استعرض النسخة الجديدة من الموقع
(1) من أول السورة إلى قوله تعالى " يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية " آية 18
عدد الزوار : 30150
تاريخ الإضافة : 12 جمادى الأول 1435
MP3 : 51412 kb
PDF : 5944 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة الحاقة من الآية (19) إلى آخر السورة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وبعد.

 قال المصنف -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [سورة الحاقة:19-24].

يخبر تعالى عن سعادة من يؤتى كتابه يوم القيامة بيمينه وفرحه بذلك، وأنه من شدة فرحه يقول لكل من لقيه: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ}، أي: خذوا اقرءوا كتابيه؛ لأنه يعلم أن الذي فيه خير وحسنات محضة؛ لأنه ممن بدل الله سيئاته حسنات، قال عبد الرحمن بن زيد: معنى {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} أي: ها اقرءوا كتابيه، و"ؤُمُ" زائدة، كذا قال، والظاهر أنها بمعنى هاكم.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى-: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} يقول الحافظ ابن كثير     -رحمه الله-: أي: خذوا اقرءوا كتابيه، هاؤم بمعنى خذوا، وبهذا قال النحاة، فهو اسم فعل بمعنى خذوا، وبعضهم قال: هو بمعنى هاؤم أي: تعالوا كما جاء عن ابن زيد، وبعضهم قال: إن معناه هلمَّ، والمقصود أنه اسم فعل أمر أي خذوا، تعالوا، هلم، ونحو ذلك.

روى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال: ((إن الله يوقف عبده يوم القيامة فيُبدي -أي يظهر- سيئاته في ظهر صحيفته، فيقول: أنت عملت هذا؟ فيقول: نعم، أي رب، فيقول له: إني لم أفضحك به وإني قد غفرت لك، فيقول عند ذلك: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} حين نجا من فضيحته يوم القيامة))([1]).

والهاء في قوله: "كتابيه" و"حسابيه" ونحو ذلك هي للسكت.

وفي الصحيح من حديث ابن عمر أنه سئل عن النجوى فقال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((يدني الله العبد يوم القيامة فيقرره بذنوبه كلها، حتى إذا رأى أنه قد هلك قال الله تعالى: إني سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يُعطَى كتاب حسناته بيمينه، وأما الكافر والمنافق فيقول: {الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [سورة هود:18]))([2]).

هذا يشهد للذي قبله، والذي قبله لم يصرح برفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو لا يقال بالرأي فله حكم الرفع، لكن ليس في حديث ابن عمر -رضي الله عنه- أنه حينها يقول: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} لكن الآية واضحة في أنه إذا أخذ كتابه بيمينه قال ذلك، فهذا القدر تشهد له الآية -هذا الجزء- أنه يقوله حينما يعطى الكتاب بيمينه، والمقصود بالكتاب هو كتاب الأعمال، صحيفة الأعمال، اقرءوها فهي تتطاير، فآخذٌ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله.

وقوله تعالى: {إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ} أي: قد كنت موقنًا في الدنيا أن هذا اليوم كائن لا محالة كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ} [سورة البقرة:46].

هنا قوله: {إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ} المعنى هنا يقول: كنت موقنًا في الدنيا، فإن ظن تأتي بمعنى العلم واليقين، كقوله -تبارك وتعالى-: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ} يعني يوقنون، وليس ذلك من قبيل الظن الذي هو طرف الرجحان، أو الطرف الآخر الذي هو المرجوح، أو ما بينهما مما يقال له الشك، يعني مما لا يقين معه، فإن الإيمان بالله -تبارك وتعالى- لا يصلح فيه هذا، الإيمان باليوم الآخر لا يصلح فيه هذا، بل لابدّ من الجزم واليقين، فالظن يأتي بمعنى اليقين؛ ولهذا يقول الضحاك -رحمه الله-: كل ظن في القرآن من المؤمن فهو يقين بخلاف الكافر فإنه شك، الكفار يقولون: {إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} [سورة الجاثية:32]، فهذا بمعنى الشك، أما أهل الإيمان فإن ذلك يكون على سبيل اليقين، وبعض أهل العلم ذهب به إلى معنى آخر {إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ} يعني ظننت أني أُؤخَذُ بسيئاتي، أي لمّا عُرضت عليه هذه السيئات ظن أنه يؤخذ بها، ولكن الله -تبارك وتعالى- قابل ذلك بالعفو {أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ}، يعني سأحاسب على هذه السيئات وأُؤخَذُ عليها، ولكن الذي عليه الجمهور وهو الأقرب -والله أعلم- أنه يخبر عن نفسه أنه استعد لهذا اليوم وآمن، فهو حينما علم أنه سيلاقي هذا الحساب لم يكن يخبر عن مجرد العلم واليقين بذلك، وإنما أيضًا ما يتبعه من الاستعداد لهذا اليوم، فهو عمل لهذا اليوم يقول: أنا كنت أعلم أني سألاقي هذا الحساب، وهذا يقتضي أنه يعمل لآخرته ويجدّ ويجتهد، ويكف نفسه عن مساخط الله -تبارك وتعالى-، يعني هو يتقين الحساب ويعمل لذلك اليوم، قد استعد له.

قال الله تعالى: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} أي: مرضية، {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} أي: رفيعة قصورها، حسان حورها، نعيمة دورها، دائم حبورها.

قوله -تبارك وتعالى-: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} قال هنا: أي: مرضية، هذا الذي فسره به أيضًا بعض أصحاب معاني القرآن مثل الزجاج والفراء، راضية أي مرضية، مثل {مَّاء دَافِقٍ} [سورة الطارق:6] أي مدفوق.

العيشة نسب إليها الرضا، أضاف إليها الرضا والواقع أنها عيشة مرضية، وبعض أهل العلم يقول: عيشة راضية أي ذات رضا، وابن جرير -رحمه الله- يذكر قاعدة في هذا الباب يقول: وصفت العيشة بالرضا وهي مرضية؛ لأن ذلك مدح للعيشة، مدحها فأضاف ذلك إليها فقال: راضية، يقول: والعرب تفعل ذلك في المدح والذم، يعني في هذين المقامين في المدح والذم، فيقولون: هي عيشة راضية يقصدون بذلك إضافة هذا إليها، إذا كانت العيشة راضية فذلك يرجع إلى صاحبها أنه يكون في حال من الرضا عما جازاه الله -عز وجل- به.

وقد ثبت في الصحيح أن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض([3])، وقوله تعالى: {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ}، قال البراء بن عازب: أي: قريبة يتناولها أحدهم وهو نائم على سريره، وكذا قال غير واحد.

القطوف جمع قِطْف وهو ما يقطف من الثمار، {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} يعني يأخذون منها من غير كلفة، يتناولونها وهم رقود، أو وهم مضطجعون، أو قائمون، على أي حال كانوا، لا تحتاج إلى صعود ومشقة وآلة، ولا يوجد ما يحول دون هذه القطاف من شوك ونحوه {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ}، والله -تبارك وتعالى- عندما ذكر النخيل وصفها بصفتين في موضعين:

الصفة الأولى قال: {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ} [سورة ق:10] باسقات أي طوال.

وفي الموضع الثاني: {وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ} [سورة الأنعام:99]، يعني قريبة، ما وجه وصف الأولى بأنها طويلة، والثانية بأنها قريبة ما وجه هذا؟ هل توصف وتمدح بالقرب أو بالطول؟، في موضع ذكر الطول، وفي الموضع الثاني ذكر القرب، ما الفرق بين الموضعين؟

الموضع الأول "باسقات" هذا في بيان أو مقام بيان قدرة الله -عز وجل- وعظمته، فهو يذكر صنوف هذا الخلق، وما فيه من العجائب والغرائب فهي دعوة إلى التفكر، فالنخل إذا كانت بهذه المثابة من الطول فهذا أليق في هذا المقام، مقام تفكر وذكر ما يدل على قدرة الله وعظمته، وفي مقام الامتنان لا شك أن ما كان قريب التناول وسهل التناول أوقع في هذا الباب وأبلغ في الامتنان، امتن عليهم بهذه الثمرات القريبة التي في متناول أيديهم، لا يحتاجون إلى كلفة للوصول إليها، هذا الفرق بين المقامين.

