استعرض النسخة الجديدة من الموقع
[10] من قوله تعالى"ومن أظلم ممن ذكر بأيت ربه فأعرض عنها" الآية 57 إلى قوله تعالى"لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا" الآية 62
عدد الزوار : 12459
تاريخ الإضافة : 17 ربيع الأول 1429
MP3 : 5177 kb
PDF : 111 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة الكهف (10)

من قوله تعالى"ومن أظلم ممن ذكر بأيت ربه فأعرض عنها" الآية 57 إلى قوله تعالى"لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا" الآية 62

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المصنف -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا * وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا *  وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا} [سورة الكهف(57-59)].

يقول تعالى: وأي عباد الله أظلم ممن ذكر بآيات الله فأعرض عنها؟! أي: تناساها وأعرض عنها، ولم يصغ لها، ولا ألقى إليها بالاً {وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} [سورة الكهف(57)] أي: من الأعمال السيئة والأفعال القبيحة، {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ} [سورة الكهف(57)] أي: قلوب هؤلاء {أَكِنَّةً} أي: أغطية وغشاوة {أَن يَفْقَهُوهُ} أي: لئلا يفهموا هذا القرآن والبيان {وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} [سورة الكهف(57)] أي: صمماً معنوياً عن الرشاد {وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} [سورة الكهف(57)].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى-: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} [سورة الكهف (57)] هذا الاستفهام مضمن معنى النفي: {وَمَنْ أَظْلَمُ} أي: لا أحد أظلم {مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} [سورة الكهف (57)].

وهنا سؤال ذكرته في عدد من المناسبات وهو أن هذا النفي المقرون بصيغة التفضيل: لا أحد أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها، قد يستشكل طالب العلم ذلك مع ما ورد من نظائره في قضايا أخرى؛ كقوله      -تبارك وتعالى-:  {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} [سورة البقرة: (114)] {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا} [سورة الأنعام (21)] فأفعل التفضيل كما هو معلوم في الأصل يدل على أن اثنين اشتركا في صفة وزاد أحدهما على الآخر فيها، فالسؤال الذي يرد في هذا هو أنه كيف قال: لا أحد أظلم ممن فعل كذا وكذا في موضع، وفي موضع آخر ذكر قضية أخرى وهكذا ؟ والجواب من وجهين:

الأول: أن المعنى: لا أحد أظلم من المعرضين، فيكون مختصا بالصلة التي ذكرت معه، وفي المانعين: لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وفي المفترين: لا أحد أظلم ممن افترى الله على الله كذباً، هذا الجواب الأول.

الثاني: أن أفعل التفضيل تمنع من الزيادة ولا تمنع من التساوي وهذه قاعدة أفعل التفضيل، فتمنع من أن يزيد أحد على هذا في هذه الصفة، لكنها لا تمنع التساوي، يمكن أن يوجد من يساويه، لكن كلهم قد بلغ في الظلم غايته.

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} [الكهف: 57]، أضاف العمل إلى اليدين مع أن عمل الإنسان قد يصدر من عينه ومن فمه أو غير ذلك من جوارحه، وقد يكون من قلبه وهو الإشراك بالله -عز وجل-، والرياء.

والسبب -والله أعلم– أن أكثر ما يلابسه الإنسان إنما هو بيديه؛ ولهذا يقال للإنسان: يداك أَوْكَتا وفُوك نَفَخ، ويقال: هذا ما جنت يداك، وقد يكون وقع له ذلك بغير فعل اليدين، بغير جناية اليدين، مثل الإنسان الذي قد يفرط في أمر من الأمور، ثم بعد ذلك لا يحصل مطلوبه، فيقال: هذا ما جنت يداك، فالعرب تضيف ذلك إلى اليدين؛ لأن غالب ما يلابسه الإنسان إنما يكون باقتراف اليدين في الغالب.

كما يعبر في مال اليتيم بالأكل، مع أن إحراق مال اليتيم، وإغراق مال اليتيم نفس الحكم، لكن لما كان غالب مقصود الناس هو الأكل، عبر بالأكل.

وهكذا في أكل الربا: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا} [سورة البقرة (275)] وقد لا يأكله الإنسان، لكن لما كان غالب مقصود الناس من تحصيل الربا والأموال عموماً هو الأكل عبر به، والله أعلم.

وقوله: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} [سورة الكهف (57)] الأكنّة هي الأغطية، والوقْر هو الثقل في السمع، والوِقْر بالكسر هو الثقل في الأحمال، تقول: هذه الدابة عليها وقِْر من الطعام، أي: حمل من الطعام، والوَقْر: الثقل الذي يكون في السمع، يعني هنا الصمم: {وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} [سورة الكهف (57)].

{وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} [سورة الكهف (57)] هذه الأكنة التي جعلها الله على القلوب، وعدم الاهتداء أبداً ليس ذلك ظلماً من الله -عز وجل- لهم، وإنما كان نتيجة لجنايتهم، فالله -عز وجل- يخبر عنهم قبلها: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} [سورة الكهف(57)] فأعقبهم ذلك أن طبع الله على قلوبهم، كما قال الله -عز وجل-: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ} [سورة التوبة (77)] فالباء سببية، والله -عز وجل- لا يظلم الناس شيئاً، فكان هذا جزاء وفاقاً، فالله عالم بهم وبعقولهم وإعراضهم عن الحق، ومجافاتهم له، فجازاهم بالطبع على القلوب، والختم على هذه القلوب، وأقفل أسماعهم وأبصارهم عن الاهتداء، أو معرفة الحق وسماعه سماع الانتفاع.

وقوله: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ} [سورة الكهف (58)] أي: ربك يا محمد غفور ذو رحمة واسعة {لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ} [سورة الكهف (58)] كما قال: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} [فاطر: 45] وقال: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} [الرعد: 6] والآيات في هذا كثيرة.

ثم أخبر أنه يحلم ويستر ويغفر، وربما هدى بعضهم من الغي إلى الرشاد، ومن استمر منهم فله يوم يشيب فيه الوليد، وتضع كل ذات حمل حملها؛ ولهذا قال: {بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا} [سورة الكهف58)] أي: ليس لهم عنه محيص ولا محيد ولا معدل.

وقوله: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} [سورة الكهف (59)] أي: الأمم السالفة والقرون الخالية أهلكناهم بسبب كفرهم وعنادهم {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا} [سورة الكهف (59)] أي: جعلناه إلى مدة معلومة، ووقت معلوم معين، لا يزيد ولا ينقص، أي: وكذلك أنتم أيها المشركون احذروا أن يصيبكم ما أصابهم، فقد كذّبتم أشرف رسول، وأعظم نبي، ولستم بأعز علينا منهم، فخافوا عذابي ونذر.

قوله: {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا} [سورة الكهف (59)] هذه فيها ثلاث قراءات متواترة، قد ترجع إلى معنى واحد،

ومن أهل العلم من يفسر قوله: {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم} [سورة الكهف(59)]، أي: لوقت هلاكهم، ومنهم من يفسر ذلك بالمصدر: {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم} [سورة الكهف(59)] أي: جعلنا لهلاكهم موعداً، أي: أن هلاكهم في وقت محدد في علم الله -عز وجل- لا يتقدم ولا يتأخر، وهذان المعنيان بينهما ارتباط لا يخفى، إذا قلنا: جعلنا لهلاكهم موعداً، أو جعلنا لوقت هلاكهم، فإن الهلاك يقع في زمان محدد كما أنه يقع في مكان، فإذا ذكر الهلاك فإن هذا يتضمن ذكر الزمان، فإذا قيل: لهلاكهم وقت محدد، أو لزمان هلاكهم موعد محدد، فكأن ذلك يرجع إلى معنى متلازم، ولهذا مثل هذه المعاني التي تحتملها الآية ويكون بين هذه المعاني ملازمة لا يحتاج مثله إلى ترجيح، والله أعلم.

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا * فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} [سورة الكهف (60-65)].

سبب قول موسى لفتاه -وهو يُوشع بن نُون- هذا الكلام: أنه ذكر له أن عبدًا من عباد الله بمجمع البحرين عنده من العلم ما لم يحط به موسى -عليه السلام-، فأحب الرحيل إليه، وقال لفتاه ذلك: {لَا أَبْرَحُ} [سورة الكهف (60)] أي: لا أزال سائراً {حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} [سورة الكهف (60)] أي: هذا المكان الذي فيه مجمع البحرين.

وقوله: {أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} [سورة الكهف (60)] أي: ولو أني أسير حقباً من الزمان.

قال ابن جرير -رحمه الله-: ذكّر بعض أهل العلم بكلام العرب أن الحُقُب في لغة قيس: سنة.

ثم روى عن عبد الله بن عمرو -رضي الله تعالى عنهما- أنه قال: الحُقُب ثمانون سنة، وقال مجاهد: سبعون خريفاً، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قوله: {أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} [سورة الكهف (60)] قال: دهراً، وقال قتادة وابن زيد مثل ذلك.

