استعرض النسخة الجديدة من الموقع
سورة التوبة[5] من قوله تعالى"يأيها الذين ءامنوا" الآية23 إلى قوله تعالى"والله غفور رحيم" الآية27
عدد الزوار : 5271
تاريخ الإضافة : 29 صفر 1428
MP3 : 16210 kb
PDF : 115 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة التوبة من الآية 23 إلى الآية 27

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المفسر -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [سورة التوبة:23-24].

أمر الله تعالى بمباينة الكفار به، وإن كانوا آباءً أو أبناءً، ونهى عن موالاتهم إذا {اسْتَحَبُّوا} أي: اختاروا الكفر على الإيمان، وتوعد على ذلك كما قال تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} الآية [سورة المجادلة:22].

وروى الحافظ أبو بكر البيهقي من حديث عبد الله بن شوذب قال: جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح ينعت له الآلهة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر الجراح قصده ابنه أبو عبيدة فقتله، فأنزل الله فيه هذه الآية: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية([1]).

ثم أمر تعالى رسوله أن يتوعد من آثر أهله وقرابته وعشيرته على الله وعلى رسوله وجهاد في سبيله، فقال: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا} أي: اكتسبتموها وحصلتموها {وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا} أي: تحبونها لطيبها وحسنها، أي: إن كانت هذه الأشياء {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا} أي: فانتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله بكم؛ ولهذا قال: {حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}.

وروى الإمام أحمد عن زهرة بن معبد، عن جده قال: كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال: والله لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال رسول الله  -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه))، فقال عمر: فأنت الآن والله أحب إلي من نفسي، فقال رسول الله: ((الآن يا عمر))([2])، انفرد بإخراجه البخاري.

وروى الإمام أحمد وأبو داود -واللفظ له- عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم))([3]).