وقوله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} أي يقال لهم ذلك تفضلًا عليهم وامتنانًا وإنعامًا وإحسانًا، وإلا فقد ثبت في الصحيح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((اعملوا وسددوا وقاربوا واعلموا أن أحدًا منكم لن يدخله عملُه الجنة))، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟، قال: ((ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل))([4]).

قوله -تبارك وتعالى-: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا} الهنيء هو الذي لا تكدير فيه أو معه ولا تنغيص، يكون سائغًا من غير تكدير، هنيء، وقوله: {بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} الباء هنا تدل على السببية، بما كنتم تعملون، بما أسلفتم في الأيام الخالية ونحو ذلك، هذا يدل على أن الأعمال سبب وهو لا ينافي قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي أورده المؤلف: ((واعلموا أن أحدًا منكم لن يدخله عمله الجنة)) يعني لا يكون ذلك على سبيل الاستقلال، أي لا يدخل الجنة بسبب العمل مستقلًا به من غير رحمة الله -عز وجل-؛ لأن العمل لا يمكن أن يكافئ نعمة من نعم الله -عز وجل- عليه، وهذا العمل لا يمكن أن يكافئ هذا النعيم المقيم في الجنة، ولكن الله -تبارك وتعالى- يمن على عباده ويرحمهم فيدخلون الجنة، فالعمل سبب ولكنه سبب غير مستقل، فالمؤمن يعمل ولكنه لا يتكل على هذا العمل، ولا يغتر به، ولا يحصل له شيء من العجب، ولا يظن أنه إنما يدخل الجنة بسبب هذا الاجتهاد والعمل الذي عمله في الدنيا، وإنما هو أحوج ما يكون إلى رحمة الله -تبارك وتعالى-، وهذه الآيات -هذا الموضع- من هذه السورة وكل ما في هذه السورة وكل ما في كتاب الله     -تبارك وتعالى- فهو عبرة وعظة، ولكن الله -تبارك وتعالى- يخبرنا عن حقائق الآخرة، وما يكون فيها على سبيل التفصيل، وما يقوله الإنسان، وما يقال له، وما يصدر عنه في وقت غمرة من الفرح حينما يعطى الكتاب بيمينه، أو ما يقوله حينما يكون في غاية الحسرة إذا أخذ كتابه بشماله، فهذا يحتاج إلى تدبر وطول نظر واعتبار، فإن كل أحد سيأتي عليه ذلك اليوم الذي يقف فيه بين يدي الله -عز وجل- ويأخذ كتابه إما بيمينه وإما بشماله فلابدّ أن يكون واحداً من هؤلاء، إما أن يقول: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيهْ}، وإما أن يقول: {يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ}، فهذا الذي يأخذ كتابه بيمينه يطير فرحًا يقول: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيهْ}، يقول للناس: {هَاؤُمُ} هذا يدل على الجمع، خذوا اقرءوا كتابيه، إني ظننت أني ملاق حسابي، وأنا أعمل لهذا اليوم، وكنت متيقنًا بحصوله، فلا تسأل عن حاله من تلك العيشة الطيبة الكريمة التي لا كدر فيها ولا مرض ولا اعتلال ولا حزن ولا همّ ولا خوف ولا موت، وإنما هو نعيم متجدد لا ينقضي ولا ينقطع، هذه فرحة لا شك وفوز عظيم {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ} [سورة الصافات:61]، وكل ما يلقاه الإنسان من أنواع الاعتلال في هذه الحياة الدنيا هو ليس بشيء، إنما الاعتلال هناك في الآخرة، وكل ما يلقاه الإنسان من اللذات في هذه الحياة الدنيا هو لا شيء إنما اللذة الحقيقية الكاملة هناك في الآخرة، وكلنا يعرف الحديث في أنعم أهل الدنيا حينما يغمس في النار غمسة فيقال له: هل رأيت نعيمًا قط؟ يقول: لا والله يا رب، ما رأيت نعيمًا قط([5])، ينسى كل هذا النعيم، أنعم إنسان يتقلب في ماذا؟ يسكن في ماذا؟ يأكل ماذا؟ أنعم إنسان لا يمد يده على شيء، يُخدم، يُحمل عن الأرض، لربما كان كنيفه من الذهب -أعزكم الله-، وسريره من الذهب، ويتمتع بألوان الطيبات المطعومات والمشروبات، والخدم، والحشم، والمراكب الفارهة، والقصور، والحدائق، والإماء وما إلى ذلك، والزوجات، أنعم إنسان يملك الأحمر والأصفر غمسة واحدة تنسيه ذلك ويحلف أنه ما رأى نعيمًا قط، وأبأس إنسان تصور من هو أبأس إنسان في الدنيا من أولها إلى آخرها ما حاله في عافيته؟ أنواع الأسقام والأمراض والأذى، وأنواع الهموم، أنواع المشكلات، أنواع المعاناة الفقر ما يجد شيئًا يأكله، بائس لا يملك مقومات الحياة، تصور أبأس ما يمكن أن يتصوره العقل، انظر إلى صور البؤساء، مهما تصورت فهذا أكثر بؤسًا منهم، يغمس في الجنة غمسة واحدة فيقول الله له: هل رأيت بؤسًا قط؟ فيقول: لا، والله ما رأيت بؤسًا قط، إذاً البؤس والنعيم الذي في الدنيا ليس بشيء، الحياة هناك.

فإذا أخذ الإنسان كتابه بيمينه فهذه الفرحة التي لا تقادر، لا تسأل عن حاله، والله لا يمكن أن يتصور هذا المقام والموقف، وما يكون فيه، والآخر الذي أخذ بالشمال لا يمكن أن تحصل هناك مراجعة أو شفاعة، أو محاولات ينتج عنها أن يعاد أخذ الكتاب باليمين، انتهى، أخذ الكتاب بالشمال يعني هو من أهل الشمال، فهو عرف نفسه، وعرف مصيره في هذا الاعتبار، إذا كان الأمر كذلك فنحن منذ خرجنا من بطون أمهاتنا ونحن أيها الأحبة مثل الرصاصة إذا انطلقت بلا توقف، هذه الأنفاس لا تتوقف، والعمر يتناقص، العمر المحدود يبدأ بالعد التنازلي حتى تأتي لحظة النهاية ويموت الإنسان، فنحن منطلقون هكذا، نسير كأن الإنسان يجري مسرعًا ليأخذ كتابه بيمينه أو ليأخذ كتابه بشماله، هي هكذا، وما السبب الذي يجعل هذا الإنسان يأخذ الكتاب باليمين أو بالشمال بعد لطف الله ورحمته، وفضله عليه؟ هي هذه الأكساب، والأعمال التي يزاولها، هي أعماله، كلامه، ما يصدر عنه من صلاة وصيام ونحو ذلك، هؤلاء يقول لهم: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ}، ولهذا مجاهد فسر "بما أسلفتم في الأيام الخالية" بأيام الصيام، وهو تفسير بالمثال، الصوم شاق فالناس حوله يأكلون ويشربون وهو حبس نفسه عن ذلك يرجِّي الجزاء في ذلك اليوم عند الله   -تبارك وتعالى-، فالصيام، والصلاة، الفرائض، ثم بعد ذلك النوافل كف الأذى عن الناس، أذى اللسان أكثر ما يدخل الناس النار، أكثر ما يورد الناس الموارد، ويكبهم على مناخرهم في النار حصائد الألسن، فهذا كله يحتاج إلى أن يستعد له العبد ويعمل لذلك اليوم الذي هو آتٍ لا محالة، فمن تيقن هذا أيها الأحبة هان عليه كل ما يلقى من فقر، ومن حاجة، ومن هم، ومما يفوته من هذه الدنيا، ومما يحصل له من أمراض أو لولده أو نحو ذلك، كل ذلك يهون، قد يخفق الإنسان في عمل، قد يخفق في تجارة، قد يخفق في الجامعة لكنه يتوجه إلى باب آخر ويفتح عليه، يدرس في جامعة أخرى، يبقى بلا دراسة، ليس هذا هو نهاية المطاف، لكن هناك الإخفاق الحقيقي الذي لا يمكن أن يتوجه معه إلا إلى النار، مثل هذه يقصها الله -عز وجل- كأننا نراها بهذا التفصيل، نسأل الله -عز وجل- أن يجعلنا وإياكم ووالدينا وإخواننا المسلمين ممن يأخذ كتابه بيمينه.