يقول: سبب قول موسى لفتاه -وهو يوشع بن نون- هذا الكلام أنه ذكر له أن عبداً.. إلى آخره، والحديث يدل على أنه ذكر له هذا بسبب ما وقع من موسى -عليه الصلاة والسلام- حينما قام في بني إسرائيل، وسأل: من أعلم؟ ثم قال: أنا أعلم، فالله -تبارك وتعالى- أخبره أن عبداً من عباده قد علمه من العلم ما ليس عند موسى -عليه الصلاة والسلام-، فهذا هو السبب، فذهب موسى -عليه الصلاة والسلام- يطلبه، وهذا يدل على أن الإنسان مهما علا قدره لا يتوقف من طلب العلم، والرحلة إليه، والسؤال عنه، ولا يستنكف، فإن هذا هو الطريق الذي تحصل به معالي الأمور والكمالات، وموسى وهو نبي الله الكليم يذهب هذه المسافة ويتعب من أجل أن يتزود من العلم، ويحصل منه ما ليس عنده.

وقوله: {حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} [سورة الكهف (60)] قال: أي هذا المكان الذي فيه مجمع البحرين، والله    -عز وجل- لم يحدد هذا المكان أين هو، ولو كان فيه فائدة لذكره، والمفسرون يذكرون أشياء كثيرة في غاية التناقض، وكل ذلك مما تُلقي عن بني إسرائيل.

فبعضهم يقول: المقصود بالبحرين بحر فارس، الذي هو معروف بالخليج العربي، وبحر الروم الذي هو البحر الأبيض المتوسط في هذه المنطقة، وبعضهم يقول: هو بحر الأردن، ويقصدون به الناحية التي تلي الأردن من البحر، وبحر الأردن مع بحر القلزم، وهو رأس البحر الأحمر، وبعضهم يقول -وإن تفاوتت عباراتهم-: البحر الذي يكون غرباً يعني: عند مضيق جبل طارق، يقولون: عند طنجة، أو يقولون: بأفريقيا يقصدون هناك، أو المغرب، والمقصود ملتقى البحر هناك، وبعضهم يذهب من ناحية أخرى تماماً عند أرمينية وأذربيجان، والعلم عند الله -عز وجل.

وقوله: {حُقُبًا} [سورة الكهف (60)] هذه الأقوال: أنها سنة، أو ثمانون سنة، أو سبعون سنة متباعدة جداً، والأقرب -والله تعالى أعلم- أنه كما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: دهراً؛ ولهذا يقول النحاس: الذي يعرفه أهل اللغة أنه زمان من الدهر مبهم غير محدد، أمضي مدة من الدهر حتى أدرك ذلك، وهذا الذي اختاره ابن جرير -رحمه الله.

وقوله: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا} [سورة الكهف (61)] وذلك أنه كان قد أمر بحمل حوت مملوح معه، وقيل له: متى فقدتَ الحوت فهو ثَمّه، فسارا حتى بلغا مجمع البحرين، وهناك عين يقال لها: عين الحياة، فناما هنالك، وأصاب الحوت من رشاش ذلك الماء فاضطرب، وكان في مِكتل مع يوشع -عليه السلام.

المِكتل هو الزنبيل، والذي لا يعرف الزنبيل فهو المِكتل، تعرفون الذي يوضع فيه التمر ويخصف من الجريد، هذا يقال له: مِكتل، وكان الناس إلى عهد قريب يضعون فيه الطعام.

فاضطرب وكان في مِكتل مع يوشع -عليه السلام-، وطَفَر من المِكتل إلى البحر، فاستيقظ يُوشع -عليه السلام- وسقط الحوت في البحر، فجعل يسير في الماء، والماء له مثل الطاق لا يلتئم بعده؛ ولهذا قال تعالى: {فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا} [سورة الكهف (61)] أي: مثل السَرَب في الأرض.

قال ابن جريح: قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: صار أثره كأنه حَجَر.

وروى محمد بن إسحاق عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب -رضي الله تعالى عنهم- قال: قال رسول الله   -صلى الله عليه وسلم- حين ذكر حديث ذلك: ((ما انجاب ماء منذ كان الناس غيره، ثبت مكان الحوت الذي فيه، فانجاب كالكُوّة حتى رجع إليه موسى فرأى مسلكه، فقال: {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} [سورة الكهف (64)]([1]).

