استعرض النسخة الجديدة من الموقع
شرح حديث أَنسٍ رضي اللَّه عنه "فمنْ رغِب عَنْ سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّى" وحديث ابن مسعودٍ رضي اللَّه عنه "هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ"
عدد الزوار : 22311
تاريخ الإضافة : 22 ذو القعدة 1426
MP3 : 3358 kb
PDF : 698 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

 

شرح حديث أَنسٍ -رضي الله عنه-: "فمنْ رغِب عَنْ سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّى" وحديث ابن مسعودٍ -رضي الله عنه-: "هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ"

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فكنا نتحدث عن خبر أولئك النفر الثلاثة الذين جاءوا إلى بيوت النبي -صلى الله عليه وسلم- وسألوا عن عبادته، فلما أُخبروا بها كأنهم تقالُّوها، فأحدهم قال: إنه يصلي الليل أبداً، وقال الآخر: إنه يصوم الدهر أبدًا، وقال الثالث: إنه يعتزل النساء، فلا يتزوج أبداً، فأنكر ذلك عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم قال: (فمن رغب عن سنتي فليس مني)([1])، وهو مخرج في الصحيحين، بمعنى أنه من رغب عن طريقته -صلى الله عليه وسلم- وهديه الذي شرعه فإنه مجافٍ لحاله -صلى الله عليه وسلم-، وهديه الذي هو أقوم الهدي، فهو على طريقة أخرى، وبحسب ما تكون مفارقته بحسب ما يكون حاله، ويُخشى على الإنسان إن كان ميله عن هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وطريقته رغبة عنها، فإن ذلك قد يطبع على قبله ويختم عليه فيهلك صاحبه، فالواجب على الإنسان أن يرضى بما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو المنهج الصحيح في الاعتدال والاستقامة في الأحوال كلها.

وفي العلاقات مع الناس هديه -صلى الله عليه وسلم- أكمل الهدي، العلاقات مع الكفار بجميع أنواعهم، وهديه -صلى الله عليه وسلم- أكمل الهدي في التعبد لله -تبارك وتعالى-، في صلاته وصيامه وذكره وقراءته وما أشبه ذلك.

وكذلك هديه -صلى الله عليه وسلم- في الجهاد، وفي كل عمل يقوم به -عليه الصلاة والسلام- في السلم والحرب، فمن رغب عن طريقته -صلى الله عليه وسلم- واتهمها بأنها معوجة، أو بأنها لا تصلح لهذا الزمان فهو زائغ ضال، يجب عليه أن يتوب إلى الله -تبارك وتعالى- وإلا مات على خطر عظيم، قد يموت على غير الإسلام

 

فمن رغب عن طريقته -صلى الله عليه وسلم- واتهمها بأنها معوجة، أو بأنها لا تصلح لهذا الزمان فهو زائغ ضال

.

 ثم ذكر حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (هلك المتنطعون) قالها ثلاثاً، رواه مسلم([2]).

كان من هديه -صلى الله عليه وسلم- لتأكيد الكلام وبيانه وتبليغه -أيضاً- إعادة الكلام ثلاثاً، وكان إذا سلّم سلم ثلاثاً -عليه الصلاة والسلام-، وهنا قال: هلك المتنطعون، ثلاثاً.

والمقصود بالتنطع: التعمق والتكلف والتشدد، والله -عز وجل- علم نبيه -صلى الله عليه وسلم- كيف يقول، وكيف يكون هديه، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ص: 86، فالتكلف في الأمور كلها مذموم، وإنما إذا تكلم الإنسان بالكلام فإنه يرسل ذلك على سجيته، بمعنى أنه لا يجعل المعاني تابعة للألفاظ؛ لأن عنايته بالألفاظ على قول بعض أهل العلم أن التنطع المقصود به أن يخرج الكلام من أقصى الحلق بحيث يتكلف ويتشدق بكلامه؛ ليظهر فصاحته للناس، فهذا مذموم، وإنما يتكلم الإنسان بحسب طريقته وسجيته وعادته من غير تكلف، ولا يقتصر ذلك على طريقة التكلم بل التنطع يكون بالتكلم، ويكون بغيره من العمل والحال التي يكون عليها الإنسان.