قال الله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ} [سورة الحاقة:25-37].

وهذا إخبار عن حال الأشقياء إذا أُعطي أحدهم كتابه في العَرَصات بشماله فحينئذ يندم غاية الندم فيقول: {يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} قال الضحاك: يعني موتة لا حياة بعدها، وكذا قال محمد بن كعب والربيع والسدي، وقال قتادة: تمنى الموت ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليه منه.

القاضية يقول: يعني موتة لا حياة بعدها {يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} يعني القاطعة للحياة، يعني أنه تمنى الموت

كفى بكَ داءً أنْ ترَى الموْتَ شافِيًا *** وَحَسْبُ المَنَايَا أنْ يكُنَّ أمانِيَا.

يكفي في بيان حال هذا الإنسان أنه يرى أن شفاءه في المنايا، في الموت، ويتمنى ذلك {يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} تمنى دوام الموت، أنه لم يبعث، وأنه حينما مات كان ذلك مستمرًا لما شاهد من سوء عمله، وما يصير إليه من عذاب الله -تبارك وتعالى-، وبعضهم يقول: إن الضمير في "يا ليتها كانت القاضية" يعود إلى الحالة التي شاهدها عند مطالعة الكتاب، يعني يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضت عليه {يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} لما رأى حسابه قال: {يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} يعني هذه الحال التي شاهدها، والأول على أنه {يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} يعني الموتة التي ماتها كانت القاضية النهاية الدائمة المستمرة ولم يبعث، وهنا {يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} يقول: قال الضحاك: موتة لا حياة بعدها، هو المعنى الأول نفسه، ونقله عن جماعة، وقال قتادة: تمنى الموت ولم يكن شيء... إلخ، هذا كله يرجع إلى شيء واحد، لكن القول الآخر {يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} يعني حينما شاهد هذا تمنى لو كان ذلك موتاً وفناء حصل له، فيكون الضمير لا يرجع إلى الموتة الأولى التي ماتها، وإنما يرجع إلى الحالة التي شاهدها، {يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ}.

{مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ} أي: لم يدفع عني مالي ولا جاهي عذاب الله وبأسه، بل خلص الأمر إليّ وحدي فلا معين لي ولا مجير، فعندها يقول الله -عز وجل-: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ} أي: يأمر الزبانية أن تأخذه عُنفاً من المحشر فتَغُله، أي تضع الأغلال في عنقه ثم تورده إلى جهنم فتصليه إياها، أي: تغمره فيها.

قوله هنا: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ} الهاء هذه للسكت، يعني ما أغني عني مالي، هلك عني سلطاني، يعني الإنسان يعتز بماله وسلطانه، فهو يقول هنا: لم يحصل بذلك غناء ولا انتفاع ولا دفع فحل به عذاب الله -تبارك وتعالى-، "هلك عني سلطانيه"، وبعضهم فسر هذا بالحجة، السلطان يأتي بمعنى الحجة لكن هل هذا هو المراد؟ بعضهم فسره به يعني يقول: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ} يعني حجتي ضلت عني، هذا منقول عن جماعة من السلف مجاهد وعكرمة والضحاك والسدي، وهو الذي اختاره كبير المفسرين ابن جرير -رحمه الله-، {هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ} ذهبت حجتي وتلاشت واضمحلت، والقول الآخر: أن المقصود به سلطاني وملكي في الدنيا، {هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ} وهذا منقول عن ابن زيد، وهناك قول آخر منقول عن مقاتل: أن المراد {هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ} أي: تسلطي على جوارحي حينما شهدت عليّ، يعني أن جوارحه صارت تشهد عليه ولا سلطان له عليها، يُختم على فيه ثم تنطق جوارحه، فهنا ثلاثة أقوال، والحافظ ابن كثير -رحمه الله- حمله على المعنى الثاني وهو السلطان قال: ولا جاهي عذاب الله وبأسه، يعني هذا قول ابن زيد، ملكي وسلطاني في الدنيا، وهذا هو المتبادر {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ} ذكر المال والسلطان وهما اللذان يترفع بهما في الدنيا ويدفع عن نفسه أو يجلب لها، وكل ذلك لا ينفعه في الآخرة، وقول الحافظ ابن كثير: لم يدفع عني مالي ولا جاهي عذاب الله وبأسه هذا باعتبار أن ما نافية، يعني هو يخبر أن ذلك لم ينفعه {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ}، يقول: لم يغنِ عني مالي ولا سلطاني، ويحتمل أن ما هذه تكون استفهامية، يعني كأنه يستفهم يقول: أنا ماذا استفدت من مالي ومن سلطاني؟ ما فائدة مالي وسلطاني؟ {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ} ماذا نفعني مالي وسلطاني لمّا صرت إلى هذه الحال؟، لا شيء، لكن المتبادر والأقرب -والله أعلم- أنها نافية، فهو ينفي الانتفاع بذلك مع أن تفسيرها بالاستفهامية يتضمن هذا المعنى، وهو حينما يستفهم ويقول: ماذا أغني عني؟ فإنّ في ضمن ذلك أنه مقر أن ذلك لم ينفعه، والله المستعان، {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ} قال: يأمر الزبانية أن تأخذه، يأخذونه أخذًا عنيفًا من المحشر فيُغلّ، والغُل هو ما يوضع في العنق، وهنا يُغلّ بسلسلة طويلة عظيمة توضع في عنقه فتكون غُلًّا له يغُل بها -نسأل الله العافية-، وبعضهم يعبر عن ذلك بأن يديه تُغل إلى عنقه بهذه السلسلة، مغلولة يداه إلى عنقه، والغُل في الأصل ما يوضع في العنق، {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ} الجحيم اسم من أسماء النار -أعاذنا الله وإياكم ووالدينا وإخواننا المسلمين منها-، والجحيم تقال للنار العظيمة، {ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ}، يقول: ثم تورده إلى جهنم، وقد مضى في عدد من المناسبات أن التصلية {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى} [سورة الليل:15] تدل على معنيين: الورود وهو الدخول يقاسي حرها يدخلها ويقاسي حرها، يقال: صليت اللحم صليت الشاة إذا عرضتها على النار، و"لا يصلاها" يعني لا يدخل النار، فُسر بالدخول، وفسر بالتعذيب والحرق بها، والله المستعان، والأحنف بن قيس -رحمه الله- كان يضع أصبعه على السراج يذكر نفسه ويحاسبها، فإذا كان الإنسان لا يحتمل لحظات أن يضع أصبعاً واحداً في هذا السراج، وما مقدار حرارة السراج؟، وما قيمة هذه النار الصغيرة التي في الفتيل؟ ومع ذلك الإنسان لا يطيق فكيف بهذه النار العظيمة؟!، نسأل الله العافية.

وقوله تعالى: {ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} قال كعب الأحبار: كل حلقة منها قدر حديد الدنيا، وقال العوفي عن ابن عباس وابن جريج: بذراع الملَك، وقال ابن جريج: قال ابن عباس: "فاسلكوه" تدخل من استه ثم تخرج من فيه، ثم يُنظَمون فيها كما يُنظَم الجراد في العود حين يُشوى، وقال العوفي عن ابن عباس: يُسلَك في دبره حتى يخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه، وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لو أن رصاصة مثل هذه -وأشار إلى جمجمة- أرسلت من السماء إلى الأرض وهي مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفًا الليل والنهار قبل أن تبلغ قعرها، أو أصلها))([6])، وأخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن.