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ} أورد المصنف -رحمه الله- ما رواه البيهقي من حديث عبد الله بن شوذب قال: جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح ينعت له الآلهة.... إلى آخره، وفيها أن سبب نزول الآية هو أن أبا عبيدة -رضي الله عنه- قتل أباه في يوم بدر، وهذا لا يثبت ولا يصح، وليس بسبب لنزول الآية، وقوله -تبارك وتعالى-: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ} إلى آخر ما ذكر، في الأولى قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء} والإنسان يتقوى بآبائه ويعتز بهم، ويستنصر بإخوانه؛ فذكر الآباء والإخوان في الموالاة، وفي الآية التي بعدها: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ} العلماء في مثل هذا يذكرون بعض التوجيهات التي من أجلها قدم هذا على هذا، وهذه ليست بقاطعة، ولكن منها ما يكون ظاهراً، ومنها ما يكون خفياً، والكلام فيه لا يخلو من التكلف، ومما ذكر في هذا أن الله -عز وجل- ذكر الآباء أولاً؛ لأنهم أصل الإنسان الذين يعتز بهم، فالإنسان يعتز بآبائه فابتدأ بذكرهم هنا، ثم ذكر الأبناء؛ لأنهم امتداد له ويتفرعون منه، وهم زينة الحياة الدنيا، ولشدة علوق القلب بهم، ثم ذكر الإخوان؛ لأنهم يلونهم في القرب، ولأن الأخ هو الناصر، وذكر بعده الأزواج، فالأزواج عنهن عوض، فلسن كالآباء والأبناء والإخوان، فهؤلاء لا عوض عنهم، وذكر الزوجات من ضمن هؤلاء؛ لأن الإنسان يحب زوجته، ولربما كانت سببا لترك كثير مما أمره الله -عز وجل- به كما قال الله   -تبارك وتعالى-: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [سورة التغابن:14]، وكما ذكرنا من قبل أن هذه العداوة الجالب لها المحبة، فزوجته لربما من شدة محبتها له ثبطته عن كثير من الأعمال الصالحة من الجهاد في سبيل الله، والحج، والعمرة، أو الهجرة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم ذكر العشيرة وهم رهطه وقومه الأدنوْن، قيل: الذين يتفرعون إلى الجد العاشر، عشيرة وهذه اللفظة تدل على المعاشرة والمخالطة، فالناس حينما كانوا مع قبائلهم وفيهم فالذين تكثر مخالطته لهم هم الأقرب إليه من هذه القبيلة، وهم عشيرته، فهذا يدل على كثرة المخالطة والمعاشرة، فهو يحبهم ويأنس بهم، وهم قريبون منه، ثم بعد ذلك ذكر الأموال التي اكتسبوها {وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا}، وأصل الاقتراف الاقتطاع، اقتطاع الشيء من مكانه يقال له: اقتراف، وهذه اللفظة تدل على معنى الدنوّ، فالكاسب والمقترف يُدني هذا المكسب إلى نفسه، ويدخله تحت ملكه، {وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا}، فقدم الأموال التي اقترفوها على التجارة التي يخشون كسادها فالأموال التي حصلوها هي أعلق بقلوبهم من التجارة التي يرجون نفعها فهذا شيء حصلوه فهو بمنزلة رأس المال، وأما التجارة فالمنتظر فيها الربح، ومن غرائب التفسير التي تذكر في هذا ما جاء عن ابن المبارك -رحمه الله- أنه فسر التجارة التي يخشى كسادها بالأخوات والبنات، يعني أنه يهاجر فيترك أخواته أو بناته ثم بعد ذلك لا يتزوجن، وكذلك لربما هاجر معهن فينتقل إلى بلاد يكون غريباً فيها ثم تبقى بناته وأخواته لا يتزوجن، وهذا لا تُحمل عليه الآية، ولا يقال للأخوات والبنات: إنهن تجارة، مع أنه يقال لبقاء البنت أو الأخت التي لم تتزوج، يمكن أن يقال في كلام العرب: إنها كسدت، لكن لا تسمى تجارة، فالله -عز وجل- يقول هنا: {وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا}، ثم بعد ذلك ذكر المساكن التي يرضونها المساكن الطيبة المريحة فهذا آخر هذه الأمور، وما قبله لربما يكون أكثر شغلاً وتعلقا بالقلب منه، هكذا ذكر الحافظ ابن القيم -رحمه الله-، والله تعالى أعلم.

{لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [سورة التوبة:25-27].

قال ابن جُرَيْج، عن مجاهد: هذه أول آية نزلت من سورة براءة.

يذكر تعالى للمؤمنين فضله عليهم وإحسانه لديهم في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله وأن ذلك من عنده تعالى، وبتأييده وتقديره، لا بعَددهم ولا بعُددهم، ونبههم على أن النصر من عنده، سواء قل الجمع أو كثر، فإن يوم حُنين أعجبتهم كثرتهم، ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئا فولوا مدبرين إلا القليل منهم مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم أنزل الله نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه، كما سنبينه -إن شاء الله تعالى- مفصلا ليعلمهم أن النصر من عنده تعالى وحده وبإمداده وإن قل الجمع، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين.

هنا ما نقله عن مجاهد من أن هذه أول آية نزلت من "براءة"، والكلام في أول ما نزل وآخر ما نزل مرجعه إلى النقل ممن شهدوا التنزيل، وبهذا الاعتبار إذا قال التابعي: إن هذه أول آية نزلت فإن هذا يكون له حكم المرسل، والمرسل من أنواع الضعيف، بهذا الاعتبار هذه أول آية نزلت من "براءة"، و"براءة" لم تنزل جملة واحدة، وهذه الآية: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا} من الآيات التي مر ما قد يفهم منه أنها نزلت قبل فتح مكة كما قال الله -عز وجل-: {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ} [سورة التوبة:13-14]، وأما هذه الآية فصريحة أنها نزلت بعد فتح مكة وغزوة حنين، فالله تعالى أعلم، وهنا يقول الله -عز وجل-: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} المواطن جمع موطن وهي مقامات الحرب كيوم بدر وغيرها مما نصر الله -عز وجل- به المسلمين، {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} الرحب هو المكان الواسع، والرحب يعني السعة {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} يعني على سعتها {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ} هذه حال الإنسان المنهزم:

