استعرض النسخة الجديدة من الموقع
[11] من قوله تعالى"فلما جاوزا قال لفته" الآية 62 إلى قوله تعالى"حتى أحدث لك منه ذكرا" الآية 70
عدد الزوار : 5237
تاريخ الإضافة : 18 ربيع الأول 1429
MP3 : 7817 kb
PDF : 117 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة الكهف (11)

من قوله تعالى"فلما جاوزا قال لفته" الآية 62 إلى قوله تعالى"حتى أحدث لك منه ذكرا" الآية 70

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

قال المصنف -رحمه الله تعالى-: روى البخاري([1]) عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر -عليه السلام- ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل، قال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثنا أبيّ بن كعب -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل فسئل: أي الناس أعلم ؟ قال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا رب وكيف لي به ؟ قال: تأخذ معك حوتاً فتجعله بمِكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثمه، فأخذ حوتاً فجعله بمكتل، ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون -عليه السلام- حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما فناما، واضطرب الحوت في المِكتل، فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: {آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [سورة الكهف: (62)].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذه الرواية في صحيح البخاري وقد جاءت روايات متعددة في خبر موسى -عليه الصلاة والسلام- مع الخضر تبين السبب الذي من أجله ذهب موسى -عليه الصلاة والسلام- يطلبه، وكذلك هي تبين أن الذي وقع له ذلك هو موسى -عليه الصلاة والسلام- النبي المعروف الكريم وليس برجل آخر يسمى بهذا الاسم كما يزعم بعض الإسرائيليين.

وقوله: (( فخرج منه فسقط في البحر، فاتخذ سبيله في البحر سربا، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق ))، أي: يعني مثل الكوة التي تكون في الجدار، مثل النفق، أو السرب، فبقي الماء ثابتاً وصار مكان دخول الحوت كالجحر، يُشاهَد ويُعرَف مكان الدخول.

قوله: (( فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: {آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} )).

لم يجد موسى النَّصَب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به، ولهذا قال بعض أهل التفسير: {لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} يعني: الذي كان بعد الاستراحة، ولم يجد هذا النصَب في أول سفره.

((ولم يجد موسى النَّصَب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به، قال له فتاه: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً} [سورة الكهف (63)]، قال: فكان للحوت سرباً، ولموسى وفتاه عجباً، فقال: {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً} [سورة الكهف: (64)] )).

قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((فكان للحوت سرباً، ولموسى وفتاه عجباً))، وهذا يدل على أن قوله: {وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً} يحتمل أن يكون هذا من الموصول لفظا المفصول معنى، يعني قوله: {وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً} من كلام يوشع -عليه السلام.

ويحتمل أن يكون المعنى {وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} [سورة الكهف: (63)]، وانتهى {وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً} يكون من كلام الله.

فقال: {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً} [سورة الكهف: (64)] قال: فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجّى بثوب، فسلم عليه موسى فقال الخضرُ: وأنَّى بأرضك السلام! فقال: أنا موسى، فقال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال أتيتك لتعلمني مما عُلمت رشداً، {قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} [سورة الكهف: (67)]، يا موسى، إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه، فقال موسى: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً} [سورة الكهف: (69)].

قوله: ((يا موسى، إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه)) هذا من الأدلة على أن الخضر كان نبيا، وهذا القول نسبه بعضهم للجمهور، وعلى كل حال المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، ولكن النبوة لا تثبت بالاحتمال.

قال له الخضر: {فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً}، فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نَوْل.

بغير نوْل يعني بغير أجرة.

فحملوهم بغير نَول، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى.

القدوم يعني الآلة المعروفة، لازلنا نسميها قدوماً.

فقال له موسى: قد حملونا بغير نَوْل فعمدتَ إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟ لقد جئت شيئاً إمراً {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً}، قال: وقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((فكانت الأولى من موسى نسياناً)).

قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((فكانت الأولى من موسى نسياناً)) يرد على قول طائفة من المفسرين أن موسى -عليه الصلاة والسلام- قال: {لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} اعتراضاً عليه بمعنى أنه يقول: ما نسيت، يعني: بما تركتُ من موافقتك، فإن النسيان يأتي كما هو معروف لمعنيين:

المعنى الأول: الذهول عن المعلوم.

