارك وتعالى- قال لإبليس: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [سورة الحجر:42]، وقال: {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ}[سورة النحل:100]، وإنما كان ذلك السلطان له عليهم بسبب أنهم انقادوا له، وأطاعوا، وأعرضوا عن طاعة الله -جل جلاله-، فتسلط عليهم وقادهم إلى الضلال والباطل والمنكر.

والقدرية يقولون في تفسير هذه الآية: بأن الإرسال معناه التخلية، خلى بينهم وبين هؤلاء الكفار، {أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ} بمعنى خلينا بينهم وبينهم، بناءً على اعتقاد القدرية، والإرسال ليس معناه مجرد التخلية، وإنما يدل على أمر زائد، فإذا قلت أرسلت فلاناً، أو قلت مثلاً أرسلت الكلب على الصيد، فليس معناه أنك خليت بينه وبين الصيد، وإنما دفعته إليه وأغريته به هذا معناه -والله تعالى أعلم-.

وقوله: {فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنّمَا نَعُدّ لَهُمْ عَدّاً} أي: لا تعجل يا محمد على هؤلاء في وقوع العذاب بهم، {إِنّمَا نَعُدّ لَهُمْ عَدّاً} أي: إنما نؤخرهم لأجل معدود مضبوط، وهم صائرون لا محالة إلى عذاب الله ونكاله.

وقال: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} [سورة إبراهيم:42] الآية، {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} [سورة الطارق:17]، {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً} [سورة آل عمران:178]، {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} [سورة لقمان:24]، {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [سورة إبراهيم:30]، وقال السدي: {إِنّمَا نَعُدّ لَهُمْ عَدّاً} السنين والشهور والأيام والساعات.

قوله: {فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ} يعني أخذهم ومعاقبتهم وهلاكهم كما هي عادة الإنسان أنه ربما لشدة ما يجد من الحنق على أعداء الله -عز وجل- يتمنى سرعة الأخذ على هؤلاء الظالمين، فالله -عز وجل- يقول: {فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنّمَا نَعُدّ لَهُمْ عَدّاً}، ويحتمل أن يكون المقصود بالعد نعد عليهم الساعات، والأيام، والشهور، حتى تأتي الساعة التي قضى الله -عز وجل- أخذهم فيها سواء كان ذلك بالموت، أو كان ذلك بعقوبة ينزلها بهم، وما يحصل لهم من الإمهال والتأخير إنما ذلك من أجل أن يزدادوا إثما {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [سورة الأعراف:183]، {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا}، وهذا القول رجحه الشيخ محمد الأمين الشنقيطي أن العد عدد الأيام والليالي والشهور والسنوات، ثم بعد ذلك يأتي ما قضى الله -عز وجل- عليه به، والمعنى الثاني {فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنّمَا نَعُدّ لَهُمْ عَدّاً} أي: نعد الأعمال ونحصيها، وهكذا قول من قال: نعد عليهم الأنفاس، فكل ذلك يكتب، ويحصى، ثم يوافيهم الله -تبارك وتعالى- به، وهذا الذي اختاره ابن جرير، والآية تحتمل المعنيين، ولو قال قائل بأن المعنى الأول أقرب إلى ظاهر اللفظ والسياق لم يكن ذلك بعيداً؛ لأن ذلك لربما هو الأنسب والأقرب فيما يتعلق بالاستعجال يقول: لا تستعجل على أخذهم فنحن نعد عليهم اللحظات، والساعات، والأوقات ثم بعد ذلك سيأتي لا محالة الموعد الذي يأخذون به، مع أن المعنى الثاني أيضاً غير مستبعد فكأنه يقول: لا تستعجل على أخذهم، فنحن نحصي عليهم الأعمال، ونمهلهم من أجل أن يزدادوا في الإثم والغي والفساد -والله أعلم-.

{يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتّقِينَ إِلَى الرّحْمَنِ وَفْداً * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىَ جَهَنّمَ وِرْداً * لاّ يَمْلِكُونَ الشّفَاعَةَ إِلاّ مَنِ اتّخَذَ عِندَ الرّحْمَنِ عَهْداً} [سورة مريم:85-87].