وضاقت الأرضُ حتى ظن هاربهم *** إذا رأى غيرَ شيء ظنه رجلا

فالشاعر يصف حال المنهزمين: حتى ظن هاربهم إذا رأى غير شيء يعني يظن أنه مقاتل أو فارس يطارده،

فهنا ضاقت بما رحبت، والناس يقولون: على الرحب والسعة، والرحب يعني المكان الواسع، يعني لو قالوا: على الرحب -والرحب يعني على السعة والمكان الواسع- فيؤدي نفس المعنى:

فما زلتَ تحسب كلَّ شيء بعدهم *** خيلاً تكر عليهم ورجالا

هذا يصف حال المنهزم.

وقد كانت وقعة: "حُنين" بعد فتح مكة في شوال سنة ثمان من الهجرة، وذلك لما فرغ -عليه السلام- من فتح مكة، وتمهدت أمورها، وأسلم عامة أهلها، وأطلقهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فبلغه أن هوازن جمعوا له ليقاتلوه، وأن أميرهم مالك بن عوف النَّضْري...

"النضري" ليس من بني النضير، وإنما هو مالك بن عوف النضري، وهو قائد هوازن، ومَن جاء معهم من ثقيف، وكان قائدهم غير مالك بن عوف، لكن القائد العام هو مالك بن عوف النضري وإلا فإن مع هوازن من بني عبد ياليل، ومعهم آخرون من بني جشم، وكان معهم قائد كبير عمره مائة وعشرون سنة وهو دريد بن الصمة الشاعر المعروف كان فارساً، وداهيةً، ورجلا مجرباً، ولم يكن فيه غناء من جهة الحرب لضعفه وكبر سنه، وكان أعمى لكن جيء به للانتفاع برأيه، لما جاءوا به سأل عن المكان وسأل عما فعل مالك بن عوف فقيل له: إنه أمر الناس أن يخرجوا بأموالهم ونسائهم وكل شيء، فجعلوا النساء والأطفال خلف الجيش، وجعلوا خلفهم الإبل والبقر والغنم بحيث إن الإنسان يموت دون أهله وماله، فلما قالوا لدريد بن الصمة نبر بنغمة يعني أصدر صوتا من شفته يستهزئ، وقال: راعي غنم، وذكر أن هذا لا يصلح؛ لأن الرجل إذا انهزم فإنه لا يرده شيء، المنهزم لا يلوي على شيء، فمالك بن عوف أبى وهددهم إن لم يقبلوا كلامه أن يقتل نفسه! فالحاصل أنه حصل ما حصل وانهزموا الهزيمة المعروفة وكان دريد يقول:

ليتني فيها جَذَعْ *** أخُبُّ فيها وأضع

لذلك قتل بعد المعركة، أسر ثم ضربت عنقه وهو شيخ كبير أعمى، والسبب أنهم كانوا يستفيدون من رأيه في الحرب، جاءوا به من أجل هذا.

وأن أميرهم مالك بن عوف النَّضْري، ومعه ثقيف بكمالها، وبنو جُشم وبنو سعد بن بكر، وأوزاع من بني هلال، وهم قليل، وناس من بني عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، وقد أقبلوا ومعهم النساء والولدان والشاء والنَّعم، وجاءوا بقَضِّهم وقَضِيضهم فخرج إليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جيشه الذي جاء معه للفتح، وهو عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب، ومعه الذين أسلموا من أهل مكة، وهم الطلقاء في ألفين أيضا، فسار بهم إلى العدو، فالتقوا بواد بين مكة والطائف يقال له: "حنين"، فكانت فيه الوقعة في أول النهار في غلس الصبح، انحدروا في الوادي وقد كمنت فيه هوازن.