المعنى الثاني: الذي هو الترك {نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ} [سورة الحشر: (19)]، {كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا} [سورة طـه: (126)]، يعني: تركتها، فالنسيان يأتي بمعنى الترك، فبعض المفسرين يقول: إنه قال له: {لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} [سورة الكهف: (73)] يعني: بما تركتُ من موافقتك وعارضتك به، فلا تؤاخذني به، مع أن هذا القول يخالف ما حصل الاتفاق عليه في أول الأمر {فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} [سورة الكهف: (70)]، وقال له: {سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} [سورة الكهف: (69)]، فكيف يقول له فيما بعد: {لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ}، يعني: لا تؤاخذني بما تركت من طاعتك وعدم معارضتك؟، فهذا بعيد، بل هو غير صحيح، ويدل على أنه غير صحيح، ما جاء في الحديث هنا: ((فكانت الأولى من موسى نسياناً)).

((قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة أو نقرتين فقال له الخضر: ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه بيده فقتله)).

قوله: ((إذ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان))، هذا يرد على قول من قال من المفسرين بأن الغلام المقصود به رجل كبير، ومن المعلوم أن الغلام في لغة العرب قد يطلق على الكبير لسبب من الأسباب: إما لضعف عقله فيكون مثل الغلام، أو لضعف شأنه كأن يكون خادماً، يقال: غلام لبني النجار، غلام لبني فلان، وقد يقال له ذلك تحقيراً لشأنه، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((هلاك أمتي على يد أُغيلمة من قريش))([2])، فهم ليسوا أطفالاً، وقد ذهب طائفة من أهل العلم في تفسير هذا الحديث إلى أنهم يزيد بن معاوية وأمثاله.

فالشاهد أن الغلام يطلق على الكبير أحياناً لسبب من الأسباب، والذي حمل من قال إن الغلام الذي قتله الخضر كان كبيرا أنه كيف يقتل هذا الغلام البريء ولم يصدر منه ما يوجب القتل، فقالوا: الغلام هو الكبير، أي أنه رجل فسماه غلاماً، لكن هذا بعيد من وجهين:

الأول: أنه قال في الحديث: ((وجد غلاماً يلعب مع الغلمان)) فهذه قرينة واضحة تدل على أنه صبي.

الثاني: أنه قال له: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا} [سورة الكهف: (74)]، والنفس الزكية أي: الطاهرة من الذنوب.

وقال بعض أهل العلم: إن الغلام يطلق على ما قبل البلوغ، يعني ما لم يبلغ يقال له غلام، فمن كان مميزاً فإنه يكون مكلفاً بالإيمان والتوحيد دون تفاصيل الشريعة، لكن يكون مكلفاً بالتوحيد؛ لأنه يميز، وقالوا: إنه إذا وقع منه ردة –أي من المميز- فإنه يحكم عليه بمقتضى ذلك، ولا يعاقب بالقتل، لكن يزجر فيمكن أن يعزر، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((واضربوهم عليها لعشر))([3])، فيضرب على ترك الصلاة، فكيف بما هو أعظم من ذلك، فلو أنه صرح بالكفر أو بسب الله -عز وجل-، أو بنحو ذلك، أو قال: إنه يهودي أو نصراني، فبعض أهل العلم يقول: هو مكلف بالتوحيد فوقع عليه ما وقع من الخضر، فلم يبلغ الغلام، ولكنه مكلف بالتوحيد.

وقال بعض أهل العلم: إنه ليس مكلفاً في شريعتنا، ولكن قد يكون التكليف في شرع من قبلنا بالتمييز، وهذه المسألة تتعلق بقضية وهي: هل يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه أو لا؟.

وقد تقدمت هذه المسألة في درس عمدة الأحكام في الكلام على حديث أبي سفيان لما قالت هند –رضي الله عنها– ((إن أبا سفيان رجل شحيح))([4])، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يستفصل منه، ولم يسأله، ولم يطالب بالبينة.

