استعرض النسخة الجديدة من الموقع
‏‏(05) قول الماتن " إذا عرف هذا، فالسلف كثيرا ما يعبرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه ‏‏... "‏
عدد الزوار : 4306
تاريخ الإضافة : 20 شوّال 1434
MP3 : 33372 kb
PDF : 3621 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية (5)

قول الماتن: إذا عُرف هذا، فالسلف كثيراً ما يعبرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولجميع المسلمين.

قال شيخ الإسلام -رحمنا الله وإياه-: إذا عُرف هذا فالسلف كثيراً ما يعبرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه، وإن كان فيها من الصفة ما ليس في الاسم الآخر، كمن يقول: أحمد هو الحاشر والماحي والعاقب، والقدوس هو الغفور والرحيم، أي: أن المسمى واحد لا أن هذه الصفة هي هذه الصفة، ومعلوم أن هذا ليس اختلاف تضاد كما يظنه بعض الناس، مثال ذلك: تفسيرهم للصراط المستقيم، فقال بعضهم: هو القرآن، أي اتّباعه، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث علي الذي رواه الترمذي ورواه أبو نعيم من طرق متعددة: ((هو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم))([1])، وقال بعضهم: هو الإسلام لقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث النواس بن سمعان الذي رواه الترمذي وغيره: ((ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيمَاً وعلى جنبتي الصراط سوران، وفي السورين أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وداعٍ يدعو من فوق الصراط، وداعٍ يدعو على رأس الصراط، قال: فالصراط المستقيم هو الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، والداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن))([2]).

 فهذان القولان متفقان؛ لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر، كما أن لفظ الصراط يشعر بوصف ثالث، وكذلك قول من قال: هو السنة والجماعة، وقول من قال: هو طريق العبودية، وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأمثال ذلك، فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها.

هذه الأمثلة التي ذكرها، تفسير الصراط بأنه القرآن، وذكر حديث علي -رضي الله عنه- هو حبل الله المتين إلى آخره، وأشرنا إلى أن هذا لا يصح، قد روي مرفوعاً وموقوفاً، واتباع القرآن لا شك أنه اتباع للصراط المستقيم.

 وهكذا أيضاً من قال: إنه الإسلام، فإن القرآن هو الكتاب الذي أنزله الله على عبده ورسوله محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهو الأصل والأساس والسنة شارحه له، فمن قال: اتباع القرآن فهذا يكون بمعنى اتباع الصراط المستقيم، وكذلك من قال: الإسلام فإن العمل بالإسلام يكون باتباع القرآن، فهذا كله مؤداه واحد، وذكر هذا الحديث الدال على هذا المعنى فيما يتصل بالإسلام: ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، ثم بعد ذلك فسر الصراط المستقيم بالإسلام، فإن الصراط المستقيم الذي ندعو به في كل ركعة {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [سورة الفاتحة:6]، هو الطريق التي رسمها الله لعباده من أجل سلوكها.

 وهذه الطريق التي رسمها هي ما شرعه لهم، وما شرعه لهم هو الإسلام، وهذا التشريع شرعه لهم بالقرآن، والسنة شارحة ومبينة للقرآن، فهذا كله يرجع إلى شيء واحد، فهذا ليس من قبيل اختلاف التضاد بل هو من قبيل اختلاف التنوع، ويقول: وكذلك قول من قال: هو السنة والجماعة، فإن السنة والجماعة هي العمل بالكتاب والسنة، ويقال: أهل السنة، أو يقال: أهل السنة المحضة، وهم الذين يمتثلون الإسلام كما جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعيداً عن البدع والأهواء والضلالات، وما إلى ذلك، فاتباع السنة والجماعة هو اتباع الإسلام، هو اتباع القرآن، وهكذا قول من قال: هو طريق العبودية، فإن تحقيق العبودية لله -عز وجل- بتحقيق الإسلام بإسلام القلب والجوارح واللسان لربها ومليكها -جل جلاله-، فيكون لكل منها عبودية، هذه العبوديات المنقسمة على هذه الثلاث -القلب واللسان والجوارح- هي شرائع الدين من أوله إلى آخره، الظاهر والباطن، يعني ابتداء من الإقرار والانقياد والتصديق القلبي إلى النطق بالشهادتين، ما يتصل باللسان إلى العمل بالجوارح من الصلاة وغيرها، كل ذلك ينتظم شرائع الإسلام، طاعة الله وطاعة رسوله، أيضاً من عبر بهذا فهذا معنى العبودية، هذا معنى الإسلام، هذا معنى اتباع القرآن، هذا كله لا إشكال فيه؛ ولذلك من الخطأ أن نأتي لتفسير الصراط المستقيم مثلاً فنقول: القول الأول: أنه السنة والجماعة، القول الثاني: أنه الإسلام، القول الثالث: اتباع القرآن، هذا غلط، هذه ليست بأقوال، وإنما نقول: الصراط المستقيم هو اتباع القرآن، والسنة شارحة له، وذلك بتحقيق العبودية لله -عز وجل-، وذلك بالعمل بشرائع الدين ظاهراً وباطناً، فتكون النفوس مسلمة لربها -تبارك وتعالى-، فيكون العبد مطيعاً لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-، بهذه العبارات يكون تفسير هذه الجملة {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}.