قوله: {فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا} [سورة الكهف (61)] يعني: أن المكان الذي دخل فيه الحوت بقي كأنه جحر، أو نفق، أو سرب لم ينطبق عليه الماء، وإنما بقي ذلك كأنه في اليابسة، بل صار الماء منكفئاً عنه، وبقي مكان دخول الحوت كالجحر في الماء، يراه الإنسان ويشاهده دون أن ينزل عليه الماء ويرجع إلى هيئته التي كان عليها، فهو جحر في الماء والماء يكون دونه، هذا معنى سرباً، السرب هو النفق أو الجحر، وهذا لا يكون عادة في الماء، ولكنها آية جعلها الله -عز وجل- لموسى -عليه الصلاة والسلام- من أجل أن يعرف ويرى هذا المكان الذي دخل منه الحوت.

وقوله: {فَلَمَّا جَاوَزَا} [سورة الكهف(62)] أي: المكان الذي نسيا الحوت فيه، ونُسب النسيان إليهما، وإن كان يُوشَع هو الذي نسيه، كقوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [سورة الرحمن (22)]، وإنما يخرج من المالح في أحد القولين.

فلما ذهبا عن المكان الذي نسياه فيه بمرحلة قال موسى -عليه السلام- لفتاه: {آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا} [سورة الكهف (62)] أي: الذي جاوزا فيه المكان {نَصَبًا} أي: تعباً، قال: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} [سورة الكهف (63)] ولهذا قال: {وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ} [سورة الكهف (63)] أي: طريقه {فِي الْبَحْرِ عَجَبًا * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} [سورة الكهف (64)] أي: هذا هو الذي نطلب {فَارْتَدَّا} [سورة الكهف (64)] أي: رجعا {عَلَى آثَارِهِمَا} [سورة الكهف (64)] أي: طريقهما، {قَصَصًا} أي: يقصان آثار مشيهما، ويقفوان أثرهما.

{فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} [سورة الكهف(65)] وهذا هو الخضر -عليه السلام-، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

قوله: {فَلَمَّا جَاوَزَا} [سورة الكهف(62)] أي: المكان الذي نُسي الحوت فيه، ونسب النسيان إليهما وإن كان يوشع هو الذي نسيه وهذا كثير تجده في القرآن وفي كلام العرب، وهذا يشبه -وإن لم يكن منه- العام المراد به الخصوص، وإن كان هنا لا عموم، لكن وجه الشبه أنه أضاف شيئاً إلى معنى، أو إلى أكثر مما حصل منه، أو ممن صدر منه، والمقصود أن ذلك وقع من بعضه، وعكسه أيضاً يوجد.

يقول: {فَلَمَّا جَاوَزَا} [سورة الكهف(62)] أي: المكان الذي نسيا الحوت فيه، {قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا} [سورة الكهف (62)] أي: الذي جاوزنا فيه المكان {نَصَبًا} بمعنى: أن النصب حصل لهما بعد مجاوزة السفر الذي أنشأه بعد هذه الاستراحة التي ذهب فيها الحوت.

قوله: {نَصَبًا} أي: تعباً، وابن القيم -رحمه الله- ذكر هنا لطيفة من اللطائف: قال: هذا السفر إلى المخلوق لقي فيه النصب، وأما السفر إلى الله -عز وجل- فلا نصب فيه، وذكر أن موسى -عليه الصلاة والسلام- حينما واعده ربه، وذهب إلى الميقات أنه صام أربعين يوماً، ولم يذكر هذا النصب حينما ذهب إلى الطور.

قال: {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} [سورة الكهف (63)] أضاف إلى الشيطان لأن الشيطان هو سبب النسيان، كما قال الله -عز وجل-: {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [سورة الأنعام (68)].

وقال: ولهذا قال: {وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ} [سورة الكهف (63)] أي: طريقه {فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} [سورة الكهف (63)] هذا يحتمل أن يكون من الموصول لفظاً المفصول معنىً، وقد مضى نظائره في القرآن، كقوله في سورة يوسف -عليه السلام- عن قيل امرأة العزيز: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} [سورة يوسف (52)] يحتمل أن يكون من كلام امرأة العزيز، ويحتمل أن الله قال: {قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ} [سورة يوسف (51)] إلى أن قال: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} [سورة يوسف (52)] يحتمل أن يكون من جملة كلامها، ويحتمل أن يكون ذلك من كلام يوسف -عليه الصلاة والسلام.

وهكذا قبله أيضاً في سورة الأنعام في ذكر الله –تبارك وتعالى- المناظرة بين إبراهيم -صلى الله عليه   وسلم- وبين عبدة الكواكب، قال الله -عز وجل- لما خوفوه من آلهتهم أن يضروه، أو أن يقتلوه أو يمرضوه: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [سورة الأنعام(81)]، ثم قال: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} [سورة الأنعام(82)] يحتمل أن يكون هذا من كلام الله فصل بين الفريقين، بيّن أن الأمن لأهل الإيمان، ويحتمل أن يكون من جملة كلام إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- فيما خاطب به قومه، وهذا كثير.