وقد جاء عند البخاري من حديث أم سلمة -رضي الله عنها-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:    (( إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيتُ له بحق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار ))([5]).

ولهذا لما جاء نافع بن الأزرق -وهو من كبار الخوارج- وسأل ابن عباس –رضي الله عنهما- عن قتل الغلمان، فقال له ابن عباس: إن كنت كالخضر تعلم المؤمن من الكافر فاقتله.

فقال له موسى: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا} [سورة الكهف: (74-75)]، قال: وهذه أشد من الأولى، {قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي}، [سورة الكهف: (76)].

أشد من الأولى باعتبار الزيادة؛ لأن زيادة المبنى بزيادة المعنى، ففي الأولى قال له:  {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [سورة الكهف: (72)]، وفي الثانية قال له: {أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا}  [سورة الكهف: (75)]، فهذا فيه زيادة في المعاتبة.

{قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ}، [سورة الكهف: (76- 77)]، أي: مائلاً، فقال الخضر بيده {فَأَقَامَهُ}، فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا، {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً}.

قوله: فقال الخضر بيده فأقامه، هذه الأشياء يحتاج إليها؛ لأن المفسرين منهم من يقول: هدمه ثم بناه، وبعضهم يقول: قال به بيده فكان ذلك على سبيل الأمر الخارق للعادة، أي: أمر معجز، وكرامة من الله      -عز وجل- للخضر بدون هدم الجدار المائل؛ لأنه لا يمكن أن يقام الجدار المائل باليد بدون هدم.

ولا نستشكل كلمة "قال"؛ لأن "قال" لا تأتي بمعنى القول فقط باللسان، وإنما تأتي بحركة طرف من أطراف الإنسان، كأن تقول: قال بيده، وقال بثوبه، وقال برجله، وقال برأسه، وقال بالسيف.

 

ولما ذكر ابن جرير -رحمه الله- القولين، قال: وجائز أن يكون  كذا وجائز أن يكون كذا، كأنه يقول: ليس عندنا ما يدل على أنه هدمه ثم بناه، أو أنه أقامه بيده، كل هذا احتمال، لكن هذا الحديث يدل على أنه لم يهدمه، والقضية قد لا تكون ذات أهمية كبيرة، لكن فيها فائدتان:

الفائدة الأولى: كيف نتبين ضعف بعض الأقوال ؟ فقد كانت مخالفة للحديث.

الفائدة الثانية: أن هذا أيضاً فيه معجزة، وخوارق عادات من الممكن أن يحتج بها من يقول: إنه نبي، فضلاً عن كونه عرف أصلاً أن هذا تحته كنز، وخوارق العادات لا تختص بالأنبياء كما هو معروف، واصطلاح المتأخرين على تسمية ما وقع من ذلك للأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- بالمعجزات، وما وقع لأتباعهم بكرامات الأولياء، وكل ذلك في لغة الكتاب والسنة يقال له الآيات، والبينات، وآيات الأنبياء، والسلف يقولون: آيات الأنبياء، ويعبر عنه بدلائل النبوة، ثم صار المتأخرون يفرقون ولا مشاحّة في الاصطلاح، فما وقع لنبي فهو معجزة وما وقع لتابع نبي فهو كرامة، وكرامات الأولياء معجزات للأنبياء.

{قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} [سورة الكهف: (78)]، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما)).

قال سعيد بن جبير -رضي الله عنه-: كان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقرأ: {وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً}، وكان يقرأ: {وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنيْن}.

هذه القراءات توضح إشكالاً، فمن قرأ لأول وهلة قوله –تبارك وتعالى-: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [سورة الكهف: (79)]، فقد يقول: وما أثر عيب السفينة فيما ذكر، فالملك سيأخذ السفينة غصبا، سواء كانت صالحة أو معيبة، فهذه القراءة تبين المراد أنه لم يكن يأخذ المعيبة وإنما يأخذ الصالحة فقط، ومن خلال القراءة المتواترة لا يتبين هذا المعنى، فيُرَدّ السؤال والإشكال بقراءة ابن عباس -رضي الله عنهما.

قوله: {فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [سورة الكهف: (80)]، يعني: أنه طُبع كافراً، وقال بعض أهل العلم: إن الإنسان يكون مكلفا بالتوحيد قبل البلوغ، وهذا الغلام كان كافرا بالتوحيد.