حنين في شرق مكة، يبعد عن مكة حوالي "30" كيلو، وأنت متجه من جهة عرفة طريق الطائف إلى مكة تأتيك الشرائع بعد ثلاثين كيلو تقريبا أو "28" كيلو، هناك وادي حنين منسوب إلى قرية هناك وبئر.

فلما تواجهوا لم يشعر المسلمون إلا بهم قد ثاوروهم ورشقوا بالنبال، وأصلتوا السيوف، وحملوا حملة رجل واحد، كما أمرهم ملكهم، فعند ذلك ولى المسلمون مدبرين، كما قال الله -عز وجل.

هؤلاء كانوا رماة عُرفوا بهذا، لا تكاد تخطيء لهم رمية، فجاءت النبال كأنها مطر تزعزعه الريح، والمسلمون على غفلة ما ظنوا أن هؤلاء قد وُجدوا في هذا المكان، وكمنوا لهم في الوادي، فصاروا أمام سيل من مطر من النبال فتقهقرت دوابهم، وتقهقر الناس وانهزموا وما بقي مع النبي -صلى الله عليه وسلم- كما جاء في بعض الروايات إلا تسعة، وقيل غير ذلك، ثم بعد ذلك دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- أهل الشجرة، وأهل سورة البقرة، فعطفوا عليه عطف البقر على أولادها، قالوا: لبيك لبيك، وكان الرجل منهم إن لم يطاوعه بعيره من شدة الهلع من كثرة النبال والرماح والحراب نزل فتركه.

وثبت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو راكب يومئذ بغلته الشهباء يسوقها إلى نحر العدو، والعباس عمه آخذ بركابها الأيمن، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بركابها الأيسر، يثقلانها لئلا تسرع السير، وهو ينوِّه باسمه -عليه الصلاة والسلام-، ويدعو المسلمين إلى الرجعة ويقول: إليَّ يا عباد الله، إليَّ أنا رسول الله"، ويقول في تلك الحال:

أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب

وهذا منتهى الشجاعة، راكب على بغلة لا تحسن الكر والفر، ولا تسرع، بغلة، والبغلة لا تستعمل لمثل هذا للإغارة على العدو أو الخلاص منه والفرار لأنها تدرَك بسرعة، وينوِّه باسمه في هذا الموقف الرهيب، والنبال والناس انهزم الشجعان "12" ألفا انهزموا، وما بقي معه إلا نحو تسعة وهو يقول:

أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب.

وثبت معه من أصحابه قريب من مائة، ومنهم من قال: ثمانون.

والذين ثبتوا في أول الأمر تسعة أو عشرة، وذكر الحافظ في الفتح كلاماً من هذا، وذكر بعض الأبيات التي افتخر بها من افتخر منهم، وكذلك في السيرة لابن هشام وفي غيرها، ثم بعد ذلك تتابع الناس، وتكاثروا، وثبت معه الذين رجعوا لما دعا وقال: يا أصحاب الشجرة يا أصحاب سورة البقرة، جاء معه عدد عشرات من الناس، وثبتوا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتكلم من تكلم ممن خرج في هذه الغزوة ممن هم حدثاء عهد بالإسلام، وبعضهم لم يسلم مثل صفوان بن أمية كان موجوداً في هذه الغزوة، خرج وخرج     أبو سفيان وخرج مُسلمة الفتح، وصفوان خرج ينظر في هذه الغزوة ولم يخرج مقاتلاً، ومعه أخ له لأمه فلما نظر إليهم منهزمين، قال: الآن بطل سحر محمد، والله لا يردهم إلا البحر، فقال له صفوان بن أمية: اسكت قطع الله لسانك، أو قال: فض الله فاك لئن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن، يعني من باب العصبية أن يسودني رجل من قريش أحب إلى من أن يسودني رجل من هوازن ثم بعد ذلك أسلم وحسن إسلامه -رضي الله تعالى عنه.