هذا هو الصنف الأول، عبارات متنوعة وكل ذلك يرجع إلى شيء واحد، الصنف الثاني أن هذا يرجع إلى قسمين أساسيين عند شيخ الإسلام -أعني اختلاف التنوع-، والقسم الثاني منهما يتفرع منه صور ترجع إليه، يعني أن يكون ذلك من أفراد هذا المعنى، أو من أفراد هذا المفسَّر، فيكون ذلك من قبيل التفسير بالمثال أو ما يشبهه كما سيتضح -إن شاء الله.

قال: الصنف الثاني أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه.

الآن أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل التعريف عندما تعرّف شيئاً من الأشياء يكون التعريف على أنواع، من أنواع التعريف وهو أسهلها أن تعرف بالمثال، يقول إنسان: الساعة ما هي الساعة التي للوقت، ليست القيامة، تقول له: هذه، فما يأتي إنسان آخر ويسأل سؤالاً فيقول: وهذه الساعة الثانية؟ وهذه؟، هذا جوابه السكوت، فمن المسائل كما يقول شيخ الإسلام ما جوابه السكوت يعني هذا سؤال إنسان لا يفهم، يعني هل يظن أن هذا للحصر أن الساعة فقط هذه، والأخرى هذه لا يقال لها: ساعة؟، هذا غير معقول، وإنما يفهم المخاطب أو السائل من الجواب أن المراد بذلك التمثيل، فإذا قيل: الكتاب ما هو؟ قل هذا "الجامع لأخلاق الراوي وأدب السامع"، فيأتي آخرُ ويسأل، أو هو يسأل يقول: وهذا "كتاب السنة للمروزي"؟ يا أخي بارك الله فيك، سبِّحْ، فهذا تفسير بالمثال وهو أسهل التعريفات، وهنا أنواع أخرى من التعريف لا نريد أن نخوض في هذا لكن ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- واحداً منها وهو المشهور، وهو الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، وهذا له ضوابط عند أهله من أهل المنطق، يعني يقول: الإنسان حيوان ناطق، حيوان يقصدون أنه حي، أى موصوف بالحياة، ناطق، فعرّفه بجنس قريب، الأجناس عندهم متفاوتة، جنس قريب، ثم عرفه بما هو أخص من هذا، وهو أنه ناطق، فناطق ميزه عن الحيوان البهيم مثل الفرس، هذا عندهم اسمه الحد، لكن هم يشترطون فيه أن يكون الحد بحيث لا يخرج من المحدود المعرَّف، يعني لا يخرج من بعض الأجزاء، ولا يدخل فيه ما ليس منه، يعني يقولون: حد جامع ومانع، جامع بمعني جامع لأفراد أو أجزاء المعرَّف، ومانع من دخول غيره، لمّا يقال مثلاً: ما هو الخمر؟ فيقال: الخمر هو الشراب المسكر، والشراب المسكر يدخل فيه عصير العنب، ويدخل فيه عصير الفواكه المسكر –النبيذ-، ويدخل فيه سائر أنواع المشروبات من الكحول وغيره التي تسكر، لكن هل هذا جاء من التعريف الجامع أو لا؟ بمعنى هل يمكن أن يكون الإسكار بطريقة تعاطٍ عن غير الشرب؟، هل يمكن أن يكون مأكولاً؟ يمكن، هل يمكن أن يكون عن طريق الوريد مثلاً أو عن طريق الشم؟، إذاً هذا التعريف ليس بجامع، لابد أن يكون التعريف ضابطاً للمعرَّف، وابن القيم -رحمه الله- ذكر أن هذه القضية في غاية الأهمية بالنظر إلى ألفاظ الشارع بحيث لا يدخل فيها ما ليس منها، ولا يخرج منها ما كان منها، هكذا حينما نعرف الربا، لو قيل مثلاً: الربا هو: بيع المال الربوي بمثله متفاضلاً مثلاً، هذا التعريف غير جامع، وهو أيضاً غير مانع، وهناك بعض الأشياء الربوية إذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد، ومسألة التفاضل ليست دائماً، هذا غير جامع مانع، المهم أن شيخ الإسلام هنا يقول: وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه مع العلم أن هؤلاء الذي يشتطون في التعريفات، يعني في الحد المطابق، ويُعنون بها عناية بالغة من أهل المنطق ومن تبعهم من عامة الأصوليين فتجد أنهم يذكرون للشيء الواحد أحياناً أكثر من عشرة تعريفات، ومحترزات التعريف، والاعتراضات على هذا التعريف، ثم قد يأتي من يتبعهم في ذلك من يدرس أصول الفقه مثلاً، أو بعض العلوم، فيحمّل التلاميذ فوق طاقتهم، ويقول: إن العلم هو التعريف، وهذا غلط، العلم ليس هو التعريف، التعريفات هذه تعطي تصورات، والعلم عند أهل المنطق هو إما تصور وإما تصديق، فالتصديق ذو نسبة –حكم- يعني نسبة شيء إلى شيء، الله واحد، الصلاة واجبة، لكن حينما نقول: الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المستنبطة من أدلتها التفصيلية، هذا تعريف يعطيك تصوراً أن الفقه ما هو بالحساب، لكن هل صرت فقيهاً بهذا؟ هل عرفت مسألة؟ لا، إنما أعطاك تصوراً، واضح؟، نقول: أصول الفقه معرفة دلائل الفقه إجمالاً، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد، هل صرت أصولياً بهذا؟ هل عرفت مسألة واحدة أصولية بهذا التعريف؟ لا، هذا تصور، فهذه التعريفات ليست هي العلم، ولهذا من الخطأ الاشتغال الطويل بها، فإن أهل المنطق ومن تبعهم من الأصوليين الذين يُعنون بالتعريفات يعترفون بأن الحد المطابق للمحدود على ما هو به غير ممكن؛ لأنه لا يحيط بتفاصيل ذلك إلا الله تعالى الذي خلق هذه الأشياء، وعرف كل التفاصيل المتصلة بها، لكن غاية ما يقول حذاقهم: إن هذا من باب التقريب فقط، إذا كان من باب التقريب فنمشي على ما قاله الشاطبي -رحمه الله- أنه لا داعي للتكلف في التعريفات، وإنما يذكر منها ما يقرب المراد، فإذا كان الذي يقربه المثال فإذا قال قائل: ما هو الماء؟ فإن تعريفه قد يزيده غموضاً، فيقال: الماء هو هذا الذي نشربه، وما هو الهواء؟، الهواء هذا الذي نتنفسه، انتهينا، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما أن نجلس نقول: الهواء ونعرف تعريفات كما قال الشاطبي -رحمه الله- ذكر أمثلة تعريف القمر: الجرم الصقيل المحوي في الجرم الحاوي، هذا يصلح أن يكون لغزاً، يقال له: ما هو الجرم الصقيل المحوي في الجرم الحاوي؟ للأسف هذا موجود، والطلاب يدرسونه ويهزون رءوسهم بالمحاضرة، ويظنون بأنهم في شيء، ولهذا قال بعض الحذاق من الأصوليين: إن الاشتغال بالتعريفات ليس من سبيل الراسخين في العلم، وكذلك الشغب على الأمثلة، فهنا الحد المطابق المحدود، هذا المراد به، وأنا أعلم أن هذا فيه نوع استطراد لكني أذكره للحاجة؛ لأننا في مقام مدارسة للعلم، والناس يبتلون بهذا كثيراً.