ثم رواه البخاري([6]) نحوه وفيه: فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون ومعهما الحوت، حتى انتهيا إلى الصخرة فنزلا عندها، قال: فوضع موسى رأسه فنام، قال: وفي أصل الصخرة عين يقال لها الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا حيي، فأصاب الحوت من ماء تلك العين، فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر، فلما استيقظ قال موسى لفتاه: {آتِنَا غَدَاءَنَا}، قال: وساق الحديث، ووقع عصفور على حرف السفينة، فغمس منقاره في البحر، فقال الخضر لموسى: ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره وذكر تمامه بنحوه.

حرف الشيء أي طرفه، فحرف السفينة طرفها.

{قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} [سورة الكهف: (66-70)]، يخبر تعالى عن قيل موسى -عليه السلام- لذلك الرجل العالم وهو الخضر، الذي خصه الله بعلم لم يطلع عليه موسى، كما أنه أعطى موسى من العلم ما لم يعطه الخضر، {قَالَ لَهُ مُوسَىَ هَلْ أَتّبِعُكَ}، سؤال تلطف لا على وجه الإلزام والإجبار، وهكذا ينبغي أن يكون سؤال المتعلم من العالم، وقوله: {أَتّبِعُكَ}، أي: أصحبك وأرافقك، {عَلَىَ أَن تُعَلّمَنِ مِمّا عُلّمْتَ رُشْداً}، أي: مما علمك الله شيئاً أسترشد به في أمري من علم نافع وعمل صالح، فعندها {قَالَ} الخضر لموسى: {إِنّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}، أي: إنك لا تقدر على مصاحبتي لما ترى مني من الأفعال التي تخالف شريعتك؛ لأني على علم من علم الله ما علمكه الله، وأنت على علم من علم الله ما علمنيه الله، فكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه وأنت لا تقدر على صحبتي، {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىَ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً}، فأنا أعرف أنك ستنكر علي ما أنت معذور فيه، ولكن ما اطلعتَ على حكمته ومصلحته الباطنة التي اطلعتُ أنا عليها دونك.

وجه التلطف الذي أشار إليه ابن كثير -رحمه الله- أنه جاء بأسلوب العرض {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [سورة الكهف: (66)]، فلم يقل علمْنِي، وهذا من الأدب الكامل، ومن أدب الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- ونظائره في القرآن موجودة، فلو تتبعت أخبار الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام– وما قصه الله علينا من قصصهم تجد أشياء من الأدب الجم الرفيع، بخلاف أولئك الذين جاءوا إلى داود      -عليه الصلاة والسلام- {إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} [سورة ص: (21)] فلم يدخلوا من الباب وإنما تسوروا في وقت خلوته وعبادته، فأفزعوه وأخافوه، ولم يكتفوا بهذا بل قالوا له: {خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ} [سورة ص: (22)] بأسلوب الأمر {فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ}، ولم يكتفوا بهذا –أيضاً- بل قالوا: {وَلَا تُشْطِطْ} فكأنهم يلقنونه ويعلمونه كيف يحكم وهو ملك ونبي، فلا دخول بوجه صحيح، ولا أسلوب صحيح.

قوله –تبارك وتعالى-: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [سورة الكهف: (67)]، أي: لا تقدر على مصاحبتي لما ترى مني من الأفعال التي تخالف شريعتك.

وقد أقامت الصوفية هذه القضية وأقعدتها، وملئوا الدواوين في الكلام على العلم اللدنّي، وأن من وصل إلى العلم اللدني والمعرفة ونحو ذلك فإنه يستغني عن الشريعة، فإن الشرائع لأهل الظواهر وهم الذين لم ينكشف عنهم الحجاب فيخاطبون بهذا، وقد جاءوا بهذا القول من الفلاسفة الذين يقولون: إن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- إنما جاءوا بهذه الأشياء التي جاءوا بها من أجل ضبط الناس؛ لأن العوام مثل البهائم لا يحصل لهم الانضباط إلا بالترغيب والترهيب، فهم لا يعتقدون صدق نبوة الأنبياء، ويعتقدون أن هذا لا حقيقة له، فتأثر من تأثر بذلك من أهل التصوف، ومعروف أن أهل التصوف على فريقين: منهم ما يُعرف بالتصوف الفلسفي أمثال ابن سبعين، والحلاج، والطائفة الذين هم الصوفية أهل السلوك فقط الذي يسمون بأصحاب التفسير الإشاري والتصوف العملي.