يخبر تعالى عن أوليائه المتقين الذين خافوه في الدار الدنيا، واتبعوا رسله وصدقوهم فيما أخبروهم، وأطاعوهم فيما أمروهم به، وانتهوا عما عنه زجروهم، أنه يحشرهم يوم القيامة وفداً إليه، والوفد هم القادمون ركباناً، ومنه الوفود، وركوبهم على نجائب من نور من مراكب الدار الآخرة، وهم قادمون على خير موفود إليه إلى دار كرامته ورضوانه، وأما المجرمون المكذبون للرسل المخالفون لهم، فإنهم يساقون عنفاً إلى النار {وِرْداً} عطاشاً، قاله عطاء وابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد، وهاهنا يقال: {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} [سورة مريم:73].

وروى ابن أبي حاتم عن عمرو بن قيس المُلائي عن ابن مرزوق {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتّقِينَ إِلَى الرّحْمَنِ وَفْداً}، قال: يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبها ريحاً، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله قد طيب ريحك وحسن وجهك، فيقول: أنا عملك الصالح، وهكذا كنت في الدنيا حسن العمل طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلم اركبني فيركبه، ذلك قوله: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتّقِينَ إِلَى الرّحْمَنِ وَفْداً}، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتّقِينَ إِلَى الرّحْمَنِ وَفْداً} قال: ركبانا، وقوله: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىَ جَهَنّمَ وِرْداً} أي: عطاشا، {لاّ يَمْلِكُونَ الشّفَاعَةَ} أي: ليس لهم من يشفع لهم.

الوفد هم الجماعة، وكثيرٌ من أهل العلم من المفسرين ومن أهل اللغة يقولون: الركبان، والوفد هم الجماعة الذين ينتدبون أو يقدمون على أمر له شأن من قدوم على ملك، أو مطاع، أو نحو ذلك، يقال لهم: وفد، كثير من أهل العلم يقيدون ذلك بالركبان، جماعة ركبان، ولهذا يفسرون هذا الموضع من كتاب الله -تبارك وتعالى-: {نَحْشُرُ الْمُتّقِينَ إِلَى الرّحْمَنِ وَفْداً} يعني أنهم يكونون ركبانا، وهذا يشكل عليه أو قد يشكل عليه في بادئ الأمر ما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من أن الناس يحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلاء([1])، ولهذا قال بعض المفسرين كالقرطبي -رحمه الله-: بأن ذلك لا يكون في حشرهم من قبورهم إلى محشرهم، وإنهم يخرجون من القبور كما قال الله -عز وجل-: {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} [سورة القمر:7]، ولا يكونون بهذه المثابة وإنما ذلك بعد المحشر، فإن أهل الإيمان يذهبون بهذه الصفة إلى الرحمن إلى دار كرامته وجنته، والمجرمون -نسأل الله العافية- يساقون إلى النار في هذه الحالة التي وصفها الله -تبارك وتعالى-، فهنا أهل الإيمان يحشرون وفداً، والكفار -نسأل الله العافية- كما قال: "يساقون عنفاً إلى النار {وِرْداً} أي: عطاشا"، وأصل هذه المادة الورد يقال: للإتيان إلى الماء، كقوله: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ} [سورة القصص:23]، الجماعة الذين يأتون إلى الماء يقال لهم ورد، لكن لما كان الذي يرد إلى الماء عادة إنما يرد إليه العطشان قيل: للجماعة من العطشاء، قيل لهم ذلك، قيل لهم: ورد، ونحشر المجرمين إلى جنهم وردا، أي: عطاشا، هذا هو المشهور، وهو الذي اختاره ابن جرير -رحمه الله-.

وبعض أهل اللغة كالفراء وابن الأعرابي يقول: مشاة، أهل الإيمان وأهل الجنة يحشرون ركباناً، وهؤلاء يحشرون مشاة، وبعضهم كالأزهري يقول: مشاة وعطشى، والله المستعان.

أما أنهم يحشرون على نجايب من نور، أو ركائب من نور أو نحو ذلك، فلم يرد فيه حديث صحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، جاء هذا في بعض الآثار ولكن مثل هذا يتوقف قبوله على النقل عن المعصوم -عليه الصلاة والسلام-.