قال: مثل سائل أعجمي سأل عن مسمى لفظ الخبز فأُرِيَ رغيفاً، وقيل: هذا، فالإشارة إلى نوع هذا لا إلى هذا الرغيف وحده.

وهذا يقرب له المراد ويريحه، بدلاً من أن نعرّفه بالخبز، فتصور كيف نعرف الخبز؟، ومادة الخبز هل هي من بُر أو من شعير، أو من مادة أخرى؟ كيف سيعرَّف هذا؟، ولا يزيده إلا غموضاً، ثم يبدأ يسأل أسئلة أخرى عن أنواع أخرى من الخبز، فالتعريف بالمثال أحياناً يحصل به المقصود، ويكون ذلك أسهل للدارسين، أو لمن أراد أن يتعرف على هذا الشيء.

قال: مثال ذلك ما نقل في قوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} [سورة فاطر:32] فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات والمنتهك للمحرمات، والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات، والسابق يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات، فالمقتصدون هم أصحاب اليمين، والسابقون أولائك المقربون.

هذا معنى السابق، والمقتصد، والظالم، لكن إذا نظرت إلى كتب التفسير وجدت عبارات هي من قبيل المثال، ولا يصح بحال أن يقال: هي أقوال في التفسير، فإذا أردت أن تفسر الآية فمن الخطأ إذا نظرت في كلام السلف مثلاً أن تقول:

القول الأول: السابق هو الذي يصلي في أول الوقت.

والقول الثاني: أنه الذي يخرج الزكاة ويتصدق.

القول الثالث: هو الذي يصوم رمضان ويتطوع مثلاً، هذا خطأ، وإنما يقال إجمالاً: السابق هو الفاعل للواجبات التارك للمحرمات الذي يفعل المستحبات ويتقي الشبهات، فيكون ما ذكر من قبيل الأمثلة.

قال: ثم إن كلًّا منهم يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات، كقول قائل: السابق الذي يصلي في أول الوقت، والمقتصد الذي يصلي في أثنائه، والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار.

الاصفرار أي يكون قد خرج وقت الاختيار، هو يعبِّر بهذا، ما قال: الذي يصلي خارج الوقت، حتى لا يأتي قائل ويقول: بعض العلماء، قال: إن من أخرها خارج الوقت بغير عذر يكفر، هو أراد أن يخرج من هذا الإيراد أو السؤال، يقول: الذي يصلي في وقت الاصفرار يكون قد خرج وقت الاختيار، ودخل في وقت الاضطرار، يعني يفعل ذلك لضرورة، إذا اضطر.

العصر تُصلَّى والشمس بيضاء نقية مرتفعة، فإذا اصفرت فإن ذلك يعني خروج وقت الاختيار.

قال: أو يقول: السابق والمقتصد والظالم قد ذكرهم في آخر سورة البقرة، فإنه ذكر المحسنين بالصدقة، والظالم بأكل الربا، والعادل بالبيع، والناس في الأموال إما محسن وإما عادل وإما ظالم.

فالسابق المحسن بأداء المستحبات مع الواجبات، والظالم آكل الربا أو مانع الزكاة، والمقتصد الذي يؤدي الزكاة المفروضة ولا يأكل الربا، وأمثال هذه الأقاويل.