فقوله: {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} [سورة الكهف (63)] يمكن أن يكون هذا كلام يوشع انتهى إلى هذا الحد.

ثم قال الله -عز وجل-: {وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} [سورة الكهف (63)] ويحتمل أن يكون ذلك جميعاً من كلام يوشع، فهو يقول: {فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} [(63) سورة الكهف] وذلك بهذه الطريقة كيف أحياه الله -عز وجل- وخرج من المِكتل، وكيف دخل في البحر فبقي موضع دخول الحوت كالنفق أو السرب في البحر لم يتحول ولم يتغير؟، والله أعلم.

وقوله: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} [سورة الكهف(65)] يقول: وهذا هو الخضر -عليه السلام-، سمي بالخضر لما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعاً إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء))([2]) هذا هو السبب، فالخضر بهذا الاعتبار لقب، وقد جاءت تسميته باسمه غير الخضر في بعض الأخبار المتلقاة عن بني إسرائيل، والله تعالى أعلم.

قوله: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} [سورة الكهف (65)] هذا الموضع بالإضافة إلى ما ذكره في آخر ما قال لموسى -عليه الصلاة والسلام-: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} [سورة الكهف (82)] هذه المواضع الثلاثة، يعني: الجملة الأولى في قوله: {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا} [سورة الكهف (65)]، والجملة الثانية: {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} [سورة الكهف (65)] والموضع الثالث: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [سورة الكهف(82)] يستدل بها من يقول بأن الخضر نبي من الأنبياء، وهذا قول مشهور، قال به طائفة من أهل العلم سلفاً وخلفاً، قالوا: إن الرحمة قد وردت في القرآن مراداً بها النبوة: {إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} [سورة القصص(86)] ولما قالوا: {لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ} [سورة الزخرف(32)] يعني النبوة، فقالوا: الرحمة جاءت مراداً بها النبوة، والقرآن أحسن ما يفسر به هو القرآن.

{وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} [سورة الكهف(65)] قالوا: هذا هو الوحي، وإنما يكون الوحي للأنبياء، وقوله: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [سورة الكهف(82)] يدل على أنه يوحى إليه.

وعلى كل حال القول الآخر: أنه ليس بنبي، وإنما هو رجل صالح، هذان قولان مشهوران، وأما قول من قال بأنه ملك فهذا غلط، ولا دليل عليه.

وعلى كل حال يمكن أن يأتي وحي إلى غير نبي، فالله -عز وجل- قال: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [سورة القصص(7)] وقد يوحى إلى نبي قبل النبوة، فعيسى -صلى الله عليه وسلم- وهو في المهد قال: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} [سورة مريم(30)] وكذلك أيضاً يوسف -صلى الله عليه وسلم- وهو صغير قبل النبوة لما ذهبوا به إلى الجب كما سبق، قال: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [سورة يوسف(15)] يعني: سيأتي يوم تقول لهم: تذكرون حينما فعلتم كذا وكذا {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} لا يعرفونك، ولا يعلمون أنك يوسف، وهذا الذي حصل في نهاية الأمر: {لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [سورة يوسف(15)]، فقد يوحي الله -عز وجل- إلى بعض عباده قبل النبوة، ومريم حينما جاءها جبريل -عليه الصلاة والسلام- وخاطبها، قالت له: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا} [سورة مريم(18)] فأخبرها أنه رسول من الله -عز وجل-: {إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} [سورة مريم(19)].

على كل حال فالقول بأنه نبي لا يوجد ما يدل عليه دلالة قاطعة، والآية تحتمل هذا، والنبوة لا تثبت بالاحتمال، والعلم عند الله -عز وجل.

وأما ما يذكر من حياته، أو من أنه وجد منذ آدم -صلى الله عليه وسلم-، يعني: من ولد آدم وبقي حتى يكذب الدجال، فهذا لا دليل عليه، وكل ما يذكر من أنه باق، وأنه موجود فكل هذا من الخزعبلات التي لا أساس لها، وهي التي تعلق بها كثير من الصوفية، وبنوا عليها كثيراً من الأوهام والأكاذيب والترّهات، ومما يدل على أنه غير موجود أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر أنه لا يبقى على رأس المائة ممن هو على ظهر الأرض أحد، فلو كان الخضر موجوداً لمات على رأس المائة.


 

[1] - أخرجه الطبري (15/273) من طريق محمد بن إسحاق عن ابن شهاب الزهري.

[2] - أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى -عليهما السلام- ( 4/ 156- 3402).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 1
teleqram
trees
about