استعرض النسخة الجديدة من الموقع
شرح حديث أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ رضي اللَّهُ عنهُ "إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدي أَثَرَةً فاصْبِرُوا حَتَّى تلقَوْنِي علَى الْحوْضِ"
عدد الزوار : 23341
تاريخ الإضافة : 20 صفر 1426
MP3 : 3926 kb
PDF : 704 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

رياض الصالحين

شرح حديث أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ -رضي الله عنه- "إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدي أَثَرَةً فاصْبِرُوا حَتَّى تلقَوْنِي علَى الْحوْضِ"

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فعن أبي يحيى أسيد بن حضير -رضي الله عنه- أن رجلاً من الأنصار قال: يا رسول الله، ألا تستعملني كما استعملت فلاناً، فقال: ((إنكم ستلقون بعدي أثَرَة ...))([1]) الحديث.

أبو يحيى أسيد بن حضير -رضي الله تعالى عنه-، وقيل في كنيته غير ذلك، كأبي عيسى، وأبي عمرو، وبعضهم يقول: أبو حضير، وغير ذلك من الأقوال.

وأسيد بن حضير -رضي الله عنه- من الأوس، من بني عبد الأشهل، أسلم على يد مصعب بن عمير       -رضي الله تعالى عنه- قبل هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، وشهد بيعة العقبة الثانية، وكان نقيباً على بني عبد الأشهل، فهو -رضي الله تعالى عنه- من خيار الصحابة، وخبره معروف في القصة التي وقعت لعائشة -رضي الله تعالى عنها- لما ذهبت تبحث عن عقد لها قد ضاع، فحُبس الناس على غير ماء، فأرجف من أرجف، وتكلم من تكلم، قالوا: حبُس الناس على غير ماء، وهذا قبل نزول آية التيمم، حتى جاء أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-، وجعل يطعنها في خاصرتها، ويقول: حبست رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والناس معه ليس معهم ماء، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد وضع رأسه ونام على فخذها، فما كانت تتحرك لمكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منها، فأنزل الله آية التيمم، فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر([2])، فهذا هو الفرق بين مواقف المنافقين ومواقف المؤمنين.

فالمقصود أن أسيد بن حضير -رضي الله تعالى عنه- كان من خيار الصحابة -رضي الله عنهم-، وهو ممن أرسله النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما أشيع أن قريظة قد نكثوا العهد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في يوم الأحزاب، فأرسل سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير -رضي الله عنه.

فهو من خيار الصحابة، وكان من أحسنهم قراءة للقرآن، وهو الذي حصل له ما عرفتم من نزول الملائكة لسماع قراءته حينما كان يقرأ وابنه بجانبه نائم، وكانت فرسه تجول، وفوق رأسه مثل الظُّلة، فلما أخبر النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أخبره أن الملائكة نزلت تستمع قراءته -رضي الله عنه([3]).

وروايته عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للحديث ليست كثيرة، المنقول عنه ثمانية عشر حديثاً، اتفق الشيخان البخاري ومسلم على إخراج واحد منها فقط، هو هذا الحديث، وفي البخاري رواية أخرى معلقة له، وباقي الروايات ليست في الصحيحين.

فيذكر -رضي الله عنه- أن رجلاً من الأنصار..، يحتمل أن يكون هذا الرجل هو أسيد بن حضير، وهذا ذكره بعض أهل العلم، ولا مانع من أن يكني الرجل أو أن يبهم نفسه، كأن يقول: سأل رجل النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو يقصد نفسه، قال رجل كذا، فيبهم نفسه.

قوله: "أن رجلاً من الأنصار.." والأنصار هم الأوس والخزرج -رضي الله عنهم-، قيل لهم ذلك لأنهم ناصروا النبي -صلى الله عليه وسلم- ونصروا دين الإسلام، كما قال الله -عز وجل-: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا} [الحشر: 9].

يعني: حسداً مما أعطيه المهاجرون من دون الأنصار، {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9]، فهؤلاء قيل لهم ذلك، ولقبوا بالأنصار.

قال: "يا رسول الله، ألا تستعملني" هذا أسلوب عرض، يعني: هلا استعملتني، ومعنى استعملتني: أي جعلتني عاملاً، بمعنى أنه يوليه ولاية إما على بلد، أو يوليه على عمل من الأعمال، كأن يستعمله على الصدقة مثلاً، كجباية الزكوات، أو نحو ذلك من الأعمال والوظائف والمهام التي يكلها النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى بعض أصحابه.

قال: "كما استعملت فلاناً" "فلاناً" أبهمه في الرواية، وهو قد سمى له شخصاً معيناً، لكن ما أراد أن يذكره هنا لسبب أو لآخر، فقد لا يحسن ذلك في رواية الحديث، فالراوي قد يترك بعض الشيء، ويبهم بعض الأسماء لمصلحة، ويقال: إن هذا الرجل الذي أبهمه هنا هو عمرو بن العاص -رضي الله عنه-، فقد استعمله النبي  -صلى الله عليه وسلم-، كما هو معلوم.

فقال: ((إنكم ستلقون بعدي أثَرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)) هذا خطاب للأنصار، أنهم سيلقون بعده -صلى الله عليه وسلم- أثرة.

والأثرة هي الانفراد بالشيء دون مستحقيه، فيُمنع صاحب الحق، ويستأثر من بيده السلطة أو الولاية أو نحو ذلك بهذا المال.

ووجه الارتباط بين طلب الرجل الولاية، وبين قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: ((إنكم ستلقون بعدي أثرة)) يمكن أن يقال -والله تعالى أعلم-: هذا الرجل سأل ولاية، وبصرف النظر هل ولاه النبي -صلى الله عليه وسلم- أو لا، فناسب أن يذكر النبي –صلى الله عليه وسلم- أمراً سيقع بعد ذلك من الاستئثار دون الأنصار بالمال، وبالولايات، وبالحقوق، وما أشبه ذلك.

فهذا الأنصاري من خيار الأنصار جاء يطلب ولاية، فناسب ذلك أن يذكر له النبي -صلى الله عليه وسلم- أمراً سيقع بعده.

النبي -صلى الله عليه وسلم- هو أكمل الناس هدياً وأحسنهم خلقاً وعملاً وحالاً، ولا يستأثر بشيء دون أصحابه، لكن سيأتي بعده أناس يستأثرون، ولم تحصل الأثرة في عهد الخلفاء الراشدين -رضوان الله عليهم.

((إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)) بمعنى لا يبدر منكم شيء من الخروج على هؤلاء الذين استأثروا دونكم، أو غير ذلك مما لا يليق، وإنما الصبر كما في الحديث السابق.

وعلاقة هذا الحديث بباب الصبر واضحة، وهي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر أمراً يتطلب الصبر؛ لأن الإنسان إذا رأى حقه يضيع، ورأى غيره يسطو عليه، فإن ذلك قد ينفرط معه الصبر، فيتعدى الإنسان طوره، ويأخذ حقه بالطريق غير المشروع، وذلك صريح في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)).

هذا، وأسأل الله -عز وجل- أن يرزقنا وإياكم الصبر والثبات، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.


 

[1] - أخرجه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم- للأنصار: (اصبروا حتى تلقوني على الحوض) (3/1381)، رقم: (3581)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم (3/1474)، رقم: (1845).

[2] - أخرجه البخاري، كتاب التيمم (1/127)، رقم: (327)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب التيمم (1/279)، رقم: (367).

[3] - أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن (4/1916)، رقم: (4730)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب نزول السكينة لقراءة القرآن (1/548)، رقم: (796).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about