فكل قول فيه ذكر نوع داخل في الآية إنما ذكر لتعريف المستمع لتناول الآية له، وتنبيهه به على نظيره، فإن التعريف بالمثال قد يسهّل أكثر من التعريف بالحد المطابق، والعقل السليم يتفطن للنوع كما يتفطن إذا أشير له إلى رغيف فقيل له: هذا هو الخبز.

وقد يجيء كثيراً من هذا الباب قولهم: هذه الآية نزلت في كذا لاسيما إن كان المذكور شخصاً، كأسباب النزول المذكورة في التفسير كقولهم: إن آية الظهار نزلت...

الآن يقول: وقد يجيء كثيرا من هذا الباب قولهم: هذه الآية نزلت، انتبه، هذا ليس بنوع كما قد يتوهمه من قد يقرأ هذه العبارة، هذا ليس بنوع من أنواع اختلاف التنوع، هذا تابع لما سبق من ذكر بعض الأمثلة الداخلة تحت المعنى أو النوع.

الآن ذكر لك أمثلة تقرب المراد -التعريف بالمثال-، عندنا شيء آخر يدخل في قضية ذكر بعض الأفراد، انتبهوا، تسلسل المعلومة لا زلنا في ذكر بعض الأفراد، فمن ذلك التعريف بالمثال، ومن ذلك قولهم: نزلت هذه الآية في كذا، هذا ليس بسبب نزول، وإنما المقصود منه غالباً أن هذا مما يدخل في معنى الآية، مما يدخل تحت عموم الآية.

إذاً فيه أشياء أخرى تدخل، فحينما نجد في عبارات المفسرين: نزلت في كذا، نزلت في الرجل يعمل كذا، فهم يقصدون بذلك أن هذا مما يدخل في عمومها من الصور الداخلة تحتها.

ولا يُقصد بذلك سبب النزول غالباً، وأسباب النزول منها ما هو صريح، ومنها ما هو غير صريح، فالصريح أن يقول: سبب نزول هذه الآية كذا، أو يذكر سبباً، أو واقعة ثم يقول: فأنزل الله، فنزلت الآية، فجاء جبريل بالآية -عليه السلام-، هذا اسمه سبب نزول صريح، معناه أنها نزلت بهذا السبب.

لكن حينما يقول الصحابي: نزلت هذه الآية في كذا، ابن عمر دخل السوق ووجد الناس لما سمعوا الأذان يغلقون حوانيتهم فقال: فيهم نزلت: {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} [سورة النور:37] بعد مدة من نزولها، بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهو لا يقصد سبب النزول، وإنما يقصد أن هذا مما تنطبق عليه الآية، مما تصدق عليه هذه الصفة، {لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ}.

قولهم: نزلت في كذا يعني هذا مما يدخل فيها، وليس ذلك للحصر في المعنى، إذاً نربط مع القسم الثاني من اختلاف التنوع، كل هذا يصح أن يكون بذكر بعض الأجزاء، أو بعض الأفراد، أو بعض الأمثلة، أو بعض الصور الداخلة تحت العموم مثلاً، أو تحت اللفظ المفسر.

قال: كقولهم: إن آية الظهار نزلت في امرأة أوس بن الصامت.

الآن الأمثلة: نزول آية الظهار في امرأة أوس بن الصامت وهي خولة بنت ثعلبة، على المشهور على اختلاف في اسمها لا يؤثر، وهذا عند البخاري تعليقاً، ولكنه جاء بالإسناد المتصل عند غيره كأحمد وبعض أصحاب السنن، الحديث ثابت صحيح أن سبب النزول الحقيقي الصريح لآية الظهار هو ما وقع من أوس بن الصامت -رضي الله عنه- حينما ظاهر من امرأته خولة، فجاءت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- تسأل وتشتكي إلى الله، فنزلت الآية لمّا ظاهر منها.

فهذا سبب النزول، إذاً عندنا قولهم: نزلت في كذا -قول الراوي- هذا غير صريح في أنه سبب النزول، وإنما يقصد مما يدخل في معنى الآية، مما تصدق عليه الآية، مما تنطبق عليه الآية.

وسبب النزول الصريح، الآن شيخ الإسلام يذكر لنا أمثلة الواقع أنها أسباب نزول حقيقية، يقال: نعم هي أيضاً مما يدخل تحت الآية؛ لأن العبرة بعموم اللفظ والمعنى، لا بخصوص السبب، فما يُذكر من أسباب النزول لا يقصد به حصر الآية بهذا الذي نزلت فيه، أو حصر الحكم بهذا الذي نزلت فيه، فإن هذا لم يقل به أحد، ما قال به أحد.

حتى الذين قالوا: العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ ما قالوا هذا، ما قالوا: إنها محصورة بالفرد والشخص المعين الذي هو أوس بن الصامت مثلاً وامرأته خولة -رضي الله عنهم.

وإنما قالوا -أي أصحاب قول العبرة بخصوص السبب-: إنها تختص بصورة السبب فقط، لا بالفرد المعين، صورة السبب هي رجل ظاهرَ من امرأته، أيّ رجل ظاهر من امرأته هذه صورة السبب.

تقول: الآية في الظهار صريحة إذاً أبقيناها على العموم، نقول: نعم في هذا المثال لكن هناك أمثلة أخرى إذا أبقينا على صورة السبب لا يكون ذلك على العموم، كقوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [سورة هود:114].