فمنهم: أبو بكر، وعمر -رضي الله عنهما-، والعباس وعلي، والفضل بن عباس، وأبو سفيان بن الحارث، وأيمن ابن أم أيمن، وأسامة بن زيد، وغيرهم -رضي الله عنهم.

هذا أبو سفيان بن الحارث هو الذي يهجوه حسان بن ثابت كان من أشد الناس عداوة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو من أكثرهم شبها به في الخلقة، الذين يشبهون النبي -صلى الله عليه وسلم- الفضل بن عباس وأبو سفيان بن الحارث، وهوشديد الشبه به، وكان شديد العداوة جداً، والهجاء الذي تعرفونه من كلام حسان   -رضي الله عنه- في هذا وليس في أبي سفيان بن حرب قائد قريش:

ألا أبلغْ أبا سفيان عني *** فإنك مُجوَّفٌ نَخِبٌ هواءُ

أتهجوه ولست له بكفءٍ *** فشرُّكما لخيركما الفداء.

يقصد أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي -صلى الله عليه وسلم.

ثم أمر -صلى الله عليه وسلم- عمه العباس -وكان جهير الصوت- أن ينادي بأعلى صوته: يا أصحاب الشجرة -يعني شجرة بيعة الرضوان، التي بايعه المسلمون من المهاجرين والأنصار تحتها، على ألا يفروا عنه.

هذا هو الراجح: قيل بايعوه على الموت، والراجح أنهم بايعوه أن لا يفروا.

فجعل ينادي بهم: يا أصحاب السمرة، ويقول تارة: يا أصحاب سورة البقرة، فجعلوا يقولون: يا لبيك، يا لبيك، وانعطف الناس فرجعوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حتى إن الرجل منهم إذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع، لبس درعه، ثم انحدر عنه، وأرسله، ورجع بنفسه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلما رجعت شرذمة منهم، عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-...

الشرذمة يعني فئة قليلة، والناس يتوهمون كثيرا أن الشرذمة يعني الطائفة المذمومة، وليس كذلك، مثل كلمة {هَلَكَ} يظنونها تعني المعنى المذموم، وليس ذلك صحيحاً، إنما تعني: فارقَ الدنيا {حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا} [سورة غافر:34].

أمرهم -عليه السلام- أن يصدقوا الحملة، وأخذ قبضة من التراب بعدما دعا ربه واستنصره، وقال: "اللهم انجز لي ما وعدتني" ثم رمى القوم بها، فما بقي إنسان منهم إلا أصابه منها في عينيه وفمه ما شغله عن القتال، ثم انهزموا، فاتبع المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون، وما تراجع بقية الناس إلا والأسارى مجدلة بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

حينما رجعت الطائفة التي هي الخلاصة والصفوة، والتي تربت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحاب الشجرة أصحاب سورة البقرة، كما حصل في حروب الردة في قتال مسيلمة يوم اليمامة تقهقر الناس وانهزموا، فجاء خالد بن الوليد -رضي الله عنه- فكان الأعراب هم الذين في أول الصفوف، فأبعدهم وجاء بأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أهل بدر، فوضعهم في الصفوف الأولى في الصف الأول فانتصروا.

وفي الصحيحين من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب -رضي الله عنهما-، أنه قال له رجل: يا أبا عمارة، أفررتم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين؟، فقال: لكن رسول الله     -صلى الله عليه وسلم- لم يفرّ، إن هوازن كانوا قوما رُمَاة، فلما لقيناهم وحَمَلنا عليهم انهزموا، فأقبل الناس على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، فانهزم الناس، فلقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-   وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام بغلة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- البيضاء، وهو يقول:

أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب([4])

