استعرض النسخة الجديدة من الموقع
شرح حديث أَنسٍ رضي اللَّهُ عنه "انْطَلِقْ بِنَا إِلى أُمِّ أَيْمنَ نَزُورُهَا"
عدد الزوار : 5191
تاريخ الإضافة : 1 جمادى الآخر 1428
MP3 : 4916 kb
PDF : 57 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

شرح رياض الصالحين

شرح حديث أَنسٍ -رضي الله عنه- "انْطَلِقْ بِنَا إِلى أُمِّ أَيْمنَ نَزُورُهَا"

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فكنا ابتدأنا في الكلام على باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم إلى آخر ما ذكره في الباب، وتكلمنا على قوله -تبارك وتعالى-: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا الكهف:60، إلى قوله تعالى: قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًاالكهف: 66.

وقال تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ الكهف: 28.

فهذه الآية الثانية سبق الكلام عليها في بعض الأبواب السابقة أيضاً.

وذكر المصنف -رحمه الله- حديث أنس -رضي الله تعالى عنه- قال: قال أبو بكر لعمر -رضي الله تعالى عنهما- بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: انطلق بنا إلى أم أيمن -رضي الله تعالى عنها- نزورها كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يزورها...([1]).

أم أيمن -رضي الله تعالى عنها- اسمها: بركة، وهي مولاة النبي -صلى الله عليه وسلم- وحاضنته، قيل: كانت مملوكة لجده عبد المطلب، ثم وهبها جده لابنه عبد الله والد النبي -صلى الله عليه وسلم.

وبعضهم يقول: كانت مملوكة لعبد الله والد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبعضهم يقول: كانت مملوكة لآمنة، ولا يبعد أن تكون مملوكة لجد النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم وهبها لابنه عبد الله، ثم بعد ذلك لما توفي ورثتها منه امرأته آمنة أم النبي -صلى الله عليه وسلم.

فالمقصود: أنها صارت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإرث، فأعتقها النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأصلها من الحبشة، وقد توفيت بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- بخمسة أشهر.

وهناك أم أيمن واسمها بركة أيضاً غير هذه، وهي مولاة أم حبيبة أم المؤمنين -رضي الله تعالى عنها-، جاءت بها معها من الحبشة.

فالمقصود هنا مولاة النبي -عليه الصلاة والسلام-، وكان لها زوج يقال له: عبيد، وأيمن هذا ابن عبيد، ثم بعد ذلك زوجها النبي -صلى الله عليه وسلم- مولاه زيد بن حارثة، فأنجبت له أسامة بن زيد -رضي الله تعالى عن الجميع.

يقول: انطلق بنا إلى أم أيمن -رضي الله تعالى عنها- نزورها كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يزورها.

أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- الآن هو الخليفة، وعمر هو وزيره، وهؤلاء بإجماع أهل السنة أفضل الأمة بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-، يزورون امرأة كانت أمة وأعتقت، يعني: هي من الموالي، وامرأة كبيرة في السن، فيترك أعباء الخلافة، ويأتي إليها.

هذا أولاً يدل على غاية التواضع، وهو أيضاً من حسن العهد، فإن حسن العهد من الإيمان، فهذه امرأة قد حضنت النبي -صلى الله عليه وسلم-، فحقها الإكرام، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكرمها ويزورها، وهو أجلُّ من أبي بكر وعمر، فمعرفة الفضل لأهل الفضل مطلوبة وإن لم تكن لهم أنساب، وإن لم تكن لهم منزلة اجتماعية ورتبة، هي امرأة من الموالي.

أقول: كل ذلك من الدين، ومما يحبه الله -عز وجل- ويرضاه، وزيارة المرأة الكبيرة لا إشكال فيها إذا زارها جماعة الرجال مع أمن الفتنة، من غير مصافحة، ولا يخلو بها الرجل

 

زيارة المرأة الكبيرة لا إشكال فيها إذا زارها جماعة الرجال مع أمن الفتنة، من غير مصافحة، ولا يخلو بها الرجل

 

، فهذا لا شيء فيه، فهذه امرأة كبيرة حبشية، فلا يأخذ منه أحد أو يفهم منه أحد أنه لا بأس من الاختلاط، وزيارة الرجال للنساء، فأين هذا مما يدعيه أو يغري به دعاة الاختلاط؟.

يقول: فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله -صلى الله عليه وسلم؟.

فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله -صلى الله عليه وسلم.

تقول: أنا أعرف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- انتقل إلى ما هو أفضل، إلى الرفيق الأعلى، إلى النعيم، وفارق هذه الدار التي هي دار الأنكاد، والأكدار والأحزان، والهموم، والآلام.

تقول: أنا أعرف هذا، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء.

يعني: حركت بواعث البكاء في نفسيهما، فجعلا يبكيان معها. رواه مسلم.

فهذا يدل على أن هذه المرأة لها نظر صحيح، ولها معرفة، وتعرف ما فات في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من انقطاع الوحي، ولا شك أن تردد الوحي -مجيء الملك- إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، ونزول القرآن في الحوادث، كل هذا لا شك أنه من أسباب الخير والبركة، والتثبيت والمزيد من العلم، فكل ذلك قد انقطع، فهي تبكي لهذا.

وإذا كان هذا حال امرأة مولاة، امرأة ضعيفة، امرأة كانت أمة، وأعتقت، فهي في مرتبة الخدم، وهذا عقلها وهذا نظرها، فكيف بعلمائهم، وكبرائهم، كأبي بكر وعمر، وأمثال هؤلاء -رضي الله تعالى عنهم؟!.