وبعضهم يقول: يحشرون على النوق، وبعضهم يقول: آثار متعددة وردت عن السلف، ولا يوجد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- دليل صحيح بما أعلم على شيء من ذلك.

وقول ابن كثير -رحمه الله-: "وأما المجرمون المكذبون للرسل المخالفون له فإنهم يساقون عنفاً إلى النار"، وأهل الإيمان وهم قادمون على خير موفودٍ إليه، إلى دار كرامته ورضوان، قال القرطبي -رحمه الله-: بأنه ليس المقصود من قبورهم إلى أرض المحشر، وإنما إلى الجنة أو إلى النار.

كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض، كما قال تعالى مخبراً عنهم: {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} [سورة الشعراء:100-101].

وقوله: {إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً} هذا استثناء منقطع بمعنى لكن من اتخذ عند الرحمن عهداً، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بحقها، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- {إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً} قال: العهد شهادة أن لا إله إلا الله، ويبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله -عز وجل-.

قوله -تبارك وتعالى-: {لاّ يَمْلِكُونَ الشّفَاعَةَ}، {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} [سورة مريم:86]، فمن أعاد الضمير في قوله: {لاّ يَمْلِكُونَ الشّفَاعَةَ} على المجرمين باعتبار أنهم آخر مذكور، والضمير يرجع إلى أقرب مذكور، فإنه يعد من قبيل الاستثناء المنقطع، وعرفنا أن الاستثناء المنقطع هو ما كان المستثنى فيه من غير جنس المستثنى منه، فقوله: {لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} فإذا فسر العهد بلا إله إلا الله، أو العهد بأن الله -عز وجل- أعطاهم ذلك، وهذا غير موجود فلا يوجد منهم أحد يتحقق هذا الشرط، فإن هذا الاستثناء يكون من قبيل الاستثناء المنقطع بهذا الاعتبار.

وقوله: {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} يحتمل أن يكون الضمير في قوله: {لاّ يَمْلِكُونَ الشّفَاعَةَ} عائد إلى الجميع، فالله ذكر الطائفتين، ذكر المتقين وذكر والمجرمين، ثم قال: {لاّ يَمْلِكُونَ الشّفَاعَةَ}؛ لأن الشفاعة إنما يملكها الله {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [سورة الزمر:44]، والله -تبارك وتعالى- يقول: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [سورة البقرة:255]، {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [سورة الأنبياء:28]، وبهذا الاعتبار يكون الاستثناء من قبيل المتصل، لا يملكونا الشفاعة لا أهل الإيمان، ولا هؤلاء من المجرمين إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا، وذلك إذا فسر بلا إله إلا الله يكون يصدق على أهل الإيمان، فيكون: إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا، ويكون بهذا الاعتبار الاستثناء متصل، فهو يخرج بعض الأفراد من المستثنى منه، لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، أو الإيمان، أو العهد بذلك، فيكون متصلاً -والله أعلم-، وكل واحد من هذين القولين يوجد من كتاب الله -عز وجل- ما يشهد له.

{وَقَالُواْ اتّخَذَ الرّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السّمَاوَاتُ يَتَفَطّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقّ الأرْضُ وَتَخِرّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرّحْمَنِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِي لِلرّحْمَنِ أَن يَتّخِذَ وَلَداً * إِن كُلّ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلاّ آتِي الرّحْمَنِ عَبْداً* لّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدّهُمْ عَدّاً * وَكُلّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً} [سورة مريم:88-95].

لما قرر تعالى في هذه السورة الشريفة عبودية عيسى -عليه السلام- وذكر خلقه من مريم بلا أب، شرع في مقام الإنكار على من زعم أن له ولداً، تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علواً كبيراً، فقال: {وَقَالُواْ اتّخَذَ الرّحْمَنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ} أي: في قولكم هذا، {شَيْئاً إِدّاً} قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- ومجاهد وقتادة ومالك: أي عظيماً.