فالآن هذه الآية نزلت بسبب رجل معين نال من امرأة ما دون ما يوجب الحد، يعني لم يجامعها، لم يزنِ لكنه باشر وقبّل فنزلت هذه الآية.

فإذا قلت: العبرة بالمعين الذي نزلت فيه فهي تختص بهذا الرجل، وهذا لا يقول به أحد، وإذا قلت: العبرة بصورة السبب، صورة السبب رجل نال من امرأة ما لا يحل له فيما دون الحد، أيّ رجل نال من امرأة، {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}، عموم اللفظ أن يقال: الحسنات عام والسيئات عام فهذا رجل كذب، وآخر أكل مال شبهة، وثالث فرط في بعض الواجبات فهنا {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}، ((وأتبع السيئة الحسنة تمحها))([3]).

فهذا العموم في هذا المثال، وصورة السبب في أي رجل وقع له مثل هذا، ليس بالشخص المعين –فلان-، أما الفرد المعين فهذا الذي لم يقل أحد بأن الآية تختص به، هذا فيه خلافهم، هل العبرة بعموم اللفظ والمعنى أو بخصوص السبب؟، ينزَّل بهذه الطريقة.

قال: كقولهم: إن آية الظهار نزلت في امرأة أوس بن الصامت، وإن آية اللعان نزلت في عويمر العجلاني أو هلال بن أمية.

آية اللعان نزلت في عويمر العجلاني أو هلال بن أمية، أنها نزلت في عويمر العجلاني هذا مخرج في الصحيحين من حديث سهل بن سعد -رضي الله تعالى عنه-، وكونها نزلت في هلال بن أمية هذا أخرجه البخاري من حديث ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-، وجاء من حديث غيره كأنس عند النسائي وغيره، وأصله -يعني حديث أنس- في مسلم لكن من غير التصريح بأنه سبب النزول.

فهذا ثابت من حيث الرواية، وهذا ثابت، وإن كان العلماء يتكلمون فيمن نزلت فيه، هل نزلت فيهما؟ أو أنه وقع شيء من الوهم في بعض رواياته، فتكون نزلت في عويمر العجلاني، وأن هلال بن أمية جاء بعد نزولها فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ عليه الآية مع أن ظواهر الألفاظ في الروايات مشكلة، فيها إشكال، والقصة فيهما متشابهة، الروايات الصحيحة متشابهة، وهذا يُشعر أنه وقع شيء لبعض الرواة، ولهذا بعض أهل العلم يقول: إنها نزلت في عويمر، وإن هلال بن أمية جاء بعد نزولها، وبعضهم يقول: نزلت فيهما، وليس المقصود الآن تحقيق من نزلت فيه، ولكن قولهم بأن آية اللعان نزلت في عويمر العجلاني، أو هلال بن أمية هم لا يقصدون أن الحكم يختص بهذا الذي نزلت فيه، وإنما كل من لاعن من امرأته، حينما يقولون: نزلت في هلال بن أمية لا يفهم منه الحصر، وإنما هذا أحد الأفراد الذين يدخلون في عمومها.

قال: وإن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله.

نزلت في جابر بن عبد الله كما ذكر عن نفسه لما مرض، وهو مخرج في الصحيحين.

قال: وإن قوله: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ} [سورة المائدة:49]، نزلت في بني قريظة وبني النضير.

رواه ابن جرير، والرواية لا تخلو من ضعف.

قال: وإن قوله: {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} [سورة الأنفال:16]، نزلت في بدر.

هذا أيضاً جاء عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- بإسناد حسن عند النسائي في الكبرى، وجاء عن غيره كأبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عند بعض أصحاب السنن كأبي داود والنسائي في الكبرى أنها نزلت في بدر {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ}، حينما يقولون: نزلت في بدر هل يقال: إن تولية الأدبار -يعني الفرار من الزحف- وهي من السبع الموبقات التي ذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم- هي فعلاً نزلت في بدر فهل يقال: إن الفرار من الزحف كان كبيرة، وجاء الوعيد بهذه الآية: {إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ} هل هذا الوعيد يختص ببدر؟

أو يقال: إن قولهم نزلت في بدر لا يختص ببدر، وإنما متى ما التقى الصفان فالفرار من الزحف يكون بهذه المثابة، والفار يكون متوعداً بهذه العقوبة، هكذا قال طوائف من أهل العلم مع أن بعضهم يقول: هذا خاص في أهل بدر، بسبب أن هذه أول مواجهة مع المشركين والعدد قليل، الله -تبارك وتعالى- دبر هذا اللقاء هذا التدبير العجيب الذي لم يحسبوا له حساباً، فبعضهم يقول: هذا خاص فيهم، لكن هل يقصد هؤلاء بطبيعة الحال أن الفرار من الزحف جائز؟

الجواب: لا، ليس بالضرورة لكن الوعيد المعين الذي ورد في الآية.

قال: وإن قوله: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} [سورة المائدة:106]، نزلت في قضية تميم الداري وعدي بن بدّاء.

هذا مخرج في الصحيح، وهم لا يقصدون بهذا الحصر بهؤلاء المعينين، وإنما تكون هذه الشهادة بهذه الصفة يعني أن يشهد اثنان على قضية كهذه مثل الوصية قضية مالية يشهد عدلان من المسلمين أو من غيرهم، يعني تصح شهادة أهل الكتاب في مثل هذه القضية، هذا لا يختص بهذه الحالة المعينة التي وقعت لهؤلاء المعينين، فكل من كان بهذه المثابة فإن ذلك يصدق عليه.

