استعرض النسخة الجديدة من الموقع
بعض ما ورد عن السلف في باب حق الزوج على المرأة
عدد الزوار : 5565
تاريخ الإضافة : 13 محرّم 1428
MP3 : 3866 kb
PDF : 845 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

رياض الصالحين

بعض ما ورد عن السلف في باب حق الزوج على المرأة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فمما ورد عن السلف -رضي الله تعالى عنهم- في باب حق الزوج على المرأة ما جاء عن علي -رضي الله تعالى عنه- أنه قال لأمه: اكفي فاطمة الخدمة خارجاً، وتكفيك هي العمل في البيت والعجن والخبز والطحن([1]).

أمه كبيرة فتخرج تستقي من الماء، وما أشبه ذلك مما اعتاده النساء في ذلك الزمان، وفاطمة -رضي الله تعالى عنها- تقوم في شئون المنزل، من طبخ وعجن وكنس وما أشبه ذلك، وهذا مما جرت به العادات، وهو من حسن العشرة، ولذلك ينبغي على المرأة أن تقوم بحق الزوج، تقوم ببيته وبأولاده، وما أشبه هذا، ولا تطلب على ذلك دليلاً خاصاً أن ذلك يجب عليها، فإن الله أمر بالمعاشرة بالمعروف، وهذا من المعاشرة بالمعروف، وفاطمة -رضي الله تعالى عنها- لما اشتكت للنبي -صلى الله عليه وسلم- ما تلقاه من الطحن وما أشبه هذا، وطلبت خادماً فهذا يدل على أنهم كانوا يعملون ويتعبون، وفاطمة -رضي الله تعالى عنها- هي سيدة نساء أهل الجنة، ومع ذلك تعمل حتى تتأثر يداها -رضي الله تعالى عنها-، ولم يجبها النبي -صلى الله عليه وسلم- ويعطها خادماً.

وأيضاً عروة بن الزبير -رضي الله تعالى عنه- لما خطب بنت عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنه- في الطواف، في القصة المعروفة، فلما زوجه بعد ذلك قال له ما يتصل بحق الزوج على المرأة، وحق المرأة أيضاً على الزوج، قال: زوجتك إياها بما جعل الله للمسلمين على المسلمات، أو للمسلمات على المسلمين من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وعلى أن يستحلها بما يستحل به مثلها، أقبلت يا عروة؟ قال: نعم، قال: بارك الله لك، إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان([2])، من غير أذية.

على كل حال يكفي هذا فيما يتصل بآثار السلف -رضي الله تعالى عنهم-، وهناك أخبار لهم أخرى، يعني: هذا رجل تزوج امرأة، يعني: كان رجل يعرضون عليه الزواج وكان يرفض، وكان من أهل العبادة والعلم والزهد، فلقيه رجل وقال له: إني أريد أن أزوجك ابنتي، فقال: قد قبلت، وهو رجل فقير، هذا الذي عرض البنت رجل فقير ضعيف، من ضعفاء الناس، فرق له، رحمه، فقال له: قد قبلت، فلما زفت إليه البنت إذا هي جارية سوداء فيها قصر زائد، وفيها صفات يعني: لا يرغبها ولا يريدها، فلما نظر إليها ضاق وحزن، ولكنه لم يُبدِ لها شيئاً، فعاش معها عشرين سنة، ولم تسمع منه كلمة، وكانت تحبه جداً، وتمنعه من الخروج، فكان لا يخرج جبراً لقلبها وخاطرها، وخبر آخر أيضاً ذكره الحافظ ابن القيم -رحمه الله- وهو أن رجلاً خطب امرأة وما نظر إليها، فلما دخلت عليه إذا هي في غاية الدمامة، وآثار الجُدري قد خرّمت وجهها، فتظاهر بوجع العين، ثم بعد ذلك تظاهر بالعمى، بقي معها خمس عشرة سنة حتى توفيت، تظاهر بالعمى لئلا تتأذى حيث تشعر أنه ينظر إليها ويتأذى بهذا النظر، فأراد أن يريحها، أنه لا يرى أصلاً، من رقة ولطافة أخلاق هذا الإنسان تظاهر أنه أعمى حتى ترتاح، فهذه نماذج راقية.

بعد ذلك أريد أن أنبه على مسألة تتعلق بالجمع في المطر، عجبت اليوم بعد صلاة المغرب لأن كثيرًا من المساجد يصلون العشاء، ولا أرى موجباً لذلك إطلاقاً، الناس يبدو أن الكثيرين منهم يظنون أن الجمع لمجرد المطر كالجمع في السفر، سواء وجدت المشقة أو لم توجد المشقة، وهذا غلط، السفر يشرع فيه الجمع، كما في حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن الصلاة حينما فرضت ركعتين، فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر([3]).

فالأصل في صلاة السفر أنها ركعتان، ولهذا من أهل العلم من قال: لا يجوز الإتمام في السفر.