ويقال إداً بكسر الهمزة وفتحها، ومع مدها أيضاً ثلاث لغات أشهرها الأولى.

الإد معناها الشيء الهائل العظيم، الفضيع الشنيع.

وقوله: {تَكَادُ السّمَاوَاتُ يَتَفَطّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقّ الأرْضُ وَتَخِرّ الْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرّحْمَنِ وَلَداً} أي يكاد ذلك عند سماعهن هذه المقالة من فجرة بني آدم إعظاماً للرب وإجلالاً، لأنهن مخلوقات ومؤسسات على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا شريك له ولا نظير له، ولا ولد له، ولا صاحبة له، ولا كفء له، بل هو الأحد الصمد.

قوله: {تَكَادُ السّمَاوَاتُ يَتَفَطّرْنَ} كما قال الله تعالى: {السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ} [سورة المزمل:18]، ويقول: {إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ} [سورة الانشقاق:1]، والتفطر هو الانشقاق، وقال الله تعالى: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا}، تخر الجبال هدا بمعنى أنها تتكسر، وتتحطم، وتتهشم، ويسقط بعضها على بعض، يعني أن أجزاء الجبل تتساقط على بعضها فيقال: إنهد.

روى ابن جرير عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- في قوله: {تَكَادُ السّمَاوَاتُ يَتَفَطّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقّ الأرْضُ وَتَخِرّ الْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرّحْمَنِ وَلَداً} قال: إن الشرك فزعت منه السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين، وكادت أن تزول منه لعظمة الله، وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك، كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله، فمن قالها عند موته وجبت له الجنة))، فقالوا: يا رسول الله فمن قالها في صحته؟ قال: ((تلك أوجب وأوجب))، ثم قال: ((والذي نفسي بيده لو جيء بالسموات والأرضين وما فيهن وما بينهن وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، لرجحت بهن))([2]) هكذا رواه ابن جرير، ويشهد له حديث البطاقة، -والله أعلم-.

هذا يشهد له الجزء الأخير، وأما قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لقنوا موتاكم شهادة لا إله إلا الله))، فلأحاديث التي جاءت ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة))([3])، وقوله -تبارك وتعالى-: {أَن دَعَوْا لِلرّحْمَنِ وَلَداً}، أن دعوا يحتمل معنيين، أن يكون الدعاء بمعنى التسمية، يعني سمى له ولدا، كما يقال فلان يدعى بزيد، يعني يسمى، ويحتمل أن يكون الدعاء بمعنى النسبة {دَعَوْا لِلرّحْمَنِ وَلَداً} أي: نسبوا إليه ولدا.

وقال الضحاك: {تَكَادُ السّمَاوَاتُ يَتَفَطّرْنَ مِنْهُ} أي يتشققن فرقاً من عظمة الله، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {وَتَنشَقّ الأرْضُ}، أي: غضباً له -عز وجل-، {وَتَخِرّ الْجِبَالُ هَدّاً}، قال ابن عباس: هدماً، وقال سعيد بن جبير: هداً ينكسر بعضها على بعض متتابعات.

وروى الإمام أحمد عن أبي موسى -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنه يشرك به، ويجعل له ولدا، وهو يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم))([4]) أخرجاه في الصحيحين.

وفي لفظ "أنهم يجعلون له ولداً وهو يرزقهم ويعافيهم"، وقوله: {وَمَا يَنبَغِي لِلرّحْمَنِ أَن يَتّخِذَ وَلَداً} أي: لا يصلح له ولا يليق به لجلاله وعظمته، لأنه لا كفء له من خلقه، لأن جميع الخلائق عبيد له، ولهذا قال: {إِن كُلّ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلاّ آتِي الرّحْمَنِ عَبْداً لّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدّهُمْ عَدّاً} أي قد علم عددهم منذ خلقهم إلى يوم القيامة، ذكرهم وأنثاهم، صغيرهم وكبيرهم، {وَكُلّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً} أي: لا ناصر له ولا مجير إلا الله وحده لا شريك له، فيحكم في خلقه بما يشاء وهو العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة، ولا يظلم أحداً.

{إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرّحْمَنُ وُدّاً * فَإِنّمَا يَسّرْنَاهُ بِلَسَانِكَ لِتُبَشّرَ بِهِ الْمُتّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لّدّاً * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسّ مِنْهُمْ مّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} [سورة مريم:96-98]،

يخبر تعالى أنه يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات، وهي الأعمال التي ترضي الله -عز وجل- لمتابعتها الشريعة المحمدية - يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين محبة ومودة.

قال: "لمتابعتها الشريعة المحمدية"، بعض الناس يقولون: إن قول بأن الشريعة المحمدية لفظ محدث، وما أشبه ذلك، استعمله بعض الناس المعاصرين وهذا ليس صحيحاً، هذا لم يرد في نصوص الكتاب والسنة لكن ليس بممنوع، استعمله العلماء كابن كثير -رحمه الله-، وليس في ذلك مضاهاة للنصارى بتسمية دينهم بالمسيحية، فلا إشكال في القول: المحمدية.

وهذا أمر لا بد منه ولا محيد عنه، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من غير وجه، روى الإمام أحمد عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل، فقال: ((يا جبريل، إني أحب فلاناً فأحبه، قال: فيحبه جبريل، قال: ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، قال: فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإن الله إذا أبغض عبداً دعا جبريل فقال: يا جبريل إني أبغض فلاناً فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، قال: فيبغضه أهل السماء، ثم يوضع له البغضاء في الأرض))([5]). ورواه البخاري ومسلم بنحوه.

روى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: إني قد أحببت فلاناً فأحبه، فينادي في السماء، ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض، فذلك قول الله -عز وجل-: {إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرّحْمَنُ وُدّاً}))([6])، رواه مسلم والترمذي، وقال الترمذي: حسن صحيح.

المعنى بهذا التفسير النبوي وهو ما يجعله الله -عز وجل- في قلوب العباد من محبة أهل الإيمان والأعمال الصالحة، وهو أحد المعنيين في تفسير قوله -تبارك وتعالى- عن موسى -عليه الصلاة والسلام-، {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي} [سورة طه:39]، فإن من السلف من فسره بأنه إذا رآه أحد أحبه، ما رآه أحد إلا أحبه، فهذا هو المعنى في هذه الآية التي في آخر هذه السورة الكريمة، ويمكن أن يقال: بأن الحكم معلق على وصف يزيد بزيادة وينقص بنقصانه.

وقوله: {إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرّحْمَنُ وُدّاً}، فبقدر إيمانهم وأعمالهم الصالحة يكون لهم من المحبة والقبول في قلوب الخلق، وهذا شيء مشاهد فمن الناس من إذا رأيته أحببته وأنت لا تعرفه، ومن الناس إذا رأيته انقبض قلبك منهم وأنت لا تعرفهم ولا تعرف عملهم، وتنفر منهم قلوب الخلق، ويحصل لهم المقت.

وقوله: {فَإِنّمَا يَسّرْنَاهُ} يعني القرآن، {بِلَسَانِكَ} أي: يا محمد وهو اللسان العربي المبين الفصيح الكامل، {لِتُبَشّرَ بِهِ الْمُتّقِينَ} أي: المستجيبين لله، المصدقين لرسوله، {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لّدّاً} أي عوجاً عن الحق مائلين إلى الباطل.

اللد جمع الألد، والألد هو الشديد الخصومة، إن الله يبغض الألد الخصم، يعني شديد الخصومة.

وقوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ} أي: من أمة كفروا بآيات الله وكذبوا رسله، {هَلْ تُحِسّ مِنْهُمْ مّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} أي هل ترى منهم أحداً أو تسمع لهم ركزاً، وقال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- وأبو العالية وعكرمة والحسن البصري وسعيد بن جبير والضحاك وابن زيد: يعني صوتاً، وقال الحسن وقتادة: هل ترى عيناً أو تسمع صوتاً، والركز في أصل اللغة هو الصوت الخفي.