هنا قوله -تبارك وتعالى-: {ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} السلسلة معروفة {ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا} هذا الذراع ما مقداره؟ هل هو ذراع الإنسان الذي يبلغ ما يقرب من نصف متر يعني خمسة وثلاثين متراً؟ النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر أن مقعد الكافر في النار كما بين مكة والمدينة، يعني ما يقرب من أربعمائة وخمسين كيلو متراً، وأن ضرسه مثل جبل أحد([7])، فهنا {فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا} فكعب الأحبار يقول: كل حلقة منها قدر حديد الدنيا، يعني ليس هذه بذراع الإنسان، وقال العوفي عن ابن عباس وابن جريج: بذراع الملَك، ما مقدار ذراع الملَك؟ الله أعلم، والحسن البصري -رحمه الله- يقول: الله أعلم بأي ذراع هو، يعني هل هو ذراع الملك أو غيره؟ الله أعلم، "سبعون ذراعًا" ومن المعلوم أن العرب تعبر بالسبعين وتقصد أيضًا الكثرة، فهذا يحتمل، وابن جرير قال بنحو قول الحسن البصري، يعني الله أعلم بأي ذراع، هذا الذراع بأي اعتبار؟ ملك أو غير ذلك؟ "سبعون ذراعًا فاسلكوه"، أما الحديث الذي ذكره عن عبد الله بن عمرو فضعفه بعض أهل العلم، وبعضهم حسنه، محقق المسند حسن هذا الحديث، والشيخ ناصر الدين الألباني -رحمه الله- ضعفه.

وقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} أي: لا يقوم بحق الله عليه من طاعته وعبادته ولا ينفع خلقه ويؤدي حقهم، فإن لله على العباد أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئًا، وللعباد بعضهم على بعض حق الإحسان والمعاونة على البر والتقوى؛ ولهذا أمر الله بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وقُبض النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: ((الصلاةَ وما ملكت أيمانكم))([8])، وقوله تعالى: {فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ} أي: ليس له اليوم من ينقذه من عذاب الله تعالى لا حميم -وهو القريب-، ولا شفيع يطاع، ولا طعام له هاهنا إلا من غسلين، قال قتادة: هو شر طعام أهل النار، وقال الربيع والضحاك: هو شجرة في جهنم، وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس قال: الغسلين الدم والماء يسيل من لحومهم، وقال علي بن أبي طلحة عنه: الغسلين صديد أهل النار.

قوله -تبارك وتعالى-: {فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ} يعني القريب الذي تكون صلته به قريبة، ومن يكون بهذه المثابة من قرابته، وأصحابه الخلص وما إلى ذلك فكل هذا يتلاشى في ذلك اليوم، {وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ} فهو ينفرد بهذه الحال ليس هناك من يواسيه أو من يدفع عنه، أو يشفع، أو يقدم له الفداء، أو يقف معه أو يشتغل به بنوع من الاشتغال، كل إنسان مشغول بنفسه، فهذا ينفرد بمصيبته وبليته وشقائه وعذابه، {وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ} هذا الغسلين هنا ذكر فيه هذه الأقوال: قتادة يقول: هو شر طعام أهل النار، والربيع: شجرة في جهنم، وابن عباس -رضي الله عنهما-: الغسلين الماء والدم يسيل من لحومهم، أيضًا الغسلين صديد أهل النار وهذا الأخير هو الذي اختاره ابن جرير -رحمه الله-، صديد أهل النار، يعني ما ينغسل من أبدانهم من القيح ونحو ذلك، فإن النار إذا أحرقت تلك الأجساد -نسأل الله العافية- سال منها القيح والصديد وما إلى ذلك، ويصدر عن تلك الأجسام من الإفرازات، وينشأ عن هذا الإحراق مثل هذه المواد التي تسيل منها، غسلين على وزن فِعْلين من الغَسل، هذا هو المعنى الذي اختاره ابن جرير، وقال به من قال من السلف، والآخرون كالضحاك والربيع ونحو هؤلاء قالوا: هو شجر يأكله أهل النار، وما جاء عن قتادة من أنه شر الطعام هذا يصلح مع قول من قال: إنه صديد أهل النار، ومن قال: إنه الشجر، وجاء عن ابن زيد: لا يعلم ما هو ولا ما الزقوم إلا الله -تبارك وتعالى-، والله -تبارك وتعالى- قال: {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ} [سورة الغاشية:6-7]، بعض أهل العلم يقول: يحتمل أن يكون الضريع هو الغسلين؛ لأنه جاء بأسلوب الحصر "ليس لهم طعام إلا من ضريع"، وهنا قال: {وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ}، ويحتمل أن يكون ذلك تفسيرًا له، والعلم عند الله -تبارك وتعالى.

الشاهد أنه شر الطعام كما قال قتادة -رحمه الله-، {لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ} يعني أصحاب الخطايا، وهذا بمعنى قول من قال كالكلبي: يعني الكفر والشرك؛ لأن ذلك إنما يكون لأهل النار الذين هم أهلها، وأصحاب الخطايا يعني من أهل الخلود فيها وهم أهل الإشراك، ونحن تكلمنا على الخاطئ، والفرق بينه وبين المخطئ، الخاطئ اسم فاعل من خطِئ، وهو مَن فعل الخطيئة قصدًا، بخلاف من وقع منه من غير قصد فإنه يكون مخطئًا {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [سورة البقرة:286]، قال الله: قد فعلت.

قال الله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة الحاقة:38-43].

يقول تعالى مقسمًا لخلقه بما يشاهدونه من آياته في مخلوقاته الدالة على كماله في أسمائه وصفاته، وما غاب عنهم مما لا يشاهدونه من المغيبات عنهم: إن القرآن كلامه ووحيه وتنزيله على عبده ورسوله الذي اصطفاه لتبليغ الرسالة وأداء الأمانة فقال تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} يعني محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، أضافه إليه على معنى التبليغ؛ لأن الرسول من شأنه أن يبلغ عن المرسِل ولهذا أضافه في سورة التكوير إلى الرسول الملكي: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [سورة التكوير:19-21] وهذا جبريل -عليه السلام.