قلت: وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة، إنه في مثل هذا اليوم في حَومة الوَغَى، وقد انكشف عنه جيشه، هو مع ذلك على بغلة وليست سريعة الجري، ولا تصلح لفرٍّ ولا لكرٍّ ولا لهرب، وهو مع هذا أيضًا يركضها إلى وجوههم وينوِّه باسمه ليعرفه من لم يعرفه -صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين-، وما هذا كله إلا ثقة بالله، وتوكلا عليه، وعلمًا منه بأنه سينصره، ويتم ما أرسله به، ويظهر دينه على سائر الأديان؛ ولهذا قال تعالى: {ثُمَّ أَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ} أي: طمأنينته وثباته على رسوله، {وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} أي: الذين معه.

يعني من المحتمل أن الله أنزلها على بقية المؤمنين، على الجيش الذين معه فبعد ذلك حصل لهم الثبات ورجعوا وتتابعوا، ويحتمل أن يكون المراد {وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} يعني الذين رجعوا إليه فصبروا وقاتلوا معه حتى حصل الانتصار.

{وَأَنزلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} وهم الملائكة، كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا القاسم قال: حدثني  الحسن بن عرفة قال: حدثني المعتمر بن سليمان، عن عوف -هو ابن أبي جميلة الأعرابي- قال: سمعت عبد الرحمن مولى ابن بَرْثَن، حدثني رجل كان مع المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين لم يقوموا لنا حَلب شاة، قال: فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم في آثارهم، حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء، فإذا هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: فتلقانا عنده رجال بيض حسان الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا، قال: فانهزمنا، وركبوا أكتافنا، فكانت إياها.

العلماء اختلفوا في قتال الملائكة، والراجح أنه لم يحصل قتال من الملائكة إلا في يوم بدر، وأما ما عدا ذلك من المواطن فكانوا يثبتون المؤمنين، ويقذفون الرعب في قلوب الكافرين.

وقوله: {ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} قد تاب الله على بقية هوازن، وأسلموا وقدِموا عليه مسلمين، ولحقوه وقد قارب مكة عند الجِعرانة، وذلك بعد الوقعة بقريب من عشرين يوما.

يعني قوله: {ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} يحتمل أن يكون المراد {يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [سورة التوبة:102] يعني الذين انهزموا {يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}، فكما قال الله -عز وجل- في الذين انهزموا في يوم أحد أو كادوا {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ} [سورة آل عمران:155]، فهنا {ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} يمكن أن تفسر بهذه الآية، يتوب على من انهزم، والمشهور عند المفسرين -ولعله هو المتبادر والله تعالى أعلم-، أنه لما ذكر هوازن وما حل بهم، ومن جاء معهم وأنه عذبهم قال {ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} يعني منهم، فأسلموا وجاءوا للنبي -صلى الله عليه وسلم- طائعين منقادين وأسلم قائدهم مالك بن عوف النضري لما لجأ إلى حصن الطائف وحاصر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- حصنَ الطائف، ويذكر أهل السير أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كتب إليه سراً ووعده، فالرجل تسلل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الحصن وجاء إليه وأسلم ومدحه بقصيدة.

فعند ذلك خَيَّرهم بين سبيهم وبين أموالهم، فاختاروا سبيهم، وكانوا ستة آلاف أسير ما بين صبي وامرأة.

هم جاءوا للنبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك وتكلموا معه، وذكروا له قصيدة يستعطفونه -صلى الله عليه وسلم- بها، ويذكرون رضاعته عندهم، وما حل بهم من قدر الله -تبارك وتعالى-، وما حصل بهم من البلاء والمصيبة التي نزلت، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- خيرهم بين أزواجهم وأولادهم، وبين أموالهم، فقالوا: خيرتنا بين أموالنا و أحسابنا، أو قالوا: أعراضنا فاختاروا الأولاد والنساء فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بردها إليهم بعدما فُرقت يعني ابن عمر -رضي الله عنه- كان أخذ امرأة، وذهب بها إلى أخواله من أجل أن يصلحوها له فكان يطوف بالبيت وإذا برجل يأتي إليه يشتد ويقول: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد رد إلينا نساءنا وأولادنا.