قال: وقول أبي أيوب: إن قوله: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [سورة البقرة:195]، نزلت فينا معشر الأنصار، الحديث.

الحديث المشهور لما التقى الصفان خرج الروم عند حصار القسطنطينية بجمع عظيم وصف كبير، فقام رجل من المسلمين وانطلق نحوهم فشق صفهم وليس عليه درع، ثم خرج، يقول: فاستقبلنا بوجهه يعني خاض في صف المشركين هذا الصف العظيم، وضرب فيهم بسيفه ثم خرج للمسلمين سالماً فقال الناس: انظروا إلى هذا ألقى بنفسه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب -رضي الله تعالى عنه-: يعني فسر لهم المعنى أن هذا ليس من الإلقاء بالتهلكة أن يجترئ المقاتل فيتحمل في نفسه مالا يُحمِّله غيرَه، يعني لا يتحمل تبعات الجيش أو بقية الناس، إنما يتحمل هو فقط أمراً هائلاً عظيماً يعجز عنه عامة المقاتلين أن هذا لا إشكال فيه إذا كانت التبعات تعود عليه هو فقط.

فبين لهم هنا أن آية التهلكة هذه نزلت فيهم بعدما نصر الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- وأعز دينه، وكانوا قد أهملوا حروثهم، وأرضهم ودنياهم لعمارة آخرتهم بالجهاد، ولما رأوا إعزاز الدين، وكثرة الداخلين فيه أرادوا أن يلتفتوا إلى أموالهم، يعني الأنصار -رضي الله عنهم- لو أصلحنا أموالنا فنزلت: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [سورة البقرة:195].

فسر الإلقاء بالتهلكة بترك الجهاد، وابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- يفسرها بتفسير لا يخرج عن هذا ولكنه يوضح أمراً يتصل به فيقول: إنهم إذا تركوا الإنفاق في سبيل الله -يعني في سبيل الجهاد- تغلب العدو عليهم، إذا تركوا النفقة في الجهاد تغلب العدو وقوي فاجتاحهم، فقتل النفوس، وأزهق الأرواح وأخذ الأموال، فهذه هي التهلكة.

يعني إذا تركوا الإنفاق صار العدو في حال من القوة والشراسة فيجتاحهم، سبب نزول الآية: أبو أيوب حينما قال: نزلت فينا نحن معشر الأنصار هو سبب نزول صريح، أنهم لما قالوا تلك المقالة أنزل الله هذه الآية، والحديث أخرجه بعض أصحاب السنن، وهذا حديث ثابت صحيح.

قال: ونظائر هذا كثير مما يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين بمكة، أو في قوم من أهل الكتاب اليهود والنصارى، أو في قوم من المؤمنين.

إذاً ذكْرُ سبب نزولٍ عند تفسير الآية يقال: نزلت في كذا، في آية النور مثلاً نزلت في عائشة، أو نحو هذا، سبب النزول الصريح لا يكون ذلك للحصر، في عائشة -رضي الله عنها- نزل نحو ست عشرة آية، فيها التحذير من إطلاق الألسن في الأعراض، والتحذير من القذف للمحصنات، هل هذا يختص بعائشة -رضي الله تعالى عنها؟

الجواب: لا، إنما الذي يختص بها براءتها، ما برأها الله به، لكن الأحكام، والآداب لا تختص بها مع أنها سبب النزول.

الشاهد أن مثل هذا -سبب النزول الصريح- يكون مما يدخل في الآية، يعني أنه يكون من قبيل ذكر بعض الأفراد الداخلة في هذا، فكيف بقولهم: نزلت في كذا مما يقوله على سبيل التفسير وليس بسبب نزول، يعني صيغة الرواية يقول: نزلت هذه الآية في كذا، نزلت في الرجل يفعل كذا، هذا من باب أولى أن يكون من قبيل التفسير بالمثال أو ما يشبهه أو ما يقاربه.

قال: فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية مختص بأولائك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق.

هذه الآن أسباب نزول صريحة، إذاً هو يتكلم الآن على قضية العبرة بعموم اللفظ والمعنى لا بخصوص السبب، يقول: الذين قالوا بخصوص السبب لا يقصدون أنها تختص بالفرد المعين، هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل فضلاً عن عالم، فكثير من الناس يظن إذا سمع القولين في مسألة هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب يظن أنهم يقصدون المذهب الثاني، بخلاف قول الجمهور أنهم يقصدون الفرد المعين، شيخ الإسلام يقول: لا يقصدون هذا، يقصدون النوع يعني صورة السبب لا الفرد المعين، فصار عندنا فرد معين، عندنا صورة سبب، عندنا عموم.

فكما قلت لكم في قوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ} [سورة هود:114] هذه نزلت في معين، وهم لا يقصدون الحصر فيها، صورة السبب رجل نال من امرأة ما لا يحل له، يقولون: العبرة بخصوص السبب، يقولون: تصدق على هذا النوع العبرة بعموم اللفظ {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}، يقولون: هذا لا يختص بقضية، كما نسميها اليوم القضايا المتعلقة بالأخلاق، قضية غير أخلاقية رجل تحرش بامرأة، وإنما يقولون: إن ذلك يكون في هذا الباب وفي غيره من الأبواب، إنسان نظر نظرة محرمة، إنسان فعل شيئاً، سمع شيئاً محرماً أو نحو ذلك، فهنا يكون ذلك جميعاً داخلاً في العموم.