المقصود -أيها الأحبة- من هذا الحديث ومن إيراده في هذا الباب: أن الإنسان يحرص على زيارة الصالحين، الذين إذا رآهم ذكر الله -تبارك وتعالى-، وتحركت في نفسه بواعث الخير، ورجع بقلب صحيح قوي ثابت على طاعة الله -عز وجل-، أما أن يزور الإنسان من يقسي قلبه بالغيبة، أو من يتحدث معه بحديث يحرك نوازع الشهوات في نفسه، أو يقسي قلبه بذكر الدنيا وما فيها، وما يتبعه الناس من ألوان الطمع في هذه الحياة، وأعراضها الزائلة، أو أن يزور الإنسان أحداً لربما يُذهب تلك الشفافية التي في قلبه، تحت غطاء، وستار، أو مظلة الغيرة على الدين، كلما التقوا بدأ كل واحد يتحدث عن الهموم، والمصائب، والفواحش، والموبقات التي وقعت هنا وهناك بتفاصيل.

وما الفائدة من هذا؟ هي مجرد رصيد، أو زيادة في الرصيد في حفظ قصص زائدة، مفصلة، تحرك أشياء في النفس.

ولربما يلتذ الإنسان بسماعها أو ذكرها من غير أن يكون هناك طائل، إذا كنت تذكر هذا لمن ينكره فهذا لا إشكال فيه، ويذكر من هذا ما يحتاج إليه فقط.

أما مجرد حكايات في المجلس، ويخرج كل واحد من هذا المجلس وقد طأطأ رأسه، ويشعر أن الدنيا قد أظلمت في عينه، وأغلقت الأبواب، وعم اليأس من الإصلاح فهذا خطأ كبير يقع فيه كثير من الصالحين عن غفلة، وهو من مداخل الشيطان عليهم.

إذا تكلم العاقل ينبغي أن يكون له هدف في الكلام، إذا ذكر واقعة، أو حادثة، لماذا يذكر هذه؟ إن كان في ذكرها فائدة، ومصلحة للإنكار والتغيير فلا بأس، وأما إذا كان ذكر هذه الحادثة لمجرد الحديث فقط وتقضية الوقت، أو إضفاء مزيد من الحزن والهم والغم فإن هذا لا يصح أبداً، ولا ينبغي للإنسان أن يرخي سمعه فيصب فيه مثل هذه الأشياء، فتذهب شفافية القلب تجاه المنكر، ويهون عليه سماعه، ثم بعد ذلك يتغير هذا القلب ويتكدر، وقد تتحرك نفس الإنسان تجاه هذه الشهوات، وتميل إليها وتطلبها.

فالشهوات مغروزة في النفوس، فلابد للعبد أن يكون له فقه، ونحن في كثير من الأحيان نجني على أنفسنا في زياراتنا، ومجالسنا، وما نطرحه من قضايا.

فينبغي أن تكون هذه الزيارات -أيها الأحبة- مثمرة، نافعة للقلوب، مقوية لها، أن تكون سبباً لزيادة الإيمان.

من الناس من إذا رأيته ذكرت الله -عز وجل-، إذا رأيته عرفت أنه يخشى الله، يذكرك بالآخرة، وإذا تحدث انتفعت بحديثه، ومن الناس من إذا رأيته أظلم القلب، وإذا تحدث عمي القلب من هذا الحديث، فما الفائدة من هذه المجالسة وهذه الزيارة؟، والصحبة كما قيل: لقاح، فمن طاب لقاحه طابت ثمرته.

فالمقصود: أن يزور الإنسان من يتوخى فيهم الخير والصلاح، ويحذر من الآفات التي تعتوره في مثل هذه الزيارات، ولا يعمد ولا يقصد إلا من ينتفع هو بزيارته، أو من ينتفع بالزيارة، بمعنى: إما أن تذهب إلى من ينتفع منك، أو أن تذهب إلى من تنتفع منه، أمّا أن تذهب إلى إنسان هو زاهد فيك، وأنت زاهد فيما عنده أيضاً فما الفائدة من هذا؟!

أو تكون البضاعة القيل والقال، والوقيعة في الأعراض تحت أي مبرر من المبررات، فهذا لا يسوغ، ولا يليق، ونحن ينبغي أن يكون لنا بصر في مثل هذه الأمور، ولو كان الإنسان يتحرى في هذه الأشياء كلها لسلم من كثير من الآفات، كثير مما يصيب الناس من الأدواء، والقعود عن طاعة الله -عز وجل- هو بسبب تصرفاتهم هم.

الذي يعجز عن قيام الليل، وصيام النهار، وعن طاعة الله -عز وجل- والنشاط فيها هو السبب، ما جاء أحد وربط يديه، وأطلق الثاني يقوم ويصوم، لماذا هذا يقعد وهذا ينشط؟ هذا ما عنده وقود، بضاعته القيل والقال، والفضول من ضحك كثير في هذه المجالس، أمور تقسي القلوب، فأنى له بقراءة القرآن، وأنى له بالخشوع، وأنى له بحياة القلب؟، كثرة الخلطة، وما أشبه هذا.

فأسأل الله -عز وجل- أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم من أوليائه وأهل طاعته، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

 



[1]- أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، باب من فضائل أم أيمن -رضي الله عنها- (4/1907)، رقم: (2454).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about