هو جاء بهم خلف الجيش، كانوا مجتمعين ما يحتاج أن يذهبوا إليهم في بيوتهم، في ميدان المعركة ستة آلاف.

فرده عليهم، وقسم أموالهم بين الغانمين، ونفل أناسا من الطلقاء ليتألف قلوبهم على الإسلام، فأعطاهم مائةً مائةً من الإبل.

يعني أعطى أبا سفيان بن حرب مائة، وأعطى معاوية مائة، وأعطى صفوان مائة، وأعطى رجلا ما بين جبلين غنماً، فكان ذلك سببا لإقبالهم عليه -عليه الصلاة والسلام-، ومحبتهم له حتى قال قائلهم: إنه -صلى الله عليه وسلم- يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.

وكان من جملة من أعطي مائة مالك بن عوف النَّضْري، واستعمله على قومه كما كان، فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها:

ما إنْ رَأيتُ ولا سَمعتُ بمثْلِه *** في النَّاس كُلّهم بمثل مُحَمَّد

أوْفَى وأعْطَى للجزيل إذا اجتُدى *** ومَتى تَشَأ يُخْبرْكَ عَمّا في غَد

هذا البيت غير صحيح، والرجل حديث عهد بالإسلام، فلا يعلم ما في غد إلا الله، وتعرفون خبر الجاريتين كن يقلن:

أتيناكم أتيناكم *** فحيونا نحييكم

ولولا الحبة السمراء *** ما جئنا بواديكم

ثم لما جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- قلن:

*** وفينا نبي يعلم ما في غد

فنهاهن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: لا يعلم ما في الغد إلا الله، وأمرهن أن يَعُدن على ما كن يقلنه من الكلام الأول، فهذا كان حديثَ عهد بالإسلام، مثلما قال حديثو العهد الذين كانوا معه حينما ذهب إلى حنين، ومروا على سدرة فقالوا: ((اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط))([5])، والإنسان في مثل هذه الأمور يعذر بالجهل مثل حديث العهد بالإسلام يعذر بذلك.

وإذَا الكتيبة عَرّدَتْ أنيابها *** بالسَّمْهَريّ وَضَرْبِ كُلّ مُهَنَّد

فَكَأنَّه ليث على أشْبَاله *** وسط الهَبَاءة خَادر في مَرْصَد

وهذا وقع أيضا في نفوس الأنصار -رضي الله عنهم- حينما لم يعطهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ووَكَلهم إلى إيمانهم، فقال بعضهم: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لقي قومه فأعطاهم ولم يعطنا، وسيوفنا ما زالت تقطر من دمائهم، فجمعهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال لهم كلامه المعروف -عليه الصلاة والسلام-: ((يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي وكنتم عالة فأغناكم الله بي؟))، كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمنّ، قال: ((ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله -صلى الله عليه  وسلم؟))، قال كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمنّ، قال: ((لو شئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا، أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي -صلى الله عليه وسلم- إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والناس دثار إنكم ستلقون بعدي أثرةً فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)) ([6]).

 

 

 

 

 


 

[1] - رواه البيهقي في السنن الكبرى، برقم (18291)، وقال: وجعل أبوعبيدة يحيد عنه.

[2] - رواه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي -صلى الله عليه وسلم-، برقم (6257).

[3] - رواه أبو داود، كتاب الإجارة، باب في النهي عن العينة، برقم (3462)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (423).

[4] - رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من قاد دابة غيره في الحرب، برقم (2709).

[5] - رواه الترمذي، كتاب الفتن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء لتركبن سَنن من كان قبلكم، برقم (2180)، وأحمد في المسند، برقم (21897)، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وصححه الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح برقم (5408).

[6] - رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الطائف، برقم (4075)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوى إيمانه، برقم (1061)

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about