فهي ثلاث مراتب: شخص معين، صورة سبب، عموم لفظ أو معنى، الجمهور يقولون: العبرة بعموم اللفظ والمعنى.

طائفة من أهل العلم قالوا: العبرة بخصوص السبب يعني صورة السبب، ما أحد قال: العبرة بالفرد المعين أنها تختص بزيد، مالم يقم دليل على إرادة ذلك، يعني الخصوص.

هنا عنوان: "العبرة بعموم اللفظ والمعنى لا بخصوص السبب".

قال: والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب هل يختص بسببه أم لا؟ فلم يقل أحد من علماء المسلمين: إن عمومات الكتاب والسنة تختص بشخص معين، وإنما غاية ما يقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص، فتعم ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ.

والآية التي لها سبب معين إن كانت أمراً أو نهياً فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته، وإن كانت خبراً بمدح أو ذم فهي متناولة لذلك الشخص ولمن كان بمنزلته.

يعني شيخ الإسلام إذاً يفسر قول أصحاب هذا المذهب: إن العبرة بخصوص السبب، يقول: يعني أنها تختص بنوع ذلك الشخص لا بعينه.

الآن هذه القاعدة: العبرة بعموم اللفظ والمعنى لا بخصوص السبب، نقول: العبرة بعموم اللفظ والمعنى؛ لأن العموم يؤخذ من الألفاظ، ويؤخذ من المعاني، وتعريف العام: المشهور أنه اللفظ المستغرق ما يصلح له دفعة بلا حصر، إذا قلت: الرجال، ما يدخل فيه النساء ما يصلح لهم، لكنه يعم جميع الرجال، {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء} [سورة النساء:34].

مستغرق جميع ما يصلح له دفعة، ما تقول: زيد وعمرو وخالد وسعيد وصالح تعدد الرجال على سبيل العطف، دفعة تقول: الرجال، بلا حصر بالعدد.

تقول: الآن جاء الضيوف، هذه دفعة لكن ضيوفك مثلا خمسة تقول: جاء سعيد وصالح ومحمد وحامد وخالد، عددت خمسة على سبيل العطف، هذا ليس بعموم، أو ذكرتهم بالعدد تقول: جاء خمسة أضياف، هم كلهم خمسة، فإذا قلت: خمسة هذا ليس بعموم، لأنك ذكرت العدد، ولهذا يقولون: من غير حصر يعني بالعدد.

إذاً لفظ المستغرق، هكذا يقولون: اللفظ المستغرق بناء على اختلاف عندهم هل العموم من عوارض الألفاظ -يعني يختص بالألفاظ- أو يدخل في المعاني؟، أيضاً على قولين، الذين يعبرون بهذا يقولون: هو اللفظ المستغرق، هؤلاء مشوا على مذهب من يقول: إن العموم يتصل بالألفاظ، يختص بالألفاظ ما يؤخذ من المعاني، والذين يقولون: إن العموم يكون من المعاني والألفاظ، يؤخذ من المعنى ويؤخذ من اللفظ يعبرون عن العام، يقولون: ما استَغرق، فيدخل فيه ما كان من قبيل الألفاظ، وما يؤخذ من المعاني، كيف يؤخذ من الألفاظ والمعاني؟

من اللفظ أن يكون اللفظ عاماً {إِنَّ الْحَسَنَاتِ} [سورة هود:114] هذا عام مع أنها نزلت في سبب معين الرجل الذي باشر امرأة فسأل النبي -صلى الله عليه وسلم-، فالعموم هنا {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}، هنا العبرة بعموم اللفظ، العموم أخذناه من اللفظ دخول (ال)، أحياناً ما يكون عندنا عموم في اللفظ، ومع ذلك نحن نقول: إذا جئنا عند سبب النزول المفسَّر نقول: هذه وإن نزلت في الواقعة الفلانية، أو في فلان إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، يمكن أن يقول قائل بكل بساطة: أين العموم {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ}؟ [سورة التحريم:1]

نزلت بسبب تحريم النبي -صلى الله عليه وسلم- العسل كما في أكثر الروايات، وفي بعض الروايات الصحيحة تحريم الجارية.

إذا جئنا إلى مثل هذا المثال هل نقول: هذا التحريم يختص بالنبي -صلى الله عليه وسلم-؟ لا، ما عندك عموم لفظ، من أين أخذنا العموم؟

من المعنى، ما هو المعنى؟، أن الخطاب الموجه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- خطاب لأمته يشمل الأمة؛ لأنه قدوتها ومقدمها -صلى الله عليه وسلم-، إلا لدليل يدل على اختصاصه به -صلى الله عليه وسلم-، فدل على أنه لا يجوز للمسلم أن يحرم شيئاً مما أحله الله له.