فالشاهد أن الصوفية يقولون لنا : تأخذون علمكم عن ميت عن ميت، حدثنا فلان عن فلان عن فلان، أما نحن فنأخذ علمنا عن الحي الذي لا يموت مباشرة، ولهذا كانوا يتقللون من الطعام ويُجوّعون أنفسهم من أجل الصفاء، فإذا حصل له هذا –بزعمهم- خلوة وانقطاع عن الناس مع الجوع والذكر حصل له الكشف، فتكشف له، ولهذا يأتون بأشياء ويصدقون أشياء من العجائب والغرائب، يقول لك: أهل الظاهر يحجبهم الحجاب الكثيف الغليظ لما على قلوبهم من الأدناس والأدران بحيث لا يرون الحقائق كما هي، ولذلك يقوم واحد من كبارهم ومن معظميهم أمثال ابن عربي يوم الجمعة في المسجد ويرفع ثوبه، ويخرج عورته، ويبول أمام الناس في المسجد ثم يخرج، فإذا أنكر ذلك منكر قالوا له: أنت تنكر ماذا ؟ أنت تنكر فيما يظهر لك أنه يبول لكن في باطن الأمر ليس كذلك، وكان بعضهم كما هو معروف يقع على البهيمة في الشارع ويفجر بالحمار، ويقولون: هو في الظاهر يتراءى أمامك الآن أنه يفجر بالحمار، لكنه في الواقع ليس كذلك، فأفسدوا فساداً عظيماً، ودخلت الباطنية وجاءوا بما هو أدهى وأمر، وفسروا الشريعة بأمور من الرموز والأشياء التي ما أنزل الله بها من سلطان هي غاية الكفر والضلال وقالوا: إن الظواهر -ظواهر النصوص- هذه للعامة، والبواطن لأهل الحقيقة، فصارهناك أهل حقيقة، وأهل شريعة.

فالشاهد أن الصوفية قالوا: هذا علم لدنّي لم يتفق مع شريعة موسى فشريعة موسى تحكم بالظواهر، والخضر عنده علم الباطن وعلم الحقيقة، فهم يقولون: نحن عندنا من علم الحقيقة ما ليس عند أهل الشريعة، فالفقهاء هم أهل الشريعة يحكمون على أفعال الناس: صلاة هذا صحت، طهارته، وهذا لم تصح صلاته، أما نحن عندنا علم الحقيقة، هذا زعمهم وقولهم الباطل، ولهذا بعض الغلاة منهم يصل به الأمر إلى ترك الصلاة والتكاليف باعتبار أنه وصل إلى مرحلة تسقط عنه هذه الأحكام الشرعية؛ لأنه إنما جيء بها من أجل هؤلاء العامة لما يحول بينهم وبين المعرفة والحقيقة من الحجب الكثيفة الغليظة، فإذا حصل الصفاء حصل الكشف.

فهذه أشياء تلقيت من النصارى، والنصارى تأثروا بها من فلاسفة، وأشياء أخذوها من أهل بعض الديانات الشرقية في الهند.

يذكر في ترجمة بوذا، ويزعم أتباعه أنه كان يأكل في اليوم حبة واحدة من الأرز فقط من أجل أن يحصل له الصفاء، والكشف والمعرفة، يقولون: كان يمشي وجلس تحت شجرة وبينما هو كذلك إذ كشف له عن الحقيقة، وهذا الكلام مثل كلام الصوفية.