قوله -تبارك وتعالى-: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ} "لا" هذه قد مضى الكلام على نظائرها في مثل قوله -تبارك وتعالى-: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [سورة القيامة:1]، {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} [سورة البلد:1]، فمن أهل العلم من يقول: إن دخول "لا" هذه في القسم إنما يكون لتقويته -لتقوية القسم-، يعني هذا الذي يعبر عنه بعضهم بأنها زائدة إعرابًا، وإن كان لا يليق التعبير بمثل هذا في القرآن، يعني يقال: زائد لكنهم يقصدون إعرابًا، وإلا فالقرآن ليس فيه زيادة؛ لأن الزيادة حشو والقرآن منزه عن هذا، فيكون ذلك إثباتًا للقسم وتقوية له وتأكيدًا، {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ} يعني أقسم بما تبصرون، وبعض أهل العلم يقول: إنها على بابها في النفي، ففي بعض المواضع يقولون: إن ذلك يتعلق بمقدر محذوف، لكن هنا مما يقوله من قال: إنها على بابها في النفي: إن ذلك لكونه من الوضوح والجلاء بحيث لا يحتاج إلى قسم، {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} وكون هذه للقسم -والله تعالى أعلم- أقرب وأنها كنظائرها، وقوله -تبارك وتعالى-: {فَلَا أُقْسِمُ} يعني أقسم بما تبصرون، {وَمَا لَا تُبْصِرُونَ}، يعني أقسم الله -تبارك وتعالى- بهذا القسم الذي يحوي هذا المعنى الواسع، وهو أوسع قسمٍ في القرآن فإن قوله: {بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ} يدخل فيه كل شيء من عالم الغيب والشهادة، أقسم بهذا القسم العظيم على أن هذا القرآن قول رسول كريم، أضافه إلى الرسول هنا بأي اعتبار؟ "إنه لقول رسول كريم" من هذا الرسول؟، الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هنا قال: هو محمد -صلى الله عليه وسلم- {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} وهذا تحتمله الآية، ويحتمل أن يكون المراد جبريل -صلى الله عليه وسلم- وبهذا قال جمع من السلف كالحسن ومقاتل والكلبي، قالوا: الرسول هو الرسول الملائكي جبريل -صلى الله عليه وسلم-، فسروه بالآية الأخرى ما هي؟ {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} ما صفته؟ {ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [سورة التكوير:20-21] هذه صفة من؟ صفة جبريل -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: هذه الآية تفسرها تلك، فأضاف ذلك إلى الملَك باعتبار أنه مبلغ له، وسواء كان ذلك يقصد به النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو يقصد به جبريل فهؤلاء كلهم من المخلوقين، والقرآن كلام الله غير مخلوق، فلفظه ومعناه من الله تكلم به حقيقة، وليس بكلام مخلوق، ولكنه يضاف إلى جبريل أو إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- باعتبار أنه المبلغ عن الله -تبارك وتعالى- يقول: {وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ} [سورة التكوير:22] يعني محمداً -صلى الله عليه وسلم-، والصحبة تقال لأدنى ملابسة، يعني هذه الصحبة التي أضافها إليهم بأي اعتبار؟ باعتبار أنه أرسل إليهم، وهو منهم أي من هؤلاء الذين بعث فيهم، فالصحبة تقال لأدنى ملابسة، قد تكون لصلة وشيجة {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} [سورة التوبة:40]، وقد تكون لغير ذلك، صاحب الجنة الذي ذكر الله خبره في سورة الكهف جاء فيه هذا الوصف، {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} [سورة الكهف:35] فاغتر وأعجب بها، وقال: {مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا} فالشاهد أنه: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} [سورة الكهف:37] فالصحبة تقال لأدنى ملابسة، قد تكون بينهما خصومة ويقال: هذا صاحبك، قد يحضر عند القاضي خصمان فيقول للآخر: هذا صاحبك قد حضر.

{وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ} [سورة التكوير:22] المقصود به محمد -صلى الله عليه وسلم- بلا إشكال، لكن ما قبله {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} هذا لا شك أنه جبريل -عليه الصلاة والسلام-، وكل هذا قد مضى الكلام عليه.

ثم قال تعالى: {وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ} يعني محمداً -صلى الله عليه وسلم-، {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} [سورة التكوير:23] يعني أن محمدًا قد رأى جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} [سورة التكوير:24] أي: بمتهم

{وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} [سورة التكوير:25] وهكذا قال هاهنا: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} فأضافه الله تارة إلى قول الرسول الملكي وتارة إلى الرسول البشري؛ لأن كلًّا منهما مبلغ عن الله ما استأمنه عليه من وحيه وكلامه ولهذا قال تعالى: {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}.

قوله -تبارك وتعالى-: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ} هم تفرقت أقوالهم في النبي -صلى الله عليه وسلم- فتارة يقولون: مجنون، وتارة يقولون: شاعر، وتارة يقولون: كاهن، فهم في قول مضطرب ولا يثبتون فيه على شيء، هذا القول كما وصفه الله -عز وجل- مختلف؛ لأنه لا حقيقة له، {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ} بعضهم يقول: إن "ما" هذه زائدة إعرابًا، فالمعنى يكون في {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ} وهكذا ما بعده من قوله: {قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ}: أنكم تؤمنون قليلًا، تذكّرون قليلًا، أو زمانًا قليلًا، والقلة هنا بمعنى النفي، والعرب تعبر بمثل هذا وتقصد به النفي، {قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} الكاهن معروف الذي يدعي علم الغيب، قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} قال مقاتل: بما تبصرون من الخلق ومالا تبصرون منه، وقال قتادة: أقسم بالأشياء كلها بما يُبصَر منها ومالا يبصر، وقال الكلبي: تبصرون من شيء، ولا تبصرون من شيء، وهذا أعم قسم وقع في القرآن، فإنه يعم العلويات والسفليات، والدنيا والآخرة وما يُرى وما لا يرى، ويدخل في ذلك الملائكة كلهم، والجن، والإنس، والعرش، والكرسي، وكل مخلوق، وكل ذلك من آيات قدرته وربوبيته، وهو سبحانه يصرف الأقسام كما يصرف الآيات، ففي ضمن هذا القسم أن كل ما يُرى ومالا يرى آية ودليل على صدق رسوله، وأن ما جاء به هو من عند الله، وهو كلامه لا كلام شاعر، ولا مجنون ولا كاهن.

ومن تأمل المخلوقات ما يراه منها وما لا يراه، واعتبر ما جاء به الرسول بها، ونقل فكرته في مجاري الخلق والأمر ظهر له أن هذا القرآن من عند الله، وأنه كلامه، وهو أصدق الكلام، وأنه حق ثابت كما أن سائر الموجودات ما يُرى منها ومالا يُرى حق، كما قال تعالى: {فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} [سورة الذاريات:23] أي: إن كان نطقكم حقيقة -وهو أمر موجود لا تمارون فيه ولا تشكون- فهكذا ما أخبرتكم به من التوحيد والمعاد والنبوة حق، فكأنه سبحانه يقول: إن القرآن حق كما أن ما شاهدوه من الخلق ومالا يشاهدونه حق موجود، بل لو فكرتم فيما تبصرون وما لا تبصرون لدلكم ذلك على أن القرآن حق، ويكفي الإنسانَ من جميع ما يبصره وما لا يبصره بعينه مبدأُ خلقه ونشأتُه وما يشاهده"([9]).

الآن هو يتكلم على الربط بين المقسم به والمقسم عليه، وجه المناسبة بينهما.

وقال -رحمه الله-: "وما يشاهده من أحواله ظاهراً وباطناً ففي ذلك أبين دلالة على وحدانية الرب، وثبوت صفاته، وصدق ما أخبر به رسوله، وما لم يباشر قلبه ذلك حقيقة لم تخالط بشاشة الإيمان قلبه.

ثم ذكر سبحانه المقسم عليه فقال: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} وهذا رسوله البشري محمد"([10]).

الآن هو يوافق ابن كثير أن الرسول هو محمد -صلى الله عليه وسلم-، وابن جرير يقول: هو جبريل -عليه السلام.

وقال -رحمه الله-: "وهذا رسوله البشري محمد -صلى الله عليه وسلم-، وفي إضافته إليه باسم الرسالة أبين دليل أنه كلام المرسِل، فمن أنكر أن يكون الله قد تكلم بالقرآن فقد أنكر حقيقة الرسالة، ولو كانت إضافته إليه إضافة إنشاء وابتداء لم يكن رسولاً، ولناقضَ ذلك إضافته إلى رسوله الملكي في سورة التكوير"([11]).

وقال -رحمه الله-: "ثم أخبر سبحانه أنه تنزيل من رب العالمين، وذلك يتضمن أمورًا:

أحدها: أنه تعالى فوق خلقه كلهم، وأن القرآن نزل من عنده"([12]).

هذا باعتبار أن النزول لا يكون إلا من أعلى إلى أسفل، وهذا دليل على علو الله -عز وجل-، وأن القرآن منزل من الله، والتنزيل في القرآن جاء على ثلاث صور:

الصورة الأولى: إخبار بأن بعض الأشياء أنزلها -تبارك وتعالى- من عنده، هذا لم يرد إلا في القرآن {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} وهذه إحدى الآيات والأمثلة على هذا النوع.