فهنا يحتاج أن نقول: إن العبرة بعموم اللفظ والمعنى، مع أن العموم يؤخذ من أشياء كثيرة، فمن الأشياء التي تؤخذ من المعنى أن الخطاب للنبي -صلى الله عليه وسلم- خطاب لأمته لا يختص به، هذا من المعنى، وهناك أشياء أخرى تؤخذ من المعنى عموم المفهوم هذا ليس من اللفظ، فالمفهوم له عموم يعني حينما يقول الله -عز وجل-: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [سورة الأنعام:106] هذا مفهومه لا تتبع سواه، لا تتبع الهوى، لا تتبع كل ما يخالف ذلك، الآن العموم: لا تتبع كل شيء يخالف هذا، هذا العموم أخذناه من المسكوت عنه  -الذي هو المفهوم- لا من المنطوق، إذاً ما أخذناه من اللفظ، أخذناه من المعنى، فالعلة في القياس كما يقول الأصوليون: تُعمِّم وتخصِّص

وقد تخصِّصُ وقد تعمِّمُ *** لأصلها لكنها لا تَخرِمُ

أي لا تخرم الأصل، فهذه العلة في القياس.

العلة في القياس يعني إذا عرفنا مثلاً العلة في تحريم الخمر هي الإسكار، والخمر عند العرب الذين خوطبوا بالتنزيل قد يقول قائل: إنه يصدق على شراب العنب المسكر مثلاً من هنا قال من قال: إن النبيذ لا يصدق عليه المنع والتحريم.

{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} [سورة المائدة:90]، العلة هي الإسكار، فإذا كانت العلة هي الإسكار إذاً العلة تعمِّم فنقول: كل ما يوجد فيه هذه الصفة أيًّا كان نوعه فهو حرام، هل أخذناه من اللفظ إذا قلنا: إن اللفظ هو في نوع معين يسمى بهذا الاسم –الخمر- عند من يقول بهذا الإطلاق عند المتقدمين عند المخاطبين، إذا قيل الخمر شراب العنب المسكر، نقول: هذا ما يختص بشراب العنب المسكر، ولكن عممناه من العلة.

إذا قلنا: العلة في الربا الكيل مثلاً في المكيلات والموزونات مثلاً، إذا قلنا: العلة فيها حينما يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- يذكر الأنواع الربوية فيقول: ((التمر بالتمر، والشعير بالشعير، والبُر بالبُر...))([4])، هذه الأشياء التي جاء تخصيصها، وذكرها هل يقال: إن الربا يختص بهذه الأنواع فقط؟ الجواب: لا، فالأرز بالأرز متفاضلاً يدخل فيه الربا من العلة، على اختلاف في علة الربا، يعني في الذهب والفضة إذا قيل: النقدية، فالنقود الذهب والفضة وما يقوم مقامها، إذا قيل: في الزكاة، المال الذي تجب فيه الزكاة، بالنسبة للحبوب والثمار إذا قلنا: إن العلة الكيل أو الوزن مثلاً، أو الكيل والوزن مع الطعم والادخار مثلاً لو قلنا هذا، على اختلاف بين أهل العلم في علته، فإذا قلنا: إنه الكيل أو الوزن مع الطعم يعني يكون مطعوماً، ليس بحديد، والادخار أي يكون مدخراً، إذاً التفاح بالتفاح متفاضلاً يجوز، لأنه غير مدخر.

إذا قلنا: أن يكون ذلك الطعم والادخار، لو قلنا: هذه هي العلة فالتفاح ليس من المدخرات، العنب يكون زبيباً فيدخر، الرطب يكون تمراً، والتمر مدخر.

فهنا كل الأنواع المدخرة، ولهذا العلماء تكلموا على التين، وقالوا: التين ممكن أن يجفف ويكون مدخراً.

في زكاة الفطر مثلاً أن يكون قوتاً مثلاً، الطعم والقوت إذاً ما يكون قوتاً ومن المطعومات يكون على اختلاف العلل، ليس المقصود الآن بيان العلة بالتحديد أو الراجح فيها، وإنما المقصود التمثيل فيها بما يقرب المراد.

فالعلة تُعمِّم فيدخل كل ما يصدق عليه هذا من غير المذكورات في الأحاديث النبوية، أخذنا العموم من المعنى.

إذاً نقول: العبرة بعموم اللفظ والمعنى لا بخصوص السبب، رأيتم أهمية زيادة هذه اللفظة من أجل أن تَدخل أشياء قد لا توجد في الألفاظ، وهناك أشياء أخرى تدخل من جهة المعنى غير ما ذكرتُ لكن هذا يوضح المقصود.

 

 


 

[1] - رواه الطبراني في المعجم الكبير، برقم (160)، وقال محققه حمدي بن عبد المجيد السلفي: "وفيه عمرو بن واقد وهو متروك رمي بالكذب".

[2] - رواه الإمام أحمد في المسند، برقم (17634)، وقال محققوه: "حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل الحسن بن سوار، وباقي رجال الإسناد ثقات رجال الصحيح"، والحاكم في المستدرك، برقم (245)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولا أعرف له علة، ولم يخرجاه"، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (3887).

[3] - رواه الترمذي، كتاب البر والصلة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في معاشرة الناس، برقم (1987)، وأحمد في المسند، برقم (21354)، وقال محققوه: "حسن لغيره، وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين غير   ميمون بن أبي شبيب، فقد روى له مسلم في المقدمة، وهو صدوق حسن الحديث، لكنه لم يسمع من أبي ذر كما قال أبو حاتم وغيره"، وحسنه الشيخ الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح، برقم (5083).

[4] - رواه البخاري، كتاب البيوع، باب بيع التمر بالتمر، برقم (2170)، ومسلم، كتاب المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً، برقم (1586).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about