وهذه الأشياء في الواقع قد تحصل له لكن ليست هي الكشف الذي يقولون وإنما لون من الهلوسة والخيالات، ومعروف عند الأطباء أن شدة الجوع، أو الذي يُجوّع نفسه، أو الذين يعملون رجيماً حاداً يحصل لهم من الخيالات الشيء الغريب الهائل، حتى لربما يحصل لهم خوف وقلق وانزعاج، ويتبدى لهم أمور أنهم لربما في خطر، أو يواجهون أموراً لا يدري الواحد منهم ما هي، أو أنه سيموت وأن حياته مهددة، يشعر هكذا بانزعاج وقلق وخوف، وقد رأيت بعض هؤلاء بشكل مذهل مما يعيشه من الخيالات والمخاوف التي لا حقيقة لها، والسبب هو الجوع والرجيم.

{قَالَ}، أي: موسى {سَتَجِدُنِيَ إِن شَاءَ اللّهُ صَابِراً} [سورة الكهف: (69)]، أي: على ما أرى من أمورك، {وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً}، أي: ولا أخالفك في شيء فعند ذلك شارطه الخضر -عليه السلام- {قَالَ فَإِنِ اتّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ}، [سورة الكهف: (70)] أي: ابتداءً {حَتّىَ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً}، أي: حتى أبدأك أنا به قبل أن تسألني.

قوله: {سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} [سورة الكهف: (69)] ، يذكّر بالأدب الذي ذكره الله -عز وجل- في أول السورة {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ} [سورة الكهف: (23-24)]، وهذا على جلالة قدر موسى –عليه السلام- وعظم مكانته وقوة شخصيته -عليه الصلاة والسلام-، فقد قال في مقام التعلم: {سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا}.

وقد يقول قائل: هذه الرحلة الطويلة المضنية، ما هي العلوم التي رجع بها موسى -عليه الصلاة والسلام؟ فهل اكتفى موسى بمعرفته سبب خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار؟

نقول قد تعلم الشيء الكثير، ومن المعلوم أن أهل العلم يقولون: لو سافر الإنسان من أجل مسألة إلى الصين  كان ذلك.

واستفاد موسى –عليه الصلاة والسلام– الأدب الذي أدبه الله -عز وجل- به وهو أن يضيف العلم إلى الله؛ لأن سبب القضية أنه قال: أنا أعلم، فهذه الواحدة تكفي.

والناظر لأول وهلة لربما يرى بعض الأمور التي ينزعج منها ويقلق، ثم ينكشف الغيب بعد ذلك عن أمور ما كانت تخطر له على بال، فما يقع لموسى -عليه الصلاة والسلام- مع قومه، وما وقع للنبي -صلى الله عليه وسلم- من التكذيب والأذى وما إلى ذلك من هذه الأمور، وما يُمتَّع به هؤلاء الذين يكذبون ويحاربون الأنبياء     -عليهم الصلاة والسلام- وما يرى ما هم فيه من التمكين أو نحو ذلك مما تنزعج له القلوب أحياناً ويقلق له الإنسان، لكن ذلك ليس هو نهاية المطاف، هذا أمر يتبدئ الآن، ولكن ليست العبرة به، العبرة مما سيكون بعده.

فهذا التمتيع الذي يحصل لهم هو شيء مؤقت لكن العبرة بما يعقبه، فما يشاهده الإنسان من أمور مقلقة ليس العبرة فيها بما يجري في لحظته وساعته، وإنما العبرة بما ينتج عن ذلك ويحصل بعده، فهذه يحتاج إليها من يدعو إلى الله، ومن يعلّم الناس ومن يربيهم، فلا يحصل له جزع ولا انقطاع ولا يضيق صدره بما يمكرون ونحو ذلك، فقصة موسى –عليه الصلاة والسلام– والخضر فيها من الدروس الكبيرة التي تروض النفس على الصبر والتحمل والنظر إلى العواقب، وأن لا يغتر الإنسان بما يحصل من قِبل أعداء الرسل –عليهم الصلاة والسلام.

وإذا حصل من الإنسان خطأ أو انحراف أو تقصير فليس هو النهاية، فقد يكون هذا الإنسان ولياً من أولياء الله فيما بعد فلا تيأس منه، ولا تبتر هذا الإنسان بتراً، أو تتعامل معه معاملة من يبتره ومن يقطعه، فقد يفتح الله –عز وجل– على قلبه، كما قال الله تعالى: {عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [سورة الممتحنة: (7)] فصار هؤلاء مجاهدين وقادة وأئمة هدى كما هو معلوم، أسلم أبوسفيان، وأسلم الحارث بن هشام أخو أبي جهل، وأسلم معاوية وعكرمة وخالد بن الوليد وأمثال هؤلاء، ومواقفهم مشهودة معلومة، فالله -عز وجل- يغير من حال إلى حال.