الصورة الثانية: الإخبار بالإنزال مطلقًا {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ} [سورة الحديد:25]، ما قال: من السماء ولا غير ذلك.

الصورة الثالثة: تقييد المنزل بقيد لكن ليس منه -تبارك وتعالى-، {وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء} [سورة البقرة:22]، {وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [سورة الزمر:6] من الأنعام، من السماء، وهذه الصور الثلاث كلها تدل على أن النزول من أعلى إلى أسفل، نزول حقيقي، إنزال الحديد مثلًا يقولون: أجود أنواع الحديد إنما يؤخذ من أعالي الجبال، {وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ} يقولون: باعتبار أن أصولها أنزلت من السماء، أصول الأنعام، أو باعتبار أن ذكورها تنزو على إناثها فيقع ذلك منها في الأرحام وهو نزول وإنزال، أو باعتبار أن الولد حينما يخرج ينزل منها إلى الأرض، فالنزول حاصل وواقع، المقصود أن كل استعمالات النزول تدل على نزول من أعلى إلى أسفل، لكن تقييد ذلك بأنه من الله هذا لم يرد إلا في القرآن.

قال ابن القيم -رحمه الله-: " والثاني: أنه تكلم به حقيقة لقوله: {مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ولو كان غيره هو المتكلم به لكان من ذلك الغير، ونظير هذا قوله: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي} [سورة السجدة:13]، ونظيره قوله: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقّ} [سورة النحل:102]، وقوله: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [سورة الزمر:1]، وقوله: {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [سورة فصلت:42] وما كان من الله فليس بمخلوق، ....

وتأمل كيف أضافه سبحانه إلى الرسول بلفظ القول، وأضافه إلى نفسه بلفظ الكلام في قوله: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [سورة التوبة:6] فإن الرسول يقول للمرسَل إليه ما أمر بقوله، فيقول: قلت كذا وكذا، وقلت له ما أمرتني أن أقوله، كما قال المسيح: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ} [سورة المائدة:117]، والمرسِل يقول للرسول: قل لهم كذا وكذا كما قال تعالى: {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ} [سورة إبراهيم:31]، {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [سورة الإسراء:53]، {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [سورة النور:30] ونظائره، فإذا بلغ الرسول ذلك صح أن يقال: قال الرسول كذا، وهذا قول الرسول أي: قاله مبلِّغاً، وهذا قوله مبلِّغاً عن مرسِله، ولا يجيء في شيء من ذلك تكلم لهم بكذا وكذا، ولا تكلم الرسول بكذا وكذا، ولا أنه بكلام رسول كريم، ولا في موضع واحد، بل قيل للصديق -وقد تلى آية-: هذا كلامك وكلام صاحبك، فقال: ليس بكلامي، ولا كلام صاحبي، هذا كلام الله.

الأمر الثالث: ما تضمنه قوله {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أن ربوبيته الكاملة لخلقة تأبى أن يتركهم سدى لا يأمرهم، ولا ينهاهم ولا يرشدهم إلى ما ينفعهم، ويحذرهم ما يضرهم، بل يتركهم هملاً بمنزلة الأنعام السائمة، فمن زعم ذلك لم يقدر رب العالمين قدره، ونسبه إلى مالا يليق به تعالى: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [سورة المؤمنون:116].

ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله، وأنه لم يتقول عليه فيما قاله، وأنه لو تقول عليه لما أقره ولعاجله بالإهلاك، فإن كمال علمه وقدرته وحكمته تأبى أن يقر من تقول عليه وافترى عليه، وأضل عباده واستباح دماء من كذبه وحريمهم وأموالهم، وأظهر في الأرض الفساد، والجور والكذب، وخالف الخلق، فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأقدر القادرين أن يقره على ذلك؟ بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بأهل الحق يسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلاً: إن الله أمرني بذلك وأباحه لي؟! بل كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها، فيصدقه بإقراره وبالآيات المستلزمة لصدقه التي دلالتها على التصديق كدلالة التصديق بالقول وأظهر، ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها، فكل آية على انفرادها مصدقة له، ثم يحصل باجتماع تلك الآيات تصديق فوق تصديق كل آية بمفردها، ثم يعجز الخلق عن معارضته، ثم يصدقه بكلامه وقوله، ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامه، فيشهد له بإقراره وفعله وقوله؟!، فمن أعظم المحال وأبطل الباطل وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين ورب العالمين أن يفعل ذلك بالكاذب المفترى عليه الذي هو شر الخلق على الإطلاق، فمن جوز على الله أن يفعل هذا بشر خلقه وأكذبهم فما آمن بالله قطعاً، ولا عرف الله، ولا هذا هو رب العالمين، ولا يحسن نسبة ذلك إلى من له مُسْكة من عقل وحكمة وحجا، ومن فعل ذلك فقد أزرى بنفسه ونادى على جهله"([13]).

قال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [سورة الحاقة:44-52].

يقول تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا} أي: محمد -صلى الله عليه وسلم- لو كان كما يزعمون مفتريًا علينا فزاد في الرسالة أو نقص منها أو قال شيئاً من عنده فنسبه إلينا وليس كذلك لعاجلناه بالعقوبة؛ ولهذا قال تعالى "لأخذنا منه باليمين" قيل: معناه لانتقمنا منه باليمين لأن هذه أشد في البطش.

قوله -تبارك وتعالى-: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ} يقول: إنه محمد -صلى الله عليه وسلم-، وفي الموضع الذي قبله أيضًا لما قال: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} قال: هو محمد -صلى الله عليه وسلم-، وذكرنا أن من أهل العلم من قال: إنه جبريل -عليه الصلاة والسلام-، وهنا أيضًا في قوله: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ} منهم من قال: إنه جبريل -عليه الصلاة والسلام-، لكن بهذا الموضع كأن الأقرب -والله أعلم- أن المقصود به هو محمد -صلى الله عليه وسلم-، يعني هناك قرينة في الأول يمكن أن يحتج بها من قال: إنه جبريل -عليه الصلاة والسلام- وهي ما في آية التكوير، وهنا قال بهذا السياق: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ}، فهذا يشعر أن المراد هو النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولقائل أن يقول: إن ذلك في الموضعين واحد، فيكون ذلك قرينة على أن الأول أيضًا هو النبي      -صلى الله عليه وسلم-، فكأن ذلك -والله أعلم- هو الأقرب إلى نظر إلى السياق، ولا مانع من أن يكون في هذا الموضع يراد به النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي سورة التكوير أنه جبريل -عليه الصلاة والسلام-، فكلاهما مبلغ عن الله -تبارك وتعالى-، يقول: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ} التقول هو التكلف، لو تقوَّل يعني لو تكلف ذلك وجاء به من عند نفسه، بمعنى أنه اختلقه، ونسبه إلى الله -تبارك وتعالى- فإن الله لا يقره على هذا؛ ولهذا فإن ما يُستدل به -كما هو معلوم- على صحة نبوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غير المعجزات أنه يضيف ذلك جميعاً إلى الله ويقول: هذا كلامه، وهذا وحيه، وهذا أمره، وهذا نهيه، وهذا شرعه، وهو الذي أمرني بقتال الكفار والمخالفين، ثم الله -تبارك وتعالى- ينصره ويؤيده ويبقى على ذلك هذه المدة الطويلة، ثم تكون العاقبة له، هذا لا يكون، ولهذا قال: {لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} قيل: معناه لانتقمنا منه باليمين؛ لأنها أشد في البطش، وكما يقول ابن جرير -رحمه الله-: إن ذلك خرج مخرج الإذلال على عادة الناس في الأخذ بيد من يعاقَب، بمعنى {لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} أي: بيمينه هو يعني على عادة العرب في أخذ من يريدون معاقبته، وعلى المعنى الأول أن ذلك عبر به؛ لأن اليمين هي الأقوى، وإذا كان ذلك في مكان العقوبة فهذا أشد في البطش، وبعض أهل العلم كأصحاب معاني القرآن فسروا ذلك بالقوة والقدرة، {لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} فاليمين تأتي مرادًا بها هذا المعنى، هذا الذي ذهب إليه الفراء والزجاج، وكذلك المبرد، وابن قتيبة، قالوا: المراد بذلك القوة والقدرة؛ لكون القوة كامنة في اليمين، فقوة كل شيء في ميامنه، ولهذا يقال لليد الأخرى الشمال يقال لها: يسار من باب التيمن، وفي صفة الله -تبارك وتعالى- قال: ((وبيده الأخرى))([14])، ما قال: الشمال، معنى ذلك جاء في رواية عند مسلم لكن تكلم العلماء عليها، فمنهم من قال: إن هذه اللفظة شاذة، "بيده الأخرى"، ((وكلتا يديه يمين))([15])، على توجيهات ذكرها أهل العلم هناك، فالشاهد أن قوة كل شيء في ميامنه ففُسر هذا بالقوة والقدرة، يعني يؤخذ أخذًا قويًا شديدًا، وهذا المعنى لم يقل به أصحاب المعاني هؤلاء فقط ومعهم ابن قتيبة من أهل السنة كما هو معروف، ولكن نقل عن بعض السلف تفسير اليمين، وهنا ليست هذه من آيات الصفات {لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} يقول هنا: لأنها أشد في البطش.