الركاز وهو الكنز الذي يكون من دفن الجاهلية؛ سمي بذلك لأنه مستور ومدفون بباطن الأرض، وقوله: {هَلْ تُحِسّ مِنْهُمْ مّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} يعنى أنهم ذهبوا واضمحلوا، فلا تسمعوا لهم حركة أو صوتاً، ولا ترى منهم أحداً، قال الله: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} [سورة الفجر:9-12]، هل تسمع لهم حركة، أو ترى منهم أحداً، كلهم أفناهم الله -عز وجل-، وأهلكهم، ولم يبق لهم باقية.

 

فائدة:

قوله: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} [سورة مريم:78]، ليس فيه استثناء، وإنما ذلك بطريق الرد عليه بما يسميه المنطقيون بالشرطي المنفصل، بمعنى أنه يقول: هل اطلع الغيب أو اتخذ عند الرحمن عهدا، لكنه لم يطلع على الغيب، ولم يتخذ عند الرحمن عهدا، فهو مسلوب ذلك، ولم يحصل له ما قال.

فائدة:

الانتساب إلى السلف بأن يقال: فلان سلفي فإن النسبة هذه تارة تقال باعتبار المدة الزمنية، وهي القرون الثلاثة التي ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- فضلها، فهذا لا يمكن لأحد جاء بعدهم أن ينتسب إليهم بهذا الاعتبار، فهي مدة زمنية انتهت، والاعتبار الآخر أن يكون الانتساب باعتبار الاتباع فهذا لا إشكال فيه، بشرط ألا يكون ذلك على سبيل التعصب والتحزب، فإن هذا لا يجوز، يعني حتى الألقاب الشرعية إذا قيلت على سبيل التعصب وتفريق الأمة، فإن هذا محرم، ولما قال الرجل: يا معشر المهاجرين وقال الآخر: يا معشر الأنصار، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((أبدعوا الجاهلية وأنا بين أظهركم))([7])، فهذا مع أنها ألقاب شرعية أثنى الله -عز وجل- عليها في كتابه، ومع ذلك صارت مذمومة لمَّا استعملت على سبيل التعصب والتحزب، فيفرق بين الناس وبين الأمة، ويولد بينهم الشحناء، والبغضاء، والعداوة، بسبب هذه التعصبات.

 


 

[1]- رواه البخاري، كتاب التفسير، باب {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا}، برقم (3263)، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة، برقم (2860)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

[2] - رواه الطبراني في المعجم الكبير برقم (13024)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وابن جرير الطبري في تفسيره (18/258)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (515).

[3] - رواه أبو داود، كتاب الجنائز، باب في التلقين، برقم (3116)، وأحمد في المسند، (36/363)، برقم (22034)، وقال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد حسن، والحاكم في المستدرك برقم (1299)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، كلهم من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (6479).

[4] - رواه البخاري، كتاب الأدب، باب الصبر على الأذى، برقم (5748)، ومسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب لا أحد أصبر على أذى من الله عز وجل، برقم (2804)، وأحمد في المسند (32/292)، برقم (19527)، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين، واللفظ لمسلم وأحمد.

[5] - رواه أحمد في المسند (15/205)، برقم (9352)، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط مسلم، والبخاري بمعناه، كتاب الأدب، باب المقة من الله تعالى، برقم (5693)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده، برقم(2637).

[6] - رواه البخاري بالفظ: ((إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في أهل الأرض))، كتاب الأدب، باب المقت من الله تعالى، برقم (5693)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أحب الله عبداً حببه إلى عباده، برقم(2637)، والترمذي، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ومن سورة مريم، برقم (3161)

[7] - رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب نصر الأخ ظالماً أو مظلوماً، برقم (2584)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، ولفظه: اقتتل غلامان غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار، فنادى المهاجر أو المهاجرون يال المهاجرين، ونادى الأنصاري يال الأنصار، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((ما هذا، دعوى أهل الجاهلية؟))، قالوا: لا يا رسول الله إلا أن غلامين اقتتلا، فكسع أحدهما الآخر، قال: ((فلا بأس، ولينصر الرجل أخاه ظالماً أو مظلوماً، إن كان ظالماً فلينهه، فإنه له نصر، وإن كان مظلوماً فلينصره)).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 1
teleqram
trees
about