أما مسألة المطر فتختلف عن هذا، ولذلك بعض الناس الجهلة، يسأل يقول: هل يجوز القصر في المطر؟ نقول: هذا لا علاقة له، بل حتى في السفر كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا كان نازلاً في محل فإنه يصلي الصلاة لوقتها، ما يجمع إلا نادراً، الأصل أنه يجمع في الطريق، لكن لو استراح نهارًا أو يومًا أو يومين في مكان لا يجمع الصلاة، يصلي الصلاة لوقتها، كما فعل في منى، وكما فعل في مكة -عليه الصلاة والسلام-، إنما جمع في عرفة وهو نازل من أجل أن يتفرغ الناس للدعاء، وجمع في مزدلفة من أجل أن يصلَ الناس إليها، فقط، ولم ينقل عنه أنه جمع إلا نادراً إذا كان نازلاً في محل في السفر، كما حصل في تبوك، ولذلك يقال: الأصل أن الصلاة لوقتها، وصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن أفضل العمل الصلاة لوقتها([4])، فإذا جمع الإنسان من غير موجب فإن صلاته لا تصح، لكن يرخص للناس في الجمع إذا وجدت المشقة، إما من شدة المطر، أو شدة البرد، برد شديد ولو كان المطر خفيفا، أو حتى من غير مطر، لو وجد برد شديد، ناس يشق عليهم الخروج إلى المسجد، أو وجد وحل كثير، ولو كان المطر قليلًا، الوحل كثير، أرض موحلة ما يصل الناس إلى المسجد، وهذا موجود في بعض البلاد، في بعض البلاد بالسيارة وما نستطيع الدخول إلى المسجد من شدة الأوحال، في السيارة تدور على المسجد وتحاول الدخول لا تستطيع، وتتعجب كيف هذا المسجد وجد به بعض الناس، ولما تسألهم يقولون: نحن متواجدون أصلاً من زمان، من العصر، وأنا الآن جاءٍ لصلاة العشاء، ففي البلاد الفقيرة الناس كثيراً ما يجلسون في المساجد، وتمتلئ المساجد، ليس عندهم شيء يشغلهم أصلاً، فهذا الشيء مشاهد.

أما نحن -مثل اليوم- فلا يوجد مطر شديد، ولا يوجد برد، ولا أي مشقة في الوصول إلى المسجد، بل هو مطر خفيف جداً، فأي موجب لهذا الجمع؟! أنا لا أستبعد أن صلاة هؤلاء الذين جمعوا غير صحيحة، وأن عليهم الإعادة، ولو سألني أحد منهم لقلت: يجب عليك الإعادة، فالصلاة ليست كما هو لسان بعض الناس "أرحنا منها" اجمع من أجل الاستراحة، وإلقاء التبعة، هذه عبادة، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستروح بها، ما يستريح منها، ويقول: ((جعلت قرة عيني في الصلاة))([5]).

ثم هؤلاء الذين يجمعون اليوم من أجل المشقة، هم يجلسون في بيوتهم يشق عليهم الخروج والمطر، هل لا يتسلط عليهم الخروج إلا إذا جمعوا؟، ينتشرون في الأسواق وفي المنتزهات وفي الاستراحات وفي كل مكان، هذا هو الواقع، فهذا مطر لا يشق، إنما يكون الجمع حيث وجدت المشقة، والمقصود بالمشقة: المشقة المعتبرة شرعاً التي يحصل فيها للمكلفين كلفة زائدة عن المعتاد في الوصول إلى المسجد بأحد الأمور الثلاثة التي ذكرت، إما لشدة البرد، أو كثرة المطر النازل، أو الوحل، فلا يصلون إلا بمخاضه، يخوضون حتى يصلون إلى المسجد، يخوضون إلى ركبهم في الطين، فعندئذ يُجمع، ولا يلحق الناس بهذه المشقات، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.


 

[1]- مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الزهد، كلام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- (7/101)، رقم: (34502).

[2]- انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (40/271).

[3]- أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب يقصر إذا خرج من موضعه وخرج علي بن أبي طالب -عليه السلام- فقصر وهو يرى البيوت، فلما رجع قيل له: هذه الكوفة، قال: ((لا حتى ندخلها))، (2/44)، برقم: (1090)، ومسلم، كتاب صلاة    المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها، (1/478)، برقم: (685) عن عائشة -رضي الله عنها- بلفظ: ((الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر)).

[4]- أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب وسمى النبي -صلى الله عليه وسلم- الصلاة عملا، وقال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) (9/156)، برقم: (7534)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، (1/89)، برقم: (85)، عن ابن مسعود -رضي الله عنه-، بلفظ: أن رجلا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- أي الأعمال أفضل؟ قال: ((الصلاة لوقتها....).

[5]- أخرجه النسائي، كتاب عشرة النساء، باب حب النساء، (7/61)، برقم: (3940)، وأحمد في مسنده (19/305)، برقم: (12293)، والطبراني في المعجم الصغير (2/39)، برقم: (741)، وصححه الألباني في السلسلة  الصحيحة (7/859)، برقم: (3291)، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((جعلت قرة عيني في الصلاة)).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about