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: " {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} يقول سبحانه: لو تقول علينا قولاً واحداً من تلقاء نفسه لم نقله ولم نوحه إليه لما أقررناه ولأخذنا بيمينه ثم أهلكناه، هذا أحد القولين، قال ابن قتيبة: في هذا قولان:

أحدهما: أن اليمين القوة والقدرة، وأقام اليمين مقام القوة؛ لأن قوة كل شيء في ميامنه، قلت: وعلى هذا تكون اليمين من صفة الأخذ، وهذا قول ابن عباس في اليمين.

قال: ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر، وهذا أن الكلام ورد على ما اعتاده الناس من الأخذ بيد من يعاقَب، وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل: خذ بيده، وأكثر ما يقوله السلطان والحاكم بعد وجوب الحكم، خذ بيده، واسفَع بيده، فكأنه قال: لو كذب علينا في شيء مما بلّغ إليكم عنا لأخذنا بيمينه ثم عاقبناه بقطع الوتين، وإلى هذا المعنى ذهب الحسن ا.هـ.

فقد أخبر سبحانه أنه لو تقول عليه شيئاً من الأقاويل لما أقره ولعاجله بالعقوبة فإنّ كذباً على الله ليس ككذب على غيره، ولا يليق به أن يقر الكاذب عليه فضلاً عن أن ينصره ويؤيده ويصدقه.

وقوله: {ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} والوتين نياط القلب، وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب إذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه، هذا قول جميع أهل اللغة، قال ابن قتيبة: ولم يُرد أنا نقطع ذلك العرق بعينه، ولكنه أراد لو كذب علينا لأمتناه، أو قتلناه، فكان كمن قطع وتينه، قال: ومثله قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((ما زالت أكلة خيبر تعاودني وهذا أوانُ قَطعتْ أبْهَري))([16]).

والأبْهَر عرق يتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه، فكأنه قال: فهذا أوان قتَلَني السمُّ فكنت كمن انقطع أبْهَره.

ثم قال تعالى: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِين} أي: لا يحجزه مني أحد ولا يمنعه مني"([17]).

{ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} قال ابن عباس: وهو نياط القلب وهو العرق الذي القلب معلق فيه، وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والحكم وقتادة والضحاك ومسلم البَطين وأبو صخر حميد بن زياد، وقال محمد بن كعب: هو القلب ومراقُّه وما يليه.

يعني هم يقولون: هو العرق الأعظم في القلب، وما أشار إليه الحافظ ابن القيم -رحمه الله- مما نقله عن ابن قتيبة: عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب، {لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ}، بمعنى الإهلاك المحقق؛ لأن ذلك إذا قطع فإن ذلك يعني الهلاك.

ابن جرير -رحمه الله- قال كما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: هو نياط القلب، وهو العرق الذي القلب معلق فيه، هذا الذي اختاره ابن جرير -رحمه الله.

وقوله تعالى: {فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [سورة الحاقة:47] أي فما يقدر أحد منكم أن يحجز بيننا وبينه إذا أردنا به شيئاً من ذلك، والمعنى في هذا بل هو صادق بار راشد؛ لأن الله -عز وجل- مُقرِّر له ما يبلغه عنه، ومؤيد له بالمعجزات الباهرات والدلالات القاطعات.

ثم قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ}، يعني القرآن، كما قال تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [سورة فصلت:44]، ثم قال تعالى: {وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ} أي: مع هذا البيان والوضوح سيوجد منكم من يكذب بالقرآن، ثم قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ}، قال ابن جرير: وإن التكذيب لحسرة على الكافرين يوم القيامة وحكاه عن قتادة بمثله.

ابن جرير يقول: وإن التكذيب يعني بالقرآن، لا يقصد مطلق التكذيب، وإن كان التكذيب مطلقًا حسرة على الكافرين، لكن الكلام في القرآن، وإن التكذيب لحسرة على الكافرين يوم القيامة، يعني إن التكذيب به حسرة على الكافرين بالقرآن.

ويحتمل عود الضمير على القرآن أي: وإن القرآن والإيمان به لحسرة في نفس الأمر على الكافرين، كما قال تعالى: {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ} [سورة الشعراء:200-201]، وقال تعالى: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} [سورة سبأ:54]؛ ولهذا قال هاهنا: {وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ} أي الخبر الصدق الحق الذي لا مرية فيه ولا شك ولا ريب، ثم قال تعالى: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} الذي أنزل هذا القرآن العظيم.

آخر تفسير سورة الحاقة، ولله الحمد والمنة.

{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} "فسبح باسم ربك" ابن جرير -رحمه الله- يقول: المعنى بذكر ربك وتسمية العظيم، يعني هذا مثل قوله: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [سورة الأعلى:1] المعنى الذي ذكره ابن جرير يعني سبحه ذاكرًا اسمه العظيم، تقول: سبحان ربي العظيم تذكر هذا الاسم؛ لأن قوله -تبارك وتعالى-: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ} سبِّح باسمه يعني سبِّح اللهَ -تبارك وتعالى- ذاكرًا اسمه، فهنا جاء بـ"الباء" سبح باسم، لكن في مثل قوله: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} هل المقصود تنزيه الاسم أي نزِّه اسم ربك الأعلى، أو المقصود تنزيه الرب          -تبارك وتعالى- بذكر اسمه؟، النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا قرأ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} قال: سبحان ربي الأعلى، فسبَّحَ ربَّه ولم يسبح الاسم، فهذا تفسير من النبي -صلى الله عليه وسلم- لهذا الموضع فيكون ذلك بمعنى سبِّح ربك ذاكرًا اسمه، فيكون ذكر الاسم مقصودًا.

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "ثم أخبر سبحانه أن القرآن تذكرة للمتقين، يتذكر به المتقى فيبصر ما ينفعه فيأتيه، وما يضره فيجتنبه، ويتذكر به أسماء الرب تعالى وصفاته وأفعاله فيؤمن، ويتذكر به ثوابه وعقابه ووعيده وأمره ونهيه وآياته في أوليائه وأعدائه، ونفسه وما يزكيها وما يطهرها ويعليها، وما يدسيها ويخفيها ويحقرها، ويذكر به علم المبدأ والمعاد والجنة والنار، وعلم الخير والشر، فهو التذكرة على الحقيقة، تذكرة حجة للعالمين ومنفعة وهداية للمتعلمين"([18]).

يعني هذه الأشياء الداخلة تحت قوله: {وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ}، فهو تذكرة في كل هذه الأشياء.

قال ابن القيم -رحمه الله-: " ثم قال سبحانه: {وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ} أي: لا يخفون علينا فسنجازيهم بتكذيبهم.