 

(مسألة)

القراءة الصحيحة يشترط فيها: صحة الإسناد، مع وجه عربي، وموافقة الرسم العثماني ولو احتمالاً، ووافقت اللغة العربية ولو بوجه ولو لم يكن هو الأفصح لكنه وجه صحيح، فقد يصح الإسناد ولكن لا توافق الرسم العثماني.

(مسألة)

المعجزات ليست من علم الباطن، والصوفية يقصدون بعلم الباطن خلاف الظاهر، الشريعة تأمر بالصلاة والزكاة والصوم إلى آخره، وعلم الباطن يقولون: هذه الأمور لها باطن آخر يدركه أهل الحقيقة، فالباطنية مثلاً يقولون: الصلاة بمعنى مناجاة الولي، والصيام كتم الأسرار المذهب، وهذا هو عين الكفر، فالشريعة ليس لها باطن وظاهر، ولا يجوز لأحد أن يخرج عنها، ليس لها باطن وظاهر، والقرآن ليس له باطن وظاهر، وأما ما ورد من أن كل آية وكل حرف له بطن وظهر هذا لا يصح، والقرآن خاطبنا بلسان عربي مبين، والأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- كانوا يأمرون الناس بالشرائع وهم أعلم الناس بالله، وكانوا أول من يمتثل هذا وهم أتقى الأمة لله، وأما هؤلاء الكذبة من الدجالين الذين يأتون بأمور من المنكرات والفواحش ثم يقولون بأن هذا يتراءى أنه فاحشة ومنكر لأهل الظواهر ويتركون التكاليف ويترك الصلاة، ويقول الواحد منهم: أنا صرت من أهل الحقيقة، وسقطت عني الشريعة، ويسعني ما وسع الخضر، فنقول له:

أولاً: الخضر لم يكن على شريعة موسى -عليه الصلاة والسلام-، ولم يكن تابعاً له أصلاً، ولهذا سأله: قال موسى بني إسرائيل؟، ولم تكن دعوة موسى -عليه الصلاة والسلام- دعوة للأسود والأحمر مثل دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم-؛ فلا يسع أحداً من الناس أن يخرج عن شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم- ويتحلل ويتخفف من التكاليف الشرعية بحجة أنه مثل الخضر مع موسى، فالشريعة يجب العمل بها، وامتثال ذلك، ولا تؤول بمعانٍ باطنة ما أنزل الله بها من سلطان، وآيات الأنبياء ليست من الباطن في شيء هي من الأمور الظاهرة الجلية الواضحة التي يشاهدها كل أحد، والصوفية كلامهم في هذا طويل.

ومن أراد أن يعرف كلاماً أكثر عن الخضر وهل هو حي أم ميت، فليراجع فتح الباري في الجزء السادس في كتاب أحاديث الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام– باب حديث موسى مع الخضر – عليهما السلام.

وأيضا ذكر الشنقيطي –رحمه الله- في أضواء البيان في تفسير هذه الآيات، وتكلم شيخ الإسلام ابن تيمية    –رحمه الله– على هذه المسألة.


 

[1] - رواه البخاري، كتاب الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى -عليهما السلام- (3/1246)، برقم: (3220).

[2] - رواه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (3 / 1319)، برقم: (3410).

[3] - رواه أحمد (11/369)، برقم: (6756)، وهو حديث حسن.

[4] - رواه البخاري، كتاب النفقات، باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها من معروف (5/2052)، برقم: (5049)، ومسلم، كتاب الأقضية، باب قضية هند (3/1338)، برقم: (1714).

[5] - رواه البخاري، كتاب الأحكام، باب موعظة الإمام للخصوم (6 /2622)، برقم (6748).

[6] - رواه البخاري، كتاب التفسير، سورة الكهف (4/1757)،  برقم: (4450).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 1
teleqram
trees
about