فالإنسان الذي يحرّم ما أحل الله -عز وجل- يكون متنطعاً، والإنسان الذي يلزم نفسه بألوان من العبادات والتكاليف التي لم يوجبها الله -عز وجل- عليه بحيث إن ذلك يفضي به إلى مشقة عظيمة غير محتملة هذا يكون من قبيل التنطع، مثل الذي يقول: أنا لا أريد أن أتزوج، ولا أريد أن أعمل للدنيا، ولا أريد أن أكتسب، وإنما أريد أن أجلس في المسجد فقط من أجل أن أصلي وأصوم وأعتكف، وما أشبه ذلك، هذا على خلاف هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وهدي الأنبياء، فالله -عز وجل- أخبر أن الأنبياء يأكلون ويتزوجون ويمشون في الأسواق، وما إلى ذلك مما يفعله الناس، ولو شاء الله -عز وجل- لجعلهم جسداً لا يأكلون الطعام، ولو شاء الله -تبارك وتعالى- لأنزل إليهم من السماء ما يغنيهم عن التكسب، بل كانوا يستغنون عن الناس كل الاستغناء، وما كانوا يتكففون الناس، أو أنهم يحتاجون إليهم ويفتقرون إليهم، بل كانوا أعز الناس نفساً.

فالمؤمن ينبغي عليه أن يقوم بطاعة الله -عز وجل-، يقوم بالواجبات ويتحمل من النوافل ما يطيق، ويكون جده واجتهاده وتشميره بحسب حاله، بحيث ذلك لا يفضي به إلى ترك واجب، كالذي يصوم كثيراً التطوع مثلاً ولكنه يترك عمله، إذا صام لم يذهب إلى العمل، أو الذي يقوم الليل ولكنه يضيع حقوق زوجته وأولاده، أو الذي يعتكف في المسجد، ويضيع تربية أولاده وما يحتاجه أهله فيضطرون إلى الناس، وهكذا في كل الأمور.

فينبغي للإنسان أن يقوم بحق الله -عز وجل-، وأن يقوم بالحقوق الواجبة للخلق، وأن يكون محسناً إليهم مخالطاً لهم، والذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم.

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستجيب لدعوة أصحابه ويباسطهم ويجلس معهم، ويأكل معهم وهو في غاية التواضع -عليه الصلاة والسلام-، فأما أن يحمل الإنسان نفسه على طريقة يقاطع فيها الخلق ويقاطع فيها ألوان المباحات، ويحمل نفسه على جد واجتهاد يفضي به إلى كلفة في غير طوقه وإمكانه فهذا لا شك أنه مذموم، وأن ذلك لا يجزئ، لكن أين هذا في مثل هذه الأيام؟.

فكما ذكرنا سابقاً نحن نعاني في مثل هذا الوقت ليس من هذه النوعية -وهي المتنطعة في كثرة المستحبات والكماليات-، وإنما نعاني من التقصير وكثرة التفريط، وتضييع حقوق الله -عز وجل- وحقوق المخلوقين، فتجد الإنسان يضيع حق الزوجة، وحق الأولاد، وحق الجيران، وحق الأقارب، وحق الوالدين، ويضيع حق الله -عز وجل- فينام عن الصلاة، وأما الدنيا فلا تسأل عنها، وعن التكالب على تحصيلها، والحرص عليها وما أشبه ذلك.

فأقول: ينبغي للعبد أن تكون له سيرة مرضية، سيرة صحيحة، يلتزم بالواجبات، ويفعل ما يستطيعه من النوافل، وأما الدنيا فيأخذ منها بما يغنيه عن الناس فلا يحتاج إليهم، لكن من غير تهافت عليها، ومن غير استكثار منها

 

ينبغي للعبد أن تكون له سيرة مرضية، سيرة صحيحة، يلتزم بالواجبات، ويفعل ما يستطيعه من النوافل، وأما الدنيا فيأخذ منها بما يغنيه عن الناس

 

 إلى حد يفضي به إلى شغل القلب، والانقطاع عن طاعة الله -عز وجل-، وقد قال أبو الدرداء -رضي الله تعالى عنه-: "أعوذ بالله من تفرقة القلب، قيل: وما تفرقة القلب؟ قال: أن يوضع لي في كل واد مال"([3]).

فهو مشغول بهذه الأموال الموزعة في بلاد كثيرة، فهو لا يفتأ ولا يفتر من متابعتها، ومن حساباتها وما إلى ذلك، فيشغله هذا كثيراً، ويشتت قلبه وفكره.

فنسأل الله -عز وجل- أن يرزقنا وإياكم اليقين والهدي المستقيم، وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.



[1]- أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح (7/2)، رقم: (5063)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم، (1/80)، رقم: (113).

[2]- أخرجه مسلم، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، (4/2055)، رقم: (2670).

[3]- الزهد لنعيم بن حماد (1/224) رقم: (635).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about