ثم أخبر سبحانه أن رسوله وكلامه حسرة على الكافرين إذا عاينوا حقيقة ما أخبر به كان تكذيبهم عليهم من أعظم الحسرات حين لا ينفعهم التحسر، وهكذا كل من كذب بحق، وصدق بباطل، فإنه إذا انكشف له حقيقة ما كذب به وصدق به كان تكذيبه وتصديقه حسرة عليه، كمن فرط فيما ينفعه وقت تحصيله حتى إذا اشتدت حاجته إليه، وعاين فوز المحصلين صار تفريطه عليه حسرة.

ثم أخبر سبحانه أن القرآن والرسول حق اليقين، فقيل: هو من باب إضافة الموصوف إلى صفته، أي الحق اليقين، نحو مسجد الجامع وصلاة الأولى، وهذا موضع يحتاج إلى تحقيق فنقول وبالله التوفيق:

ذكر الله سبحانه في كتابه مراتب اليقين وهي ثلاثة: حق اليقين، وعلم اليقين، وعين اليقين، كما قال تعالى: {كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} [سورة العاديات:5-7] فهذه ثلاث مراتب لليقين، أولها: علمه وهو التصديق التام به بحيث لا يعرض له شك ولا شبهة تقدح في تصديقه، كعلم اليقين بالجنة مثلاً، وتيقنهم أنها دار المتقين ومقر المؤمنين، فهذه مرتبة العلم، كيقينهم أن الرسل أخبروا بها عن الله وتيقنهم صدق المخبر.

المرتبة الثانية: عين اليقين وهي مرتبة الرؤية والمشاهدة كما قال تعالى: {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ}، وبين هذه المرتبة والتي قبلها فرق ما بين العلم والمشاهدة، فاليقين للسمع، وعين اليقين للبصر، وفي المسند للإمام أحمد مرفوعاً: ((ليس الخبر كالمعاينة))([19])"([20]).

بمعنى أنه إذا تيقن صدق ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- وما أخبر به القرآن فهذا علم اليقين، فإذا شاهده شاهد الجنة أو النار فهذا عين اليقين، فإذا دخل في الجنة فهذا حق اليقين، وابن القيم -رحمه الله- في مواضع أخرى مثل لهذا بأمثلة يقول: إذا وُصف لإنسان مثلًا عسل واستيقن خبر المخبر فهذا علم اليقين، فإذا رآه هذا عين اليقين، فإذا ذاقه فهذا حق اليقين، هذه المراتب الثلاث، وإبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لما قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} [سورة البقرة:260] كان قد بلغ الكمال في اليقين والإيمان، ولكنه أراد أن ينتقل من مرتبة إلى مرتبة أعلى منها في الكمال، والكمال يتفاوت، أراد أن ينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين، بعض أهل العلم كالحافظ ابن القيم -رحمه الله- في بعض كتبه يقول: إن المساحة بين علم اليقين وعين اليقين يقال لها: شك ليس من باب التردد، وإنما فقط من باب التسمية، يقول: لهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((نحن أحق بالشك من إبراهيم))([21])، وإلا فإبراهيم لم يكن شاكًا -عليه الصلاة والسلام- بل كان من أئمة أهل اليقين، أئمة الموقنين.

وقال -رحمه الله-: "{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} وهي جديرة بهذه الخاتمة لما تضمنته من الإخبار عن عظمة الرب تعالى وجلاله، وذكر عظمة ملكه، وجريان حكمه بالعدل على عباده في الدنيا والآخرة، وذكر عظمته تعالى في إرسال رسوله وإنزال كتابه، وأنه تعالى أعظم وأجل وأكبر عند أهل سماواته والمؤمنين من عباده من أن يقر كذباً متقوَّلاً عليه مفترى عليه"([22]).

هو يتكلم عن المناسبة مناسبة ختم السورة لموضوعها أو مضمونها، هذا النوع في الكلام على المناسبات لا يكاد يذكر إطلاقًا، المناسبات التي تُذكر هي المناسبة بين فاتحة السورة وخاتمتها، المناسبة بين الآية والآية، بين الجملة والجملة، والكلمة والكلمة، المناسبة بين السورة والسورة عند القائلين بأن ترتيب السور توقيفي، المناسبة بين المقطع والمقطع، لكن المناسبة بين ختم السورة ومضمون السورة أو موضوعها هذا لا يكاد يتكلم عنه أحد، فهم يتكلمون عن ختم الآية مناسبة ختم الآية بمضمونها هذا موجود وكثير، يعني مثلًا حينما قال عيسى -صلى الله عليه وسلم-: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [سورة المائدة:118] ما مناسبة ذكر العزيز الحكيم في هذا المقام مثلًا؟ هذا في الأشياء التي قد تشكل أما الواضحات فهي أكثر من أن تحصى.

لكن هذا نوع لا يكاد يذكر عند المشتغلين بالمناسبات.

قال -رحمه الله تعالى-: "وأنه تعالى أعظم وأجل وأكبر عند أهل سماواته والمؤمنين من عباده من أن يقر كذباً متقولاً عليه مفترى عليه، يبدل دينه، وينسخ شرائعه، ويقتل عباده، ويخبر عنه بما لا حقيقة له، وهو سبحانه مع ذلك يؤيده وينصره ويجيب دعواته ويأخذ أعداءه ويرفع قدره ويعلي ذكره، فهو سبحانه العظيم الذي تأبى عظمته أن يفعل ذلك بمن أتى بأقبح أنواع الكذب والظلم، فسبحان ربنا العظيم وتعالى عما ينسبه إليه الجاهلون علوا كبيرا"([23]).

 

 


 

[1] - تفسير ابن أبي حاتم (10/ 3371).

[2] - رواه البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب قول الله تعالى: {أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود:18]، برقم (2441)، وبرقم (4685)، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: {وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود:18].

[3] - رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب درجات المجاهدين في سبيل الله، يقال: هذه سبيلي وهذا سبيلي، برقم (2790)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب بيان ما أعده الله تعالى للمجاهد في الجنة من الدرجات، برقم (1884).

[4] - رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، برقم (6467)، ومسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى، برقم (2818).

[5] - رواه مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب صبغ أنعم أهل الدنيا في النار وصبغ أشدهم بؤساً في الجنة، برقم (2807).

[6] - رواه أحمد في المسند، برقم (6856)، وقال محققوه: "إسناده حسن"، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، برقم (4805).

[7] - رواه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، برقم (2851).

[8] - رواه ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في ذكر مرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، برقم (1625)، وأحمد في المسند، برقم (12169)، وقال محققوه: "حديث صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح، إلا أن سليمان التيمي اختلف عليه وخولف فيه"، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (868).

[9] - التبيان في أقسام القرآن (ص: 175)

[10] - المصدر السابق (ص: 176)

[11] - المصدر السابق.

[12] - المصدر السابق (ص: 176-177)

[13] - التبيان في أقسام القرآن (ص:177-180).

[14] - رواه مسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف، برقم (993).

[15] - رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم، برقم (1827).

[16] - رواه أبو داود في سننه، كتاب الديات، باب فيمن سقى رجلا سُما أو أطعمه فمات أيقاد منه؟، برقم (4512)، والبيهقي في السنن الكبرى، برقم (19499)، وقال الألباني: حسن صحيح.

[17] - التبيان في أقسام القرآن (ص: 183-185).

[18] - التبيان في أقسام القرآن (ص: 190).

[19] - رواه أحمد في المسند، برقم (1842)، وقال محققوه: "حديث صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين"، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (5373).

[20] - التبيان في أقسام القرآن (ص:190-192).

[21] - رواه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله -عز وجل-: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ} [الحجر:52]، برقم (3372)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة، برقم (151).

[22] - التبيان في أقسام القرآن (ص:193).

[23] - التبيان في أقسام القرآن (ص:193).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about